في عُمقِ الظلام وبين أربعة جدران رُقِعت زواياها بشباك العنكبوت وفُتات الجِرذان كانت تجلس بتربعٌ، وبظهرٍ منحني مُثقلٍ باليأس والخيبة.
هُناك تصبغات داكنة تحت عينيها، وعلامات تعذيب على جسدها الهزيل، كانت تُفكر وتقول في نفسها" أُفضل الموت على البقاء هُنا! لقد تعبت تعبت بشدة. أنـا هنا أتعذب وهم هُناك يستمتعون بحُريتهم، نفسي ثم نفسي فلتذهب مبادئي إلى الجحيم! الزعيم جيفرسون ليس مجنونًا ليأتي و يُخرجني مِن هُنا، لن ينقذني أحد غير نفسي، سأنتهز أي فُرصة تتعثر أمامي! "
قُطِع حديثها النفسي عندما سمعت خشخشة أقفال الزنزانة ـ إنتفضت من سريرها وتوجهت نحو القضبان، تترصد الحارس وتنتظر اللحظة التي يفتح فيها الباب، توتر الحارس، فما رآه أشبه بحيوان بري ينتظر أن يُفتح لهُ القفص لينقض على من حبسه، أخرج الحارس هاتفه وأجرى مكالمة يطالب فيها أحد رفاقه بالقدوم لمساعدته وأثناء ذلك ابتسمت (جيسيكا) نصف ابتسامة وقالت:
ــ يالك من جبان، لا أعلم لمَ أنا من تشعر بالعار عِوضًا عنك؟!
(الحارس): هناك فرق بين الشجاعة والجُبن وفتح الزنزانة لحيوان مفترس حماقة واضحة وليست شجاعة.
(جيسيكا): لا داعي للكذب أنت تعلم بأني أعلم أنك جبان!
أخرج (الحارس) نفس هازء وقال: أعلم بأنكِ تُحاولين إستفزازي ولكن هذا لن ينجح فأنا أتعلم مِن أخطائي و لا أكررها أبدًا!
جاء شرطي يحمل مُسدسًا ويوجه فوهته أمام جيسيكا، فتح الحارس الباب وقام بإمساك ذراعها فسحبت ذراعها منه بعنف ودفعته إلى الخلف في حين حذرها (الشرطي) وقال:
ــ إن تماديتِ أكثر فسأُطلق النار!
سارت جيسيكا إلى مكتب رئيس الشرطة والمحافظ على حراسة أكبر المجرمين في سجن العاصمة... كانت تنظر بطرف عينيها إلى الخلف حيث يوجه الشرطي المسدس نحوها. علمت أن لا فائدة من المقاومة أو مُحاولة قتله والهرب فهو يُبقي نفسه بعيدًا عنها لأنه يعلم أن البقاء بقربها ليس من مصلحته وهو من يمتلك السلاح لذلك بقائه في مسافة بعيدة يعود لصالحه.
دخلت جيسيكا المكتب لتلتحم نظراتها مع أعين رئيس الشرطة ماكس...
ابتسم رئيس الشرطة (ماكس) بشكل ساخر وقال:
ــ لا داعي لإعادة كلامي اليومي.
بقيت جيسيكا صامتة واكتفت بحرقة بنظراتها.
عقد رئيس الشرطة أصابعة وتنهد، ثم أردف قائلًا:
ــ لا تُضيعي وقتي!
جيسيكا: ........
(رئيس الشرطة): ألم تسأمي مِن الأسلاك الكهربائية ؟؟
جيسيكا: .........
(رئيس الشرطة): يقتلني الفضول لأعرف السبب الذي يجعلك مخلصةً لزعيمك إلى هذه الدرجة!
جيسيكا: .........
(رئيس الشرطة): سننتقل إلى مرحلة قلع الأظافر إن لم تتكلمي الآن!
كسرت (جيسيكا) صمتها أخيرًا وقالت: وماذا سأستفيد إن تكلمت؟! أنا في النهاية سأبقى في السجن حتى أتعفن!
(رئيس الشرطة): وما الذي ستستفيدينة إن بقيتِ صامتة ؟ هكذا؟! ستبقين في العذاب حتى تتكلمي!
(جيسيكا): إن لم تُقدم لي فائدة فأعتقد أني سأفضل العذاب حتى أموت وننتهي!
إرتفعت زاوية شفته بابتسامة وسألها بينما يرفع أحد حاجبيه: إلى أين تُريدين أن تَصِلي؟؟
(جيسيكا): إلى أمر يُرضي الطرفين.
عقد رئيس الشرطة حاجبيه وسألها: وما هو؟
(جيسيكا): أن أحصل على حُريتي مقابل أن أعترف بكل شيء!
أعاد رئيس الشرطة ظهره إلى المقعد مع تنهيده طويلة وقال: في أحلامكِ فقط.
(جيسيكا): هل ستترك الكثير من المجرمين وتكتفي بسجن واحد فقط لا نفع منه؟!
(رئيس الشرطة): توقفي عن هذا الطلب العقيم إن لم تعترفي الآن ستعترفين عند قلع أظافرك ظفرًا ظفرًا!
أظلمت عيناها وتكلمت بطريقةٍ شبه هامسة:
ــ أُقسِمُ أنني سأقتُل نفسي إن لم أستطع قتلك، وسأفضل قتل نفسي عِوضًا عن قول كلمةٍ واحدة،
هناك حل واحد فقط لهذه المعضلة، حُريتي، مُقابل عشرات المجرمين في قفصك!
مسح ماكس على لحيته الشقراء ووجه بصره نحو منطقة عمياء، مرت لحظات صامتة لم تكن بالقصيرة حتى أعاد نظره إليها وقال:
ــ إياكِ والمراوغة، مثلًا لنقل أني وافقت.. عندئذٍ اعلمي أنه لن يتم إطلاق سراحك إلا بعدما أعقد اجتماع مع كبراء الشرطة، وبعد مداهمة المقر ومعرفة صدقك من كذبك.
جيسيكا مع ابتسامة شيطانية: هذا أكيد!
واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي فريمونت.
بعد مرور مُدة من الزمن...
أطلت الشمس على المدينة بعد طول غياب، ونثرت نورها في جميع الأحياء. خرج مايكل من منزله في نية لشراء بعض الأدوية، يرتدي ملابس أنيقة، بينما يُصفف شعره إلى الوراء بإتقان.
وأثناء مشيه حرص على ربط وشاحه جيدًا.
وعندما كانَ عائدًا من الصيدلية وجد امرأة تجلس على قارعة الطريق. خصلات شعرها تنساب بنعومة على كتفيها وكأنها خيوط غُزِلت من ذهب ... ملامح وجهها لا تكاد تُبين بسبب تلك القلنسوة، اتجه نحوها لأن الفضول غزا عقله لرؤيته لها وهي تجلس على قارعة الطريق بمفردها بينما تُرتب بعض الأشياء داخل صندوق كرتوني ــ وقف أمامها وهي بدورها رفعت رأسها لتتعرف على ضحيتها الأولى، أقصد زبونها الأول.
بقي يحدق بها للحظات، وعندما اتضحت له معالم وجهها التي تجمع بين الدهاء والمكر .. سألها:
ــ حسناءٌ مثلك، لمَ قد تجلس على قارعة الطريق وتحت حر الشمس؟
(المرأة): لطلب الرزق كما ترى.
نظر مايكل لما في الصندوق ليجد فيه ثلاثه حبال، سخر منها:
ــ حبـال! أأنتِ بائسة لدرجة أنك لم تجدِ شيئًا غير الحبال لتبيعينه؟!
(المرأة): هذه الحبال لها عدة استخدامات لاسيما أن الطلب عليها سيزداد عندما يتعلق الأمر بداء الدنيا.
نفى مايكل برأسه، ثم قال: عندي اقتراح أفضل لك.
رفعت أحد حاجبيها، وسألت: مـا هو؟
ابتسم ابتسامة على الجانب، ثم قال: عوضًا من البقـاء على قارعة الطريق .. تعالي إلى منزلي لنقضي بعض الوقت معًا وسأعطيكِ القدر الذي يُرضيكِ من المـال.
احتدت عيناها وكادت أن تندفع نحوه لكسر رقبته إلا أنها تذكرت البطاقات التحذيرية الموجودة بداخل جيبها، والتي كانت الحائل عن فعل ذلك ... تحدثت بنبرة يشوبها التهديد وفيها ذرات من الوعيد :
ــ كرامتي ليس لها ثمن ولو كانت كذلك لكانت روحي هي الثمن، فلتذهب من هنا أيها الساقط قبل أن أجعل روحك تصعد فوق القمم!
أعاد خصلات شعره السوداء إلى الخلف، وهز رأسه بقلة حيلة قائلًا:
ــ لقد جرحتِ مشاعري، أنتِ أول امرأة ترفضني!
كادت المرأة أن تضيف تهديدًا آخر إلا أن مايكل وضع الأدوية على الأرض فجأةً، وركض نحو إحدى الأشجار القريبة منها، ركع على ركبتيه ثم أنحنى وأخذ مريه بدفع مافي معدته فتقيئ دمًا، دام تقيؤه الدموي لمدة خمس دقائق بشكلٍ متواصل ومع كل ثانية تمر، يزداد ألم مريه بشكلٍ فظيع، وكلما تدفقت الدماء ولامست تلك التقرحات على حنكه الأعلى شعر بألمٍ لاسع وأقل مايُقال عنه مؤلم، بعد أن توقف عن التقيؤ، تحدث بنبرة هامسة:
ــ يبدو أني قد أصبت بقرحة في المعدة!
وأردف قائلًا: أو أسوأ!.. قد يكون كبدي في حالةٍ سيئة!
مسح طرف شفته بكم قميصه الزيتوني وعندما قام بأخذ الأدوية وبادر بالمغادرة، توقف للحظة، لأن شيئًا ما قفز إلى عقله للتو، نظر إليها من أعلى كتفه، وسألها:
ــ كم سعر الحبل الواحد؟؟
تكلمت بنبرة باردة: بخمسة وتسعون سنتًا.
عاد أدراجه وأعطاها النقود، قائلًا:
ــ على الرغم من أن هذه سرقة على مرأى العين إلا أنكِ تستحقينها.
أخذ منها الحبل بعد أن قامت بطوي نهايته على شكل دائرة، ثم أكمل طريقه إلى المنزل.
عندما دخل إلى منزله، توقف أمـام المرآة، نزع الوشاح فانكمشت ملامح وجهه بشمئزاز، طالع رقبته التي أصبحت منتفخة بشكلٍ مُقرف نتيجةً لأصابته بالمرض في غُدته الدرقية، تكلّم بنبرة يائسة محشوة بالتعب:
ــ الألم بات لا يُحتمل ولا يُطاق!
أردف بنبرة أشد يأسًا: أنـا ميت في كلتا الحالتين.
عاد كُل من كيڤن وفرونيكا مشيًا على الأقدام بعد أن التقيا في السوق، ولأن منزل كيڤن هو الأقرب ودعته لتكمل باقي الطريق لوحدها غير أن الفضول أوقفها لرؤية أزهار البنفسج التي زرعها كيڤن في حديقته .. عادت أدراجها ودخلت الحديقة في الوقت الذي دخل فيه كيڤن إلى منزله... بقيت تتأملها وتقول:
ــ حقًا إنها تبعث في النفس شعورًا بالسعادة، كما قال كيڤن تمامًا.
حضّر الأرز وشرع بتقطيع الخيار ، توقف ووضع يده على خفقان صدره. تساءل:
ــ لماذا أشعر بالضيق؟!
بعد أن أصبح الغداء جاهزًا، أخذ الطبق وتوجه نحو غرفة أخيه، ومع كل خطوة كان يخطوها على الدرج شعر كما لو أن الجدران كانت تراقبه، كانت هذه هي المرةُ الأولى التي يخالجه فيها هذا الشعور.
فتح الباب فأصدر صريرًا أعلى مِن المُعتاد، كانت الغرفة تعج بظلامٍ مُريب كما لو أن سرًا يختبئ خلف تلك العتمة..
أضاء أنوار الغرفة، فقابلته جثةٌ مُعلقة، إرتجفت يده لوهلة فسقط الطبق منه. تحدبت عيناه فـتقعرت، ثم تجمدت أوصاله. لم يشعر بأن شضايا الزُجاج قد اخترقت جلد قدمه.. لم يرسل سيال عموده الفقري أي رسالة، فلم يشعر بأي شيء! بدا كما لو أن جميع خلاياه العصبية قد أصابها الشلل جراء ذلك المنظر.
وهنت رُكبتاه فركع على الأرض، وتمركزت الحرارة على طول أنفه.. دمعـةً فدمـعـة، ثم صرخـة، هزت أركان المنزل باسمه:
ــ مـــــــاااااااااااايــــــــكل!!!
شدت فرونيكا على خفقان صدرها كما لو أن قلبها كاد أن يسقط، كانت على وشك المغادرة فعادت أدراجها بعد أن سمعت صرخة كيڤن. أرادت الولوج إلى المنزل إلا أن البـاب كان مُقفلًا...
فزعت وبدأت بالصك على وجهها وتكرارها لعبارة:
ــ ماذا أفعل؟ ماذا أفعل؟!
وجدت نفسها تهرول نحو منزلها لتطلب المساعدة من أهلها .. دفت الباب بقوة وتزامن مع ذلك سقوط قارورة النبيذ من يد والدها، التهمتها جميع الأنظار بينما تتكلم بطريقة صارخة متلعثمة:
ــ كيڤن! أرجوكم بسرعة .. لا أعرف ما الذي حدث .. أنا.. بسرعة، بسرعة! .. ساعدوه!!!
انتفض الكل من على الأريكة وتوجهوا إلى منزله. هم يعرفونه حق المعرفه فقد كان الطفل الوحيد الذي يلعب مع طفلتهم الصغيرة.
قام أخوها مارتن بخلع البـاب لأن كيڤن لم يستجب لطرقاتهم .. تفرقوا في المنزل للبحث عنه، توجهت الأم وابنتها الوسطى يوجيني إلى المطبخ بينما فرونيكا ووالدها وأخوها الأكبر صعدوا إلى الطابق العلوي، صرخت فروني بفزع عندما رأت مشنقـة مُعـلـقـة بمروحية السقـف وجثـة هامدة بين أحضان كيڤن ــ توجهت الأم وابنتها إلى الطابق العلوي وقلبيهما على جمرة ــ شهقت الأم بينما تحدّبت فضّيتي يوجيني.
حاول مارتن تهدئة كيڤن وإبعاده عن الجثه إلا أن ذلك جعله يزيد من تشبثه بها، أذابت الدموع خديه وماتت أحباله الصوتية من بعد تلك الصرخة فبدا صوتهُ شاحبًا أثناء توسلاته:
ــ أرجوكم ... لا تأخذوه مني ولا تبعدوني عنه!
بعد سبع ساعات تم دفن مايكل، وكل ذلك وسط صراخ كيڤن .. هو يعلم بأنه ميت ولن يستيقظ أبدًا ولكن ماذا يفعل؟ فقلبه ما يزال مُعلقًا بأملٍ بائس.
بقيت عائـلة فرونيكا في منزلـه طوال ذلك اليـوم، يواسونه ويتشاركون معـه الألم.
رأى مارتن ورقة على الرف الموجود في غرفة كيڤن وعندمـا فتحها اتضح أنهـا رسالةُ من مايكل، أعطاه الورقة على الرغم من علمه بأن ذلك قد يزيد من جرعات الألم ... بيد أن هذا حقه لأنها وصية من أخيه الراحل.
أخذ بقراءتها رغم تشوش الرؤية في مقلتيه، كان مفادهـا:
ــ أنـا آسف أخي الصغير، أرجوك سامحني، لاتحزن لموت عا*ر مثلي ، تعلم بأن هذا المرض مؤلمٌ جـدًا وأني سأموت في نهـاية المطاف، وأي شخصٍ سيُفضل الموت على العـذاب، أرجوك قدّر وضعي المزري ،صغيري أنت قوي و ذكي تستطيع العيش لوحدك ، أرسلت لك رابطًا في الهاتف سيعلمـك طريقة التسويـق الإلكتروني، أعلم بأنك لاتحب هذا العمل وتريد أن تكون طبيبًا ولكن اجعل هذا العمل مكسبًا لقوت يومك بشكلٍ مؤقت. حافظ على فرونيكا، تبدو فتاةً طيبـة تُحِبُك بصدق، كُن بخيـر.
أخوك الأحمق، مايكل سمث 。:゚
اعتصر الورقة وأشهج بالبكـاء، فبدا كما لو أنه كان يختنق بالهواء. صدره كان يعلو ويهبط بسرعة وكل نفس يسبق النفس الآخر...
أخذت فروني بالمسح على ظهره تارة والمسح على دموعها تارةً أخرى. يوجيني أيضـًا كانت تبكي هي ووالدتها، فمن يرى الحالـة التي كان فيها، سيعتصر الألم قلبه!
مرت بضعـة أيـام .. تراكمت فيها الديون على كيڤن فهو لم يتعلم التسويق الإلكتروني كما أخبره أخوه وذلك لأنه بقي مشغولًا بالاكتئاب والحزن والنحيب عند قبره.
مر شهر أغسطس وكذلك سبتمبر . نفد منه ما تبقى من المال ولم يبقَ له سوى أن يعمل.
ذهبت فروني إلى منزله كالمُعتاد لأجل أن تعطيه ملخصات الدروس التي بات يتغيب عنها كثيرًا .. وعندها، وجدت رجلًا يصرخ في وجهه ويقول:
ــ سأمهلك أسبوعًا واحدًا لدفع الإيجـار، ثم لا ذنب عليَّ إن طردتُك!
بقي كيڤن صامتًا، وماذا بإمكانه أن يقول مثلًا " شكرًا لأنك ستبقيني أسبوعًا آخر بالمجان، أساسًا لم أعد أمتلك ولو قرشًا واحدًا لشراء الطعام.
قدِمت فروني إليـه بعد أن ذهب ذلك الرجل.. وعندها، أخبرته:
ــ يُمكِنُني أن أدفع ثمن الإيجـار.
أرشقها، ثم صرخ في وجهِها: ومن طلب منكِ ذلك؟ هيـا أغربي عن وجهي!
تسمرت في مكانها لوهلـة، ثم بررت:
لم أقصد إزعاجك، أنـا فقط أرد ......
قاطعهـا عندما سحب الملخصات من بين يديها ورماها على الأرض صارخًا:
ــ ها قد أعطيتني الملخصات، والآن اذهـبـي !!
ضغطت على شفتيها، وتزامن مع ذلك أن تمركزت الحرارة حول مُقلتيها، فاغرورقت عيناها بالدموع.. انخفض حاجبا كيڤن لرؤيته لملامح وجهها وهي تتبدل، فتنهد، وبرر:
ــ أنا لم أكن أقصد ...
أدارت ظهرها في نية للمغادرة، فأوقفها بأن وقف أمامها، أشاحت وجهها عن ناظريه وهو بدوره تحدث:
ــ فروني أنا حقًا آسف!
أردف قائلًا: شكرًا لأنكِ تجلبين لي الملخصات دائمًا.
نفت برأسها بلا بأس، ثم تجاوزته وأكملت طريقها، أراد إيقافها مجددًا إلا أنه لم يستطع لأن الكلمات قد خذلته في تلك اللحظة، طأطأ رأسه، ثم جلس على الأرض وغرس أصابعه في فروة رأسه... شتم نفسه:
" تبًا لي! ما الذي فعلتُه؟!! "
كانت هذه هي المرة الأولى التي يصرخ في وجهِها ويعاملها بهذه الطريقة، بالطبع الصراخ والغضب ليس من عادته ولكن الظروف هي من جعلت الغضب ظلًا له، لاسيما قولها بأنها ستدفع له ثمن الإيجار جعله يشعر بأنه مثير للشفقة وهذا الشعور مقرف جدًا خاصةً إن كان هذا الشعور يُخالج المـرء في نفسـه من الأساس.
وبينما كانت فرونيكا تسند رأسها على كتف أختهـا يوجيني، لاحظت الأُخرى ضيقها، فسألتها:
ــ فروني!.. هل من خطب؟!.. أنا لا آراكِ بخير.
تنهدت، ثم استرسلت: كيڤن... تشاجرت معه اليوم، أنا لم أفعل له أي شيء وهو بدوره صرخ في وجهي وأهانني برميه الملخصات التي لخصتها لأجله.
(يوجيني) بنبرة هادئة: كيڤن ما يزال متأثرًا من انتحار أخيه لذلك صرخ عليكِ، من الأفضل أن تقللي من زيارتك له فالمرء يحتاج إلى الوحدة أحيانًا ليتكلم مع نفسه ويفهمها.
سألتها (فروني): كنت أظن أنهُ من المفترض ألَّا أسمح له بالبقاء وحيدًا حتى لايزداد حزنه!
(يوجيني): على العكس، بعض الأشخاص يجدون الراحة في وحدتهم ، صحيح أن الوحدة المستمرة قد تبدو مملة أحيانًا إلا أنها أفضل بكثير من أن تمتلك أشخاصًا يبقون ملاصقين لك في كل يوم!
عقدت فروني حاجبيها، واستفسرتها: ماذا تقصدين؟؟
فلتت ضحكة من بين شفتيها، وقالت:
ــ ما أقصده واضح! جميعنا لاحظنا أنكِ في الأونة الأخيرة تزورين كيڤن كثيرًا.
عقدت فروني ذراعيها، ونبست: هذا لأنني صديقة وفية وأعلم أنه يجب أن أقف بجانبه في مثل هذه الأوقات الصعبة!
انزوت شفتي يوجيني نحو الأسفل في ابتسامة معكوسة، ولمعت فضيتيها بمكر ثم أردفت سائلة: هل أخبرته؟! أم ليس بعد؟!
سألت فروني ببلاهة: مـاذا؟؟
قامت يوجيني بتقليب عينيها، ثم قالت:
ــ لا تتغابي! تعلمين ما أقصده!
تنهدت فروني مبتسمةً، وقالت:
ــ كلا، أعتقد أنه من الأفضل ألَّا أخبره من الأساس.
(يوجيني): ولمَ لا؟!
(فروني): أنظري إلي، من قد يوافق أن أكون شريكة لحياته وأنا بهذا الشكل؟!
قلبت يوجيني عينيها بملل، وقالت:
ــ يالكِ مِن حمقاء، صحيح أن شكلكِ يبدو غريبًا بعض الشيء إلا أنه ليس قبيحًا البتة!
(فروني): أعلم ولكن ... ربما كيڤن يسايرني لكوننا أصدقاء فقط ولو تطورت الأمور بيننا ربما يجرحني بالحقيقة!
(يوجيني): تعرفين كيڤن هو ليس من ذلك النوع، ولو كان كذلك لما بقيتما صديقين إلى حد الآن!
(فروني) بشك: أتعتقدين ذلك؟
(يوجيني): لا، أنا موقنةُ بذلك.
(فروني): حسنًا سأخبره عندما تهدئ الأمور قليلًا.
(يوجيني): ومن الأفضل ألَّا تذهبي إليه خلال هذا اليومين، اسمحي له بالتنفس قليلًا!
ضحكت (فروني) بخفة، وقالت: من يسمعك سيظن بأني أعذبه!
في تلك الدقيقة دخلت عليهما والدتهُما وابتسامة صغيرة مرسومة على ثغرها، تحدثت بصوتٍ مُرتفع:
ــ اسمعوا يانـاس !! يوجيني تشجع أختها على الإعتراف بمشاعرها بينمـا هي ترفض كل شاب يتقدم لخطبتها أو يصارحها بمشاعره!!
ابتسمت يوجيني، وسألتها:
ــ لمـاذا تُريدين التخلص مني بهذه السرعة؟!
(الأم): عن أي سرعة تتحدثين؟! لم يتبقَ سوى القليل وتصبحين عانسًا!
فلتت ضحكة من بين شفتيها، ثم قالت:
ــ عانس! لا أزال في بداية العشرينات!
(الأم): ولم تتزوجي بعد!
(يوجيني): ولن أتزوج طيلة عُمري!
(الأم): ستتزوجين رغمًا عن أنفك!
أسندت خدها على كفِها، وتكلّمت بملل:
ــ اطمئني فلن يجرؤ أي رجل على خطبتي بعد أن يعلم بأني قد رفضت عشرة رِجال قبله.
(الأم): سترين، إن لم يتقدم لكِ عريس خلال هذه السنة فأنا بنفسي سأذهب وأخطب لكِ رجلًا مسكينًا ليتزوجك!
تنهدت يوجيني وهزت رأسها. رن منبه هاتفها، فبادرت بالمغادرة لأجل عملها.
زفرت الأم، وقالت: ما الذي ستستفيده من تشوية سمعة الرجال؟!
صاحت (يوجيني) بينما تفتح مظلتها:
ــ الذكووور!!! وليس الرجال!
في تلك الأثنـاء وفي غرفة سكنتها العتمة كان كيڤن يجلس القرفصاء ويحدّث نفسه بندمٍ، وتخبط:
" حتى فروني لم تسلم مني! سحقًا لي كيف هانت عليَّ مشاعرها عندما رميت الملخصات التي جلبتها لأجلي؟! أي حقيرٍ أنـا؟!
أيضًا هناك النذل صاحب المنزل، عليَّ أن أدفع له ثمن الإيجار، فواتير الماء والكهرباء والمصيبة لا تزال هناك ديون سابقة على مايكل!
لمَ لم يأتِ مسبقًا ليطالب بماله هل نسي وتذكر ذلك الآن؟!..
ولمَ لا أزال جالسًا في هذه العتمة كالخنزير ؟! عليَّ أن أتعلم التسويق وأسدد الديون!! "
نفض عنه غبار الاكتئاب وأخذ حاسوبه وهاتفه وبدأ بتعلم التسويق الإلكتروني.
مر اليوم التالي من دون أن يذهب إلى المدرسة فقد بقي يتعلم التسويق طوال الليل ولا يزال كذلك، وعندما حل وقت مابعد العصر ولم تأتِ فرونيكا كالمُعتاد، أخذ بتحطيم أثاث غرفته وكذلك الندم أخذ يُحطم جوفه من جهةٍ أُخرى.
في اليوم التالي قرر أن يذهب إلى المدرسة لأجل أن يراها، وما كان صادمًا له أنها ابتسمت عندما رأته وتحدثت معه بعفويتها المعتادة.
واصل الذهاب إلى المدرسة لمدة ثلاثة أيام ثم أنقطع عن الذهاب كالمعتاد، لاحظت فروني خلال تلك الثلاثة الأيام ـ شروده الدائم، لاسيما في الطريق وأثنـاء عبورهِما للجسر، كان يُطيل التحديق بقاعه، سألته عن السبب فكان جوابه:
ــ أنـا أحاول ترتيب أفكاري لذلك أشرد في بعض الأوقات.
أثناء انقطاعه عن المدرسة كان يُسخر جُل وقته في العمل على التسويق، لم ينجح فيه بشكل جيد ومع ضغط أصحاب الديون عليه قرر أن يعمل عملًا إضافيًا. كان تحميل البضائع وإدخالها إلى المستودعات، عمل بسيط ولكن مرهق فالبضائع التي كان يُحمِلُها كانت ثقيلةً جدًا ، والمال الذي يجنيه خِلال اليوم الواحد لا يكفي إلا لشراء قوت يومه.
استطاع كيڤن أن يسدد نصف إيجار المنزل ووعد صاحب المنزل بأنه سيسدد الباقي له في أقرب وقت إلا أن صاحب المنزل كان ذو دمٍ ثقيل، لأنه صرخ في وجهه وأهانه ببضع كلمات ثم أمهله يومين فقط.
عاد إلى منزلة عندما انفرشت السماء بعِدة مصابيح منيرة .. رمى نفسه على السرير بإهمال، يشعر بأن هناك الكثير من المشاعر والأفكار المضطربة التي تلطم أمواج فكره وجوفه ، يريد القيام بالعديد من الأمور ولا يريد ذلك في الوقت ذاته، يريد النوم والعكس كذلك، لم يستطع فهم مشاعره أو تفسيرها فاعتقد بأن هذا ما يسمى بالفراغ، همس بصوتٍ خافت عندما تسللت دمعة من إحدى محاجره:
ــ هل تراني يا مايكل؟ هل ترى الحال الذي وصلت إليه بسببك؟ أهان عليك تعبي؟! أهان عليك حُزني ودمعي؟! أهان عليك شقائـي؟!
قال آخر جملة بصوتٍ صارخ، ثم سحب الوسادة واعتصرها بين ذراعيه.
بعد مدة لم تكن بالطويلة، عاد إلى حاسوبه وهو يلف نفسه بالبطانية، فقد تحولت تلك الليلة الهادئة إلى ليلة صارخة بصوت الرياح .. أثناء كبسه على مفاتيح الحاسوب، سأل نفسه:
" لمَ لا أذهب إلى مدينة ريدموند وأعيش هناك في كنف أقاربي؟ "
أردف في نفسه بسخرية: هـه... عن أي أقاربٍ أتحدث؟ عن الأشخاص الذين لم يُكلفوا أنفسهم بحضور جنازة أخي؟! أو عن الأشخاص الذين لم يزوروننا منذ أن توفي والدينا؟! أساسًا منذ تلك الحادثة أصبحنا غُرباء عنهم، كما لو أنهم لا يعرفوننا وكما لو أننا لا نمت لهم بصلة! "
لطمت الهموم فكره مجددًا فتذكر أن صاحب المنزل سيطرده بعد يومين، والأسوأ من ذلك أن الرجل الذي أقرض مايكل بضعة دولارات يطالب كيڤن أن يعيدها له، وهدده بأنه سيُقدّم عليه بلاغًا كاذبًا إن لم يعطه المال غدًا صباحًا.
نفث هواءً ساخنًا من بين شفتيه. أمسك رأسه بكلتا يديه وتذمر: هذهِ لم تعد حيـاة!
في يوم السبت بأحد أيام أوكتوبر.
تسللت خيوط ذهبية باهتة من خلال شُباك النافذة، فنُقِشَ نورها على وجهِهِ الذابل، فتح عينيه فلمعت زيتونيتيه تحت انعكاس الضوء. نهض بكسل وبملامح خالية من حيوية الشباب. اكتفى بشرب كأسٍ من المـاء ثم خرج من المنزل لا يعلم إلى أين تأخُذهُ قدماه ..
استوقفته امرأة كانت تجلس على قارعة الطريق وذلك عندمـا مدت قبضتها المُمسكة بحبلٍ أمام رُكبتيه، التقت مُقلتيها بمُقلتيه، وعندئذٍ تحدّثت:
ــ هل تُريدُ دواءً لداء الدُنيـا الذي رسم سقمه على وجهك؟
حدق بها بحدة، ثم قال:
ــ لو رغبتُ في ذلك فأنـا ما زلتُ مُحتفظًا بحبل أخي!
ردت عليـه : آوه ... آسفـه لأجلك!
تجاهل سُخريتها وأكمل طريقه بتقضيبة بين حاجبيه، فقد لاحظ أن الحبل الذي مدته له كان كالحبل الذي انتحر به أخوه، بطول عشرة أقدام وبنفس الجودة القطنية.
في تلك الأثنـاء .. صفعت فروني وجهها بالمياه الباردة تاركةً لها أخذ دورِ اللؤلؤ في التلألؤ .. خرجت من منزلهـا والحيوية تُغذي وجهها، تحمل في يدها حقيبة بلونٍ زهري، كانت تحتوي على بضعة دولارات.
اتخذت اليوم قرارها وجعلت من العزم رفيقها ــ قالت في نفسها:
" اليوم يوم الصدق، سأُخبره بحقيقة مشاعري تجاهه"
وأردفت قائلة: وسأسدد له ديونه وإن لم يُعجبه ذلك فليضرب رأسه بعرض الحائط! "
توجهت إلى المكان الذي تألفه، عقدت حاجبيها عندما رأت باب المنزلِ مفتوحًا، دخلته وبحثت عنه في كُل حُجرة، وعندما لم تجده، خرجت من المنزل.
قابلها رجلٌ بكرشٍ مُمتلئة، وقال لها:
ــ نادي لي على كيڤن، علَّ وعسى دبّر لي المال!
في نفس الوقت جاء صاحب المنزل وناجى:
ــ هااي يافتى! هل ستعطيني الباقي؟! أم ستبيت غدًا في الشارع؟
(فروني): هو ليس في المنزل.
في تلك اللحظة انفتحت كِلتا مُقلتيهما إلى الحد الأقصى ثم اقتحما المنزل ليُفتشا عنه، وبعد أن قلبا المنزل رأسًا على عقب خرجا وكل منهما يشد على رأسه.
ــ ذلك الوغد ... هل ياتُراه قد هرب؟!
ــ تبًا له ولأخيه! ليتني لم أُقرضهُ مالي!
عقدت فروني حاجبيها وصرخت في وجهِهما قائلة:
ــ كيڤن ليس لصًا وليس وغدًا!
رمت حقيبتها الزهرية على الأرض وقالت:
ــ فليأخذ كلُّ منكما حقه!!
تسابقا في أخذ المال كما تتسابق الكلاب لأخذ العِظام.
كل فرد من أسرة فرونيكا قدمَ مبلغًا من المال في تلك الحقيبة. أساسًا مارتن أعطاه مبلغًا من المال قبل فترة إلا أن كيڤن رفضه وبشدة، لأن ذلك خدش كبريائه.
ركضت فرونيكا إلى اللامكان للبحث عنه، بحثت عنه طويلًا وكان ذلك من دون فائدة. وجدت نفسهـا وهي تتوجه نحو ذلك الجسر ... وهُناك كانت الصدمة، رأت كيڤن وهو يقف على حافة السياج.
ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس ـ ـ حي بيكو يونيون.
شخصان يرتديان السواد، يمشيان بارتباك .. أطل أحدهما برأسه على مستودع قديم وعندئذٍ قال لصاحبه:
ــ كما توقعنا، لقد كانوا هُم بالفعل!
أردف مُكملًا كلامه:
ــ علينا ألَّا نعود إلى هذا المكان مُجددًا!
🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️🍁🌧️
Ahed Nasser🍂