قبل فتـرةٍ وجيزة...
صدر صوت الباخرة معلنًا عن وصول الركاب إلى المينـاء. ترّجل مارتن عن السفينة وهرول نحو عائلته التي استقبلته بحفاوةٍ وشوق.
وضع رحاله في غرفته، وارتمى على فراشه مستسلمًا من نُصبِ السفر...
استأذنت يوجيني زوجها في المبيت ببيت أهلها خلال هذه الأيام الثلاثة مصطحبةً معها أولادها... حضر معها ميلڤين في اليوم الأول ليلقي التحية على صهره.
تصافحا كما تصافحا في أول لقاءٍ جمعهما حيث تفرض أيدهما السلام وتقدح أعينهما بحقدٍ غير مبرر.
غادر ميلڤين بعد ذلك، وترك يوجيني وأولاده ليستأنسوا مع ضيفـهم. أمضوا تلك الليلة بين الأكل والضحك منتهزين كل ثانية في السمر وكأنهم مدركين بأن هذه الحظات لا بدَّ وأن توثق في سجل آخر الأيام التي تجمعهم معًـا.
في أحد الأيام، استدعى ميلڤين ابنه ليقوم بمهمـة سريعة...
أثناء انتظاره لوصول كايون عادت به الذاكرة إلى تلك الليلة حين قرر أن يزور عائلة يوجيني مجددًا... تحدّثت حماته:
ــ أهلًا بك، انتظر قليلًا سأخبرهم بأن يأتوا إلى الصالة.
ردَّ عليها: لا داعي لإخراجهم، خذيني إليهم فحسب.
ابتسمت، ودلّته إلى غرفة ابنها، حيث يتسامر أبناءها، وقف ميلڤين أمام الباب فأومأ لحماته شاكرًا، لتنصرف إلى المطبخ. باشر في فتح الباب غير أنه تراجع عن ذلك حين سمعهم يتحدثون بصوتٍ أشبه بدبيب النمل...
قرّب أُذنه من الباب، وأنصت جيدًا ...
(فرونيكا): هل أنتِ متأكدةُ من ذلك يا أُختي؟؟
(يوجيني): ليس مئةً بالمئة ولكن لطالما روادتني هواجسٌ تجاهه منذ أن وجدت طرف قميصة ملطخًا بالدم.
(فرونيكا): ربما كان مصابًا؟
نفت يوجيني برأسها وقالت: هذا ما ظننته، لكن جسده كان خاليًا من أي خدش.
(مارتن): وأي دليلٍ أقوى من هذا؟.. لطالما كنت أشعر بأنه يخفي شيئًا خطيرًا!
(يوجيني): حتى كايون، أشعر بأنه يعرف أمورًا تتعلق بميلڤين غير أنه لا يُفصح لي عنها، كنت أراه دائمًا وهو يحمل الهمَّ كلما ذهب إلى الشركة.
أردفت بصوتٍ متهالك: لقد ذهبت إلى شركته عدة مرات ولكنني لم أجد شيئًا غير مألوف عدا الهواء الثقيـل والابتسامات الغامضة.
(مارتن): لا عليكِ يا أُختي، دعي هذا الأمر لي، وبمجرد أن أجد دليلًا ملموسًا، سأُبلغ الشرطةً عنه ولن تنفعه أيُ حُجةٍ مع شهادتك.
(يوجيني) بفزع: كلا! ليس من العدل أن تتهمه بالجرم لمجرد دم على ثيابه!
(مارتن): وما تفسير الدم إذن!؟
(يوجيني): لا شك أن هنالك تفسيرًا غير ما تظنه!
بسط(مارتن) يده أمامه وبدأ بتعداد ما أخبرته بهِ سابقًا:
ــ يعود إلى البيت متأخرًا، يفضل عدم قدومك إلى موقع عمله، دم لم ينتبه على تلطخه بطرف ملابسه، وتصرفات محسوبة، وأعذار دائمة، ماذا تظنينه يُخفي إذن؟!
(يوجيني): ولكن...
(مارتن): ولكن ماذا؟!
(يوجيني) بملامح حزينة: لا أعتقد بأني سأقوى على الشهادة ضده.
(مارتن): ولمَ؟!.. أتودين أن تعيشي تحت سقفٍ يجمعك بمجرم؟
(يوجيني): لا، ولكنه والد أبنائي!.. وأيضًا هو يكون بالنسبة لي...
(مارتن): ماذا؟!.. لا يعقل بأنكِ قد وقعتِ بحبه وهو الذي تزوجك رغمًا عنا أجمعين!
(يوجيني): ولكن ماذا أفعل؟!.. قلبي ليس بيدي!
تنهد مارتن ودعك ما بين عينيه، أمسك بكتفيها واستطرد قائلًا: يوجيني.. تسترك على مجرم سيجرفك في دائرةِ الإجرام، حتى لو أحببته ذلك ليس مبررًا يا يوجيني، فبعض الحب أذى والأصح هو التخلي عنه، حتى ولو اضطررتي لبتر جُزءٍ من قلبك ذلك أهون من أن تفقديه كُلّه!
تراجع ميلڤين إلى الوراء وغمغم" ثقتك عمياء يا مارتن.. ومن يحاول نبش عشي فسيدفن فيه حيًا"
توجّه نحو الصالة فوجد حماته وهي تضع الطعام على الطاولة، عقدت حاجبيها متسائلة: هل ستغادر بهذه السرعة؟!.. ابقى معنا لتناول العشاء!
(ميلڤين) بصوتٍ رتيب: شكرًا لك، فليكن في المرةِ القادمة.
(حماته): حسنًا كما تُريد.
(ميلڤين): قبل ذلك، أُريد أن أرى أبنائي.
(الحماة): بالطبع، هما بالغرفة الأولى من هذا الممر.
فتح باب الغرفة ببُطء ليجد كايون نائمًا بينما يحتضن أخته لوسي. لم تكن نظراته حنونه فقد كان ينظر إليهما بعيني مفترس عوضًا عن عيني أب. أغلق الباب بهدوءٍ مُريب ثم غادر...
قُطِع شروده حين اقتحم كايون المكتب، تبصرته خضراوتي ميلڤين بحدة بينما يباعد أصابعه المتشابكه.
(كايون): هيا، هات ما عندك بسرعة.
مدَّ له ملف فالتقطه كايون باستهتار، أمال حاجبيه واستفسره بسخرية: ماذا؟!. عامل هندي؟.. وما الذي ستجنيه من خلفه؟!
(ميلڤين): اقتله فحسب.
(كايون): هـه... من حسن حظك بأني أشعر بالملل.
أردف بعد أن ألقى له ظهره: صحيح، في المرة القادمة عليك أن تقول من فضلك أو لو سمحت.
راح كايون إلى الوجهة المقصودة، منتظرًا اللحظة المناسبة التي تمكّنه من الولوج إلى المحل دون أن يشهد على حضوره أحد.
ترصده حتى مغيب الشمس وحتى غادر آخر زبون... شرع العامل بترتيب التحف حتى يُغلق المحل وقد أنهى عمله على أكمل وجه.
انخرطَ كايون مع الظلام وأوغل إلى المحل. ولم يلحظ الظل الذي كان يتوارى خلف الجدار.
أجرى ذلك الظل مكالمة: الآن يا زعيم!
في المكتب... وضع ميلڤين هاتفه جانبًا ونطق بكلمة: باركر.
أخرج باركر هاتفه بسعادة، وضغط على الأزرار ليجبه الطرف الآخر: من المتصل؟
(باركر) بسخط: أنت هو صاحب محل التحف الفنية، صحيح؟!
عقد مارتن حاجبيه وأجابه مستغربًا: بلى!
(باركر): تعال إلى المحل حالًا!.. ما هذه المسخرة هل التعامل معكم يقوم على نصب الناس؟!!
(مارتن): لم أفهم، ماذا تقصد؟!
(باركر): عاملك الهندي!!!.. لقد أعطيته مالًا زهيدًا مقابل التحفة الفنية، وعندما حان وقت التسليم ادعى بأني لم أُسلمه المال!!
(مارتن): لا بدَّ وأن هناك سوء فهم!
(باركر): أخبرته أن يراجع الكاميرات فرفض!.. أقسم إن لم تأتِ الآن وتنظر في أمر هذا العامل لأبلغ عنكم الشرطة، ولأرفع قضيةً ضدك!!
تأفف مارتن وقال: لا عليك يا سيدي، سآتي في الحال.
(باركر): هيااا بسرعة!!!
أقفل الخط بعد ذلك ونظر إلى ميلڤين ببشاشة، ليجد أن أعين الآخر قد ابتسمت قبل شفتيه.
نبس (مارتن): رائع!.. إلى أين سأصل مع هذا العامل؟!.. أولًا يتخلّف عن موعد السفر والآن سيطيّر الزبائن!
في المحل...
انهى كايون تحطيم آخر كاميرا، ثم بدّل خزان مسدسة بخزانٍ آخر. بدأ بالتجول في المحل بينما يتمتم: لا فائدة من الإختباء.
أردف وكأنه يمنح الهندي فرصة ذهبية: إن أتعبتني في البحث عنك فستموت متعذبًا، هيا اخرج لينتهي الأمر برصاصةٍ فقط!
ردَّ عليه صدى صوته، فأكمل البحث بينما يحطم كل شيءٍ يعترض طريقه.
رفعَ شرشف الطاولة، فإذ بضحيته تختبئ تحتها، ارتعد الهندي وانتفض من مكانه، فترجاه وأعينه تقشعر خوفًا: أرجوك لا تقتلنـي!.. أنا لم أفعل شيئًا!
انقلبت مقلتاه إلى البياض بينما كايون ينفث على دخان مسدسه بـهدوء.
همسةٌ جاءت من خلفه: كايون!
التفت بأعين متسعة فرأى خاله يقف مشدوها أثناء تحديقه بعامله المقتول.
تحوّلت قرنيتا كايون إلى اللون الأحمر، وسأله: ما الذي جاء بكَ إلى هنا؟!
تراجع مارتن خطوةً إلى الوراء، وارتجفت شفتاه بكلامٍ ما كان ينبغي له أن يقوله: لقد كانت يوجيني على حق!.. أنت.. وميلڤين، مجرمان!
سرعان ما اندفع كايون نحوه كحيوانٍ مفترس، ربض عليه مقيضًا حركته، وسأله مجددًا: ماذا قلت؟!... ما الكلام الذي قالته أمي؟!!
اختنق مارتن بريقه ولم ينبس بكلمة...
(كايون): تكــلّـم!!
(مارتن): ....
(كايون) وهو يحاول أن يتصنّع الهدوء: لن تخبر أمي... صحيح؟؟
(مارتن): .....
ابتسم كايون ودقق النظر بعيني خاله. صرَّ على أسنانه بينما يعيد كلامه: لن تقول لأمي... صحــيح؟؟!
لا لومَ على مارتن فنظرات كايون كانت كفيلةً بأن تُصيب المرء باللسـن.
ارتفعت أنفاس كايون أكثر فأكثر فحفر المسدس بجبين خالـه، حاول الآخر أن ينطق غير أن الرصاصة أعادت الحرف إلى حلقـه.
نهض كايون وأصابعه ترتجف، راح ينظر يمينًا ويسارًا والرعب يسيطر على أحشائه، هرب من النافذة، ولم يجرؤ على الاتفات خلفه...
رمى قفازاته في القمامة ولم يعمل على حرقها بنفسه... دخل في حالةٍ من الاكتئبا حين رأى أمـه تبكي بسببـه.
في يوم العزاء، حبس كايون نفسه في الغرفة وأشهج بالبكاء، بينما يعتذر لأمه بهمسٍ لم تسمعه سوى الجدران.
فتح الباب قليلًا فوجد يوجيني تنشهج في حضن أختها، ونحيبها يعلو ويفتت الفؤاد، عاود إغلاق الباب، وعضَّ على أنامله حتى أدماها ولم يسعه أن يفر من هذا العذاب.
Ahed Nasser🍂