تحت أنقاض الماضي

تحت أنقاض الماضي

52 1

واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ حي كابيتول هيل ـ ـ عصرًا ـ ـ

كانت جيسيكا تجلس بجانب صندوقها الكرتوني أثناء شربها للماء، ظنت بأنها قد تخلصت من المزعج المتعجرف، وعلى الرغم من أنها لم تستطع قتله إلا أنه قد هرب بعيدًا ومر على ذلك أسبوع وعشر ساعات تقريبًا، أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته، تشعر كما لو أنها للتو قد خرجت من السجن ــ وعلى الرغم من أنها تتحس وجود شرطي يحوم حولها بين الحين والآخر إلا أنها تتصرف بعفوية، وترفع صوتها بعبارة :حبل الغسيل هذا بخمسة وتسعون سنتًا!

الشرطة لا تعلم بأنها قد أصبحت تبيع المشانق، فبمجرد أن سألها أحدهم ذات مرة عن سبب بيعها للحبال ردت عليه: بيع حبال الغسيل هو مصدر قوت يومي، وعلى الرغم من أنه لا زبائن كثر، إلا أنني أرضى بالقليل.

رد الشرطي عليها بسخرية: إن أنقصتِ السعر، قد يزداد دخلك قليلًا.

لم تعره اهتمامًا، لأنها تهتم لأمر حريتها أكثر.....

استقامت وأخذت بتمديد يديها في الهواء لتطقطق عظامها، حملت صندوقها وباشرت المسير، ومن اللامكان قفز لويجي ووضع معصمه فوق كتفها كما لو أنهما أعز الأصدقاء، تسمرت لوهلة واتسعت حدقتاها بينما قال الآخر:

ــ أعلم بأنني قد غبت عنك لسنوات وهذا لأن عملًا هامًا قد أجبرني على ذلك، أرجوكِ لا تغضبي عليّ وقدري ظرفي!!

1

خرجت عن صدمتها بأن كمشت يدها على معصمه وأودعته أرضًا، ضحك لذلك، وعندما كادت أن تنقض عليه بلكمة، تقلب متجنبًا إياها إلا أنها سرعان ما جعلت الأمر لصالحها فأطبقت بركبتها على عموده الفقري لتثبته على الأرض، أمسكت ذراعه اليسرى واعتصرتها، ثم شدتها إلى الخلف بقوة لتنوح عظامه ويصرخ لويجي بألم جراء خلعها لذراعه وصولًا للكتـف..

تركته بعد ذلك وأمضت في طريقها، شد على ذراعه المكسورة، ورفع رأسه قليلًا متأملًا خطاها التي تبتعد عنه. شبح ابتسامة جانبية زينت وجهه، وهسهس قائلًا: يالكِ من امرأةٍ عظيمة.

ولاية كاليفورنيا ـ ـ مدينة لوس أنجلوس ـ ـ في المقر.

كان باركر يمارس تمارين الضغط بينما ألكس يقلب مواقع التواصل الاجتماعي، ضحك بخفة فشد ذلك انتباه باركر، فسأله:

ــ أهو ڤيديو مضحك؟

ــ لا، لقد تذكرت حفل زفاف ميلڤين فحسب.

شخر باركر ففقد توازنه، التصق صدره بالأرض، فقهقه الآخر بقوة وقال:

ــ كان ذلك أجمل زفاف على الإطلاق!

(باركر): كنت..كنت...كنت أعلم بأن تلك الحجرة لن تتزوج إلا بالإجبار!!

(ألكس): لا بد أن الفتاة وأهلها كانوا تحت تهديده!

في مكان آخر من لوس أنجلوس ـ ـ صباحًا.

لقد مر على حفل الزفاف المشؤوم ما يقارب الأسبوع.

استيقظ ميلڨين وحين نظر إلى يمينه لم يجد يوجيني، فغمغم " إلى أين ستذهبين "

وتزامنًا مع نهوضه سمع صوتًا غريبًا، نظر إلى الأسفل فاتسعت عيناه بدهشة، عندما وجد خلخالًا معقودًا حول كاحله، رمق الباب حين شعر بأن أحدهم كان يختلس النظر، وبحكم أن المرآة كانت قريبةً من ميلڤين رأى انعكاسه عليها وذلك زاد مِن الدهشة صدمة عندما رأى خصلاته وهي مربوطة بثلاث شرائط زهرية ــ أغمض عينيه وأخذ نفسًا عميقًا، رمق الباب مجددًا وقال: يوجيني، فلتدخلي!

قرعت الأرض بكعبها الأزرق وتقدمت بينما ترميه بنظراتٍ حادة، عقدت مرفقيها واستفسرت: نـعـم؟

(ميلڤين): ما هذه المهزلة؟

ردت عليه بنبرة ونظرات لا تخلوا من السخرية:

ــ أنت تفعل ما تريد، وأنا كذلك!

(ميلڤين): هكذا؟!

(يوجيني): لا، ليس هكذا فحسب!

(ميلڤين): ماذا أيضًا؟

(يوجيني): سوف أجعلك تندم، وأنت بنفسك ستعيدني إلى أهلي وقد ضُقتَ ذرعًا بي!

(ميلڤين) بتهكم: وأنا سأجعلك تغرقين بي، للدرجة التي تنزل فيها دموعك عندما أتأخر عن المنزل.

(يوجيني): هـه...ذلك لن يحدث.

(ميلڤين): سنرى!

(يوجيني): سنرى!

ــ سنرى!!

ــ سنرى!!

باشر في تبديل ملابسه وترتيب نفسه للذاهب إلى العمل وأثناء ذلك تفاجأ، عندما لاحظ أن على أظافره طلاء، بلون زهري وأصفر فاقع، كما لو أنها تتقصد استخدام أسوأ الألوان. تنهد وقال في نفسه " كانت لتحدث كارثة لو أني ذهبت إلى المقر هكذا " 

جلسا في مقاعد متباعدة أثناء تناولهما للإفطار، ميلڤين يرمقها بين الحين والآخر بينما الأخرى تتجاهل نظراته وتكتفي بفعل حركات مستفزة، كتقليب عينيها على مائدة الطعام، وعلى الرغم من أن ذلك قد استفزه بالفعل إلا أنه ابتسم بخفة ليستفزها هي الأُخرى.

استأذن أحد الخدم وقال: سيدي، لقد جاءت أسرة السيدة درلام لأجل وداعها قبل سفرهم.

انتفضت وركضت إلى الخارج، فتحوا البوابة لترتمي في حضن عائلتها.

(يوجيني) بنبرة باكية: لماذا سترحلون بهذه السرعة؟!

(الأم) بشجن: لأجل عمل والدك ولأجل دراسة أختك!

(يوجيني): لكن....

لم تستطع أن تتحدث بسبب دموعها، لأنها بالفعل شعرت بأنهم يتخلون عنها الآن بعد أن أجبروها على الزواج، أخذ كل من بالعائلة دوره في وداعها وعناقها، وأثناء عناقها لوالدها، همس في أذنها:

ــ سامحيني يا ابنتي.

ذلك جعل دموعها تتمادى في السقوط، وشعورها بندم والدها خفف من وطأة الزواج القسري، غير أنه قد فتح جروحًا أخرى أشد ألمًا...

قدِمَ ميلڤين لوداعهم، وطالت مصافحته لمارتن، والذي كانت عيناه تتحدثان بلغة الحقد، فهمها ميلڤين جيدًا فبادله بنظرات باردة غير مكترثة....

واشنطن ـ ـ مدينة سيـاتل ـ ـ حي كابيتول هيل ـ ـ

صكت جيسيكا على أسنانها عندما سمعت وقع أقدام كابوسها...

ــ هااي، كيف حالكِ؟!

ــ إن لصبري حدود!

سألها بنبرة لعوبة: حدود جوية أم برية؟!

فارت عروقها، فانتفضت من مكانها في هجومٍ عنيف، تجنبها الآخر وأعطى الأمر جدية أثناء صده لضرباتها، وبعد وابلٍ من اللكمات الفاشلة قام الدون ليڨينو بتوجيه ركلة خلف ركبتها مما تسبب في ركوعها، أدارت رأسها إلى الخلف حيث لويجي وتوعدته بنظراتها الحادة، وما هي إلا ثوان حتى استقامت وعاودت شن الهجوم ــ ارتخت تعابيرها أثناء تساؤلاتها عن سبب عدم قدرتها على لمسه، وكذلك عن سبب تركيز الآخر وجديته في قتالها هذه المرة، فما اعتادته سابقًا هو تجنبه لضرباتها واستهتاره، أما الآن وعلى الرغم من ذراعه المكسورة إلا أنه قد أصابها بالعديد من لكماته التي لم تكن طفيفةً أبدًا. سقطت جيسيكا مجددًا وتناثرت خصلاتها على جبينها، بقيت على الأرض لمدة حتى تُجمّع شتات أنفاسها، استغربت من تصرفه ومن اختلافه عما سبق فسألته بأنفاسٍ لاهثة:

ــ ما الذي تريده منـي؟!

(لويجي): أنا لا أريد منكِ شيئًا.

وأردف بعد ربع الثانية: فقط أريدك أنتِ.

اتسعت حدقتها واعتقدت بأنه يتفوه بالخزعبلات كعادته، غير أن عينيه لم تحملا مراوغة أو مكرًا أثناء قوله لذلك وهذا ما أقلقها حقًا.

نهضت واندفعت نحوه في محاولة لإسقاطه ولكنها فشلت وانتهى الأمر بسقوطها مجددًا. تكلّم لويجي بنبرة هادئة:

ــ أين المشكلة في أن تكوني زوجتي؟!

لم ترد عليه فهي لم تستوعب بعد سبب تغيره المفاجئ، وما إن كانت شخصيته السابقة مجرد تمثيل أو أنه شخص بشخصيتين ــ حتى نبرته ونظراته تغيرت، ذلك جعلها تقول في نفسها "يا إلهي يبدو مختلفًا !!  "

ولن تكذب لو قالت بأن شخصيته هذه قد راقت لها نوعًا ما، أيقنت فيما بعد بأنها تعاركه لسبب هي لا تعرفه ولذلك توقفت وقررت أن تمضي في طريقها فحسب ــ وكالعادة تبعها الآخر ولكن ليس بتلك الخطوات القافزة بل بخطواتٍ أخرى رزينة.

استرقت جيسيكا النظر إلى الخلف حيث لويجي يمشي بهدوء بينما يغمس يديه في جيوب معطفه، سألت نفسها حينئذٍ " هل سأبقى أبيع المشانق طيلة حياتي؟ أم أن هذا البلاء هو خلاصي؟ أحقًا لا يوجد حل آخر لمشكلتي؟! "

جلست قُرابةً من الرصيف ووضعت صندوقها جانبًا بحيث يكون الفاصل بينها وبين لويجي، عمَّ الصمت المكان لفترة حتى كسره لويجي عندما قال: ما قولك؟

رمقته ولم تجب عليه فهي لم تصل إلى قرارٍ بعد، هي لا تعرفه تمامًا وتجهل كل ما يخصه عدا أنه مجرم، لا شيء يمنعها عن الموافقة عدا أن شيئًا بداخلها يحثها على الرفض وهي لا تعلم لمَ ؟!

وعلى الرغم من أنها تحاول الثبات وتمثل عدم الاكتراث إلا أنها بالفعل كانت تفكر بعمق والآخر علم في قرارة نفسه بأنها مشتته وضائعة، ولذلك أخرج قداحته وسيجارتين، مد لها واحدة وهي لم تمانع فهي بأمس الحاجة إليها حاليًا، تناولتها بينما أشعل لها الآخر طرف اللفافة، لم تكن أعينه على السيجار بل على مابين رمشيها وهي الأخرى كذلك راقبت أشعاله للفافه وصولًا للنظرات التي ترميها مُقلتيه ...

توارت الشمس عن السماء والآنسة جيسيكا لم تتحدث بعد، وبعد أن أنهى الدون ليڤينو علبة السجائر استطرد محاولًا مساعدتها على اختيار الخيار الذي يريده:

ــ الحياة معي لن تكون سيئة كحياتك الحالية.

حجدته وقالت: لا شأن لك في حياتي.

ــ وهل تنوين البقاء وحيدةً في هذه الحياة؟!

ــ ومن قال لك بأني وحيدة؟!

ــ لو أنكِ تمتلكين أهلًا أو أقارب لما تجولتي في الشوارع لبيع المشانق!

صمتت جيسيكا فهي بالفعل من دون عائلة ومن دون أقارب، كانت تعتقد بأن المافيا هي عائلتها بيد أنها قد أدركت مؤخرًا بأن الزعيم كفلها طفلة تلبيةً لرغبة ابنته، أما الآن وبعد أن كبرت أصبحت حياتها لها وحدها.

سألها لويجي بعد مدة:

ــ هل أنتِ لقيطة؟

التفتت نحوه مشدوهة وقالت:

ــ بكل وقاحة تسألني هذا السؤال؟!!

ضحك الدون واستفسر: وأين المشكلة في سؤالي؟!

(جيسيكا): وتسأل أيضًا؟ اختر ألفاظك بعناية!!

(الدون ليڤينو): هوني عليكِ فأنا لقيطٌ أيضًا.

(جيسيكا) بتعجب: حقًا؟!

(لويجي): ليس تمامًا، ما أعنيه أني قد جربت شعور اللقيط.

رفعت أحد حاجبيها ليسترسل الدون ليڤينو قصته: أمي وأبي، كُلُّ شيءٍ بدأ حين بدأت عداوتَهُما، حياتهما كانت مملوءةً بالأسرار حيث يخفي كُلٌّ منهما حقيقته عن الآخر على الرغم من أنهما زوجان. كانا على خيرِ ما يُرام حتى جاء اليوم الذي اكتشفت فيه أمي بأن والدي زعيم مافيا يعادي المنظمة التي كانت تعمل بها، وتلك المنظمة تُدعى ((S.D.X)) وهي كذلك خارجة عن القانون.

أسندت جيسيكا مرفقيها على ركبتيها وأذعنت لكلامه أكثر.

ابتسم لويجي لتركيزها فقصَّ عليها مكملًا:

ــ هي لم تكره لأنه عدو منظمتها بل لأنـه الشخص الذي قتل والديها.

فرهت شفتاها واستفسرته مشدوة: وكيف يقتل والديها وهي زوجته؟!

(لويجي): قتلهما قبل أن يتزوجا وقبل أن يقابل أحدهما الآخر.

(جيسيكا): وكيف علمت أمك بأن والدك هو من قتل والديها؟!

(لويجي): من خلال المنظمة التي تعمل بها، فهي لطالما كانت تحارب عدوًا خفيًا لا تعلم عنه سوى اللقب الذي يتهامس بهِ الناس"أمبرا" ومع عداوتهم الطويلة واستبسال المنظمة لدحر عدوهم والإستقصاء عنه.. توصلوا إلى أن الظل {أمبرا} هو نفسه فيتوريو فيتالي، لم تكن أمي لتصدق ذلك غير أن أخوها أورازيو هو من اكتشف هذا الأمر. أمتلأ قلبها لهبًا وتحولت علاقتها مع والدي إلى حمم مسحت كل ما هو جميلٌ بينهما، ليستولي الظلام عليها. لطالما كانت أمي وأخوها يعملان للإنتقام ممن سلبهما والديهما، وازداد حقد أمي بعد أن عرفت أن القاتل هو ذاته زوجها، الذي أحبّته والذي عاشت معه نصف عمرها وأنجبت منه أخي الأكبر زِفيرو. بدا لها أن تلك السنوات التي قضتها معه كانت مجرد مسرحية، أبي فقط من حضرها وكان يضحك عليها وعلى حبها له وهو من دمّر طفولتها وأذاقها مرارة الفقد. قررت أمي أن تنتقم منه باغتياله في منزله، فدسّت له السم في الشراب ولكنها تفاجأت حين قال لها" فيتوريا، إن أردتِ قتلي فاقتُليني، ولكن لا تختاري الطريق الأسهل" أدركت أمي بأنه كان على علمٍ بأمرها، لم يسعها الوقت لأن تسأله كيف علم بذلك واكتفت بأن ضغطت على الكرستالة التي تستقر بخاتمها. لم يكن أبي سهلًا فقد أدرك بأن ذلك الخاتم ليس عاديًا وبأن ما فعلته للتو كانت إشارة للمنظمة بفشل المهمة. وبعد أن أرسلت لهم الإشارة اندفعت نحو أبي لتقاتله وكادت أن تطعن عنقه بالسكين غير أن أبي صدَّ ضربتها بخفة بواسطة خنجره، وكُلُّ هذا حدث أمام أعين أخي زِفيرو، والذي كان يظن بأن والدتنا عادية وأنه هو وأبي من يعملان بسريةٍ فقط. صرخ أبي عليه قائلًا" افتح الممر" تلبَّكَ أخي وفعل ذلك على مضض، فكشفت الأرضية عن سرداب ذو بابٍ معدني فُتِحَ بِسُرعة. أمره والدي بالدخول فدخل أخي وعقله يتصدّع بألف سؤال.

وقبل أن يقتحم أعضاء المنظمة المكان كان أبي قد التف حول أمي أثناء القتال فباغتها بأن ضرب عنقها لتفقد الوعي، حملها على كتفه وأسرع يغلق الممر خلفه للتتفاجأ المنظمة من عدم عثورهم على أيِّ أحد. بينما سرت عائلتي في ذلك الممر ووصلت إلى مساحة واسعة وفارغة، ومن هناك أكملوا الطريق حتى وصلوا إلى مخبأ المافيا الخاصة بأبي، وهناك احتجز والدتي في مرفقه الخاص وحرص على أن يسلبها كل ما تملك من أسلحة، وحين استيقظت والدتي رجّت المكان بصراخها وبمحاولتها لخلع الباب على الرغم من علمها بأنه حديدي، وجنونها ذاك لن يزيد إلا من تعبها. تجاهل والدي أسئلة زِفيرو وكل ما يفكر به هي أمي، لا يعلم ماذا يفعل بها بعد أن فسد كل ما بنيـاه في الماضي، وحين أبقاها محبوسة.. استخدمت بطاقتها الأخيرة والتي كادت أن تتخلص منها مُسابقًا لولا أنشغالها بالحقد على والدي...

زفر لويجي وأتبع كلامه: تلك البطاقة كانت أنا... فجّرت المكان بصوتها المتوعد لوالدي بأنه إن لم يُخرجها لتقتله فسوف تقتل ما بأحشائها، أمـ...

(جيسيكا): تُجهضك؟!!.. ولكنك ابنها أيضًا!

(لويجي): نعم، إلا أن حقدها جعلها تود لو تقطع كل ما يربطها بوالدي.

(جيسيكا): أكمل.

استرسل بثغرٍ مُتبسم:

ــ امتقع وجه والدي لذلك، إذ أنه لم يكن على علمٍ بأمر أن لهُ ابنُ ثاني قد يُقطع عنه الطريق إلى هذه الحياة. ولأنه يعلم بأن أمي تريد أن تقتل كل ما بينهما.. فتح لها الباب وسرعان ما هجمت عليها ثلاث نساء من أتباع أبي وعمِلنَ على تكبيلها بالحبال، ريثما يتم إحضار طبيبة وممرضة. حسنًا في الحقيقة ما كانت لتحضر طبيبة إلى ذلك المكان النائي لقد تم اختطافها بناءً على أومار أبي لأجل أن تحرص هي والممرضة على عدم إيذاء أمي للجنين خلال الأشهر المتبقية، وبعد أن انقضت المدة ومر شهرٌ على ولادتي، حدث ما لم يكن بالحسبان حيث تفجّرت قنابل بداخل المقر وخارجة وهجم علينا أفراد تلك المنظمـة، لا أحد يعلم كيف توصلوا إلى مكاننا المحصن. حدثت فوضى عارمة والدخان بات كالسور الذي يحاصرنا بموقعنا، اتخذ أبي قراره حين دثّرني بعدة أقمشة وأمر أخي بأن يهرب وبأنه سيلحق به فيما بعد. أخي كان يعلم بأن أبي يكذب وأبي كان يعلم بأن أخي قد اكتشف كذبته ومع ذلك حرصَّ على تنفيذ أمره وأعطى الأولوية لحماية الأمانة التي تركها والدي معه، بمجرد أن أمّن لهُ طريق الخروج بواسطة أتباعه، ازداد لهيب المعركة، في حين يواصل أخي الهرولة نحو المجهول، حملته قدماه نحو "لانغة" قرية ريفية لا يعرف فيها أحدًا. كان ما يزال في السادسةَ عشرا من عمره، لا يعلم ماذا يفعل برضيعٍ مثلي عندما يبكي، ولأنه ترك والدانا وسط تلك النيران شعر بأنه مشطورٌ إلى نصفين، نصفٌ يريد الإعتناء بي، ونصفٌ يريد العودة إلى أنقاض الجحيم.. بعد معركةٍ جالت في نفسه، خطرت في باله فكره. أخذ يتجول بين تلك الأحياء البسيطة حتى توقف أمام كوخٍ لا يقطنه غير مسنان، وضعني بسلةٍ صغيرة بها رسالة وتركني أمام الباب، بعدها.. اندس خلف الأشجار ليرى ما إن كانا سيأخُذانني أم لا. وبمجرد أن فتحت تلك المسنة الباب قطبت حاجبيها ونادت زوجها والذي التقط الرسالة التي بجانبي حينما بدأتُ أبكي، رقَّ قلب العجوزة بينما تنظر إلي وتتسأل "من عساه يترك طفله هكذا؟!" في حين أخبرها المسن بأن من ترك الرسالة يخبرهما بأن يعتنيا به مؤقتًا وسيدفع لهما المال حينما يعود لأخذه... تلفت المسنان يمنةً ويسرة ثم قررا بأن يحتويانني، و...

(جيسيكا): وتركك برفقتهما؟!

(لويجي): نعم، بعد أن اطمأن أخي لكوني بمأمنٍ معهما ترك مبلغًا بسيطًا أمام الباب كعربون شُكرٍ لموافقتهما، وكتب رسالةً أُخرى تؤكد بأنهما سيحصلان على مبلغٍ أكبر بعد مدة.

(جيسيكا): ومن ثم؟

(لويجي): عاد أدراجه نحو تورينو، ولكنه لم يجد إلا الجثث التي صدرت عنها رائحةٌ قارحة بعد أن تخمّرت بالمطر. جثى على ركبتيه وحملت الرياح شكوى صوته المتهدج، لقد خسر كل شيء، وكل ذلك لم يكن بيده ولم يكن بقراره ولكنه قد كان الطرف الأكثر خسارةً في تلك المعركة... وبعد أن جفّت عيونه، التفت إلى الخلف حين سمع تهشم إحدى الغصون، فوجد قلةً قلائل من أتباع والدي، تقدم أحدهم والمُلقب بذو العين الواحدة ومدَّ يده لأخي بينما يخبره بأن عليه أن يستعد ليحمل على كتفيه منصب الزعامة وليحمل لقب والدي ذاته "أمبرا"

تحمّل ذلك العبئ في سنٍ صغيرة ولكنه لم يكن لوحدة فذو العين الواحدة كان خير مُعينٍ له وخير مرشد. وخلال تلك الفترة كان أخي يغادر المقر كل شهر ليترك مبلغًا أمام ذلك الباب، وليسترق بعض النظرات عليّ منتظرًا أن أكمل السنتين الأولى من عمري في ذلك المنزل لأجل أن يأخذني في السن التي يستطيع من بعدها أن يعتني بي بنفسه، ولكن الأمور لم تجرِ كما خطط، فعندما جاء في المرةِ الأخيرة كان قد اتخذ قراره بأن مدة إقامتي هناك قد انتهت، فقَدِمَ مع حقيبة مملوءة بالمال وأقدم على طرق الباب، مرة، مرتين، فثلاث دون أن يجيبه أحد، استغرب من ذلك وعزَّ إلى أنه قد جاء في وقتٍ مبكر، فألقى نظرةً من خلال النافذة ليجد أن جميع الأثاث مُغطىً بأقمشةٍ بيضاء. تيبّست أطرافه لتفسيره السوداوي فأقدم على خلع الباب. قلب المنزل رأسًا على عقب وكل خشبةٍ بهِ تخبر زِفيرو بأن الكوخ قد هجره أهله، وشباك العنكبوت تشهد على ذلك. ارتجفت أصابعه وهو يُقلِّب بالأدراج علَّ العجوزان قد تركا له رسالة ولكنهما لم يتركا خلفهما غير الخيانة. خرج من الكوخ كالمجنون وشرع يوقظ أهل الريف من نومهم حين دك باب بيوتهم بابًا بابًا، ولكن دون جدوى، فحتى سكان الريف صرّحوا بأن العجوزين قد سافرا فجأةً دون أن يعلم أحد عن وجهتهما... ومن هُنا بدأ أخي في البحث عني برفقة رجاله، بدأوا بالقُرى القريبة ثم توجهوا للبحث في المدن دون عنوان ودن وجهة محددة وهذا ما جعل الأمر صعبًا عليهم في حين كُنت أنا برفقة العجوزين بالعاصمة (روما) أين كُنت أحسب بأني أبنهما الفعلي فهما لم يقسوا عليّ البتة، وبدا لي بأنهما يحبانني حقًا، و...

(جيسيكا): وكيف وجدك زِفيرو؟!

(لويجي): سأُخبرك، ولكن دعيني أُكمل!

(جيسيكا): حسنًا حسنًا، لن أُقاطعك.

(لويجي): المهم... مرت بضع سنوات، فقاما بتسجيلي في إحدى المدارس، سألهما المدير بريبة ما إن كانا والديّ حقًا فهما كبيران جدًا على امتلاكهما لطفلٍ في مثل سني، خشي العجوزان من شكه، وما إن كان ذلك سيورطهما فأخبراه بأنهما ليسا والداي ولكنهما وجداني في الشارع وقررا أن يعتنيان بي، وهنا فقط اقتنع المدير، وجرت الأمور بطيب إلى أن انتشر بين المدرسين بأني لقيط، وسرعان ما أصبحت تلك الكلمة كسلسلة لا منتهية تلاحقني أينما ذهبت، تعرضت للتنمر منذ بدأت هذه الكلمة، لم أكن أعي ما تعنيه وحين سألت العجوزة عنها أخبرتني بأن لقيط تعني وسيم وهكذا ضحكت عليّ، ولكن هذا الكلمة كانت تُقال لي من وجوهٍ مشمئزة، وبنبرة قاسية بحيث جعلتني أبحث عن معناها من شخصٍ آخر، وحين سألت أحد المدرسين، لم يجبني ومع إلحاحي سمعني أحد الطلبة الكبار فنادى عليّ بعد الدوام المدرسي، وتلذذ برؤيه دموعي وهو يقول لي معنى كلمة لقيط... رحت بعدها إلى المنزل ونويت أن أُفجر جام غضبي على العجوزين ولكنني أجّلت ذلك عندما وجدت ضيفًا بصحبتهما، لقد كانت عجوزًا أُخرى... هـه، والتي كُنت أُناديها بخالتي كاثرينا. مسحتُ دموعي وقررت أن أنام فحسب، بعد أن أقنعت نفسي بأنه لايمكن أن أُصدق هراء طلاب المدرسة، فلا بدَّ وأن هاذين العجوزين هما والديَّ. كذبت على نفسي وصدقت نفسي، ولكنني في نهاية المطاف هربت.

(جيسيكا) بانبهار: هربت؟؟!

(لويجي) وهو يومئ برأسه: نعم، فما سمعته من زوج العجوز كان السبب.

(جيسيكا): وماذا قالت؟

أخذ لويجي قارورة الماء خاصتها، شرب منها رشفتين، ثم استطردَ قائلًا بينما يُغلِقُ الغطاء:

ــ سمعت كاثرينا تسأل العجوزة عني وتُلح عليها أن تقول لها من أين أحضرتني وتلك العجوزة تحاول تغيير الموضوع بشتى الطُرق وتقول لها يكفي، وبأن إلحاحها هذا لن يقدّم لها الإجابة ككل مرة، ضاقت كاثرينا كثيرًا فهي الأُخرى باتت عجوزة وتغضب بسرعة فصاحت مهددةً بأنها لن تزورها مجددًا، فصُفِعت حين لم تبدِ الأُخرى أي قلق وظلّت مصرةً على صمتها. باشرت كاثرينا بالمغادرة، فاختبأت وراقبتها أثناء صفقها للباب خلفها، سمعت صوت المسن من الحديقة وهو يحاول أن يُهدئها فصرخت كاثرينا عليه هو الآخر فأمسك بمعصمها وحدّثها بخفوت"سأُخبِرُكِ، ولكن عديني بأن الأمر سيبقى سرًا بيننا"

حين سمعته يقول ذلك، ألصقت أُذني بالباب وأصغيت بكل جوارحي، في حين يزداد خفقان صدري مع كل حقيقةٍ أسمعها... سمعت كاثرينا وهي تستفسره بعدم تصديق"هل اختطفتماه من والده؟!"

أجابها العجوز" اخفضي صوتك!.. والأمر ليسَ كذلك!"

ردت عليه" كيف ليس كذلك؟ وأنت تقول بأن الشخص الذي وضعه أمام منزلكما أنبأكما بأنه سيأتي ليأخذه فسافرتما؟!.. هذا اختطافٌ واضح!"

قال العجوز بوجل" تعلمين بأننا لم نرزق بالأطفال!.. ونحن ربينه وتعلقنا به، وما فعلناه كان لأننا لا نريد التخلي عنه!"

تنهدت واستطردت"لأنك أخبرتني، سأُبقي الأمر سرًا فلا تقلق!"

بعد أن أنهيا تشاورهما سددت فمي بكفي حتى لا تفضحني شهقات قهري، هرولت نحو غرفتي وبعد أن حلَّ المساء تسللت هاربًا منهما، متجهًا نحو اللامكان بحثًا عن أبي الحقيقي أو هذا ما ظننته، كنت ما أزال في السابعة وأقدمت على هذا الفعل المتهور، نمت في الشارع لأيام وسددت قرقرة معدتي ببقايا النفايات، وتعرفت على صديق، كان كلبًا أبيض أسميته نيڤي، لقد أطعمته مرة وهو بدوره ظل يرافقني أينما أذهب بل إنه قد دافع عني حين كادت إحدى كلاب الشوارع أن تفتك بلحمي، وهكذا بقيت أتسكع حتى وجدني أحد رجال الشرطة، كاد أن يضعني في ميتم لولا أني قد صرخت قائلًا بأني لست يتيم حتى يضعني هناك، سألني عن ماذا أكون فأجبته بأني ضائعٌ عن أبي وحين سمع هذا.. أخذني إلى مخفر الشرطة، وهناك علموا بأني ذات الطفل الذي يبحث عنه عجوزان، خفت، خفت كثيرًا من عودتي إليهما فأنا أريد أبي الحقيقي وليس من أبعداني عنه، وحين وصلا إلى المخفر اختبأت خلف الشرطي وذلك جعل الشك يتسلل إلى قلبه من أن ذانك العجوزين يعنفانني، فقاموا بإجراء تحقيقٍ معهما وباستجوابي، لم أكن ناكرًا للجميل لم أخبرهم بأنهما اختطفاني وقلت لهم بأنهما من ربياني ولكن حتى يعود أبي، ولأنه تأخر قررت أن أخرج للبحث عنه.

اعترف العجوزان بنصف الحقيقة، وقالا بأنهما سافرا إلى العاصمة لأجل أقاربهما ولكنهما ينويان العودة إلى القرية حتى يأتي والد الصبي ليأخذه.

عدنا إلى القريبة بعد ذلك، ولكن لم يأتِ أيُ أحدٍ لأخذي.

1

وحين أصبح عمري في الخامسةِ عشرة، توفي العجوزين، وقد تألمت لفقدانهما كثيرًا.

اهتز صوته في آخر عبارة، فسألته (جيسيكا):

ــ وهل بقيت تحبهما على الرغم من الحقيقة؟

أجاب: بلى.

وأردفت: أكمل.

(لويجي): بعد ذلك، ذهبت للعيش مع كاثرينا وقد باتت طريحة الفراش بسبب المرض. سهرت على رعايتها ولم أنزعج من ذلك أبدًا، لأني كنت أبحث عن الإنتماء فقط. شخصٌ لأعيش معه.

أردف: وظفتني بمطعم زوجها الراحل، وبعد مضي شهرٍ على مكوثي عندها، ماتت أيضًا.

بقيت جيسيكا صامتة، تنظر إلى لويجي بحزنٍ يحفظ شعور الفقدِ جيدًا.

أتبع لويجي كلامه: تركت لي وصية، وقد كان حُسن إدارة المطعم... وبعد سنتين، جاء أخي زفيرو إلى المطعم.

(جيسيكا): وكيف عرفتما بعضكما؟!

رطّب شفتيه، وقال: هو كان يعلم بأني أخوه. ولأنه أخبرني عن تفاصيل حياتي، عرفت بأن ما يقوله هي الحقيقة.

(جيسيكا): ولكن إن كان يعرف منذ البداية بأنك أخوه فلمَ بقي بعيدًا عنك طوال تلك المدة؟

(لويجي): لأنه كان في حربٍ مع عصابةٍ أخرى آن تلك الفترة، فرأى بأن يبقى بعيدًا عني حتى لا أتعرض للأذى.

(جيسيكا): همم...

أردفت: ووالداك، ألم يحكِ لكَ عنهما شيئًا آخر؟

(لويجي) بصوتٍ خافت: لا، وكأن ذكره لماضيهما كان يؤذيه، فاكتفى بأن قال لي "والدانا قتل بعضهما بعضًا"

وهذا ما أخبره به ذو العين الواحدة حين سأله عن كيفية موتهِما.

قص عليها قصته دون تلعثم أو حشرجة، فقط ومضة ألم صغيرة تجلّت على مُقلتيه استطاع أن يُخفيها عندما نظر إلى جيسيكا وابتسم...

بقيت تحدق به وشجنٌ عميق قد سكن قلبها. لحظاتٌ قليلة حتى أشاحت وجهها عنه، تحاول بذلك عدم إظهار الأبم أو الأسى تجاهه....أمال لويجي رأسه واستفسرها:

ــ وأنتِ، ألن تخبريني بأمورٍ تخصك؟

(جيسيكا): قصتي لا تختلف كثيرًا عن قصتك.

(الدون ليڤينو): رائع، نحن بالفعل نصلح لأن نكون ثنائي!

ابتسمت وهزت رأسها بقلة حيلة، ثم نظرت إلى السماء وأخذت نفسًا عميقًا. استرسلت في سرد ماضيها مستذكرةً أحداثه من ظلام هذه الليلة:

ــ أنا لا أعلم عن والداي أي شيء، كل ما أعرفه أني فتاة ميتم تم إرسالها إلى عائلة غريبة لتحتضنها مؤقتًا، كانت فترة حضانتي سيئة فتلك لم تكن عائلة بالنسبةِ لي بل كابوسًا يعذبني في كل يوم، كبرت في بيتهم حتى أصبحت في سن السابعة، لقد كانوا يعاملونني معاملةَ الخادمة ويُكلفونني بأعمالٍ شاقة على الرغم من صغر سني، وعندما أُخفق أو أُخطى أو حتى أنسى كنت أعاقب بشدة على ذلك، وأُضرب كما تُضرب الحيوانات...

تنهدت لتستجمع أنفاسها ثم أردفت مُكملةً ما بدأته:

ــ بكيت كثيرًا وكل ما جاء صباح ووجدت  نفسي فيه حيةً تشاءمت، لأن ذلك يعني المزيد من العذاب، وفي يومٍ من الأيام عوقبت بحرماني من الطعام لأني لم أحسن خدمتهم، شعرت بألمٍ صاعق يبطش بأمعائي لأن العقاب دام ليومٍ كامل، لم أتحمل ذلك فذهبت إلى المطبخ في آخر الليل، سرقت قطعةَ خُبز، وبعد أن أنهيتها باشرت للخروج فإذ بي أرى سيدة المنزل وهي تراقبني بحدة، فأمسكتني متلبسةً عند الباب، كانت تحمل عصًا غليظة، فقد توقعت قدومي إلى المطبخ وأعدّت نفسها جيًدا لتضربني من دون رحمة، ارتعدت أوصالي عندما رأيت تلك العصا، لتذكُّري كميةَ الألم الذي ذُقته مِنها، لم أستطع أن أتحمل أكثر ونظرات المرأة زادت من رعبي رعبًا، لذلك... كسرت النافذة بالمقعد وهربت من خلالها إلا أن الخبيثة رمت عليَّ العصا وأصابت كاحلي، فسببت لي العرج غير أن قدماي لم تتوقفا عن نقع الأرض، تشوشت الرؤيةُ في عيني إثر الدموع، غير أني لم أتوقف واستمريت بالركض حتى استسلمت لاهثة في إحدى الحدائق.. لم يرني أي أحد لأن الساعة كانت في الثالثة على ما أظن، وفي ذلك الوقت.. غفوت ولم أستيقظ إلا على أنامل فتاةٍ كانت تتحسس كاحلي المتورم، أحضرت والدها لمساعدتي وهو لم يبخل عليَّ بالمساعدة، عالج لي كاحلي واشترى لي الطعام أيضًا، وعلى الرغم من مساعدته لي إلا أنني أبيتُ أن أُخبِرَهُ عن اسمي أو عن أهلي فاضطر لاصطحابي إلى منزله بعد إلحاح ابنته. أحببت ابنته منذ أول يوم عرفتها فيه فاطمئننت لها وأخبرتها بكل شيءٍ يخصني، وهي أخبرت والدها بذلك لأنه بقي قلقًا من أن يتم الإبلاغ عن ضياعي وتتوجه أصابع الاتهام ضده، وعندما علم بالحقيقة قرر إرجاعي، ولكنني بكيت بشدة واختبأت تحت الفراش.. حينما رأت الفتاة خوفي بكت أيضًا وترجّت والدها أن يبقيني معهم، وهو فعل إلا أنه استأجر شقةً لي وحدي ولم يقبل بأن أعيش معهم في ذات المنزل حتى لا تتهمه الشرطة باختطافي، خاصةً بأنه لم يُبلّغهم عني وذلك لأنه يتفادى الشرطة قدر الإمكان نظرًا لمكانته في عالم الجريمة، أساسًا لم تُبلّغ تلك العائلة عن ضياعي وأكملت حياتها بشكل طبيعي، وأنا بقيت أعيش بتلك الشقة بينما يتفقدني الزعيم وابنته بين الحين والآخر، أصبحت عضوًا في عصابته ومكانتي قريبةً منه ومن ابنته ولكنني الآن بعيدةٌ عنهم بسبب ذلك اليوم المشؤوم... الذي تعطّلت فيه دراجتي، وذلك تسبب في جعلي بين أيدي الشرطة... والآن، وبعد أن خرجت، وجدت نفسي بلا مأوى مُجددًا.

كان الدون ليڤينو ينصت إليها بجميع جوارحه ــ سألها بعد أن أنهت كلامها: أما زلتي تتذكرين اسم تلك العائلة؟!

(جيسيكا): نعم.

(لويجي): ماذا كان؟

(جيسيكا): لماذا تسأل؟!

(لويجي): استفزوني كثيرًا ولن أستطيع النوم حتى أُقدم جثثهم لكلبي.

(جيسيكا) بسخرية: وهل تعتقد بأني كنت أنتظرك ؟!

رفع لويجي حاجبيه بينما تُردف الأُخرى: لقد أطعمت كلاب لوس أنجلوس بعد فترةٍ قصيرة من دخولي للمافيا.

ابتسم (لويجي) وقال: أرحتني.

بقيا صامتين لمدة حتى عاد لويجي في موضوعهم السابق:

ــ أتعلمين؟! على الرغم من أني لم أسمع ردك بعد، إلا أنني قد اشتريت فستانًا وطرحة منذ يومين!

ابتسمت الأُخرى وقالت: بما أنك مُصر، عليك أن تشتري تابوتًا لجثمانك.

بادلها الآخر الابتسامة ولكن بأخرى لعوبة، قال عندئذٍ:

ــ بأمركِ مولاتي.

🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️🌧️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

أنثى العنكبوت، هلاكي الجميل

المؤلف Ahed Nasser🍂
2025/07/01 مستمرة
قائمة الفصول (82)
الفصل 1: ...🍁
2025/07/01
الفصل 6: نصيحة في مجرى سيل
2025/07/14
الفصل 5: امرأةُ الساطور
2025/07/12
الفصل 4: على ارتفاعٍ شاهق
2025/07/03
الفصل 3: أعضاء المافيا
2025/07/03
الفصل 2: دمٌ في الزقاق
2025/07/01
الفصل 7: بائعة المشانق
2025/08/07
الفصل 8: معشوق الجاذبية
2025/08/22
الفصل 9: عِراك الكلمـات
2025/08/31
الفصل 10: ابن عـاق
2025/09/08
الفصل 11: كمسرح الدمى
2025/09/28
الفصل 12: ابتزاز
2025/10/09
الفصل 13: عروس على حافة الموت
2025/10/11
الفصل 14: تحت أنقاض الماضي
2025/10/26
الفصل 15: شكوك
2025/10/28
الفصل 16: لا تتأخر
2025/10/29
الفصل 17: تحت الأقواس السبعة
2025/10/31
الفصل 18: عندما يصبح الخير شريرًا
2025/11/02
الفصل 19: عندما يغضب الزعيم
2025/11/04
الفصل 20: لدغة عقارب الساعة
2025/11/06
الفصل 21: الطلقة التي تكررت بالقدر
2025/11/08
الفصل 22: من رائحة البارود تولد الذكرى
2025/11/10
الفصل 23: عندما يُقدم الحُب كقُربان
2025/11/12
الفصل 24: المتمرد
2025/11/16
الفصل 25: سخرية مزدوجة
2025/11/17
الفصل 26: نهاية للحياة السيئة، وبداية للحياة الأسوأ
2025/11/18
الفصل 27: نعمة أم نقمة؟
2025/11/25
الفصل 28: وحش في غابة الصنوبر
2025/11/29
الفصل 29: حنان مسلوب
2025/12/01
الفصل 30: فاجعة الطفل ليون
2025/12/02
الفصل 31: مسدس حقيقي
2025/12/04
الفصل 32: روح مجروحة
2025/12/05
الفصل 33: متنقلٌ بين نعيمٍ وجحيم
2025/12/08
الفصل 34: الهاكرز
2025/12/12
الفصل 35: أكاذيب
2025/12/14
الفصل 36: مسحوق أبيض
2025/12/17
الفصل 37: تقرير خاطئ
2025/12/19
الفصل 38: شيطانة ولكن بأجنحة بيضاء
2025/12/20
الفصل 39: رِثاء مُتخبط
2025/12/22
الفصل 40: بين ضربة واحتضان
2025/12/25
الفصل 41: خبر بألف طعنة
2026/01/03
الفصل 42: لوسيندا النائمة على المحار
2026/01/04
الفصل 43: الرأس الأول، الذبيحة البشرية الأولى
2026/01/05
الفصل 44: تضجّر
2026/01/07
الفصل 45: رحلة التوقف
2026/01/09
الفصل 46: مجيئ اليوم المؤجل
2026/01/13
الفصل 47: القتل كالخمر
2026/01/15
الفصل 48: صفعة، نثرت الأمان
2026/01/25
الفصل 49: كشف الستار عن نصف الحقيقة
2026/02/08
الفصل 50: وعد ليس لهُ غد
2026/02/13
الفصل 51: صراع بين الحياة والموت
2026/02/16
الفصل 52: عودي إلي
2026/03/04
الفصل 53: اللعب على المنحدر
2026/03/20
الفصل 54: حقيقة وإنكار، كشف النصف الثاني عن الستار
2026/03/27
الفصل 55: عند اكتمال المصيدة
2026/03/28
الفصل 56: الصرخة التي شاخت بها الروح
2026/03/31
الفصل 57: كمدٌ طاغٍ
2026/04/02
الفصل 58: أين أمي؟
2026/04/13
الفصل 59: نجا... ولم ينجُ
2026/04/16
الفصل 60: هدنةٌ مع الألم
2026/04/16
الفصل 61: شجار
2026/04/18
الفصل 62: إخوة من رحم المعاناة
2026/04/20
الفصل 63: قد يجد سببًا
2026/04/25
الفصل 64: ابتسامة معكوسة
2026/04/28
الفصل 65: أصدقاء
2026/05/02
الفصل 66: مسألة رياضيات
2026/05/03
الفصل 67: مكتبة ومطر
2026/05/05
الفصل 69: عودة إلى العمل
2026/05/11
الفصل 68: أحداث هادئة
2026/05/06
الفصل 70: ميراي
2026/05/13
الفصل 71: تحت المراقبة
2026/05/17
الفصل 72: بداية الشرخ
2026/05/22
الفصل 73: لِمَ أهتم؟!
2026/05/25
الفصل 74: مواجهة بين الأم وابنتها
2026/06/02
الفصل 75: بين ألسنـةِ اللهـب
2026/06/05
الفصل 76: ماضيها ليس ماضيكِ
2026/06/19
الفصل 77: مواساة كاذبة
2026/06/24
الفصل 78: ضيفٌ تحت المجهر
2026/07/04
الفصل 79: على هامش السعادة
2026/07/20
الفصل 80: أثر الحرب
2026/07/30
الفصل 81: أيامٌ عابـرة
2026/08/24
الفصل 82: كرات ثلج
2026/08/30

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة