سخرية مزدوجة

سخرية مزدوجة

41 1

العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.

قبل أن يتهيأ ميلڤين إلى السفر ، استدعى الدون ليڤينو إلى مكتبه بعد أن نسي أمره في الفترةِ الماضية، وكعادة لويجي دخل مع ابتسامته الساخرة، جلس على الكرسي المقابل لميلڤين، وقد كان الفاصل بينهما هي تلك الطاولة السوداء ...

تحدث الدون ليڤينو: هل الأمر مهمٌ للدرجةِ التي تستوجب حضوري؟

(ميلڤين): الأمر ليس مهمًا إلى تلك الدرجة.

أخفى(لويجي) امتعاضه وقال: حسنًا ... أنت ستخبرني على أيةِ حال.

تحدث ميلڤين بينما يثقب أعين الذي أمامه:

ــ تعلم جيدًا بأن عهد الزعيم جيفرسون قد ولى، والمافيا الآن أصبحت في عُهدتي، فهل ما تزال مصرًا على التحالف معنا؟

أجابه بنبرة لا تمت للاهتمام بصلة:

ــ نعم، فعندما تحالفت مع الزعيم جيفرسون، كان تحالفي مع المافيا بأكملها.

أخرج ميلڤين ورقة من دُرج مكتبه ووضعها أمام لويجي. قال بصوتٍ رتيب:

ــ عقدك السابق كان مع الزعيم جيفرسون، والآن يتحتم عليك أن تبرم العقد من جديدٍ معي.

ارتفعت زاوية شفته بسخرية أكبر ثم قال: بالطبع، ولمَ لا!

(ميلڤين): حسنًا وبما أنك موافق، وقع بدمك رجاءً حتى يطمئن قلبي.

سخرية ميلڤين كانت واضحة كوضوح الشمس، سقطت ابتسامة الدون ليڤينو بيد أنه قد تدارك ذلك وكبت انزعاجه حين أخرج نفسًا هازئًا مع ابتسامة خفيفة للغاية. عضّ إبهامه وبصّمَ بدمه وأثناء قيامه بذلك قال:

ــ سلامة قلبك.

رد عليه بسخرية، بينما ميلڤين يمسح على لحيته وينظر للذي أمامه بسخرية مزدوجة.

نهض لويجي بعد أن انتهى، نظر إلى ساعته ومن ثم قال:

ــ أهناك شيءٌ آخر يأمر به حضرتُك؟!

أخذ ميلڤين الورقة ومن دون أن ينظر إليه، قال له:

أغلق الباب خلفك.

خرج لويجي، وبالفعل أغلق الباب خلفه، تجهم وجهه وأسقط قناع السخرية. عاد إلى منزله كبركانٍ خامد يجاهد ألَّا ينفجر، جلس على الأريكة بينما يحدج نقطةً عمياء ويشبك أصابعه بقوة.

رمقته جيسيكا أثناء تسريحها لشعر ابنتها على شكل ذيل حصان. قفزت فابيولا من حجر والدتها، وهرولت نحو لويجي. جلست على حجره وسألته بحماس:

ــ أبي!..هل أحضرت لعبة المكياج خاصتي؟!

أغمض لويجي عيناه، محاولًا بذلك حبس غضبه. أنزلها من على حجره بهدوء ثم قال لها من بين أسنانه المصكوكة:

ــ فابي!..أنا غاضبٌ جدًا!..ومن الأفضل لكِ ألَّا تسأليني عن لعبتكِ الآن!

قضبت الصغيرة حاجبيها وعادت إلى أُمها ..

نظرت جيسيكا إلى لويجي بحاجبٍ مرفوع، أعادت بصرها إلى فابيولا عندما سمعتها تصرخ:

ــ أمي!.. أخبري هذا البقرة أن يعطيني لعبتي!!

(جيسيكا) بجدية: لا تقولي هذا عن والدك!

نبست: بل بقرتان!

وبعد قولها ذلك، ركضت نحو غرفتها ثم أقفلت الباب على نفسها وشرعت في البُكاء ...

استقامت جيسيكا، وتقدمت نحو لويجي عاقدةً ذراعيها إلى صدرها، رأت تعابيره المتجهمة فسألته بعدم تصديق:

ــ لويجي!.. أأنت حقًا غاضب؟!

لم ينظر إليها ولم يُجبها واكتفى بأن أخرج نفسًا حارًا من بين شفتيه. عضّت الأخرى على إصبعها محاولةً بذلك إخفاء ضحكتها، وما هي إلا لحظات حتى قالت له كلامًا استفزه:

ــ لماذا الحمار الوحشي لونه أسود وأبيض؟!

دف الطاولة التي أمامه واستقام صارخًا: كفى!!.. لا تجعليني أنفجر!

حسنًا ... لقد انفجر للتو ... رمشت جيسيكا عدة مرات في حين غادر لويجي المنزل. تساءلت جيسيكا في نفسها"من يا تُراه جعل بشوشي غاضبًا؟!"

ثم قهقهت قائلة: غير معقول.

ولاية كاليفورنيا ـ ـ مقاطعة لوس أنجلوس ـ ـ منطقة ألتادينا/باسادينا.

أفلت شمسُ الصباح، حين توجهت المديرة نحو القبو، فتحت الباب لتصطدم أشعة الشمس برأسيهما، حدّق لوثر بالمديرة بينما يُضيّق على عينيه، أومأت له هيليناث، فنهض وأسند آرثر على كتفه، وبمجرد أن خرجا، فتحت المديرة فمها لتقول كلامًا هازئًا:

ــ أستُعيد فعلتك يا آرثر؟

(آرثر): ....

كان التجاهل إجابته، إلا أن صديقه لوثر أجاب عليها عوضًا عنه: لن يُعيدها.

وبعد أن قال ذلك، رمت عليه قميصًا أزرق وقالت: ساعده على ارتدائه.

ليس وكأنها طيبة، هي تعلم بأن لمسة خفيفة ستكون مؤلمه لآرثر، فجروحه باتت ملتصقة بقميصة الممزق.

لم يُسمح لآرثر بأن يرتاح طوال اليوم، لأنهم أجبروه على العمل ... وحين علم لوثر بذلك، قام بالتمويه عنه وأنجز جميع أعماله حتى يتسنى للآخر أن يرتاح ...

في اليوم التالي ــ توجه ميلڤين إلى لوس أنجلوس، لأجل أن يستلم الأسلحة. قام بتخبئتها في شاحنة غذائية، ولأنه قد جاء إلى هذه المدينة بنفسه، قرر أن يتبنى الطفل منها، توجه نحو مقاطعة لوس أنجلوس، قاصدًا تبني طفلٍ من أحد ملاجئ الأيتام ...

فتحوا له البوابة، وأرشدوه نحو مكتب المديرة، استقامت المديرة ورحبت به بحرارة، فمعطفه الأسود وبذلته الفارهة نبأاها بأن الذي أمامها شخصٌ ثري ...

(المديرة هيليناث): أهلًا سيدي، لقد أنار الميتم بحضورك.

كان من المفترض أن يبتسم أو أن يجاملها على الأقل، غير أنه قد دخل في صُلب الموضوع مُباشرةً:

ــ أُريد أن أتبنى طفلًا في الخامسة أو السادسة من عمره.

ابتسمت المديرة وقالت: قبل ذلك يا سيدي، هل يُمكِنُك أن تُعرف عن نفسك؟

(ميلڤين): لم آتي إلى هنا لأجل التعارف.

زمت المديرة شفتيها وأمالت رأسها قليلًا ثم قالت: حسنًا، كما تشاء، ويُسعِدُني أنك تُريد أن تتبنى طفلًا من ميتمي، ولكن يؤسِفُني القول بأنني لن أستطيع تلبية طلبك.

(ميلڤين): ماذا تعنين؟

(المديرة): قوانين الميتم لا تسمح بتبني الأطفال تبنيًا كاملًا إلا إن وصلت أعمارهم إلى الخامسةِ عشرًا.

(ميلڤين): ولماذا الخامسة عشرًا بالتحديد؟

(المديرة): حتى نتأكد من أن أسرة الطفل لن تعود لأخذه، وهكذا يمكن لأي شخصٍ أن يتبناه بشكلٍ رسمي، أمّا إن أردت أن تتبناه بعمرٍ أصغر فتبنيك له سيكون مؤقتًا حتى تعود أُسرته الحقيقية وتأخذه.

تنهد، ثم أمسك بحقيبته السوداء ووضعها على المنضدة، رفعت المديرة أحد حاجبيها، بينما قام الآخر بفتحها ليكشف عن محتواها ...

وبينما هو يفعل ذلك، رمق المديرة، ليعرف ما إن كانت من الأشخاص الذين يُشتروا بالمال، وبالفعل كان ظنه في محله، لأن المديرة لم تستطع أن تخفي ابتسامتها حين رأت العملات الورقية ...

بالطبع ميلڤين لم يحضر هذه الحقيبة ليتبرع بها، بل ليشتري طفلًا إن تطلب الأمر ذلك ...

(ميلڤين): والآن، احضري لي أذكى طفلٍ من بين الأيتام.

المديرة لم تراوغ أو تمثل عدم الفهم، فقد علمت بأن هذا الرجل لا يحب اللف والدوران، لذلك سألته:

ــ ولدًا أم بنتًا؟

(ميلڤين): لا يهمني أيٌ منهما، فقط أريد الأذكى، وأن لا يتجاوز عمره عن السادسة.

أومأت المديرة برأسها بينما وجهها مشقوق بابتسامة خبيثة، سرعان ما خرجت من المكتب حتى تحضر الطفل ...

توجهت إلى مهجع الأطفال، وقد اختارت الطفل المنشود، مشطت عيناها المكان فلم تجده، نظرت إلى لوثر فتقدمت نحوه، أخرجت من جيبها كيس مكسرات ووضعتها بجانبه، نظر الآخر إليها، لتستطرد سائلة: أين آرثر؟

(لوثر): لمَ؟..أفعل شيئًا؟!

ضحكت المديرة ومسحت على غُرته وقالت:

ــ كلا، لا تقلق، أنا أريد التحدث معه فحسب!

(لوثر): هو في الخلاء، ذهب ليبدل ثياب ليون وسيعود الآن.

سرعان ما نهضت وذهبت للُقياة، في حين تجمع الأطفال حول لوثر، فتنهد، ورمى لهم كيس المُكسرات ثم تسلل خلف المديرة. توقفت في منتصف الرواق بعد أن قابلها آرثر ...

(المديرة) مع ابتسامة مصطنعة: آرثر!.. عندي لك مفاجأة!

انكمشت ملامحه بتقزز حين رآها تتصنع الابتسام ـ فتحدث بنبرةٍ مُتغنّجة: احتفظي بها!

سقطت ابتسامتها، وسرعان ما عاد التجهم إلى محياها. قبضت على ذراعه ليتأوه، فقد شدت على الجراح التي لم تلتئم بعد.

وجرّتهُ إلى المكتب رغمًا عنـه...

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (82)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة