أراد الزعيم أن يستقلَّ سيارةَ ميلڤين، إلا أن ميلڤين كذب عليه زاعمًا: رينا أضاعت مفاتيحي.
أومأ الزعيم بتفهم، ثم أصدر أوامره للأعضاء، وكانت خطته كالآتي ...
توقف ثلاثة رجال على منتصف الإزفلت، موقِفين بذلك سيارتين وشاحنة. فُزع من بهن، وخرجوا رافعين أيديهم في الهواء، فمن أوقفهم كانوا مدججين بالأسلحة.
قام أحدهم بالتصفير وتلك كانت إشارة لنجاح الأمر الأول، بعد ذلك ظهر بقيةُ الأعضاء من كل مكان، نصفهم استقل السيارتين، والنصف الآخر استقل الشاحنة ...
انطلقوا نحو مركز الشرطة، وقبل أن يصلوا إليه، توقفوا ونزل الجميع، عدا الثلاثة المكلفين بتنفيذ الأمر الثاني، والذي ينص على أتمامهم للطريق ورمي وابلٍ من القنابل على المركز، وبالفعل تمَّ ذلك بنجاح، وهُدمت الواجهة الأمامية للمركز بالكامل. مات الكثير، ومن تبقى خرج مع تصاعد الدخان، دقائق معدودة حتى صاحت صفارات الشرطة، وتوجهوا للقبض على أولئك المُجرِمين، غير مدركين بأنهم مجرد ثلاثة ...
ومن هنا، انتهى دور الثلاثة وأصبح همّهم هو النجاة فقط، كلُّ منهم تفرق في الطرق الفرعية بينما يقودون بسرعة خيالية، وفِرقُ الدورية تجري خلفهم غير مدركين بأنهم يساعدون المافيا بفعلهم هذا ...
وفي تلك الأثناء، أمر الزعيم خمسة رجال بالدخول إلى المركز، ليتأكدوا ما إذا كان كاميرون بينهم أم لا ...
قام هؤلاء الخمسة بقتل الجرحى ومن يحاول إخراجهم من تحت الركام، ثم عادوا إلى زعيمهم، وأخبروه بأنهم لم يجدوا كاميرون. تحدّث أحدهم:
ــ قد يكون كاميرون تحت الركام!
لم يوافقه الزعيم، فهو يشعر بأن الخائن لم يمت بعد، ولذلك تواصل مع بقية رجاله المسؤولين عن المراقبة مستخدمًا هاتف خلوي قديم، حتى لا يتم التنصت على مكالماته السرية ...
ــ حول ... أتسمعني؟!
ــ نعم يا زعيم أسمعك.
ــ هل رأيت كاميرون بين فرق المطاردة؟
ــ لا يا زعيم.
ــ اسأل البقية!
سألهم فأجابوا جميعًا: لم نره يا زعيم!
انسدل الظلام على عينيه، وأحكم قبضته على الهاتف ثم قال: ميلڤين، باركر، أنطونيو، ألكس، فرانس، غيلبرت،جاك، وريو، فلتتوجهوا إلى لوس أنجلوس.
ردوا في آنٍ واحد: عُـلـم!
وكاالسابق، اعتدوا على طريق سيارتين، حتى يتسنى لهم الذهاب إلى المدينة ...
أثناء ذلك، كان الزعيم يتبصر الطرقات من مكانٍ بعيد، حيث جاءت سيارات الإسعاف وبعض الفرق الشرطية إلى المركز الذي أصبح مهدومًا...
كانت عيناه تحملان الحقد والغضب وتدققان على الوجوه علّها تجد وجه كاميرون ...
ميلڤين وألكس وكذلك ريو وغلبرت، استقلوا السيارة وسبقوا البقية إلى لوس أنجلوس، أمّا باركر، فرانس، جاك وأنطونيو، فظلوا منتظرين زعيمهم والذي تبعهم فورًا بعد أن انطلقت السيارةُ الأولى ...
وفجأةً، توقف ميلڤين عن القيادة وقال أمرًا: ألكس، خذ مكاني في القيادة.
(ألكس): لماذا؟!...إلى أين أنت ذاهب؟!
(ميلڤين): سأعود إلى المنزل حتى أُحضر ذخيرتي.
(ألكس): ولكننا قد أخذنا جميع الذخائر!
(ميلڤين): ما تزال ذخيرتي الخاصة هناك، لا بد وأن آخذها من باب الاحتياط!
(ألكس): حسنًا، ولمَ لا تقود السيارة إلى هناك؟!
(ميلڤين): لا يجب أن نؤخر أوامر الزعيم، فلتسبقوني وأنا سألحق بكم حالًا!
(ألكس): كما تشاء.
قال ذلك ثم أخذ مكانه وشق الغبار نحو لوس أنجلوس ...
كانت رينا ما تزال مكبّلة والدموع قد رسمت مجاريها على وجنتيها، شدتها أصوات جيرانهم، فنظرت إليهم من النافذة التي بقربها. شهقت، وتباطأت دموعها أثناء النزول، كما لو أنها هي الأخرى قد صُدمت.
رأت امرأة تحمل كعكة عيد الميلاد، وتضعها على طاولة زجاجية ذات شرشفٍ أبيض، بجانب صورةٍ لشخصٍ غائب ...
صفقت المرأة بسعادة، تزامن مع نفخ ابنها للشموع، الشيء الذي جعل رينا تشعر بأن صاعقة قد أصابتها هي تلك الصورة المحصورة في إطارٍ أزرق. كانت صورةَ كاميرون ...
نطقت بصوتٍ مخنوق: إذن.. تلك الاتصالات الغريبة، كانت.. كانت...
هزت رأسها بحسرة، وعضت على شفتها بينما يهتز جسدها ببُكاءٍ صامت.
صفعتها الذاكرة عودةً بها إلى يوم اللقاء الأول، حيث ساعدها كاميرون، وقتل تابعيه لأجلها.
وجهه، نظراته، ابتسامتة، هرطقته، كُلها تجلت أمام عينيها وكأنها تراه الآن. حدقت بالأرض عندما تذكرت ما قاله" وأخيرًا استيقظتي، لقد بقيتِ فاقدةً للوعي مُدة ساعتين! "
افترقت شفتاها وسألت نفسها بصدمة" فقدت وعيي مُدة ساعتين!! كيف لم تقبض عليَّ الشرطة خلال ذلك الوقت؟!
أردفت في نفسها "حتى أن الشرطة لم تصل إلى وكر كاميرون إلا بعدما استيقظت! "
الآن أدركت رينا مدى غبائها في ذلك اليوم. حين زل لسان كاميرون، وهي لم تركز على زلته بقدر ما ركزت على عسليتيه، كان عليها أن تدرك فورًا بأن هذه مكيدة...
(( الثقب بخزان الدراجة، جعل الانفصال عن المجموعة هو الأمر المُتاح، محاولة رجلين لإيذائها، وأخيرًا حضور المُنقـذ. كل هذا كانَ مُدبرًا ))
رينا لم تتوقع أبدًا بأن شرطي قد يقتل، ولم تضع في حسبانها بأنه قد يكون شرطي مختلف يرى العقاب أولى من السماح، فكاميرون قتل جيرمي وبراون لأنهما في الأساس مجرمان، مجرمان من الدرجة الأولى، حتى يحكم عليهما بالإعدام، وذلك أمرٌ نادر ... الشرطة استخدمتهما في المهمة حتى تخفف من عقوبتهما، وكاميرون جعلهما عناصر تضحية حتى يثبت لابنة المافيا بأنه معها، ولاسيما أنه قد عرف بأنهُ قد أمسكَ بخيطٍ سميك كونها ابنة الزعيم، فقتَلهُما وحصل على ثقتها، ثم كذب على الشرطة قائلًا بأن امرأة الساطور هي من قتلتهم جميعًا، لم يمانع أن تتلطّخ يداه بالدماءِ أبدًا.. إن كان ذلك في سبيل الوطن ...
رمشت بسرعة، مدركةً بأن المهمات التي فشلت سابقًا لم تكن بسبب جيسيكا أو مارك، بل بسبب كاميرون، وكذلك خسارتهم لأتباعهم كانت بسببه، والمروحيات هو من قام بتعطيلها!
لوهلة أشفقت على مارك، وأدركت بأنه قد كذب حين قال أن الشرطة قد هددته، فبعد أن علم بأنه ميتٌ في كلتا الحالتين، زعم بأنه يعرف أسرار الشرطة معتقدًا بأن الزعيم سيُبقي على حياته لأجل أن يستفيد منه، ولم يعلم بأن الزعيم لا يهتم لأسرار الشرطة بقدر اهتمامه لأسرار المافيا.
أما الحقيقة التي بقيت مجهولة لها، هي أن السيد لاندكروزر قد تم الإفراج عنه وذلك لأن كاميرون شهد على براءته في حين تم تمديد فترة الحبس للسياسي بعد معرفتهم بأنه كان يتاجر بالأسلحةِ أيضًا.
بعد أن تحطم قلب رينا، تحرر عقلها من أغلاله، وعادت إليها كُل جوارحها ...
من قال أن الحب أعمى؟!...
الحب ليس أعمى فحسب، بل إنه أصم وأبكم كذلك، فهو لن يرى إلا ما يريد، ولن يسمع أو ينطق إلا بما يحب ... ورينا خير دليل.
أحست بنغزةٍ في قلبها، عندما خُلع الباب فجأةً، وجهت بصرها نحوه بخوف، وعندما رأت ميلڤين تنهدت براحة.
سارع في فك وثاقها ثم قال:
ــ الزعيم استخدم ثلاثة رجال للتمويه، وجميع المخافر ترسل فرقها لمطاردتهم، يجب أن نستغل هذه الفرصة ونتسلل لمحو البيانات!
(رينا): ولكن محو البيانات سيستغرق وقتًا طويلًا، ونحن لا نملك الوقت!
أخرج ميلڤين ثلاث شيفرات من جيبه، ثم وضعها على راحة يدها، اتسعت عيناها وقالت بدهشة: أأخذتها قبل الاشتباك؟!
(ميلڤين): نعم، أنا لا أفرط بها أبدًا، ولاسيما أني كنت أشك بأن معلوماتنا مسربة.
أردف عندما رآها تحدق إليه بدهشة: أعطيني المفاتيح ولتُـثني عليَّ فيما بعد!
ناولته المفاتيح بسرعة ثم ساعدها على النهوض، مسحت دموعها ووطدت قدمها على عتبة الباب، أعادت بصرها إليه وسألته بانفعال: أقتلتهما؟!!
(ميلڤين): كما ترين! فما كانا ليسمحا لي بالدخول لو طلبت ذلك.
تنهدت ثم جلست على إحدى قدميها، وأخذت الذخائر من الجثتين، وسرعان ما ركِبا السيارة، وانطلقا نحو لوس أنجلوس ...
السفر من سان دييغو إلى لوس أنجلوس يستغرق ساعتين، غير أنهما قد وصلا خلال ساعة فقط، نظرًا لقيادة ميلڤين التي تنافس سرعة الزمن...
Ahed Nasser🍂