أمريكا ـ العاصمة واشنطن ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.
في ما مضى كان كايون يُمثل بأنه مريض أو متعب حتى لا يُرافق ميلڤين إلى الشركة وتمثيله ذاك لا ينطلي على يوجيني ولا ينطلي على ميلڤين، وبينما ميلڤين يعلم سبب تمثيله، كانت يوجيني تظن بأن كايون يدعي المرض حتى يتهرب من المدرسة غير مدركة بأنه لا يحمل هَمّ المدرسةِ على الإطلاق، ولكن كايون في نهاية المطاف أصبح يرافقه طواعية لأن الآخر لا يُجدِ معه أي تمثيل.
وفي هذا اليوم استقلَّ السيارة مرافقًا إياه إلى الشركة غير مدرك بأن هذا اليوم سيكون من بين أسوأ أيامه...
دخل إلى غرفة التدريب وتنفس الصعداء عندما تركه ميلڤين بصحبة باركر، أشار له باركر بأن يتقدم ليجلس معه على المنضدة، جلس بقربة ونظر إليه ولما يفعله ...
مزق باركر كيس صغير وسكب ما به من مسحوقٍ أبيض على ظهر يده، فركه ووضع عليه شيئًا بدت لكايون أنها أداة معدنية رفيعة.
دقيقة حتى نظر باركر إلى كايون بأعيُنٍ زائغة رُسِمت تحتها أخاديد سوداء تُنافس بشرته في الاسوداد. مدَّ لكايون كيس بلاستيكي يشابه كيسه، قال له عندئذٍ:
ــ خُذه يا كايون، صدقني ستشعر بأنك في النعيم.
عقد كايون حاجبيه لأنه اعتاد على رؤيته لباركر وهو يستنشق ذلك الشيء بانتشاء ولكنه قد دعاه ليُشاركه الفعل هذا اليوم، وهذه سابقة لم يعهدها منه..
(كايون): بماذا تُهرطق؟!
(باركر): استنشقه وستفهم هرطقتي.
انكمشت تعابير كايون قليلًا وصفع يد باركر ليُبعد الكيس عنه، سحبهُ باركر من كم سترته وقال:
ــ لا تكن فظًا!.. هيا جربه وأعطني رأيك.
سحب كايون معصمه في حين يقول: أنا لن أستشق هذا الشيء!
(باركر): أنت ترى بأُم عينيك أني أستنشقه فلمَ هذا التوجس؟!
(كايون): لاني لا أرى أنك بخير.
(باركر): بل أنا على أحسن ما يُرام!
حثَّه: هيا خُذه!
(كايون): إصرارك يجعلُني أشك في الأمر!
ضحك باركر وهز رأسه بقلة حيلة في حين استطرد الآخر سائلًا:
ــ هل ميلڤين من أمرك على تحريضي حتى أسنشق هذا الشيء؟
(باركر): آه، آه منك يا كايون، أتعلم ما هي مُشكِلَتُك؟؟
(كايون): أني هُنا.
(باركر): بل أنكَ ذكي وعنيد!.. أنا لن أكذب على ميلڤين، فالأفضل لكَ أن تتعاطى هذا معي حتى لا تدخل في مشكلة أًخرى معـه!
(كايون): ومن طلب منكَ أن تكذب؟!.. قُل لسيدك الحقيقة فحسب!
نظر باركر إليه، وأرشقه من الأعلى إلى الأسفل، فقد شعر أن في كلامه إهانةَ له نوعًا ما. دخل ميلڤين في تلك اللحظة وسرعان ما نظر إلى باركر والذي فهمه من دون أن يتحدث، نفى باركر رأسه ردًا لأعين ميلڤين التي سرعان ما تبصرت كايون الواقف أمام المنضدة.
توجه نحوه ودفعه نحو باركر ، دارك كايون توازنه ثم صرخ:
ــ لن أتعاطى ما يتعاطاه!!
وبعد قوله لذلك هاجم ميلڤين وسدد إليه لكمة إلا أن ميلڤين قد صدّها، أخذ القتال بينهما يزداد وقد تحسن أداء كايون كثيرًا ولم يعد ميلڤين يستخف بقدراته، وأثناء قتاله معه تحدّث موجهًا كلامه لباركر:
ــ أُنثر كيس المُخدرات على المنضدة.
نفذ باركر الأمر من دون أن يسأل، في حين حمي وطيس القتال بين الآخَرَين، لاحظ كايون أن ميلڤين يستدرجه نحو المنضدة ففـطن لما يُريده، فحاول أن يصدَّ ضرباته ويغير من مكانه نحو منطقةٍ أُخرى بيد أن الأوان قد فات لأن ميلڤين أدرك بأن الآخر قد فهم الأمر فلم يُعطه المجال في اتخاذ أي حركةٍ أُخرى، وذلك عندما أمسك بمؤخرة رأسه وأطبق بوجهِهِ على المنضدة.
فقد كايون تركيزه للحظات ولم يستنشق المسحوق الأبيض فحسب بل استنشق دماءه أيضًا بعد أن سال أنفه إثر الضربة ...
مدَّ ميلڤين باطن يده نحو باركر ليفرغ إليها كيس مخدراتٍ آخر، دسَ المسحوق الأبيض بوجه كايون وأرغمه على استنشاق المزيد، حاول كايون التملص وقد بادر ببدءِ القتال من جديد غير أن ميلڤين قد ركل كاحله فأسقطه ثم جثى عليه مستخدمًا ثُقله في تثبيته على الأرض.
نصف مسحوق المخدرات تناثر على الإرض إثر مقاومة كايون المستميتة، مما جعل باركر ينثر كيسًا آخر في يد ميلڤين.
أطبق ما في يده على وجه الآخر والذي بات يختنق بالمخدرات أكثر مما يستنشقها. لم يتوقف ميلڤين عما يقوم به حتى لاحظ أن سُعال كايون قد ازداد ...
نهض من عليه وخرج من الغُرفة تاركًا إياه بصحبة باركر والذي قال متفلسفًا:
ــ أرأيت؟!.. لو أنك قد استمعت إليَّ لما حدث لك هذا!
لم يُعر كلامه أي اكترث، واكتفى بأن نهض من على الأرض بأعيُنٍ دامعة ودمٍ تخثّرَ على وجهِه. توجّه نحو دورة المياة، فتح الصنبور وغسل وجهه، نظر إلى المرآة لبرهة، فوجد فيها شخصًا لا يُشبِهُه البتة.
شخصًا أشعث الشعر، ذابل الملامح، بأعين محمرة ترجو صاحبها أن يكُفَّ عن العلوِ بكبريائه، أن يسمح لها أن تبكي بحرية، ألَّا يوقفها ألَّا يصُدها!
شدَّ كايون على قبضته وأطبقها على المرآة ليتناثر زُجاجها في كُلِ مكان، على الأرض وفي الهواء. جُرِحَ خده إثر الزُجاج المُتطاير، ثانية حتى جثى على رُكبتيه وأسند رأسه بحوض المغسلة، تناثرت دموعه قطرةً قطرة فتمتم بوهن:
ــ ذاك شخصٌ مُثيرٌ للشفقة، لا ينبغي لهُ أن يكون أنا!
Ahed Nasser🍂