على هامش السعادة

على هامش السعادة

22 0

ــ أيمكن لأريج أن تأتِ إلى حفلِ الغد؟

أبعدت ميراي بصرها عن لوثر، ليستقر على كايون، وتسأله:

ــ حفل؟.. أيُ حفل؟!

ــ حفل لعيد ميلاد لوثر.

عقد لوثر حاجبيه مستنكرًا:

ــ عيد ميلادي؟!

حدّجه كايون، ثم رمق أُخته لوسي ليقهقه لوثر ويجاريه في كلامه:

ــ آه.. صحيح، حفل ميلادي!

هتفت لوسي: رائع!

نقّلت ميراي بصرها بينهما، ثم قالت:

ــ لا.

انخفض حاجبا أريج، وسألتها بنبرةٍ منخفضة:

ــ ولكن لماذا؟

تكلّم كايون معترضًا: ولماذا قُلتِ لي بأنكِ سـ....

(ميراي): قلت سأسمح لها بمرافقتكما إن كان ابن فيتالي جيدًا.

(أريج): ولكن لوثر....

(ميراي): لا!.. وحتى وإن سمحت لك بذلك، فلن أسمح لكِ بالذهاب إلى منزل أيٍ منهما.

قلّب كايون عينيه، وقال:

ــ سيقام الحفل في بيت جدي.

(ميراي): وما الدليل على أنه في بيت جدك؟!

ــ يمكنكِ أن تأتِ وتري بنفسك.

أمسكت لوسي بيديها وترجتها:

ــ أرجوكِ، اسمحي لها!

تبصّرت ابنتها، فوجدتها تنظر إلى الأرض كما لو أنها يائسة لا محالة.

أغمصت ميراي عينيها متنهدة، وأردفت قائلة:

ــ سأسمح لها على شرط.

ترقّب الجميع سماعه..

ــ أن أُرافِقَكُم.

(كايون) وهو يُدلِك رقبته: يُمكِنُكِ أن تأتِ أيضًا.

(ميراي): أنا لم أسأل دعوتك!.. سآتِ رُغمًا عن أنفك، أفهمت؟!

زفر، وأومأ برأسه سائمًا.

.

.

في اليوم التالي...

صعدت ميراي إلى غرفة ابنتها لتجدها وقد أفرغت كل ما في دولابها من ملابس.

حدّقت بالثياب المنبوشة بِكُلِ مكانٍ، ثم سألتها:

ــ ماذا؟.. ألم يُعجبكِ شيء؟

رمت نفسها على السرير وقالت متنهدة:

ــ لا. لم أجد شيئًا لأرتديه!

ــ كيف لمَ تجدِ شيئًا!؟ وهذه الملابس ماذا تكون؟!

ــ لا تناسب حفلَ ميلاد!

ــ الحفل ليس حفلَ ميلادكِ أنتِ، فلترتدي أيَ فُستانٍ يُعجِبُك.

نهضت، وحدقت بما حولها من الثياب. التقطت فستانًا ذا لونٍ كُركمي، ورفعته أمام والدتها وقالت:

ــ ما رأيك؟!

ــ كلا، هذا قصير.

ــ ولكنه لا يتجاوز رُكبتاي إلا قليلًا فقط!

ــ مع ذلك لا ترتديه إلا في المنزل!

رمت نفسها على الفراش مجددًا، ثم قالت:

ــ اختاري لي أنتِ إذن.

رفعت ميراي فُستانًا زهريًا، وقالت:

ــ ما رأيكِ في هذا؟

جعدت أنفها ونطقت: يييع.

ــ يييع؟!.. ألستِ أنتِ من أجبرتني على شرائه ذلك اليوم؟!

ــ كُنتُ مُراهقة غبية عندما اشتريت هذا اللون.

تنهدت بنفاد صبر، فقالت:

ــ إذن.. سنرتدي كلتانا فساتيننا الكُحلية.

ــ كلا!.. لقد لبسناهما ثلاث مرات!

ــ وماذا في الأمر؟! ثم إننا لبسناهما في لبنان وليس هُنا!

نفخت أريج خصلات غُرتها الفاحمة عن جبينها، وأجابت على مضض:

ــ حسنًا.

.

.

وصلوا إلى الوجهة المحددة. ترجّلوا من السيارة، ثم رن جرس المنزل الأصفر بضغطة من إصبع لوسي.

استقبلتهم السيدة ساره « والدة يوجيني»

كانت تضع أحمر شفاه فاقع اللون، بينما تُسرح شعرها القصير إلى الخلف بطريقةٍ عصرية قديمة.

عقدت حاجبيها حينما رأت ميراي وأريج، فتقدّمت ميراي لِمُصَافَحتِها، وأفصحت:

ــ ميراي إيلي مارون.

(ساره): سررت بمعرفتك.

(ميراي) مُشيرةً إلى ابنتها: وهذه هي ابنتي، أريج جيهان مارون.

وأردفت: قدمنا بناءً على دعوة حفيدك كايون.

ابتسمت وأشارت لهم بالدخول قائلة:

ــ أهلًا وسهلًا بكم. هيا تفضّلوا من هُنا.

دخلتا وتبعتهما لوسي بعد أن عانقت جدتها والتي قالت:

ــ اشتقت إليكِ يا صغيرة جدتك.

ــ وأنا أيضًا اشتقت إليكِ كثيرًا!

غمغمت ساره بحُزن" بتِ تُشبهين فقيدةَ قلبي كثيرًا"

تقدّم كايون مبتسمًا ومُسلمًا على جدته، وقائلًا:

ــ كيف حالكِ؟

رفعت رأسها عن كتفه وتمتمت:

ــ لقد كبرتَ كثيرًا.

أصدر ضحكةً ساخرة وقال: لقد قُلتِ هذا الشهر الماضي.

مسحت دمعتها قبل أن تسقط، وباحت:

ــ زيارة واحدة في الشهر لا تكفينا يا بُني.

انخفض قليلًا ليُقبِّل رأسها، وليقول:

ــ سنُحاول أن نزوركم أكثر.

وقبلَ أن يُكمِلَ طريقه، أوقفته:

ــ مهلًا يا بُني..

التفت إليها، فتتبع أناملها المجعدة وهي تُغلق زُراري قميصه الأبيض.

أردفت: ألم أقل لكَ في المرة السابقة بأن تُغلق أزرار القميص كُلِها.

رفع عُنقه وقال: آوه هذا ضيِق!

ــ تحمل ولو في المناسبات فقط.

رمق صديقه، وقال: هيا ادخل، ماذا تنتظر.

تقدّم وسلم على ساره، والتي سُعِدت كثيرًا بقدومه.

.

.

في الداخل. كانت ميراي ما تزال مصدومة، لرؤية الصالة وهي تعُجُ بالدُمى والزراكش ذات الألوان الزاهية.

افترقت شفتاها لقول كلامٍ لاذع، سينسف لوثر وسلالته عن بكرةِ أبيها، لولا ارتكاز أريج على أطراف كعبها، وهمسها في أُذُنِ والدتها:

(أريج): الحفلة من أجل لوسيندا، ولكننا أبقيناها مُفاجأة.

رفعت ميراي حاجبيها براحة، وهمهمت: هممم.

فرقعَ كايون القُصاصات الملونة فوق لوسي، فجفلت، وازدادت صدمتها حينما قال مُبتهجًا:

ــ عيدَ ميلادٍ سعيد أُختي!.. ها قد بلغتِ سنَ السادسة!

وبعد برهة من الذهول.. دارت حول نفسها وصاحت:

ــ رائع!!.. عيد ميلادي أنـــا!

الجميع ضحكوا سعادةً لأجلها، بينما ركع كايون على إحدى رُكبتيه ليُمسك بيدها الصغيرة، وليُديرها ببشاشة..

ــ دوري يا زهرتي الصغيرة!

غمرته الساعدة لرؤيته لأُخته وهي مشدوة، فحملته تلك الفضيتين إلى ذكرىً بعيدة. حين أقامت لهُ يوجيني أولَ حفل عيد ميلاد. تذكر دهشته، رأى براءت أُخته وهي تتجسد بهِ في طفلِ الأمس، وكيف أنهُ قد أشهج بالبكاء لحرمانه من الحنان طيلة حياته في ذلك الميتم.

قفزت لوسيندا إلى حجره، مُعانقةً إياهُ بقوة. قرعت فرونيكا كأس عصيرها بكأس لوثر، وسألته هامسة بينما زُجاجيتيها تواصل التحديق بأريج من بعيد:

ــ تلكِ هي أريج...

أجاب مبتسمًا: بلى.

ــ تبدو في الحقيقة أجمل من الصور.

ــ فعلًا.

تمتمت، بنبرةٍ ماكرة: أترى ما أراه؟

ردَّ عليها بنبرةٍ لعوبة: عيناها تبرُقُان عندما تنظر إليه.

ــ وماذا عنه؟.. أيُظهر أي شيء تجاهها؟

ــ آوه. طبعًا ولكنه لا يعترف.

سألته قبل أن تُقرِّب الكأس من شفتيها:

ــ والتي بجانبها، هل هي قريبتُها؟

ــ نعم. إنها والدتها. ميراي مارون.

وعلى ذكرها، تحركت خضراوتيها مُستقرةً عليهما.

توقفا عن التحديق، وهمست فروني:

ــ أتظنها سمعتنا؟

ــ لا، مجرد صدفه، بيد أن لها حدسًا قويًا.

ــ حدسًا قويًا؟

ــ نعم، لهذا ينصحني كايون بأن أحذرَ منها.

ــ ولمَ تحذر؟

قهقه، وحك شعره قائلًا: ما من شيء، فقط يُحذِرُني من أن يزلَ لساني بكلمةٍ سيئة.

اكتفت بالهمهمة، فتنهد الآخر بخفوت، وأكمل شرابه.

.

.

بعد يومين...

بيـب بيـــــب...

علا صوت أريج من نافذة المنزل:

ــ أنــا قـــادمــة!

لمحتـها ميراي وهي مستعجلة، فلحقت بها إلى عتبة الباب وقالت:

ــ انتظري، أريج.

ــ ماذا؟

تحدّثت بينما تُلملم خُصلات ابنتها وترفعها على شكل ذيلِ الحصان:

ــ بما أنكِ ستذهبين إلى حديقة الملاهي فمن الأفضل ربطُ شعرِكِ حتى لا يُعيقكِ أثناء اللعب.

بـــيـــب بـيـيــــب...

التفتت، وطبعت قُبلةً سريعة على خدها وقالت: شكرًا لكِ أُمي.

تجلّت ابتسامةٌ طفيفةٌ على شفتيها، فتمتمت: فلتحظي بوقتٍ مُمتع.

داخل السيارة...

أمسك كايون بيدي لوسي، ووبخها:

ــ قُلتُ لكِ يكفي!.. لا تضغطي على الزر!

ــ أنا أفعل هذا حتى تأتي أريج بُسرعة!

تدخَّلَ لوثر، وحمل لوسيندا إلى حجره:

ــ سوف تُربكينها.

فتتحت أريج الباب، وأطلت عليهم بابتسامةٍ عذبة، واعتذرت:

ــ آسفة. تأخرت.

نفى لوثر برأسه بينما قام كايون بتقليب ما بدرج السيارة عبثًا، غير مدرك لمَ يفعل هذا من الأساس!.. تحمحمَ وقال:

ــ كلا، لم تتأخري. لوسيندا من كانت مستعجلة.

صفقت لوسي بيديها وهتفت: أنا مُتحمسة!

جلست أريج بجانبها وبجانب لوثر في المقعد الخلفي للسائق، وشغّل كايون نغمةً هادئة، وأردف قائلًا:

ــ تأكدوا من ربطكم للأحزمة.

.

.

امتطت لوسي أحد أحصنة اليونيكور، فقهقهت بسعادةٍ غامرة.

بدأت عجلة الأحصنة بالدوران فتشبثت جيدًا بينما تُبقي وجهها مصوبًا نحو كاميرات البقية.

تراجع لوثر خطوتين للوراء وهتف:

ــ لوسي!.. أرفعي إصبعيكِ بإشارة سلام.

أدخل كايون هاتفه في جيبه بعد أن التقط بعض الصور، ووجّه بصره إلى أريج المنهمكة بالتصوير. تبصّرها لمدة، ثم اقترب منها قليلًا وسأل:

ــ أريج..

التقت سوداوتيها بزرقاوتيه، وأصدرت همهمة مُتسائلة:

ــ همم؟

انعكست أضواء الألعاب على مُقلتيها، ولم يلحظ أيٌ منهما أن الصمت قد امتدَ بينهما لفترة. كانت صرخات الناس وضحكات الأطفال مُشتتةً للحظة، مما جعلهما يرمُشان، ويسرع كايون بقول شيءٍ ما، وقد أعاد بصره نحو أُخته:

ــ إذن.. ما هي الألعاب التي ترغبين بلعبها؟

أشرق وجهها وأشارت نحو لُعبة القطار السريع ببهجةٍ ساذجة.

رمق صديقه لوثر، فناده وأعلمه عن وجهتهم الأولى في حديقة الألعاب.

خطَّ نحو لوسي، وأعلمها: سنذهب إلى القطار السريع، وأنتِ ابقي هنا ريثما نعود.

ــ كلا! أنا أريد أركبه أيضًا.

ــ هو للكبار فقط.

وأردف بعد أن أدار ظهره: ابقي هُنا.

جلسوا على المقعد الأول من القطار، وأريج تتوسطهما. تشبثت بالمقابض جيدًا، وصفَّرَ لوثر مع انطلاقهم بِسُرعَةٍ كالرصاص.

كانت هذه اللحظة هي لحظةُ الندم بالنسبةِ لأريج، فقد انقلبت أمعاؤها، وتشنجت يداها من شدة الضغط.

صرخت بملىءِ شدقيها وقد جفَ حلقُها بالكامل:

ــ أوقِفـوا هـــذا !!

كاد لوثر أن يختنق بالهواء لفرط الضحك، بينما كايون يُحدق بالأسفل من ناحيته، ومن يرى ملامح وجهه سيجزم بأنهُ قد جُرَ إلى هذا المكان رُغمًا عن أنفه.

انقلب القطار حول الإفعوانية، فشهقت أريج وكأن روحها كادت أن تُغادر جسدها، فافترست لوثر بأظافرها وأحكمت وثاق نفسها عليه...

سألها (لوثر): لمَ أنتِ خائفة إلى هذه الدرجة؟!

ردّت عليه وهي مُغمِضةٌ لعينيها: لـ.. لأني أخاف المُرتفعات كثيرًا!

ــ ولمَ صعدتِ إلى القطار إذن؟!

ــ لأنـي غبيــة!

لم يستطع أن يمنع نفسه من الضحك، فطوقها بإحدى ذراعيه، وهمس قُرابة أُذُنِها:

ــ لا تسمحي لخوفكِ بأن يهزمك.

ــ أنا مهزومة منذ زمن.

عض كايون على شفته في محاولة فاشلة لكتم ضحكته، في حين يُقهقه لوثر بلا هوادة.

توقف القطار أخيرًا، وترجّلوا من عليه، غير أن خطوات أريج كانت أشبه بخطوات السكارى.

تمتم لوثر: توخي الحذر.

أمسكت برأسها بسبب الصُداع الحاد الذي اخترقَ جُمجُمتها. ترنحت وفقدت توازنها، لرؤيتها للأرض وهي تتأرج تحت قدميها.

ــ لا!.. أريج!

صرخ لوثر واندفع نحوها حيث كان ما يزال على عتبةِ باب القطار. كان كايون الأقرب منها، فالتفت، ولفَّ يديه حولها قبلَ أن تسقُطَ على التُراب.

حملها إلى تحت إحدى الأشجار حيثُ الظلِ المُزخرفِ تحتها. طلب من لوثر إحضار ماءٍ بارد فأسرع في الذهاب، وأثناء انتظار كايون له، رمش قليلًا، ثم تسمّر في وجهها الذي تنقُشهُ الظلال. ابتلع ريقه، وبتردُد.. أزاح غُرتها الفاحمة عن جبينها مُتحسسًا حرارتها.

كانت طبيعية، مما دفعه لأن يُغمغم " حرارتها طبيعية. إذن، ربما هي تُعاني من فقر الدم"

انغمس في تخليل شعرها حتى نسي ما هو عليه. قفز قلبه، وأبعد يده عن رأسها عندما جاءهُ صوت أحدهم من خلف الشجرة:

ــ ماذا حدثَ لأريـج!!؟

تنهد براحة، وأجاب: هي نائمة.

سألته لوسي بقلق: تنام هُنـا؟؟

ــ لقد تعبت من اللعب وأرادت النوم.

أردف: صحيح، كانت تريد تناول المثلجات. خُذي محفظتي ولتشتري لنا الأربعة.

ابتسمت، وأخذت المحفظة، وقالت: ألا بأس بأن أشتري أمورًا إضافية؟؟

ابتسم واستفسر: أمورًا إضافية، أم ألعابًا إضافية؟؟

قهقهت وقالت: نفس الشيء.

ــ حسنًا، ولكن لا تتعبثي بها كُلها.

ــ عُلِم!

قلَّدت الجُندي، ثم نقعت الأرضَ خلفها، وجاء لوثر...

علا صوت رنة من هاتف أريج، فأقدم لوثر على فتح الحقيبة بينما يقول:

ــ أهذا يصح؟

أجابه الآخر: نعم، فقد تكون ميراي.

وبالفعل، كانت ميراي..

لثّم فمه، وتمتم بتوجس: ماذا سنفعل؟!

ــ ناولني الهاتف.

أعطاهُ إياه، واقترب منه ليسمع فحوى المُكالمة:

ــ أريج، أكلُ شيءٍ على ما يُرام؟

ــ نعـم.

عقدت حاجبيها، واستفسرت:

ــ كايـون؟!

ــ نعـم؟

ــ عليك اللـعـ**! ماذا يفعل هاتف ابنتي معك؟!

وأردفت: أين ابنتي!؟

قلّب عينيه وأجاب: في الحمام.

ــ ولمَ هي في الحمام؟!

تنهد، ثم قال: لترقص.

ــ ترقص؟.. ولمَ قد تفعل ذلك في الحمام؟!

ــ اسألي نفسك.

ــ أتستهزء بي؟!

ردّ بنبرةٍَ مُتململة: ربما.

وجهت له قذيفة من الشتائم، فسحب لوثر الهاتف منه، وتحدّث معها:

ــ المعذرة سيدتي، لا تُلقي لهُ بالًا. أريج ستأتي خلال خمس دقائق.

هدأت، وهمست: لوثر..

عقد حاجبيه، وأجاب: هل من خطب؟

ــ لا، لا شيء.

صمتت لمدة، ثم أردفت: ابنتي بخير؟

ــ بلى، دقائق قليلة وستأتي.

ــ هل التقطتم بعضًا من الصور؟

ــ نعم.

ــ جيد.

امتد الصمت، فاستطرد لوثر بتردد:

ــ آ.. حسنًا. إلى اللقاء على ما أظن.

ــ مهلًا...

أتبعت كلامها: بعد أن تنتهوا من اللعب، تعالوا جميعًا إلى منزلي.

ــ حـ.. حسنًا.

انقطع الاتصال، فأعاد الهاتف حيثُ كان، ومن ثم قام بتوبيخ صديقه:

ــ كانَ عليكَ أن تُهدِئه لا أن تُغضِبها!

ــ أسئلتها مستفزة، فلا تلمني.

رشَّ لوثر رشةً على وجهها، فعقدت حاجبيها لبرهة، وشيئًا فشيئًا حتى استعادت وعيها.

اتسعت حدقتها حينما استُقبِلتا بوجه كايون.

انتفضت من مكانها، فابتعدت عنه، ليردف كايون بسخرية:

ــ ماذا؟.. هل رأيتِ وحشًا؟

قطب لوثر حاجبيه، ونهره: اخرس!.. من الطبيعي أن تُصدم بعد فقدانها للوعي!

قامت بتدليك صدغها، وأسقطت بصرها إلى الأرض عند قولها:

ــ المعذرة. كنت متوترة فقط.

رطّب شفتيه، ثم نهض وقال بلا مُبالاة: هيا، دعونا نرى أين ذهبت لوسي.

ساعدها لوثر على النهوض، بينما يشتُمه:

ــ يالكَ من مُهمل!.. كيف تسمح لها بالتسكُعِ لوحدها؟!

ألقى لهما ظهره، وقال: ليس وكأن هذه هي المرةُ الأولى التي أصطحبها إلى هُنا، بلإضافة إلى أن هناك كاميرات بكُلِ مكان.

.

.

بعد ربع ساعة من البحث، بدأ الرُعب بطرقِ فؤاد كايون...

شرع بالهرولة في كُلِ مكان، وبتبادل الاتصالات بينه وبين لوثر، ولكنهم لم يجدوها.

ــ ليست هُنا!

ــ وأنا لم أجدها هُنـا!

توجهوا نحو أحد المسؤولين لرؤية ما سجّلته الكاميرات.

توقفوا عند آخر ظهورٍ لها، حين ذهبت نحو خيمةِ الاستعراض، وهنا كاد كايون أن يفقد رُشده، لولا أن أمسك لوثر بكتفه، وطمأنه:

ــ دعنا نرى.

أخذ العرق مجراه على جبهته، وجميعهم ينظر بأعيُنٍ جاحظة.

رأوا لوسيندا تخرج من الخيمة، وبيدها زي مُهرج.

ارتدته بصعوبة، وبدأت بالتجوال، وبالسير خلف كايون بصمت، أين كان يصرخ ويناجي باسمها حتى ظنه الناس مجنونًا.

انقبض فكه، واحمرت عيناه وهو يرمق المهرج الصغير الذي يقفُ بجانبه.

قهقه المهرج قهقهةً ناعمة، ثم تحول إلى ضحكٍ هستيري أودى بها إلى الأرض.

اشتعلت عينا لوثر وكايون بالغضب، في حين جلست أريج بالقرب من المهرج ونزعت عن وجهه القناع.

ــ كُنتم مُضحِكون!!

هتفت لوسي وهي تضغط على بطنها لفرط الضحك.

عاتبتها أريج، وقد تراجع الخوف عن وجهها:

ــ لمَ فعلتِ بنا هذا؟.. الأمر لم يكُن مُضحكًا أبدًا!

وأردفت: لقد حولتِ نزهتنا إلى توتُرٍ وخوف.

تلاشت ضحكتها ببُطء، حتى لمحت أخوها خارجًا، ومُتمتمًا: انتهت النزهة.

لوهلة شعرت بالندم، أدركت خطأها الفادح، فأخوها لم يضحك معها، ولم يسألها عمّا إذا كانت قد أخذت كفايتها من اللعب، ولم يحملها على كتفيه كما جرت العادة.

طأطأت رأسها، فأمسكت أريج بيدها، ولحقا بالبقية.

بعد مدة من المسير، تحدّث لوثر من المقعد الأمامي بجانب صديقه:

ــ والدة أريج طلبت منا التوجُّهَ إليها جميعًا.

تكلّم الآخر دون أن تحيد عيناه عن الطريق:

ــ لستُ في مزاجٍ يسمح لي بمُقابلتها.

وأردف: فلتذهب أنت، فلا بدَّ من أنها تُريد إقامة جلسة تحقيق.

بصق الكلمات بتهكم، ولم يرَ كيف أن أريج قد شدّت على قبضة يدها الممسكة بحزام الأمان.

وجّهت بصرها نحو الزُجاج المُظلل، ونطقت بنبرةٍ لا تخلو من الحنق:

ــ من يُرد أن يأتِ فليفعل، ومن لم يُرد فهو حُر. أمي لن تُجبِرَ أحدًا على شيء.

لا تعليق. فقط نظرة خاطفة لزرقاوتين من خلال المرآة الأمامية للسيارة.

ثم...

ترجّلت أريج، فلوثر، وأكمل البقية طريقهم إلى المنزل.

راحت عيناه نحو المرآة الأمامية مجددًا ليرى لوسيندا وهي تنظر إليه مُسبقًا.. أعاد بصره إلى الطريق، ونطقت لوسي بنبرةٍ تقطُرُ ندمًا:

ــ أخي.. أنا حقًا آسفة.

وكما هو الحال معه، دائمًا ما تغلبه كلمة أخي، بيدِ أنه قاوم ذلك هذهِ المرة، واستمرَ في صمته.

تجعّد ذقن لوسي لزمها لشفتيها، وترقرقت الدموع في عينيها. استطردت باكية:

ــ أنا.. أنا آسفة!.. أرجوك سامحني!

بقيَ على وضعية الصامت، فنهضت من مقعدها وكمشت أناملها الصغيرة على كتفه وأشهجت مرددة:

ــ آسفة!.. آسفة!.. أرجوك رُدَّ عليَّ!

تنهد، وأوقف السيارة. أخذها إلى حُضنه، فعانقته بقوة ونطقت: آسفـة..

مسَّدَ شعرها، وهمس لها:

ــ عديني بأنكِ لن تُعيديها ثانيةً.

مسحت دموعها بسترته، ورددت: أعدك.. أعدك..

لانت عيناه أكثر، وهمس مُعاتبًا:

ــ كُنتِ خلفي في كل خطوة، فكيف استطعتي تجاهل جزعي وندائي؟

ــ آسفة!.. كُنت.. أريد أن أُفاجئك.

سمح لرئتيه أن تُفضيا ما بجوفه، فضمّها إليه أكثر، وقبَّلَ رأسها بحنانٍ خالطة الوهن.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (82)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة