نصيحة في مجرى سيل

نصيحة في مجرى سيل

63 2

في إيطاليا ـ مدينة تورينو "

في قعر السواد، جلسَ على عرشٍ بلا تاج، الكرسي الخشبي تحوّل إلى منصّة حكم، والجدران من حوله كانت أتباعه الصامتين.

أشار بإصبعة ليتقدم تابعه وينحني أمامه. مد إليه مجموعة أوراق ثم قال له بصوته الثقيل:

ــ اذهب إلى كالفورنيا، عليك أن توقع على عقد الشراكة بيني وبين الزعيم جيفرسون، أخبرته أني سأرسلك إليه لتكون الرابط المشترك بيني وبينه، احرص على إتمام مُهمتك على أكمل وجه وإياك وأن تُفسد الأمر بطيشك.

(التابع): لكن الزعيم لن يُصافح إلا زعيمًا.

(الزعيم الإيطالي): لاتقلق فقد أخبرت جيفرسون بأنك أخي الذي سينوب عني في عقد الشراكة وهذا إستثناءٌ لك.

(الأخ)مع ابتسامة مُراوغة: لا أستطيع أن أعدك بأني لن أعبث قليلًا!

(الزعيم): اعبث كما يحلو لك ولكن اجعل عبثك بعيدًا عن المُهمة!

انحنى التابع وانحنت معه خُصلاته الكستنائية ثُم غادر تاركًا ظِله يغرق في الظلام.

عودةً إلى واشنطن ـ ـ مدينة سياتل.

كان يوم مدرسي عادي ، خالٍ من المشاكل و التنمر.

عاد كيڤن إلى المنزل وهو مُرهق من يومٍ طويل مملوء بالحصص والأنشطة...

تكلم بصوتٍ عالي: لقد عُدت، سوف أنام قليلًا، أيقظني بعد نصف ساعة وضع حصتي مِن الطعام في المايكرويف!

لم يرد مايكل ولكن ذلك لم يُقلق كيڤن لأنه يعرف أن أخاه غالبًا يسمعه ولا يرد عليه، هذه عادتُه.

بقي نائمًا لمدة ثلاث ساعات وعندما استيقظ شتم:

ــ تبًا! مرت ثلاث ساعات ولم يوقظني، متى سأتعشى؟ ومتى سأكتب؟ ومتى سأدرس؟ ومتى سأعمل على بحث المقال؟

نزل مِن غُرفته وهو يهز الدرج بأقدامه، مِن الواضح أن هذه الأقدام تنوي رفس أحدهم، ومع نزوله وجد مايكل يدخل البيت و يُغلق الباب بيد وباليد الأخرى يُمسك كيس مملوء بالأدوية.

عقد كيڤن حاجبيه بأستغراب وسأله: ما خطب هذه الأدوية كُلها؟

بقي مايكل واقفًا عند الباب لوهلة، يُدلك صدغه، ثم صعد على الدرج ووضع يده على كتف كيڤن وقال:

ــ أعذرني لن أستطيع أن أُعد العشاء اليوم، حضر لنفسك بيضًا مقليًا أو أي شيء أنا لست جائعًا.

ثُم أكمل صعوده، تبعه كيڤن وسأله بقلق:

ــ ما خطبُك؟ من ماذا تُعاني؟

(مايكل): أنا فقط مُصاب بالحُمى بالإضافة رأسي يؤلمُني قليلًا.

(كيڤن): إذا كان هذا فقط فلمَ كُل هذه الأدوية؟!

ضحِك مايكل بخفة وقال: تعرفُني أُحب نفسي كثيرًا.

تنهد كيڤن أثناء مُراقبته لأخيه وهو يدخل غرفته ـ ذهب إلى المطبخ وحضر بيضًا مقليًا وبعض الخُضار المسلوقة، وبعد إنتهائه من تناول العشاء أخذ بإنجاز فروضه ودراستها غير أنه لم يستطع حفظ أو فهم أي شيء. ففِكره بات مشغولًا.

قرر الصعود إلى غرفة مايكل والإطمِئنان عليه ـ قام بفتح الباب بِبُطء حتى لا يصدر صريرًا، وقف أمام سريره فوجده وقد غرق في نومٍ عميق، قرر كيڤن أخذ الأدوية ليعرف مِن ماذا يُعاني مايكل بالضبط، أخذ يبحث عنها وقد ازداد قلقه وهو يسأل نفسه "لمَ قد يقوم بإخفائها؟!"

حصل على إضاءة خفيفة من هاتفه وأخذ يبحث في الخزانة وتحت السرير وداخل الأدراج وكل ذلك دون فائدة، جالت عيناه بالمكان حتى رصد جُزءًا بسيطًا من الكيس.. كان موضوعًا على الرف، ومخفي خلف صندوق خشبي، تناول الكيس بحذر ثم خرج من الغرفة وجعل الباب نصف مُغلق حتى يُعيد الأدوية فيما بعد مِن دون أن يُصدر أي صوت.

جلس على الأريكة ووضع الأدوية والحبوب على المنضدة، الشيء الغريب أن جميع الأدوية لا تمت للحُمى بصلة، الأدوية كانت مُسكنات لآلآم المعدة، الرأس، القولون، العظام، التقرحات.

لا يوجد دواء الحُمى أو حتى دواء الرُشاح ما إن كان قد أُصيب بنزلة برد.

أخذ يُمرر سبابته وإبهامه على ذقنه وبينما هو يفعل ذلك لمح طرف ورقة زهرية داخد علبة إحدى الأدوية، فانتشلها وأقدم على قرأتها.

إفترقت شفتاه، وتوسعت حدقتاه بجزع عندما علم بأن تلك الورقة تنص على أن مايكل مُصابٌ بالإيدز.

غرس أصابعه في فروة شعره ثم أخذ يزف البيت من زاوية إلى زاوية أخرى، يُعيد قراءة ورقة الفحص، ولا يعلم هل هو بذلك يحاول إقناع نفسه بتصديق الفحص أم بتكذيبه.

رمى نفسه على الأريكة بيأس، وذلك بعد أن تغلفت عيناه بطبقةٍ زُجاجيه، بدأ صدره يعلو ويهبط بسرعة مُستوعبًا أنه قد فقد أخاه لتوّه.

تمتم"هذا المرض لا يوجد له علاج!"

الإيدز يجعل الشخص كفريسة مكشوفة أمام قطيع مِن الضباع وتلك الأدوية التي اشتراها ما هي إلا لتخفيف الآلآم التي ستُتبِعُها حملة من جميع الأمراض والتي بدورها ستهجُم على جسدة وتُمزِقه بشراهة.

بقي مُستيقظًا حتى ارتسمت خيوط ذهبية على السماء. غفى مِن السهر ومن كثرة ما أهطلت عيناه البارحة، لم تدم غفوتة خمسة عشر دقيقة حتى استفاق نتيجةً لطرق أحدهم الباب، دعك عينيه ثم نهض بكسل، فتح الباب لتقابله فرونيكا بابتسامةٍ مشرقة.

قالت: صباح الخير.

(كيڤن) ترافقه ابتسامة صغيرة :صباح الخير.

عقدت فرونيكا حاجباها واستفسرت:

ــ لمَ عيناك مُحمرتان؟ هل من خطب؟؟

وضع كيڤن يده خلف رأسه وقال : أنا بخير ، مُجرد إنفلونزا ستمنعني من الذهاب إلى المدرسة.

أخفضت فروني حاجباها بحزن وقالت:

ــ كُنت آمل أن نذهب إلى المدرسة سويًا عندما رأيت أن دراجتك لا تزال في الحديقة، لكن لا بأس أرجو لك الشفاء العاجل، انتبه على نفسك وابقى مُرتاحًا واشرب قهوة ساخنة.

أغمض الآخر عينيه وقال: حاااضر!

ضحكت فروني بخف لتمثيله دور الفتى المطيع ثم قالت:

ــ لاتقلق من ناحية دروس اليوم سوف أُلخصها كلها ثم أعطيك إياها.

(كيڤن): هذا لطفٌ منكِ.

لوحت له بيدها ثم عدّلت خوذتها وولّت إلى المدرسة بدراجتها الهوائية.

بقي كيڤن يتأملها للحظات وهي تبتعد وما إن أصبحت لا تُرى، أغلق الباب ثم استدار، لتقابلة أعين مايكل المُتقدة بالغضب.

بقيت أعيُنهُما في التحام مُباشر ، مرت لحظات والصمت يسود المكان، حرك كيڤن مُقلتيه من مايكل إلى الأدوية وعندما افترقت شفتيه في نية للحديث أخرسه مايكل بصفعة. صفعة أدارت وجهه إلى الخلف فالتحمت عِظام وجهه بالجِدار، صرخ كيڤن بصوت مكظوم ووضع يده على عمود أنفه.

ابتعد مايكل وقام بجمع الأدوية ثُّم مزق ورقة الفحص ورماها في سلة المُهملات بإهمال، نظر إلى كيڤن وقال له بنبرة باردة:

ــ لا تعبث بأشيائي مُجددًا.

توجه كيڤن إلى غرفته وهو ما يزال يضغط عل عظام وجهه، أغلق الباب بُعنف مُعبرًا بذلك عن غضبه وألمه.

توجّه مايكل إلى المطبخ ليحضر الإفطار، وتزامُنًا مع ذلك نظر إلى كفه وقال في نفسه " لم أقصد أن أصفعه بهذه القوة "

بقي كيڤن حابسًا نفسه في غرفته وأظرب عن الطعام، فوضع مايكل طعامه أمام الباب علّه يجوع في أي لحظة ويأكله.

حل المساء والأطباق كما هي، تنهد مايكل وطرق الباب ثلاثًا ... لم يرد عليه، أسند رأسه على الباب وترجى: كيڤن أنـا حقًا آسف!.. أرجوك تناول طعامك !

كيڤن : ........ ، لا إجابة.

زفر مايكل بنفاد صبر وجمع الأطباق، وأثناء نزوله سمع أحدهم يطرق الباب... فتحه ليتضح أن الطارق هي فرونيكا، سألها : مالذي تُريدينه؟

(فروني): أين كيڤن؟

لوى مايكل شفتيه بانزعاج لأن فرونيكا ردت على سؤاله بسؤال، أردفت (فرونيكا) بعد أن لاحظت انزعاجه وقالت:

ــ أردت أن أُعطيه مُلخصات لدروس اليوم.

مد مايكل يده وقال: هو نائم.

أعطته المُلخصات وسألته: هل تحسنت صِحتُه؟

عقد حاجبيه فعقدت حاجبيها وفورًا أدرك أن كيڤن كذب عليها فقال لها: نعم لقد أصبح أفضل حالًا.

(فروني): هل سيستطيع الحضور غدًا ؟؟

(مايكل): نعم.

وعندما اطمئنت أنه سيكون بخير التفتت في نية للمُغادرة ولكن (مايكل) استوقفها عندما قال: شكرًا لأنكِ تهتمين بأخي.

ابتسمت وقالت: هذا لاشيء مُقارنةً باهتمامه بي!

(مايكل): أرجو أن تبقي هكذا.

عقدت حاجبيها لأن نبرته بدت غريبة، فقد شعرت أن الحُزن يتخللُها. بمجرد أن غادرت صعد مُجددًا إلى غُرفة أخيه ثم كلّمه من خلف الباب.

ــ كيڤن، لقد جاءت فرونيكا وأحضرت معها ملخصاتك المدرسية.

فتح الباب، أخذ المُلخصات من يده دون أن ينظر إليه، راح ليغلق الباب مجددًا إلا أن مايكل أدخل قدمه لتكون حائلًا عن ذلك. هُنا فقط إلتقت قزحيتهُما.

تحدّث (مايكل): لا تكُن حساسًا إلى هذه الدرجة!

(كيڤن): لست أنت من شعر بالصفعة لتتحدث عن الحساسية!

(مايكل): لقد اعتذرت لك.

(كيڤن): وهل اعتذارك ضمد وجهي؟؟

تنهد مايكل وحاول المراوغة عن خطأه فقال:

ــ ماكان عليك العبث بخصوصيتي!

(كيڤن) بنبرة صارخة: وهل الإطمئنان على صحتك يُعد عبثًا في خصوصيتك؟؟!

(مايكل): وهل أخذك أغراضًا قُمتُ بتخبئتها لا يُعد انتهاكًا للخصوصية؟؟

(كيڤن): أغراض؟! هي أدوية، لماذا تُخفي عني حقيقة مرضك!

(مايكل): لأني لا أُريدك أن تقلق فأنت دائمًا تُضخم الأمور!

قام كيڤن بشد خُصلات شعره واستفسره:

ــ عن أي تضخيمٍ تتحدث؟ أنت من لايُعطي الأمور قيمتها ، الإيدز مرض فتاك ، قاتل، مُميت ألا تُدرك حجم المُصيبة ؟؟؟!

(مايكل) بنبرة تضجر : قاتل، مُميت، أساسًا أنا أعيش وأعلم بأني سأموت في نهاية المطاف.

(كيڤن): وهل تعتقد أنكَ ستموت مُرتاحًا ؟ سوف تموت بسبب تكالب جميع الأمرض عليك ثم إن حياتك باتت أقصر!

رمى مايكل يديه في الهواء وقال:

ــ آووه هي مُجرد تقرُحات خفيفة وألم طفيف في العظام ، أخبرتك أنك تُضخم الأمور!

نتف كيڤن شعره وصرخ:

ــ أنت لا تفهم! هذه البداية فحسب!!!

أوقف مايكل الجدال بأن لوح يده بإهمال وغادر.

مرت بضعة أيـام وصحة مايكل تتدهور ، كيڤن أصبح يُهمل دروسه وينصرف للأمور المنزلية على الرغم من أن الامتحانات النهائية باتت باتت على الأبواب. مايكل كان يخبر:

ــ ركز على دراستك واترك مهام البيت لي.

ولكن الآخر رفض ذلك، وأصر على العمل، لأنه يعلم جيدًا بأن مايكل يُكابر فحسب.

انتهت الإختبارات، فتفرغ

بالكامل، وسخر وقته للعناية بأخوه.

كان كيڤن يُعدّ الغداء، وضعه على المنضدة ونادى:

ــ هااي!.. مايكل، الطعام جاهز!!

ــ ........

ــ مايكل!

ــ .......

ــ مــايــكــااال!!

ــ .......

جف حلقة دون فائدة، فقرر الصعود إليه وقلبه على جمر، خطوة ثم خطوة بدت أثقل من السابقة وكأنه يمشي على رِمال الصحراء. أمسك مِقبض الباب بيد والأخرى وضعها على خفقان صدره، داهمت عقله الأسئلة " لمَ لم يرد علّي؟ هل مات؟ "

فتح الباب ببطء فأصدرَ صريرًا. استقبلهُ الظلام الدامس، تقدم إلى السرير فوجد أخاه مُتغطٍ بالكامل، سحب البطانية ببطء بينما تزداد وتيرة خفقانة، ومع سحبه للبطانية إلتفت إليه مايكل، زفر كيڤن براحة ثُم قال:

ــ أيُها المعتوه ، لقد جف حلقي وانا أُناديك.

(مايكل): لست جائعًا.

(كيڤن): يكفي أنك رفضت الإفطار، والآن عليك أن تتناول الغداء رُغمًا عن أنفك! تناوله حتى إن كانت شهيتُك معدومة.

تأفَف (مايكل): أُف أُف ... دعني أنـام!

(كيڤن): لقد بقيت نائمًا طوال اليوم! على جسدك أن يتعرض لأشعة الشمس، هيا ولو خمس دقائق فقط!

غير (مايكل) الموضوع وقال: أعطني الإيبوبروفين من على الرف.

(كيڤن): كلا هذا الدواء يجب شربه بعد الأكل حتى لا تهيج معدتُك.

امتعض مايكل ووجه قزحيتيه إلى السقف، همس:

ــ أنا لم أعد أستطيع أن آكُل.

جلس كيڤن على طرف السرير وقال بشجن: هل زادت حِدة التقرحات على حنكِك؟

هز مايكل رأسه بنعم.

(كيڤن): سأهرس لك الأرز وأجعله رطبًا جدًا.

(مايكل): لا داعي لذلك أساسًا بالكاد أستطيع بلع المـاء.

(كيڤن): تبًا لك! عليك أن تأكل حتى وإن آلمك ذلك!

آدار مايكل ظهره وقال: كلا كيڤن!.. هيا فلتذهب.

كلامه إستفز كيڤن فقال له :

ــ أحمق! عليك أن تتحمل نتيجة أفعالك وأن تحاول مُحاربة المرض حتى وإن لم تقدر عليه ، لا تبقى بائسًا هكذا!!!

(مايكل): ........

(كيڤن) بصوت أخفض قليلًا : فقط لو أنك استمعت لنصائحي، أكثر من مرة حذرتُك بشأن هذا المرض.

بقي مايكل على صمته، يُذيب الندم جوفه، لا يُريد الإعتراف والقول " فعلًا كان كلامُك صحيحًا ليتني استمعتُ إليك "

مُنذ أن عرف كيڤن بمرض أخيه بقي يُكرر هذه الجُمل :لقد حذرتُك، لقد أخبرتُك، لقد نصحتُك!

يكاد مايكل يُقسم بأن أُذناه قد أصابها صمم بسبب تكرار كيڤن لهذه الجُمل.

ذهب كيڤن إلى المطبخ وقام بهرس الأرز مع البطاطا ثم صعد ووضعه على الدُرج بجانب سرير مايكل.

(كيڤن): إياك أن أعود والطبق لا يزال كما وضعتُه!

وقبل أن يخرج استوقفه مايكل بسؤال: هل ستشتاق إلي عندما أرحل؟

تحركت تُفاحة آدم الخاصة به، وجه نظره حيث مايكل يجلس على السرير وقال:

ــ توقف عن الفلسفة ، على مايبدو أني سأُعاني منك فترةً طويلة.

ابتسم (مايكل) وقال: أحقًا لن تفتقدني؟

اشاح كيڤن وجهه ثم ابتسم وقال بسُخرية:

ــ على العكس سوف أستطيع تناول البيتزا كل يوم وسوف أصادر ألعاب الڨديو الخاصة بك.

خرج بعد قوله لهذا الكلام، أغلق الباب خلفه، وسرعان ما اجتاحته الوهن، شعر كما لو أن شيئًا عالقًا في حلقه ثم بحرارة تصعد على عمود أنفه، تغليف زيتونيتيه بطبقةٍ زُجاجية، رفع معصمه ومسح أنفه بكُم قميصه التركوازي.

توسعت بؤبؤة عيناه عندما سمع الباب الذي خلفه يُفتح.. لم يلتفت وباشر النزول إلا أن مايكل استوقفه بأن احتضنه مِن الخلف، همس في أُذنه:

ــ أنـا أعلمُ بأنك تتألم.

في هذه اللحظة وضع كيڤن يديه على أذرع أخيه المُلتفة حوله ثُم شهق شهقه خفيفة نتيجةً لكبحه البُكاء.. إلتف إليه ودس وجهه على صدر أخيه ثم أشهج بالبُكاء، بقي مايكل يمسح على شعره تارةً ويُقبل رأسه تارةً أُخرى، تحدث كيڤن من وسط دموعه:

ــ أنا.. لا أستطيع العيش.. مـ.. من دونك!

رد (مايكل): بلى، أنت تستطيع.

بقي كُل مِنهُما مُحتضِنًا الآخر لوقتٍ ليس بالقصير ولم يفصل ذلِك العِنـاق سوى طرق أحدهم البـاب.

(كيڤن): تبًا للنـاس ، ما لذي يُريدُنهُ مِنا؟

(مايكل): علها صديقتُك فرونيكا.

(كيڤن): لا ، فروني قالت أنها ستأتي الساعة الثالثة لندرس سويًـا.

(مايكل): اذهب وألقِ نظرة؟

(كيڤن): حسنًا وأنت اذهب و استلقِ .

ذهب كيڤن ليرى ذلك الزائر وعندما فتح الباب قابلته امرأة طويلة، شقراء، تضع أحمر شفاه فاقع اللون وتمضغ العلكة بشكل مُستفز.

عقد حاجبيه لأنه لايعرفها، سألها : من أنتِ؟

لم ترد عليه وبكل جُرأة دخلت البيت مِن دون أن يسمح لها بذلك. على مايبدو أنها تظن أن هذا المنزل منزل والدها!

وضعت يدها على خصرها ثُم تحدثت بعد أن أصبحت وسط غرفة المعيشة: أين جروي اللطيف ؟؟

(كيڤن) بنبرة غاضبة: وأنـا ما أدراني؟ اذهبي وابحثي عن جروكِ في الشارع!

ابتسمت ورفعت أحد حاجبيها وبيّنت: كُنتُ أتحدث عن مايكل.

في هذه اللحظة ارتكز عِرق على جبينه فقام بسحبها بقوة ودفعها خارج الباب. من يرى الطريقة التي سحبها بها لن يحسبه ولدًا ما يزال في الصف التاسع، وإنما مُصارع صقل ذراعيه في حلبات المُصارعة..

بعد أن أخرجها، صرخ قائلًا: أيتُها العا*ر* فلتذهبي إلى الجحيم! بسببكِ أنتِ وبقية الـ*وا** أخي يُعاني الآن!!

قام بدف الباب في نية لإغلاقه إلا أنها وضعت كعبها على عتبته ليكونَ حائلًا عن ذلك، بيد أن كعبها الرخيص لافرصةَ له أمام دفعة كيڤن..

احتضنت إصبعها الصغيرة إصبعها الكبيرة فتأوهت وأبعدت قدمها... وجدت لسان كعبِها قد قُطع، فقامت بخلعه، ثم مسحت على أصابِعها المُحمرة وشتمت: عليك لـعـ** إبليس!

خطت أقدام كيڤن على الدرج وتزامن مع ذلك أن فتح مايكل باب غرفته وهو يعقد حاجبيه، سأله: من أتى؟؟ وما تلك الضجة؟!

(كيڤن): لقد طردتُه.

لوح مايكل يده باستغراب: من هو؟ ولماذا طردته؟!

(كيڤن): إنهُ أحد زُملائي في المدرسة، أتى ليفتعل مُشكلة لأني رفضت إعطائه الحل أثناء الاختبار.

ابتسم (مايكل) وقال: يالكَ من أناني، لو لم تكُن أخي لكرِهتُك!

دخل كيڤن غرفته التي تُقابل غُرفة أخيه، وقبل أن يُغلق الباب خلفه قال له: أنا لم أُخلفه وأنساه!

ردَّ مايكل في نفسه "دافور وغد "

ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس.

بعد مرور مدة...

في ليلة باردة ازدحمت سماؤها بالغيوم الكئيبة.

خرجت رينا لأستنشاق الهواء، وقررت الذهاب لتناول بعض المأكولات الخفيفة ـ تبِعها كاميرون وقال: اسمحي لي بالذهاب معكِ يا امرأة الساطور.

ردت عليه من دون أن تنظر إليه: تناول الطعام مع شخص آخر يجعل مذاق الأكل ألذ.

أنطلقا بدراجاتهما النارية إلى أقرب محل وطلابا شطائر وعصائر ومقرقشات ...

بعد ذلك خرجا، ورينا لا تزال تمسك بالعصير الذي لم تُنهيهِ بعد ـ صعدا على درج مرتفع لمنزل قديم وذلك لأجل أن يستمتعا بأستنشاق الهواء الذي تزداد وتيرته وبرودته في الأماكن المرتفعة...

وضعت رينا ظهرها على الدرابزين وأسندت مرفقيها عليه بينما تشرب العصير ، في حين يجلس كاميرون على ألأرض مُغمِضًا عينيه بطمأنينة. لم تستمر تلك اللحظات الهادئة فقد قام كاميرون بخطف العصير من بين أنامل رينا ليشربهُ دفعةً واحدة ـ ارتفعت زاوية شفتها بابتسامة خفيفة وقالت:

ــ أنت الوحيد الذي يتخطى حدودة معي ويتصرف بحرية مطلقة، حذارِ... ، حذرته.

أخرج نفسًا هازئًا وقال: هه .. منذ ساعة وأنتِ لم تكمليه، الذنب ليس ذنبي.

رفعت أحد حاجبيها بينما يُردف الآخر: أنا لا أهابك لأني لست جبانًا كالبقية، على مايبدو هم يخافونك كونكِ امرأة الساطور، أما أنا فهذا لايشكل فارقًا عندي.

ردت: آهااا .. هذا ماجعلك تتوتر في المقر ذلك اليوم!

نبس: أنتِ مُخطِئة!

(رينا): لتصحيح كلامك السابق، الجميع يحترمني لكوني قائدتهم وابنة زعيمهم وليس لكوني امرأة الساطور التي يهابها الجميع.

بقي كاميرون صامتًا ثم تقدم إلى الدرابزين بجانب رينا، يأخذ نفسًا عميقًا يملأ بهِ رئتيه ثم يزفره براحة.

(رينا): هيا فلنعد إلى المقر.

تحركت من مكانها في نية للنزول إلا أن كاميرون استوقفها عندما أمسك بمعصمها، نظرت إلى يده التي تمسك بمعصمها ثم وجهت نظرها إلى عينيه، تحدق فيهما بحدة، تدارك كاميرون الوضع وترك معصمها ثم أردف قائلًا: أُريدُ أن أُخبِركِ بشيءٍ مُهم.

رفعت أحد حاجبيها باستغراب ثم قالت:

ــ أنـا أسمعُك!

تنحنح مُنظفًا حُنجرته ثم كور يديه في قبضة وأدخلهُما في جيب بنطالة، أخفض رأسه قليلًا وأردف قائلًا: في الحقيقة أنا .....

بقيت رينا على وضعية الاستغراب: أنت ماذا؟؟

أخرج كاميرون إحدى يديه وفرك فروة شعره بتوتر واضح.. استطرد قائلًا:  أنا...أنا أكون في الحقيقة أنا ....

زفرت رينا بنفاد صبر ثم نبست: ما لعنتُك؟!

أخذ كاميرون نفسًا عميقًا وزفره ثم أردف بسرعة قائلًا:

ــ أنا في الحقيقة مُعجبُُ بك!

اتسعت بؤبؤة عينيها لوهلة ثم تقدمت خطوةً عن الدرجة التي نزلت منها. عقدت مرفقيها إلى صدرها ورفعت ذقنها بكبريـاء ثم سألته: ومـاذا أيضًـا؟؟

فرك كاميرون فروة شعرة مُجددًا، وسألها:

ــ وماذا أيضًا؟

رينا وهي تطرق الأرض بكعب قدمها اليُمنى:

ــ الكلمة الثانية!

ابتسم لتصرفها هذا، فرفع رأسه موجهًا بصره إليها، واستطردَ قائلًا: وأُحبكِ كثيرًا .... يا رينـا.

كان صوتهُ دافئًا خاصتًا عند نُطقِها لاسمها.

ابتسمت بعجرفة، وسألته: وماذا لو رفضتُك؟

امتقع وجهه، وعلت تعابيره خيبةَ الأمل. عقد الصمت لسانة، فأردفت الأُخرى، وعيناها تقدح مكرًا:

ــ لنكن صريحين يا كاميرون..

وأضافت: أنا لم أعرفكَ إلا من الآونةِ الأخيرة.. وأيضًا، ألا تظن بأنك قد تعجّلتَ في كلامك؟؟

أومأ متفهمًا، ونطق بنبرةٍ جافة: معكِ حق. لقد تسرعت.

ثم رمقها، ومر من جانبها مغادرًا مع الخزي الذي ألحقه بنفسه...

قبضت رينا على كتفه، وقالت: لم ننهي كلامنا بعد.

(كاميرون): لم يعد هناك شيءٌ ليُقال.

اعترضت طريقه، ودققت النظر في ملامحه. رفع عسليتيه بتردد.. تصلّب كتفاه تحت أناملها الباردة، فأبعدها كاميرون، وتحدّث بضيقٍ لم يستطع إخفاءه:

ــ لا داعي لهذا يا رينا.. أتفهم رفضكِ جيدًا.

(رينا) وسماويتيها تخترق عسليتيه: ومن قال لكَ بأني قد رفضتُك؟

عقد حاجبيه، وقال: لم أفهم..

ارتخى حاجباها، ولانت ملامح وجهها وهي تقول:

ــ لا يوجد سبب لقبولك.

وأردفت: ولا يوجد سبب لرفضك أيضًا.

اهتز حاجبه بتعجُبٍ، فنطق بنبرةٍ توحي بتملمُلٍ حنق:

ــ وماذا يعني ذلك؟!..

(رينا) مع ابتسامة طفيفة: أن لديك فرصة.

(كاميرون) مقلبًا عينيه: وفي ماذا ستنفع هذه الفرصة؟

أصدرت ضحكة خافته لذلك، فاستفسرته ببراءة:

ــ كاميرون!.. ما بال هذا الحنق كُله؟!

مشى خطوةً إلى الأمام، وقال: أعرف.. أنتِ تحاولين التلاعب بي مدةً أطول.

تحدثت (رينا) من خلفه، ونبرةُ صوتها تسودها الجدية:

ــ أبدًا يا كاميرون!

مشت إلى جانبه، وأردفت قائلة: الأيام ستكون كفيلةً بقبولك.

وأضافت: دعنا نتعرف على بعضنا أكثر.

أراد أن يسألها عن صدق ما تقوله، ولكن سماويتيها كانتا كفيلتين بإجابته.

خطت أقدامهما على الدرج نزولًا، واستطردت رينا قائلةً:

ــ أأنت شجاعٌ بما يكفي لتجاريني في سباق؟!

(كاميرون) بسخرية: طبعًا.

شغّلا المحرك وبدأ السباق الناري ...

أثناء السباق، استفسرته:

ــ منذ متى وأنت تُخفي مشاعرك؟

(كاميرون): ......

(رينا): هيا كاميرون!.. لا تبقى حنقًا كالطفل!

تحدّث (كاميرون): أستصدقينني لو قُلت؟

(رينا): ولِمَ لا؟

(كاميرون) بنبرةٍ عابرة: كان ذلك مُنذ اليوم الأول... عندما جلبكِ القدر إلي.

ابتسمت لتذكرها ذلك اليوم، فهي الأخرى لن تنسى كيف سحب مسدسه وأطلق تلك الرصاصتين..

تمتمت بخفوت: إذن.. عندما جلبني القدر إليك.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (82)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة