فـي مـنزل الـزعـيم...
كانت ليلـة قارسة، طرقت فيها قطرات المطر على زجاج النوافذ، وفي الوقت الذي كانت فيه رينا تجلس أمام منضدة دائرية صغيرة، قابلها كاميرون من الجهةِ الأُخرى...
كان الصمت يسود المكان وحدهُ فحيحُ الرياحِ من كان يتحدث. رينا تُحاصر كأس الشمبيانا بأناملها وترجـه بهدوء بينما كاميرون يحدق بها بسكون...
دام الصمت لدقائق طويلـة حتى كسره كاميرون أخيرًا حين قال: أريد أن أسألكِ سؤالًا يا رينا.
وضعت الكأس على الطاولة بعد أن أنهته ثم نظرت نحوه بأعين نصف مغلقة. قالت: اسأل، لا داعي لأن تستأذن.
ابتسم بمرارة ثم سألها: ألا تتحول صرخات ضحاياك إلى طنين يؤرِقكِ فيما بعد؟!
ــ لا.
أجابته ببرود، ليس في نبرتها فحسب بل في عينيها أيضًا...
(كاميرون): ماذا عن أعينهم التي تغرق بالخوف والفزع؟ألم يرق قلبك لها؟ ألم تفكري بأن تتراجعي عن قتل الضحية عند رؤيتك لها وهي مرعوبة؟!
ــ أبدًا.
(كاميرون): لمَ؟
عقدت حاجبيها ثم سألت: ماذا تقصد بلمَ؟
(كاميرون): لمَ لم ترحمي أي ضحية عند قتلك لها؟
ــ لأنهم ليسوا أنا! ولأنهم ليسوا من أهلي!
هز رأسه بفهم، ثم قال: بقي شيءٌ آخر.
ابتسمت بينما هي مخمورة ثم استطردت:
ــ تقصد بقيت أشياء أخرى!
(كاميرون) مع ابتسامة: ربـما!
(رينا): قبل ذلك، دعني أسألك بدوري!
أصغى لها لتستفسر قائلـة: لماذا تسألني هذه الأسئلة؟ ولمَ يبدو كما لو أنك تشفق على الضحايا؟ أولست قاتلًا أيضًا؟
(كاميرون): لأني أريد أن أعرف ما إذا كُنتِ تشعرين بما أشعر، صحيح أنا قاتل كما قلتِ إلا أن أعين أول شخص قمت بقتله ما تزال عالقةً في ذاكرتي ولم أستطع نسيانه، وضميري يؤرقني بين الحين والآخر!
مسحت على كتفه محاولةً مواساته، ثم قالت له:
ــ لا تهتم ، لاتهتم ياعزيزي ما إذا كان الشخص ليس أنت أو ليست أنا.
ابتسم لقولها ذلك فغير من موضعه مقتربًا منها، أخذ يمرر أنامله على خصلاتها، وأثناء فعله لذلك، استطرد قائلًا: ما تزال هناك أمور تنخر عقلي لِما حدث في هذه الليلة!
رمت برأسها على كتفه ثم قالت: تفضل وانخر عقلي معك.
ضحك بخفه، فشعرت باهتزازة وعندها رفعت سماويتيها لتقابلها أعين العسل الخاصة به...
(كاميرون): لماذا بدأتِ بالذراع اليسرى قبل اليمنى؟
(رينا): أعتقدت بأنك قد خبأت عينيك ولم تنظر نحوي!
قلّب عينيه بملل ثم قال: بلى لقد كنت أسترق بعض النظرات، لاسيما عند توقفك عن التقطيع!
تنهدت وهمّت الشرح، بقيت صامتة لوهلة ومن ثم قالت: تعلم بأنني قد اضطررت لتغيير الخطة من جذورها بسبب العا*ر باركر!
ــ بلى، ولكن مادخل ذلك، ولمَ استخدمت الساطور؟ أولن تتهم الشرطة امرأة الساطور عوضًا عن رجل النفوذ؟ وما فائدة البطاقة التي وضعتها على كف المقتول وقد استخدمت الساطور مُسبقًا؟!
ــ ألم تفهم؟!
ــ لا، لم أفهم، وحتى ألكس شعرت بأنه لم يفهم هو الآخر!
ــ هذا ما أريده بالضبط، وعدم فهمكما أمرٌ مطمئن.
تقضيبة رُسمت بين حاجبيه أثناء تسمره بها، وهي بدورها لم تطل عليه واسترسلت قبل أن يغرق عقله في زوبعة:
ــ بطاقة السيد لاندكروزر، ضحيتين قتلتا بطريقة تشبه طريقتي، حيث قتل أحدهما بسكين مسبقًا، وتم تقطيعهما بدءًا من الأطراف اليسرى، ذلك سيجعل الشرطة في متاهة، عندما يظنون أن امرأة الساطور الفاعلة في الوقت ذاته الذي يوجد فيه بطاقة شخصٍ آخر على يد الضحية، لا ننسى هاري الذي ستهم الشرطة في البحث عنه فيما بعد، وعندما لا تجده تركز على أنها قد غفلت عن القضية السابقة، فيربطون الأحداث على أن هاري مرتبط بالقضية ويفسرون على أن اختفائه ما هو إلا هرب في الحقيقة، لأنه كان متعاون مع المجرم، وفحص الطب الجنائي سيوصلهم إلى الناتج الذي أريده أنا في نهاية المطاف.
أردفت بنبرة مخمورة:
ــ أُحب عندما أطرح عليهم السؤال، وأترك معه إجابة مغـلوطـة.
كانت تشرح له ذلك وهي بالكاد يقظة، استسلمت رينا للنوم في حين يرمش كاميرون عدة مرات. خرج من متاهـة الدهشة ثم حملها بين ذراعيه ووضعها على فراشها الأسـود. تأكد من أنه قد غطاها جيدًا بحيث لا يصيبهـا البرد، وبقي يتأملها لمدة.. غمغم حينئذٍ "بهذا الدهاء والمكر! كيف لم تلحظ زلتي في ذلك اليوم؟؟
أردف: تعـطيهم الإبرة وتجـعلهم يحـيكون نسيجًا معقـدًا وفي النهايـة تخزهـم الإبرة التـي يـستـخـدمـونـها.
استدار على عقبه ناويًا المغادرة.
أقفل الباب خلفه، وباشر طريقه فإذ بهِ يقف أمام الزعيم.
سأله الزعيم جيف: أستغادر الآن؟
ــ بلى.
ــ هناك غرف فارغة بالطابق الأسفل، يمكنك المبيت بإحداها إن كنتَ متعبًا.
ــ شكرًا لك، ولكنني أفضل العودة إلى المقر لأُنهي عملًا أخيرًا.
أكمل طريقه، ولكن الزعيم أوقفه مجددًا:
ــ كاميرون..
ــ نعم؟
ــ أتعلم بأن هذه الخطبة أُقيمت دون موافقتي؟
رمش كاميرون عدة مرات، وبقيَ صامتًا.
أردف الزعيم: لم أشأ لابنتي أن تكون مع مُهمشٍ مثلك، ولكن إصرارها جعلني أوافق على مضض.
اختلجت عضلة بفكه، وحدّج الزعيم المستمر في كلامه:
ــ ساعدتها عدةَ مرات، فوضعت رينا لكَ مقامًا وأنت لم تصدق نفسك، وذهبت واعترفت لها بحبك.
سأله من بين أسنانه المصكومة:
ــ وما الذي ينقصني حتى تراني غير مناسبٍ لها؟
ــ الجاه، السلطة، المكانة الاجتماعية والسياسية، وأخيرًا القوة!
استطردَ مكملًا: أخبرني، ما الذي تمتلكه حتى تفكر بالزواج من فتاة مثل رينا؟!
لم يرحمه، وواصل جلده: أنت لا يصلح لك الزواج إلا من عاميةٍ مثلك، أو مشردة أيًا كان.
انعقد لسان كاميرون، ولم يدرِ بما ينطق، فلم يسعه سوى التسمّر بسماويتي الزعيم.
تجرّعت تفاحة آدم ريقه، فقبض الزعيم على كتفه، مربتًا عليه. اعتلت وجهه ابتسامة جانبية، وأردفَ قائلًا:
ــ كُنتُ أمزح.
لم يصدق كاميرون ذلك، فبقي على وضعية التصلب.
صفع الزعيم ظهره، ونطق بنبرةٍ مشبعة بالضحك:
ــ كم أُحب رؤيةَ الناس هكذا!
سأله (كاميرون) بصوتٍ هادئ:
ــ هل أنت جاد؟
ربض الزعيم على الأريكة مكملًا قهقهته، فرمقه كاميرون بنظرةٍ مستنكرة.
لوح الزعيم بيده، وقال ضاحكًا:
ــ اذهب وأكمل عملك.
غادر بملامح متكدرة، شاتمًا الزعيم في نفسه " دمه مستخلصٌ من النفط. كيف لمثلهِ أن يكون زعيمًا؟!.. لا واستخدم كل تلك الإهانت لأجل أن يمزح فقط؟؟"
أردف في نفسه "ربما أخرج ما بصدره على هيئة نكته، لا بأس.. الأيام القادمة ستكون كفيلةً بندمه، وسأجعله ينظر إلي من قاع الذُلِ والانكسار"
ركب على دراجته النارية شاقًا الطريق نحو سان دييغو.
.
.
كان أحد رجال الشرطة يمشي في الرواق، يصطحب معه زميل روبن، الشاهد الوحيد. أثناء مشيهما، قرر صديق روبن أن يسأل الشرطي لشدة قلقه:
ــ کک..كيف تجري أمور التحقيق؟؟
ــ كل الأدلة تشير إلى أن السيد لاندكروزر هو الفاعل.
ــ وكيف ذلك؟ ألم يوجد أي دليل يدل على براءته؟
ــ لا، حتى البصمات تشير إليه فقط، كما أنه يكثر من الكذب! يتهم امرأة بفعلته!
ــ أأ...في الحقي.....
قاطعه الشرطي قائلًا: قدّم كلامك في مكتب الشرطة.
وصلا إلى مكتب الشرطة وبمجرد أن التقت أعين روبن بزميله نظر إليه نظرة كانت تقول، أنت أملي الوحيد...
استبق الشرطي الكلام: لقد سألنا الحضور عن الحادثة بين السيد لاندكروزر والمرأة المزعومة وقالوا بأنهم لم يلحظوا ذلك لانشغالهم بالحفلة ولأن أغلبهم قد ثمل في ذلك الوقت، والسيد لاندكروزر يزعم بأن كل ذلك حدث أمام ناظريك، هل هذا الكلام صحيح؟!
ابتلع ريقه، وعندها أخذ الشيطان يلعب بعقله " سوف تجني على نفسك، جميع الأدلة تشير إلى روبن، بلا شك تلك المرأة الخبيثة لقد خططت لكل شيء، لاتظن ياعزيزي بإنك إن قلت الحقيقة الآن فسوف يقومون بتبرئة صديقك، لماذ؟ لأنهم لن يصدقوا دليل واحد ويكذبوا جميع الأدلة السابقة، أتعلم ماذا سيحدث لو قلت الحقيقة؟! إما أن تستنتج الشرطة بأنك تتستر عليه كونك صديقه وإما أن تستنتج بأنك شريكه في الجريمة وأنكما متفقان على هذا، كلامك لن يزحزحه عن السجن، ليس ذنبك إن كانت كل الدلائل ضده!
صحيح أن وسوسة الشيطان كانت طويلة إلا أنها كانت مجرد ثوان عندما مرت على ذهنـه...
قرعت أنامل الشرطي على المنضدة منتظرًا الإجابةــ تحدث بتردد:
ــ أنا..أنا لم أرى شيئًا.
أخذ الشرطي نفسًا بينما هو يرفع حاجبيه وينظر باتجاه روبن والذي بدورة جف حلقة وجفلت عيناه وانعقد لسانه، لم يستطع أن يُكذّب ذلك أو أن يُنكر أو أن يفعل أي شيء.
فقط بقي ينظر إلى صديقه نظرة اختصرت أيًا ماكان سيقوله وأيًا ماكان سيفعله ــ قام رجال الشرطة بجرة نحو الزنزانة وبالرغم من أن جسده قد تحرك وغير من موضعه إلا أن عيناه بقيت تنظر حيث يجلس زميله، تمحورت الحرارة حول أنفه وتجمعت الدموع على مقلتيه، فعلًا إن الغدر مؤلم والدموع التي تنزل بسببه ليست مالحة بل لاذعة. لقد كان أمله الوحيد ولم يتخيل أبدًا أن يكون السبب الأخير لدخوله السجن...
الأمـر لم ينته هنـا، فقد تم إصدار بلاغ عن اختفاء هاري مايلز، كان البلاغ من جدتـه أمّا بالنسبة لوالدته فهي لم تنتـظر الشرطـة، فقد دب الفزع في صدرها لعدم عودته، خاصةً أنها على علمٍ بما حدث للسيد مايلز، سرى الرعب في عروقها لمجرد التفكير بأن هاري قد أصابه ما أصاب والده فخرجت فـي آخر الليل للبحث عنه، كانت تنوح وتناجي باسمـه في كل حي وفي كل ممر، حتى أنها قد ذهبت لمنزل طليقها علّها تجده هناك، أقسمت من قبل بأن لاتطأ قدمها على ذلك المنزل مجددًا، إلا أنها قد فعلت ذلك بحثًا عن فلذة كبدهـا. المسكينـة لم تتشافى بعد من فقدانها لألكس وهاهو ذا الآخر يضيع عليهـا أيضًا...
قارب الفجر على الطلوع، بينما كان هنـاك صوتُ متحشرج، يعكر غنـاء العصافـير...
ــ لا لا لليلالا، ريـنا ستنطحنـي، رينـا ستركُـلنـي، لا لا لليلالا، يا حسرتي على نفسي ، ياحسرتي على نفسي ، لا لا لليلالا .....
كانت هذه أغنيـة باركر التعيسـة، بقي يهوم في الشوارع و بين الأزقـة، ويغنيـها بكل إحساس.
ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس
كانت عائلة الزعيم جيف تستعد للذهاب إلى المقر، جُذبت أنظارهم إلى التلفاز وإلى ماكان يقوله المذيع " أثناء تفتيش الشرطة للمدعوين بحفلة الضحية المدعو بالسيد مايلز تم القبض على الجاني الذي قتله وقتل زميلة، إلا أن المجرم لاندكروزر ما يزال ينكر ذلك، أيضًا السياسي هلسن تم القبض عليه بتهمة بيع الممنوعات فقد شكت الشرطة بأمره عندما وجدته يُخبئ كمية كبيرة من المـال، وبعد فحصه بالكامل تبين بأن بذلته كانت تحتوي على بعضٍ مِن المسحوق الأبيض
.....
افترقت شفاة رينا بصدمة بينما تنظر إلى والدها والذي هزَّ رأسه لشعوره بالخيبة...
(رينا): كالكيس الأحمق! كيف يغفل عن هذا؟!
(الزعيم جيف): تواصلي مع ألبرت ليجلب لنا الأسلحة.
(رينا): حسنًا.
بعد ساعة دخلوا إلى الشركة وفور أن وطدت أقدامهم على أرضية المقر، وصل إلى مسامعهم صوت الأثقال والآلات الحديـدية...
الجميع كان يتدرب بجد، توففوا جميعـًا وانحنوا أمام الزعيم ــ اكتفى بإيماءة صغيرة فكانت بمثابـة الإذن لينصرف كل منهم إلى عملـه..
بعد أن ذهب الزعيم، ثبتت أعين رينا على ذلك الأسود، فشعرت بدمها يغلي، تقدمت نحوه حيث يقابلها ظهره، كمش الآخر عيناه وقرع سنـه، فلم يكن بحاجة للإلتفات ليعرف بأن الذي يقترب منه ما هي إلا رينا، فحتى خطواتها لها إيقاعها الخاص...
أخذ نفسا عميقا ثم استدار مقررًا مواجهتها وجهًا لوجه، سماويتيها ثقبت عينيه بينما ارتفع حاجباها تعجبًا لوقاحته، وللجرأة التي يمتلكهـا حتى ينظر إليها مُباشرةً.
هو بفعله هذا أراد أن يبرر ــ لم يكن يقصد أي تحدٍ أو ما شابه، فقط أراد أن يُشعرها بأهميـة ما يود قولـه، وبالفعل لقد نجح ، لأنها بقيت تنتظر الكلام الذي يختبئ في فمه، برر قائلًا:
ــ تعرفينني يا رينا...لست ممن يهمل المهام!
عقدت ذراعيها منتظرةً أن يكمل تبريره ــ وهو أردف وليته لم يردف فقد كان عذره أقبح من ذنبه ــ قال:
ــ لقد تعطلت ساعتي ولم أدرك الوقت!
الأبله عن ماذا يتحدث؟ أساسًا لم يكن هناك وقت محدد لتنفيذ المهمة،كان هناك اللحظة المناسبة،والفرصـة المناسبة، هذه كانت قاعدة الخطة، ولذلك ولأن رينا انقطع لها عرقها عند سماع عذره الذي ليس بعذر، فعلت مافعلته. لم تبرحه لكمًا لأنها أبرحته ركلًا، وما هي إلا ركلتين حتى أخذ باركر وضعية السلحفاة، غير أن ذلك لم يثنِها عن الاستمرار بركله.
أخذت تركل كل آنشٍ فيه فهرول ألكس وحاول إيقافها. تقدم كاميرون أيضًا محاولًا إيقافها بالرغم من أن عينيه لا تخلو من لمعة الاستمتاع، نعم لقد كان مستمتعًا بما يراه إلا أنه قد تدخّل لأجل أن يبدو بمظهر رجلٌ صالح لا يوافق أفعال مخطوبته الشريرة.
كبلاها بأذرعهما وجراها إلى الخلف...
(رينا) بصراخ: انهض أيها السافل! لا تتخذ وضعية الجُبنـاء !
(ألكس): كفى رينا، هذا الكلام لن ينطلي عليه!
صكت على أسنانها وقالت: ألكـس! إن لم تفلتني فأنك ستلقى ما سيلقاه باركر!
(ألكس) بتهكم: ما سيلقاه باركر! لقد أشبعته ركلا ما الذي سيلقاه أيضًا؟!
(رينا) بحنق: السافل كان يرتدي ثلاثة بناطيل!
(كاميرون): ابتعد يا ألكس، أنـا سأمسك بها.
(ألكس): لن تقدر عليها وحدك!
(كاميرون): لا عليك!
(ألكس): كلا لن تقدر عليها!!
في هذه اللحظة احتدت تعابيره، أفلت رينا وقبض على رُسغ ألكس للدرجة التي جعلت فكه ينقبض، شعر ألكس بأن جلده قد لفح عندما همس كاميرون في أُذنـه:
ــ أبعد يدك عن خطيبتي.
هُنا أدرك ألكس بأن كاميرون لا يريد أن يتكفل بأمر رينا حتى يريحه، بل لأنه قد انزعج من كونه قريبًا من ممتلكاته الخـاصة.
تركها بهدوء وتوجه نحو باركر بينما التقت أعين كاميرون بأعين رينا والتي بدا بأنها قد كانت تنظر إليه منذ مدة.
سماويتيه تصرخ بصمتٍ: لقد طفحت حبـًا!
لم تشعر بلهيب الغيـرة الذي أصبح هالةَ تحيط به فحسب بل إنها قد رأت كيف أن لعسليتيه لغة خاصة تعبر عن ذلك بحدتهـا، وضعت يدها على يده التي كانت تمسك بكتفها ثم قالت بنبرة متدللـة:
ــ لا بأس كامي، دعنا نذهب من هنـا.
سرعان ما تحولت نظراته إلى نظرات أخرى وديعـة لمجرد سماعها وهي تقول ذلك، ابتسم أخيرًا بعد ذلك العبوس ــ وقررا فيما بعد أن يقضيا هذا اليوم في التنزه.
في مكانٍ آخر من مدينة لوس أنجلوس ـ ـ بعد العـصر.
كان ميلڨين يتكئ على رُكبتيه أثناء فحصه للمارة في الطريق. عيناه تجول بين الناس والأسواق باحثتين عن مرآتهـما، لائمًا رينا في نفسه لأنها السبب في ضياعها.
وأخيرًا اتسعت عيناه قليلًا عندما رآها ــ تتبعها وأبقى مسافةً بعيدةً بينهما، وكل ذلك لأجل أن يعرف مسكنها، ظل يحدق بالشقة لمدة، ثم غادر.
عاد في المساء وهو يرتدي بذلةً رسمية أنيقة يتدلى من جيبه سلسلةً ذهبيـة.
طرق ثلاثًا فَفُتح لهُ الباب على يد الأم. تفاجأت نوعًا ما فسألته:
ــ عمَّا تبحث يا سيدي؟
ــ عن والد الآنسة يوجيني.
لا أستطيع أن أصف السعادة التي غمرت قلبها ــ فتحت له الباب بالكامل وقادته إلى غرفة المعيشـة ...
ذهبت ونادت زوجها ولو أنها تمتلك أجنحة لطارت من شدة الفرح ...
ــ عزيزي!عزيزي! لدينا ضيف وهو يريد مقابلتك!
ــ من هو؟؟
ــ لا أعلم لا أعلم! هيا اذهب إليه، لا تجعله ينتظر أكثر!!
سار إليه وهو مستغرب من تصرفات زوجته، وبمجرد أن قابله، استقام ميلڤين وصافحه.
جلسا وجهًا لوجه، وقدّمت الزوجه لهما القهوة، وبقيت مُترقبةً أن يتقدم ذلك الرجل لخطبة ابنتها...
انصرف ميلڤين بعد ساعة ونصف، بينما دخلت الأم على ابنتيها وأخذت تدور وتمرح وتُقبِّل يوجيني. سقطت تعابير ابنتها وعلمت بأن رجلًا آخر قد تقدم لخطبتها..
تحدّثت يوجيني سابقةً أمها في الكلام: أنا أرفض!
قطبت الأم حاجبيها وأجلستها بجانب أختها، ثم قالت: صـه...دعيني أخبركِ عنه وعمّا قاله!
(فرونيكا) مع ابتسامة: ما اسمه يا أمي؟
تحدث الأم وقد اشتد حماسها: هو يعمل في شركة تجارية ودخله ممتاز ويمتلك فيلا وسيارة أيضًا، أهله انقرضوا ذلك أجمل شيء يا يوجيني فلن تعاني من كيد أُمه وأخواته!
يوجيني بنبرة متململة: أنا لا أريد الزواج.
تجاهلتها الأم وأكملت كلامها: صحيح عمره واحد وثلاثون سنة و....
قاطعتها يوجيني بصدمة: واحد وثلاثون !! أمي الفارق بيننا سبع سنوات!
لمعت عينا الأم وقالت: الحب لا يعرف العمر ولا تثنية السنوات.
(يوجيني): أمي!! عن أي حب تتحدثين؟!
(الأم): صحيح صحيح، أنه شاب محترم، حتى أنه عندما علم بأن والدكما عاطل عن العمل، أعطاه عملًا في وكالة بسياتل وسيتوسط له عند صديقه ليتم قبوله بها!
جفلت يوجيني وبقيت صامته، مدركةً أن والدها لن يستطيع ردَّ الرجل بعد أن أعانه على مشكلته وأعطاه عملًا ــ استفسرت فرونيكا والدتها:
ــ أمي! لقد ذكرتي كل شيء يخصه بينما لم تقولي لنا ما اسمـه؟!
(الأم): آه..صحيح، أنه يدعى ميلڤين لربات.
الأختان لم تُبديا أي ردة فعل لأن السنيورة يوجيني لم تسمح للرجل بأن يُعرف عن نفسه في ذلك اليوم...
لفرط فرح الأم تذكرت للتو بأن ميلڤين عندما جاء إليهم، طلب والد الآنسة يوجيني، ودت أن تسألها من أين يعرفها أو منذ متى؟ إلا أنها طمست هذا السؤال عندما قفزت إلى عقلها فكرة أخرى، تنص على أن ابنتها تُمثّل رفضها له، وتخفي علاقتها به حتى تحافظ على كبريائها الذي يحتقر الذكور ــ ظهرت لمعة مكر على أعين الأم وهي تحدق بابنتها..
في الأساس، الوالدة الكريمة لم تكن تُفرق بين الرجال والذكور....
(يوجيني) بنبرة جادة: أنا لن أوافق أبدًا!
أخذت بطانيتها، وأرغمت عيناها على النوم بينما الأم لم تلقِ لكلامها اعتبارًا مصدقةً بأنها تمثل فحسب...
كادت يوجيني أن تكسر أضراسها لشدة صكها عليها وفي تلك الأثناء دخل الأب عليهن وقال:
ــ يوجين يا ابنتي، أريـد الحديث معكِ.
(يوجيـي): أبي! أنا لست موافقة!!
(الأب): تعالي إلى الصالة ودعينا نتحدث.
نهضت على مضض، وقابلت والدها في الجلوس. تنهد الأب وأفصح:
ــ يوجيني..أنا وأمك موافقان، فلم نرَ فيه بأسًا. فكري أكثر بهذا الموضوع.
(يوجيـي): أنا لا أريد يا أبي! هذه كلمتي الأولى والأخيرة!
(الأب): الرجل محترم جدًا، كما أنه وجد لي عملًا!
أردف: أيهون عليكِ حرجي أمامه؟!
(يوجيـي) بأجفان منخفضة: لا، ولكن....
(الأب): ولكن ماذا؟
أخذت نفسًا عميقًا لتكتم بهِ دموعها، وعندئذٍ نهضت واكتفت بأن قالت: لا شيء.
التحفت ببطانيتها، وغطت نفسها بالكامل.
مسحت الأم عليها وقالت: هذا لمصلحتك يا ابنتي.
انفجرت يوجيني، وصاحت من وسط دموعها:
ــ بل لأجل مصلحتكما! أنتِ تريدينه لأنه غني وأبي يريده لأنه أعطاه عملًا!!
أردفت: لن يهون عليه أن يرفضه.. ولكن سيهون عليه أن يرغمني على الزواج به!
اعتصرت البطانية بشدة وازداد نشيجها.. مر الأب من جانب الغرفة، وقال:
ــ سوف يأتي غدًا لاصطحابك حتى تتعرفا على بعضكما أكثر.
نعم، لقد قال ذلك على الرغم من سماعه لكل كلامها السابق، مثّل بأنه لم يسمع أي شيء ومثّل كذلك بأنه لم يكن يعلم بأنها تبكي ...
بقيت الأم تنظر إلى ابنتها وترمش بتعجب، قائلةً في نفسها " ليس عليها أن تُتقن التمثيل هكذا! "
ما زاد من ألم يوجيني هو فقدانها لحاميها الذي كانت تظن بأنه سيقف في صفها، غير أنه اتخذ قراره مسبقًا ورأى بأن إرغامها على الزواج أهون من إحراجه أمام الرجل، بينما والدتها مهووسة بالثراء والمكانة الإجتماعيه فقط ولا تهتم بما تريده ابنتها.
واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي كوين آن.
ــ يبدو بأني سأدخل إلى السجن مُجددًا لأنني سأرتكب جريمة قتل عمّا قريب.
قالت جيسكا ذلك وهي تزفر هواءً باردًا، بينما ضحك لويجي حيث يمشي خلفها، أين ما ذهبت تبعها، ليس ذلك فحسب بل إنـهُ كان يخطو على خطوات جيسيكا ذاتها، أين خلفت آثارها على الثلـج.
وبين الحين والآخر يرمي عليها كُرات الثلج بحجـة أنهُ يشعر بالملل وأنها امرأة تعيش على ذروة الصمت، وما زاد من الطين بلـة وما جعل أعصاب جيسيكا على حافة الجرف أنهُ كان كثير الكلام بالرغم من أنها لا ترد عليه. أيضًا كان يُلقي عليها العديـد من النكات السخيفـة ويضحك عليها لوحده.
ــ لماذا الحمار الوحشي لونهُ أسود وأبيض؟
رد على نفسهِ بصعوبة، حيث يُحاول أن يُمسك ضحكته.. قال: لأنهُ من جيل التسعينات!
وبعد قوله ذلك أنفجر ضاحكًـا، بينما احتضنت جيسيكا رأسها بكِلتا يديها مُحاولةً أن تحجب صوته عن أُذنيها.
ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس...
مرت الأيام التي كان يتواعد فيها كاميرون مع رينا، بالمطاعم الفاخرة والحدائق الجميلة حتى جاء ذلك اليوم... اليوم الذي سألتهُ فيه:
ــ متى تنوي إقامة حفل زفافنا؟
(كاميرون) بِلا مُبالاة: لمَ الاستعجال؟؟
(رينا) بغضب: ولمَ المُماطلة؟؟!
(كاميرون): هدئي من روعك لمَ الغضب؟!
(رينا): عليك أن تذهب إلى أبي وتخبره عن رغبتك بالزواج بي!
(كَاميرون): الزواج!؟
أعادت رينا ماقالة كاميرون بنبرة استغباء: الزواج!؟
ثم أردفت قائلة بنبرة غاضبة: بـ الطبع أيُها المعتوه
إذن لماذا اعترف كِلانا عن مشاعرة تجاه الآخر؟!
(كاميرون): أعرف ولكن ما أقصده أن فكرة الزواج تتحمل مسؤوليات كثيرة والوقت لايزال مُبكرًا على ذلك!
صرخت في وجهه: وهل ما تزال طفلًا ليكون الوقت مُبكرًا ؟؟ على مايبدو أنك شخص لعوب لا تظن لوهلة أنني ساذجة أو سهلة المنال! مِن الأفضل لك أن تفكر جيدًا في ترتيب مراسم الزواج قبل أن أقوم بشحذ ساطوري!
صكت على أسنانها أثناء قولها آخر كلمة ثم تركته مُغادرةً المطعم ...
بقيت أعين الناس تلتهم كاميرون. أحس بالحرج الشديد فدفع حساب الطعام على الرغم من أنه ما يزال سليمًا كما وضعه النادل، خرج بسرعة مُحاولًا اللحاق بها ولكنه لم يرَ ولو غبار دراجتها ..
عند عودته إلى المقر وجدها وقد تغيرت كثيرًا، أصبحت في البداية تتحاشاه وعندما يحاول التحدث إليها تتجاهله، وتتصرف وكأنها لا تعرفه ـ الأمر لم ينتهِ إلى هنا فحسب، فبعد خمسة أيام من ذلك اليوم أصبحت عصبية جدًا، تصرخ لأي سببٍ تافه، كما أنها أصبحت تُهين من لايؤدي مهمته أو عمله بإتقان، وعندما ينوون القتل أو النهب أو تجارة المخدرات أو أي مهمة أصبحت تفصله عن مجموعتها وتضعه مع مجموعات أُخرى ـ حاول التحدث معها مرارًا وتكرارًا ولكن دون جدوى وكأنه أصبح خفيًا أمامها، تمر من جانبه ولا تتحرك مُقلتيها تجاهه أبدًا!
في أحد الأيام ـ تحديدًا في قاعة التدريبات، كانت رينا تعبث بهاتفها المحمول ـ تُحاول صنع برنامج قرصنة وعندما فشلت للمرة الثالثة انفجرت وقامت بدهس هاتفها وتحطيمه، ومن ثم.. بقيت جالسة في مكانها تُراقب أعضاء المافيا أثناء مُمارستهم للتدريبات، والعُقدة بين حاجِباها تُقسم بألَّا تنحل ...
ماهي إلا لحظات حتى جاءها ميلڤين وناداها: رينـا.
ردت: مـاذااااا؟؟!
لم ينزعج من الطريقة التي ردت بها عليه وأردف قائلًا:
ــ اتصل بي الزعيم جيفرسون وأخبرني أن أُبلغكِ بالعودة إلى المنزل حالًا.
(رينا): ولمَ اتصلَ بِك؟ لمَ لم يتصل بي أنا؟!
نظر إلى الهاتف المحطم بجانب كعبها، وقال:
ــ رُبما لأنكِ حطمتِ هاتفكِ مثلًا!
اكتفت رينا بتقّليب عينيها، وعندما نهضت، استفسرها (ميلڤين):
ــ ألا تُلاحِظين بأنكِ في الأونةِ الأخيرة أصبحتِ تغضبين بسرعة، وتصرخين في وجه من يتنفس بجانبك؟ خاصةً منذ آخر يوم خرجتِ فيه مع كاميرون؟!
(رينا) بصُراخ: لستُ كذلك!!
(ميليڤن) ببرود: وماذا تُسمين هذا؟
لم ترد عليه وأثناء مُغادرتها صدمت كتفها بكتفه عمدًا.
وصلت إلى المنزل، وقبل أن تدخله أخذت نفسًا عميقًا ـ لمُحاولة التخفيف مِن العصبية التي لازمتها منذ الآونة الأخيرة حتى لا تُخطئ، وتتجاوز حدودها مع والدها من غير قصد.
دخلت إلى المنزل ووجدت والدها يجلس على الأريكة في غرفة المعيشة، تحولت نظرات الزعيم جيف من المزهرية التي كانت على يده إلى رينا. أشار لها بالجلوس أمامه ـ جلست على الأريكة المقابلة له، وسألته:
ــ ما الأمر يا أبي؟ ليس من عادتك أن تأمرني بالعودة مُبكرًا.
(الزعيم جيف): أُريد أن أُحدثكِ في أمر مهم.
رفعت حاجبها، وسألت: ما الأمر؟!
تنهد (الزعيم جيف) ونطق: كاميرون فسخ الخطبة.
اتسعت عيناها إلى الحد الأقصى، وفرهت شفتاها.
أردف (الزعيم جيف) مكملًا: وفي نفس اليوم تقدّم أحد رجالي لخطبتك، فهل أنتِ موافقة؟
(رينا): .......
لا إجابة، فقط حرارة تصعد إلى عينيها بصمت.
انخفض حاجبا الزعيم بحزنٍ، وقال: ليس عليكِ أن تبكي لأجل أحد.
سالت دمعةٌ على خدها، وتساءلت بصوتٍ مكسور:
ــ لمَ؟.. لمَ فعل هذا بعدما أحببتـه؟
(الزعيم جيف): وافقي على الزواج واكسري شوكته.
سألته، وشفتاها ترتجف: متى.. فسخ الخطبة؟
(الزعيم): صباح هذا اليوم.
انتصبت، واستفسرته بانفعال: وكيف سمحت له بالمغادرةِ حيًا!؟
(الزعيم): وهل كان عليّ أن أقتله لهذا؟؟
(رينا): بل كان عليك أن تُشرحه وتجعلهُ عبرةً لمن يعتبر!!
استلت ساطورها من على خصرها، وباشرت بالمغادرة.
لحق الزعيم بها، وقال:
ــ مهلًا رينا.. دعيني أخبرك بشيءٍ آخر!
ألقت عليه نظره من أعلى كتفها، فأمسك الزعيم بيدها القابضة على الساطور، ونطق:
ــ كُنتُ أمزح.
لا إجابة، ولا أي ردة فعل، وإنما ظلت متسمرةً به، ويغلب عليها الشك بكذبه...
حاول أن يمسك تعابير وجهه الضاحكة حرصًا من أن تنزلق، ثم أردف بنبرةٍ مرحة:
ــ يُمكِنُكَ الخروج.
أطل كاميرون برأسه، عاضًا على شفته كاتمًا لضحكته.
سقطت عسليتاه على الساطور، فرفع بصره إليها، وسألها ببراءة:
ــ أحقًا كُنتِ تنوينَ قتلي؟؟
للتوّ استطاعت استيعاب هذه المسرحية، فارتبكت، وأخفت الساطور خلفها قائلة:
ــ لـ..لا.
(كاميرون): لقد رأيناه، لا داعي لأن تُخبئيه.
زمت شفتيها محاولةً إخفاء ابتسامتها كذلك. أعادت بصرها إلى والدها وصرخت:
ــ تعلم بأني لا أُحب هذه السخافـة!
ضحك بخفة، وقال: كانت فكرةَ كاميرون.
(كاميرون) مدافعًا عن نفسه: بل إنها فكرتُك!
رمقته، وقالت: لن أُسامحك!
ثم استدارت على عقبها، وغادرت حنقة....
لحق بها كاميرون قائلًا:
ــ هيا رينا!.. لن نستطيع إقامة حفل زفافنا وأنتِ ما تزالين غاضبةً مني!
(رينا): هذه غلطتك!
(كاميرون): صدقيني إنها خُطةُ والدك!
(رينا): وأنت وافقت!
(كاميرون): لم يكن لدي أي خيار!
حدّق الزعيم بخيالهما وهو يختفي تدريجيًا أمام عينيه، فانخفضت أجفانه، وتمتم:
ــ لن أسمح لها بالمغادرة، سأجعلهما يعيشان برفقتي.
أغلق بابَه، وأردفَ مُغمغمًا " لقد مرت السنوات بسرعة "
🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️🌨️🌧️
Ahed Nasser🍂