بقيت أريج مُلثمةً ثغرها، حيث كانت تُطل من ستار النافذة، وتسترق لمحادثة كايون وأُمها.
تبلورت عيناها مُغمغمة " يفهمني.. يشعر بي."
سمعت دبيبَ أقدامٍ على الدرج، فهرعت تُقفل باب حُجرتِها...
دوى صوتُ ميراي من خلف الباب:
ــ أريــــج!.. افتــــحـي البــــاب!!
حدّثت أريج نفسها "الأحمق!.. لمجرد أن أمي لم تتعارك معه اليوم استأمنها على سرنا، وأنا من سيدفع الثمن وحـدي! "
ــ سأكسر البـاب على رأسكِ إن لم تفتحي الآن!!
اقتربت أريج من الباب، وهمست:
ــ أنا آسفـة!
ــ افتحـي حالًا!
ــ أُمي!.. أقسم أني لن أُعيدها!
تحدّثت (ميراي) بنبرةٍ متوعدة:
ــ إن لم تفتحي الآن، فأُقسم...
قاطعتها أريج: عديني بأنكِ لن تضربيني!
ركلت الباب مزمجرة:
ــ افـتـحـــــــي!!!
ارتعش خفقان صدرها، فابتلعت ريقها، لامست أناملها المقبض مترددةً في فتحه.
ــ أريـــــــج!!
استسلمت، وفتحته...
انقضّـت عليها، وشرعت ترُجها من ياقتها بجنون صارخةً عليها بحدة:
ــ لوثر من؟!.. من هو!!.. من يكون؟!.. لمَ أخفيتِ أمرهُ عني!؟
أمسكت أريج بيدي والدتها وحاولت إبعادهما، ولكن دون جدوى، فربضت على ألأرض وانتحبت معتذرةً بيأس:
ــ آسفة، آسفة، آسفـة...
اصطكت أسنانها، وصاحت: انهضـي!
بقيت على الأرض، مما جعل ميراي تُقدِمُ على رفعها بالقوة. شدتها من شعرها بعنف، فأطلقت أريج صرخةً مُتألمة.
تشنجت أصابع ميراي فأفلتتها بعد أن أدركت للتوّ فعلتها...
هي بالفعل قاسية. جعلت ابنتها ترتعد خوفًا وتبكي بسببها.. لهذا، لهذا تُخفي اسرارها عنها.
أليس عليها أن تكون رحيمة مقابل أن تكون حريصة؟.. هذا ما جال في ذِهنِها...
شتمت نفسها "تبًا لي!.. للمرةِ الأف وأنا أفشل في تمالك نفسي!"
أخذت نفسًا لتهدأَ به، ثم جلست بجانبها. ضمّت رأسها إلى حجرها وهمست:
ــ أُعذريني صغيرتي.
اتزنت أنفاس ميراي، وأفرغت بقية ضيقها عبر دموعها...
شرعت تمسح على ظهر ابنتها حتى خفَّ نشيجُها، وعندها.. قررت أن تسألها بهدوء...
رفعت رأس ابنتها عنها، وتبصرت وجهها المحمر.. انخفض حاجبها بندمٍ وأعادت استسماحها:
ــ أريج.. أتُسامحينني؟!
طلبها السماح أثّرَ بأريج كثيرًا مما جعلها تزُّمُ شفتيها عن الحشرجة، وترمي برأسها إلى حجرِ والدتها مجددًا...
ازداد ضمير ميراي تأنيبًا، وهي تشعر بأنفاس ابنتها المتقطعة، وبحرارتها المرتفعة، فقبّلت رأسها، وظلت تمسح على خصلاتـها حتى هدأت..
خمس عشرةَ دقيقة، حتى تنفست بوتيرةٍ هادئة.
عاودت ميراي استفسارها:
ــ إذن أريج، من يكون؟.. ومنذ متى تعرفتِ عليه؟؟
رفعت رأسها، وسألتها بصوتٍ مبحوح:
ــ لن.. لن تغضبي مني؟
نفت برأسها، فأردفت الأُخرى:
ــ عرفته.. منذ.. منذ أن عرفت كايون.
هزت ميراي رأسها، واستطردت:
ــ بنفس مدرستك؟
أومأت أريج، ونطقت: نعم، وبنفس صفي.
(ميراي): وهل هو بنفس سنك؟
(أريج): لا.. هو وكايون يكبرانني بسنة.
ازدردت ريقها، وسألت: و.. ومَن يكون؟.. أعني ابن من يكون؟؟
رمشت أريج عدةَ مراتٍ، ثم أجابت:
ــ ابن.. لويجي فيتالي.
مرت نصف دقيقة، وميراي تحدق بابنتها دون أن ترمش. أمالت أريج رأسها قليلًا، وسألتها:
ــ هل أنـ..
(ميراي): نعم، اذهبي واغسلي وجهكِ، ثم تعالي لنتناول العشاء.
.
.
أثناء العشاء...
دقق جيهان على وجه ابنته، وسألها:
ــ حلوتي أريج.. هل بكيت اليومِ؟؟
نفت برأسها، وقالت: لا، ما من شيء.
رمق زوجته بشك، فنظرت إليه، وهمست:
ــ سنتحدث فيما بعد.
بعد أن انتهوا، أقدمت أريج على جلي الأطباق، فأوقفتها ميراي قائلة:
ــ دعي الأطباق عنكِ، واذهبي لترتاحي.
(أريج): لا بأس، سأُساعد قليلًا.
قامت ميراي بربط شعر ابنتها إلى الخف مستخدمةً شريطتها الخاصة، واستطردت قائلة:
ــ أنا سأهتم بكل شيء.
تنقّلت مُقلتي أريج بين عيني والدتها، وقالت:
ــ حسنًا، تصبحين على خير.
قبّلت ميراي ما بين حاجبيها، وتمتمت:
ــ وأنتِ بخير.
في ضاحية ساوث ليك يونيون، بمنزلٍ آخر...
جفف كايون شعره المبلل بالنشفة، ثم نزل إلى الصالة.
وجد أخته تشاهد برنامجًا كرتونيًا. جلس بجانبها، فرآها تحدق بأوراقها عوضًا عن التلفاز.
اقترب منها أكثر، وهتف منبهرًا:
ــ مُذهل!..
تنهدت، وتبصّرته مستفسرة:
ــ قلت بالأمس، أن والدي مشغولٌ جدًا ولهذا لم يبدِ إعجابه برسماتي.
(كايون): بلى، لا عليكِ منه.
(لوسي): إذن.. ليس عليّ أن أُريهِ هذه؟؟
زمَّ شفتيه، وقال: ألا يكفي أن أراها أنا؟
رافقها الصمت، وعادت تحدق برسماتها.
زفر بضيقٍ، واستطردَ قائلًا:
ــ ربما لن يأتي هذه الليلة.
(لوسي): .....
أرجع شعره إلى الوراء، ثم سألها:
ــ أتنوين أن تُريهِ إياها مجددًا؟؟
(لوسي) بحنق: لا أظن.
لم يرضَ أن يراها بائسةً هكذا، فنطق على مضض:
ــ أنا متأكدٌ من أنها قد نالت إعجابه.
رفعت فضيتيها إليه، وسألته ببراءة: حقًا؟!..
أومأ بنعم، فأردفت قائلةً:
ــ هل أُريهِ إياها!؟
تصلّبت ملامح وجهه، لعدم قدرته على قولِ لا.. انخفضَ حاجبا لوسي قليلًا مدركةً بأن أخاها يواسيها بأمرِ والدها لا غير، فاستعجل كايون بقول:
ــ نعـم!.. ولمَ لا!؟
اعتلت شفتاها ابتسامةٌ طفيفة، وتمتمت:
ــ سأنتظره حتى يُنهي العشاء، لأتأكد بأنهُ ليسَ مشغولًا.
هزَّ رأسه موافقًا، فوبخَ نفسه " يا إلهي!.. كان عليّ أن أجد طريقةً تُثنيها عن فعلِ ذلك. ماذا سأفعل؟!.. الوغد! سيجرحها مُجددًا! "
صدعَ صوتُ الجرس، فالتفتا ناحيةَ الباب...
استقبلتُهُ كرستين، ورحّبت بقدومه:
ــ أهلًا بعودتِكَ سيدي.
ناولها معطفه، ثم دخلَ مباشرةً إلى غرفة المعيشة، حيثُ طاولة العشاء مُعدّة.
نبست كرستين عندما رأتهما ما يزالان في الصالة:
ــ هيا!.. ماذا تنتظران!؟
.
.
اعتدلوا على المقاعد، وبدأوا الأكل، وكالعادة تخلو مائدتهم من أيِ حديثٍ جانبي أو نظرةٍ واحدة، فقط صوت احتكاك الملاعقِ والسكاكين ما يعلو بينهم.
تجعّدت الأوراق بيدي لوسي خوفًا من خطوتها القادمة، بينما كايون يتمنى بألَّا تفعلَ ذلك.
دقيقة، فدقيقتين، وهي ترمق والدها بتردُدٍ شديد، والآخر لا يُكلِف نفسه نظرةً واحدةً إليها.
أخذت نفسًا عميقًا متهدجًا، وقررت التراجُعَ عن هذا...
أنهوا الطعام، بيد أن مليڨين اتكئ على أصابعه المشبوكة وبقيَ في مكانه.
حدّجهُ كايون من مكانه، وغمغم " ما به لا يُغادِرُ اليوم!؟ "
تحدّثَ (ميلڤين) بهدوء:
ــ لوسيندا، أهناك ما تودينَ قولهُ قبلَ أن أذهب.
تفاجأا، وردّت: أا.. لا، أعني...
نزلت من مقعدها، ومدّت لهُ الأوراق قائلة:
ــ فقط.. فقط، كُنتُ أُريدُ أن أُريكَ هذه.
تناول الأوراق منها، وتوضّحها بتأنٍ شديد.
مسحت لوسي كفاها المُتعرقان بفستانها، وظّلت تتفرس ملامح والدها التي لا تُبشر بأي شيء.
أخفض كايون رأسه وأسند جبينه بكفه لاعِنًا ميلڤين في نفسه " اللـ**ـن سيسبب لها عُقدًا نفسية! "
تجّرعت لوسي ريقها، وأعاد لها ميلڤين الأوراق، وقال:
ــ إنها جميلة.
وعلى الرغم من أن نبرته لم تحمل أي نبرةِ إعجاب، إلا أن أهاليلَ لوسي تهللت سعادةً.
أخذت الأوراقَ منه، ونطقت: شُكرًا لك!
(ميلڤين) من دون أن ينظر إليها:
ــ أتودين أن أُسجلك ببرنامج فنون للأطفال؟
(لوسيندا): إذا.. إذا أردت، نعم!
نهض، وتمتم: جهزي نفسكِ غدًا.
ــ حـ..حسنًا.
استمرت بمراقبته وهو يبتعد، حتى سمعت بابَ المنزلِ يغلق خلفه.
استدارت نحو كايون ببُطء، ثم هرولت وأفزعتهُ بعناقٍ مُفاجئ أودى بهِ من على المقعد.
أصدرَ تأوهًا مكتومًا، ولكن سرعان ما تناسا ذلك، وأنصتَ إلى ضحكات أُخته...
الفتاة مخلوقٌ عاطفي، من طبيعتها حُبُّ الكلام المعسول، تتعطش للمدح من ذويها. تُحِبُّ بصدقٍ، وتودُّ أن تُلاقي من يحتويها ويغمُرُها بالحُبِ ذاته، فأسفًا عليها إن كان بيتُها يخلو من حنانِ أهله...
Ahed Nasser🍂