كاد آرثر أن يتعثر، حين دفعته المديرة إلى داخل المكتب. لم يكن يعلم بما يحدث من حوله، وما زاد من تعجبه، هو ذلك الرجل الذي يُحدق به ...
تبصره ميلڤين جيدًا ... طفلٌ هزيل، بملامحٍ حادة. أعين زرقاء وشعرٌ أشقر يميل إلى البُني.
نظر آرثر إلى المديرة ومن ثم إلى ميلڤين، وأخذ القلق ينغز قلبه الصغير. شعر بأن الذي أمامه مُحاطٌ بهالةِ الخطر. تراجع خطوتين إلى الخلف، ولكن المديرة دفعته إلى الأمام مجددًا ...
حدجها آرثر وصرخ: ما بك؟!
(المديرة): هذا السيد يريد أن يتبناك.
تحدث آرثر وقد اتضح له الأمر: ولكن!.. ماذا لو جاءت أمي وأنا...
قاطعته المديرة حين قالت: أمك لن تأتي!
وقبل أن يُعرض عن كلامها، صمت، حين سمع كلام ميلڤين والذي كان موجهًا له: أتريد البقاء في الميتم.
(آرثر): لا، ولكنني أيضًا لا أريد أن أذهب إلا مع أهلي!
(ميلڤين): ما هو اسمك؟
عقد آرثر حاجبيه لطريقة الآخر في التنقل بين الأسئلة ــ أجابه: اسمي آرثر.
(ميلڤين): من اليوم، اسمك كايون.
(آرثر): ليس وكأن الأمر بيدك!
نهض ميلڤين وقال: يؤسفني أن الأمر كذلك.
تراجع إلى الخلف حتى التصق ظهره بالجدار، ارتجفت شفتاه فقال: إن..إن كنت مصرًا فتبنى أخي أيضًا.
خفت ضوء الشمس لاقتارب المغيب، فبهت انعكاس الضوء الذي رسم تقاسيم وجهه ــ تحدث:
ــ لا أُمانع.
اتسعت أعين آرثر وقال في نفسه"قال لا يمانع!..أهو جاد؟.. هل الأمور تجري بهذه البساطة؟"
نظر ميلڤين إلى المديرة، ففهمت نظراته وخرجت لتحضر ليون، بينما تقول في نفسها"رائع، سأتخلص من الحقير، وسأتخلص من أخوه المريض في الوقت ذاته!"
أدارت مقبض الباب، فترنح من كان يتنصت عليهم وسقط أمام المديرة، عقدت حاجبيها وقالت متعجبة:
ــ لوثر!
نهض ومسح على ذراعة، ينتابه السوء لتجسسه عليهم. كانت عيناه على الأرض، وضعت يدها على رأسه وقالت:
ــ لا تكرر ذلك لوثر.
رفع أعينه البريئة إليها، واكتفى بأن أومأ برأسه، وقالت له:
ــ اذهب وأحضر ليون.
اعتصر قلبه ألمًا، ولكن ما بيده أية حيلة، لاحظت المديرة ذلك فقالت له:
ــ هون عليك يا لوثر، فقد يأتي دورك من بعدهما.
قال في نفسه بينما هو متوجهٌ إلى المهجع" لن يأتي أحد، أتمنى أن يتعفنا في قعر الجحيم!"
أحضر ليون...أخذته المديرة وأدخلته إلى المكتب، ومن ثم أغلقت الباب في وجه لوثر، فسارع لوثر في الحديث:
ــ ألا يُمكِنُني أن أودعهما؟!
أجابته المديرة من خلف الباب:
ــ عد إلى المهجع، وعندما يغادران سأُنادي عليك.
تنهد وقرر أن يبقى في الرواق حتى تحين لحظة الوداع.
تبصره ميلڤين ، من رأسه إلى أخمص قدميه، ومن خلال فراسته أدرك فورًا بأن الذي أمامه مريض.
رمق المديرة وقال: أعيديه.
اتسعت أعين آرثر، واستطردت المديرة بقولها:
ــ أوليس فعل الخير من شيم الكرام، لمَ لا تتبنى هذا المسكين و....
قاطعها ميلڤين بقوله: لا ينقُصني الهم، كما أني لم آتي لنشر الخير في ميتمك.
زمت المديرة شفتيها، في حين زمجر آرثر: لن أبرح هذا الميتم دون أخي!!!
تقدم ميلڤين نحوه، فشد آرثر على يد أخيه، وومضة حادة قطعت زرقاوتيه أثناء تحديقه بميلڤين، وذلك أعجب ميلڤين كثيرًا.
أعجبه تمرده، وعناده، وهو بالفعل متشوقٌ لترويضه، فأيُ شيءٍ أجمل من ذئبٍ يألفُك؟
أول ما قام به، هي صفعة، أودعته أرضًا. ولأنه يمسك بيد أخيه، سقط الآخر كذلك.
آرثر لم يتأذى لأنه وضع يده على الأرض حتى لا يسقط بالكامل، أمّا ليون، فقد ارتطم جبينه بالقاع ... شهق آرثر وسارع في رفعه، ضغط على جبين أخيه وطمأنه بهلع:
ــ ستكون بخير، ستكون بخير!
وجّه ميلڤين ضربة دقيقة إلى جانب عنقه، فانقلبت عينا آرثر إلى البياض، ثم غاب عن الوعي.
حمله على كتفه وهمّ بالرحيل، وبمجرد أن فتح الباب هرع لوثر نحوه، لكن الآخر لم يعطه المجال ليودع صديقه ...
أخذ لوثر بالركض خلفه، فانتشلتهُ ذراعان من الخلف، مانعةً إياه من اللحاق به، نظر إلى خلفه ليتبين لهُ بأنها المديرة، وقبل أن يفتح فمه، تحدثت هيليناث:
ــ ذلك الرجل خطير، وقد يؤذيك إن اقتربت منه.
سألها لوثر بينما عيناه تذرف الدموع: ولماذا سمحتِ لهُ بأن يأخذه؟!
(المديرة): لأن آرثر أراد ذلك!
(لوثر): أنتِ كاذبة، فما كان ليترك ليون خلفه!!
فارت أعصاب المديرة لهذا الكلام، فدفعته وألصقت ظهره بالجدار، كانت أنفاسها تلفح وجهه حين قالت له:
ــ فلتزن كلملتكِ بحذرٍ يا لوثر!
حدق إليها بصمت، فأفلتتـهُ، وعادت إلى مكتبها.
مسح لوثر على عينيه النازفة أثناء رؤيته لسيارة ميلڤين وهي تغادر أسوار الميتم.
وبينما ميلڤين يُعدل من وضعية كايون على حجره، سأل السائق، والذي هو أحد أتباعه: أجلبت ملفه؟
(التابع): نعم يا زعيم.
وبعد ذلك، أخرج ملف الطفل من درج السيارة، وأعطاه لميلڤين. فتحه، فاتسعت عيناه بدهشة، حين علم بأن الذي ينام على حجره، طفلٌ قد طعن مربية الميتم.
الملف كان يتضمن معلوماتٍ عن آرثر، أو بالمعنى الحالي عن كايون، لقد قرأ عن اسم والديه وعن عمره واتَّضح له أنه في السابعة وبضعةَ أشهر وليس السادسة كما طلب، ولكنه لم يكترث كثيرًا فمن خلال فراسته علم بأن كايون فتىً حاد الذكاء وهذا هو المطلوب.
ذُكِر في الملف أيضًا عن كونهِ طفلًا عنيدًا، ومشاغبًا، وسليط اللسان، وبأنه الأذكى من بين أقرانه، إلا أنه لم يهتم بكل ذلك، وجعل كل تركيزه على آخر ما تم تدوينه، والذي ينص على طعنه للمربية.
Ahed Nasser🍂