ضمّت الغرفة ثلاثة رجال يرتدون بذل كُحلية. أخرج الرئيس ملفًا ووضعه أمام الشرطيين الآخَرَين. تكلّم بصوتٍ أجش:
ــ أوكّل هذه القضية لكما، يجب أن يتم حلها خلال شهر، وإن انقضت المهلة قبل ذلك فعودا إلى مواقعكما.
أجاباه: أمرك سيدي.
ثم تناول الملف صاحب الخصلات النحاسية، قرأت عينيه أول ما دون على الملف.
جريمة قتل السيد جين بمدينة سياتل، هناك أربعة أشخاص مشتبه بهم إلا أن قلة الأدلة أدت إلى عدم معرفة هوية القاتل. أحد المشتبه بهم يقعد في مستشفى هاربورفيو الطبي.
استقام الشرطين وبدأا بتجهيز حقائبهما للسفر ...
في عصر ذلك اليوم... تشابكت فيه أنامل الغيوم والتحمت ببعضها، ذهب كايون ليرى أمه كالمعتاد، إلا أن الباب لم يُفتح.. نادى أُمه ثم جدته لكن لم يأته الرد.
أخرج هاتفه ليتصل بأُمه وعلى غير المعتاد لم يأته الجواب، فقلّب الأرقام واتصل بخالته فرونيكا.
فُتح الخط، وقبل أن ينطق، أخبرته: تعال إلى مشفى هاربورفيو الطبي.
سألها بتلبك: ما الذي حدث؟.. هل أمي بخير؟.. من المريض؟!
اكتفت بأن قالت: تعال بسرعة.
ثم أقفلت الخط..
تسارعت أنفاسه، فشدَّ على صدره وترجى: أرجو ألاَّ تكون أمي.
أثناء شقه للطريق، زرعَ الخوف في صدرة ألف شوكة بذورها الشك، بدأ عقله باسترجاع الأيام الخوالي، وكيف أن وجه أمه كان شاحبًا من دون مرض. هزَّ رأسه مبعثرًا أفكاره وسار إلى داخل المشفى.
تضاربت أنفاسه مع رائحة المطهرات، الهواء مملوء بمشاعر المترقبين لأي خبر طبي يبين مصير أحبائهم.
تراجع كايون إلى الوراء قليلًا عندما هرع الأطباء نحو غرفة الطوارئ جارين معهم عربة بها شخص يصارع بين الحياة والموت.
ارتعدت أوصاله حين خُيّل إليه أنها أمه.
صوت صفارت الأجهزة يصم الآذان، وأنين المرضى يعشعش على زوايا المشفى.
تردد على كايون صدى نواح جدته، فهرول نحو الصوت وكان قلقه في محله، رأى عائلة يوجيني على كراسي الإنتظار ..
(كايون) بجزع: ما الذي حدث لأمي؟!
أفرغت فرونيكا عن صدرها الهواء ثم قالت: لقد صدمتها سيارة.
(كايون) وبالكاد يأخذ نفسًا من بين كلماته: كيف حدث ذلك؟! ومتى؟!.. هل هي بخير؟!. أخبريني!!
(فرونيكا) بنبرة مغمومة: لقد دخلت في غيبوبة، وفقدت الكثير من الدم.
(كايون): أين هي؟!!
أشارت له بإصبعها فهرع نحو الغرفة المقصودة، لسعت حرارة الدموع عينيه حين رآها من الزجاج فقد كانت كالجثة، وجهها أبيض إلى حد الشحوب.
انتصب إلى جانبها قضيب معدني يحمل كيس دم موصل بأنابيب احتوت أوردتها.
امسك بمقبض الباب فشدت فروني على ذراعه وقالت: لم يُسمح لنا بالدخول بعد!
انتزع منها ذراعه وأقدم على فتح الباب، فانتفض ثلاثة أطباء وعزموا على ثنيه عن الدخول، فدخل معهم في اشتباكٍ. صرخ أحد الأطباء عليه: نحن نقدّر وضعك ولكن لا أحد يُسمح له بالدخول!
صرعهم واحدًا تلوَ الآخر، ودعس على كلامهم. توجّه نحو الباب مجددًا ثم توقف، عندما اعترض طريقه شرطي. احتدت تعابير كايون وقال: ابتعد عن طريقي، أُريد رؤية أمي.
(كاميرون) وفي عينيه برودٌ قاتل: سمعت كلام الأطباء على ما أظن.
اختلجت عضلة في فكه ومر من جانبه، فصده كاميرون بأن دفعه من صدره، أردف قائلًا: أي اعتراضٍ آخر وسأخذك معي إلى المخفر.
لو أن عينا كايون بهما ليزر لأحرقت الذي أمامه، غرس أظافره في راحة كفه وأدار ظهره للشرطي، فتقدّم جده ناحيته وحط يده على كتفه، وقال بصوتٍ مهزوز:
ـُـ هدئ من روعك يا بني، يوجيني في حالة حرجة ولا ينقصها أي جراثيم.
ارتخى كتفاه قليلًا، واكتفى بالنظر إلى أُمه من بعيد، سأل خالته بينما يدعك ما بين عينيه:
ــ ما مفاد تقريرها الطبي؟!
(فرونيكا): قال بأنها سـ.. ستفارق الحياة إن لم نجد من يتبرع لها بالدم في أسرع وقتٍ ممكن.
(كايون) بسخط: ولمَ أراكم تجلسون على مقاعد الإنتظار عوضًا عن البحث.
ارتجفت شفتيها وبيّنت: لأن زمرة دمها سالب O
أغمض عينيه، ومسح وجهه بكفه الباردة. أخذ نفسًا ثم زفره،
استطرد سائلًا: ألم تجدوا في المشفى من يمتلك زمرة الدم نفسها؟
(فرونيكا) بحاجبين منخفضين: لا.
(كايون): لا يمكن!.. هذا مستشفى ويجب أن تتوفر فيه أكياس دم لجميع الزمر!
(فرونيكا) بصوتٍ متحشرج:
ــ الطبيب استخدم الكيسين الأخيرين للزمرة السالبة غير أنها لم تكفِ.
(كايون): إذن ماذا نفعل؟.. لا يجب أن نبقى مكتوفي الأيدي!!
(فرونيكا): أجرينا اتصالات لكل من نعرفهم وطلبنا منهم أن يساعدوننا في العثور على متبرع.
(كايون): إذن أعلميني عند حدوث أي جديد.
(فرونيكا): مهلًا!.. إلى أين تذهب؟!
(كايون): إلى البحث عن متبرع!
أخذ كايون يجوب الشوارع ويسأل كل من يمر من أمامه، توجّه نحو رجل يجلس على درج أحد المحلات، شدَّ على ذراع الرجل وهزّه بعنف بينما يقول: أرجوك!.. أعطني دمك!.. أمي ستموت!!
الرجل بنبرة مرتجفة: ماذا دهاك؟!.. أنا لا أفهمك!
(كايون): آه!.. صحيح!.. ما هي زمرة دمك؟!
(الرجل): لماذا؟
(كايون) بصراخ: قُل لي ما هي زمرة دمك؟!!
تجرّع الرجل ريقه وقال: O
(كايون) بأعين متسعة: سالبة؟
الرجل: لا، موجبة.
تركه وانطلق نحو شخصٍ آخر:
ــ أنت!.. أنت!... ما هي زمرة دمك؟
(المسن): لا أذكر يا بني.
(كايون) وقد انتفخت عروق عُنقه: كيف لا تذكر؟!!
(المسن): نسيت يا بني.
لمح عامل توصيل فهرول إليه:
ــ زمرة دمك!.. زمرة دمك؟!
عامل التوصيل: ما بها؟
(كايون): ما هي؟!
العامل: موجب AB
دخل إلى أحد المحلات وراح يسأل وافديه واحدًا تلوَ الآخر، ولسوء حضه كانت أغلب زمر الدم تتراوح بين
موجبO, موجبB, موجبAB
ظلَّ يفتش في الطرقات والأسواق، حتى تصبب جبينه عرقًا وتصلّب كتفاه. أمسك قارورة الماء وشرب ما تبقى فيها. وبينما هو يقعد على دراجته، نوى أن يتصل بصديقه لوثر ليساعده على البحث، وقبل أن يضغط على اسمه جاءه اتصال. صكَّ على أسنانه وقال ممتعضًا: هذا ليس وقتك!
كاد أن يُغلق الاتصال لولا السؤال الذي خطر في باله" هل لو أخبرته سيساعدنا في البحث؟؟.. هو يمتلك الكثير من الأتباع، ولكن..."
مرر إبهامه وأجاب: نعم؟
ــ لديك مهمه.
ــ لن أستطيع المجيئ فأمي...
ــ ماذا؟
ــ لقد تعرّضت لحادث، وفقدت الكثير من الدم، وأنا الآن أبحث عن متبرع.
ــ ..........
كوّر كايون قبضته حتى ابيضت مفاصله، رطّب شفتيه ثم سأله:
ــ هل في علمك عن شخصٍ يمتلك زمرة الدمO-
أغلق الخط.
فشتمه كايون بأقذر الشتائم: الـ****! ابن الـ*****! ما الذي كنت أتوقعه من حقيرٍ مثله؟!!
قام بمكالمة أخرى مع لوثر والذي هرول نحو والديه ليتأكد من زمرة دمهما وعندما عرف بأنها لا تتطابق مع زمرة يوجيني خرج من المنزل ليساعد كايون في البحث.
وما هي إلا لحظاتٌ قليلة من حضور لوثر حتى جاء كايون اتصالٌ من خالته، رمش عدة مرات وخزّ رأسه سؤالان
" هل وجدوا متبرعًا؟!!.. أم أنها قد.. لا!.. لا يمكن! "
Ahed Nasser🍂