في اليوم التالي...
فتح كايون عينيه إثر صوت المنبه، فاستقام بجذعه بكسل ليُطفئه، رمق لوسيندا النائمة بقربه ثم وجه بصره نحو الجدار، وبقي يحدق به لما يقارب نصف ساعة... سمع طرقاتٍ على الباب فقال بهدوء: ادخلي.
دخلت كرستين وقالت: الإفطار جاهز.
قام كايون بإيقاظ أُخته، وبالكاد استيقظت، فأمسكت كرستين بيدها لتأخذها معها، وقبل أن تخرج، التفتت نحو كايون وتمتم:
ــ وأنت عليك أن تنزل.
(كايون): حسنًا، أغلقي الباب خلفك.
بمجرد أن خرجت، استلقى من جديد معتصرًا الوسادة بين ذراعيه.
مرت ساعة ثم ساعتين، دون أن ينزل وذلك جعل كرستين تحمل له الطاعم إلى غُرفته.
انقضى نصف اليوم، وطعام الإفطار والغداء ما يزالان على المنضدة دون مساس، وهذا ما جعل كرستين تعاتبه:
ــ لمَ لا تأكل؟!.. أتريد أن تمرض؟!
(كايون) بصوتٍ واهن: كرستين.. أرجوكِ أن تدعيني وشأني.
(كرستين) بنبرة صارمة: لن أدعك حتى تأكل طعامك!.. وسأُدخل لوسيندا إلى هُنا!
(كايون): قُلت لكِ اشغليها بالألعاب بعيدًا عني.
(كرستين): وأنت!.. بماذا أشغلك؟!
(كايون): .....
زفرت كرستين وخرجت من الغرفة غير أنها قد عادت بسرعةٍ وقالت: كايون!.. لقد جاء كُلُّ من خالتك وصديقك، سأُخبر الحراس أن يدخلانهما، وأنت غيّر ثيابك بسرعة!
نهض وخطت قدماه نحوها، دفعها إلى الخارج بهدوء، وهمَّ بإقفال الباب، وقبل أن يُقفله في وجهها.. ترجّاها بملامحٍ ذابلة:
ــ أرجوكِ أن تتفهميني...
وأضاف بنبرة باكية: دعوني لوحدي.. لستُ مستعدًا لاستقبال أي أحد.
ثم... أغلق الباب.
أخفضت كرستين رأسها وهمست بحزن: لكَ ذلك.
فـــي شركــة ميلڤين....
كان يجلس أمامه رجل سمين، يكتب على دفتره بخطٍ مخربش. رفع بصره إلى ميلڤين والذي سأله:
ــ أمتأكد من أن العمى الذي أصابه قبل مدة لا دخل له برؤيته للناس بوجهٍ واحد؟
ردَّ عليه (الطبيب السمين): نعـم، فالعمى الذي أصابه كان نتيجةً للماء الأبيض الذي غشي عينيه جراء حزنه على أُمه، وأما رؤيته للآخرين بوجه والدته فهذه نتيجة لصدمة نفسية حادة.
(ميلڤين): أهذا قد يسبب ضررًا على خلاياه العصبية؟
(الطبيب السمين): إن تفاقمت حالته النفسية، فقد يؤثر ذلك على نشاط خلاياه، ولكنه لا يؤدي إلى التلف، فما يمر به هي هلوسات ناتجة عن صدمة فقدانه لوالدته.
(ميلڤين): وما الحل؟
(الطبيب السمين): لا تقلق سيتحسن، ولكن يجب أن أُقابله أولًا لأجل أن أُشخص حالته بشكلٍ دقيق.
فــي المنزل....
اعتذرت كرستين من فرونيكا ولوثر فتقبّلا ذلك على مضض وقررا أن يعودا في اليوم الثاني. وحين جاء اليوم التالي ما برح لوثر وفرونيكا منزله حتى أُرهِقا من طرق باب غرفته دون جدوى.
لم تمر ساعة على ذهبهما حتى جاء الطبيب لتشخيص حالته، ولكنه هو الآخر غادر دون مقابلته.
راحت لوسيندا لتطرق بابه بطرقاتٍ صغيرة، ثم نادته، مرارًا وتكرارًا، وحين أصابها اليأس.. أشهجت بالبكاء.
ووسط تلك العتمة كان كايون ملتفًا على نفسه كالجنين، لم يستطع أن يتجاهل بكاء أُخته، فتحامل على نفسه للنهوض.
وعندما نهض.. استند على الجدار لإصابته بالدوار.
الغثيان يُضيّق على معدته لعدم تناوله شيئًا، ورؤيته باتت ضبابية.
بالكاد كان يسحب نفسه نحو الباب حيث يسيطر الوهن على لحمه وعظمه.
أدار المفتاح، وربض على الأرض. فلم تسعفه ركبتاه أن يتحمّل أكثر. أفترت لوسيندا بسعادة وقفزت إلى حجره معانقةً إياه، أراد أن يحتضنها هو الآخر ولكن... حتى رفع يده الضعيفة بات أمرًا شاقًا عليه.
حاصرت لوسيندا وجنتا أخيها بكفيها الصغيرتين وسألته متذمرة: لماذا تأخرت؟!
(كايون): .....
(لوسي): لماذا تحتجز نفسك؟!
(كايون): لوسي.. أنا متعب، وأريد أن أنام.
(لوسيندا): حسنًا، سأنام معك.
(كايون): لا.. أُريد أن أكون بمفردي.
(لوسيندا): وأنا لا أُريد أن أكون بمفردي!
(كايون): معك كرستين.
(لوسي): لا!!.. أُريدك أنت!
(كايون): أنا أشعر بالعطش، هل يمكنك أن تحضري لي الماء؟
(لوسي): حسنًا، ولكن على شرط أن أبقى معك!
(كايون): حسنًا.
ركضت لوسيندا إلى الطابق الأول في حين استغل كايون ذلك وسخّر كل ما تبقى له من طاقة ليعود إلى الغرفة ويقفل الباب، ولكن ما إن وقـف.. حتى سقط فاقدًا الوعي.
ــ ــ ــ
تركت لوسيندا الكوب من يدها، وشرعت تهز كايون وتصرخ: أخي!.. أخــي!!
كان ميلڤين قد دخل المنزل في تلك اللحظة، وحين سمع صراخ ابنته، سارع للصعود... عقد حاجبيه لرؤيته كايون بذلك الوضع، فتفحص وريده الأيسر ثم حمله بين ذراعيه وسأل ابنته: ما الذي حدث له؟!..
(لوسيندا) وهي تستنشق دموعها: لا.. لا أدري!.. قال لي أن أُحضر له الماء و.. وعندما عدت.. وجدته هكذا!
استقام ميلڤين رافعًا كايون، ثم استفسرها: أين كرستين؟!
(لوسيندا): في.. في السوق.
(ميلڤين): اتبعيني.
بعد مرور ساعة ونصف...
كانت الأنابيب المُغذية تغوص بأوردته... حاجباه معقودان وأنفاسه لاهثة، يبدو لمن يراه بأنه يصارع كابوسًا في عقله، وهذا ما كان يحدث بالفعل.
مكانٌ أسود بالكامل ومقعد يربط أُمـهُ بالسلاسل، يرى الرصاصة تمر أمام عينيه، تندفع بشدة، لتشق طريقها نحو يوجيني، بينما يقف عاجزًا بلا قوة، يسيطر الشلل على قدميه وينظر إلى تلك الرصاصة وهي تسلبه أغلى ما يملك في هذه الحياة.
لبث في المشفى ثلاثة أيام بسبب الحمى. وبعدها عاد إلى المنزل...
كان يجلس على كرسي خشبي بشرفة غرفته، ونسمات الريح تداعب خصلاته بين الحين والآخر.
دخلت كرستين وبيدها طبق الطعام، تبصرته طويلًا فأومأ لها شاكرًا وقال:
ــ سآكل بعد قليل.
لم تغادر مكانها وصرّحت قائلة: إن لم تأكله الآن فسأُلقمك بيدي.
ــ قلت لك.. سآكله بعد قليل.
ــ لا وألف لا!.. فلتأكله أمامي حتى أتأكد. لن أتهاون لك بعد ما حدث!
ــ كرستين.. لا تلومي نفسك.
ــ بل إني السبب!.. كان عليّ أن أحشر الطعام بأنفك حين لم تفتح فمك!
بعد أن قالت ذلك، التقطت الطعام بالملعقة ومدّتها نحوه. نظر إليها بطريقة عطوفة ممتنة، ففتح فمه ليتناول الطعام بيدها.
(كايون) بعد أن ابتلع لقمته الأولى: هل لوسيندا نائمة؟
(كرستين) بينما تلقمه اللقمة الثانية: نعم.
شعرت كرستين بالسعادة لإنهائه طبقه كله، فنهضت لتكمل بقية أعمالها، وقبل أن تخرج.. ناداها كايون: كرستين.
ــ أأحضر لكَ طبقًا آخر؟!
(كايون) مع ابتسامة صغيرة: لا، أردت أن أُخبرك بأمرٍ يخص لوسيندا.
ــ ماذا هناك؟
ــ ستدخل سن الخامسة عمّا قريب.. كُنتُ أريد أن أُسجلها في الروضة بنفسي ولكنني لن أستطيع، فهل يمكنكِ فعل ذلك؟
(كرستين) بسعادة: بالطبع!
(كايون): وقبّليها كل يوم، وأخبريها بأني أحبها كثيرًا.
(كرستين) مع ابتسامة: هذا أكيد.
حدق كلٌ منهما بالآخر لفترة، وحين تبين لكرستين بأنه قد أنهى كلامه استدرات على عقبها، واستوقفها الآخر مجددًا.
(كايون): كرستين!
التفتت واستفسرت: نعم؟
ــ قررت أن أعود إلى دوامي المدرسي بدءًا من الغد.
ــ هذا رائع!.. سأُساعدك بكتابة فروضك لو أردت.
ــ شكرًا لكِ، ما أريده هو حقيبة جديدة فحقيبتي هذه باتت مُهترئة.
ــ سأحضر لك أُخرى جديدة.
ــ هل سأشق عليكِ لو طلبت منكِ أن تذهبي وتشتريها الآن؟
ــ لا أبدًا!.. أخبرني أي لونٍ تُفضل؟
ــ الأسود.
أومأت له، ومجددًا قبل أن تخرج استوقفها بأن قال:
ــ شكرًا لأنكِ تعتنين بنا.
(كرستين) ورأفة تغمر قلبها تجاهه: هذا واجبي.
بعد أن غادرت، عاد ليحدق نحو الخارج، حيث كانت السماء ملبدةً بالغيوم الثقيلة وأسياط البرق تشقها بين الفينة والأُخرى.
وبعد مرور مدة، نهض، فسقط الكرسي من خلفه. صعد على الدرابزين الرخامي وتبصّر القاع أسفله، سالت دموعه على خديه، أخذ نفسًا ونطق على الرغم من غُصته:
ــ آنا حقًا آسف، لوسي ستكون بخير، أما أنا.. فلا.
وبينما الرياح تلطم ثنايا ثيابه وتقذف بشراشف الستارة خلفه، ذاب فؤاد فرونيكا الواقفة عند الباب خلفه.. فها هو المشهد ذاته يتكرر أمام عينيها. المشهد الذي حاولت نسيانه يُعاد شريطه الآن!.. الحدث الذي لم تستطع آن ذاك أن تمسك تلك اليد قبل أن تسحبها الجاذبية.
أغمض عينيه وهمس: أتمنى أن يغفر لي الرب، وأن يسمح لي بلقياكِ يا أُمي.
Ahed Nasser🍂