في إيطاليا ـ ـ مدينة تورينو.
بين زويا الظلام وومضات الضوء الصغيرة التي خشيت التوغل في ذلك المكان. جلس الزعيم أمبرا على عرش الزعامة وأخذ بتوقيع العقود والإتفاقيات بدمه القرمزي. وأثناء فعله لذلك سمع صدى ابنه هايزك والذي سأله بملل:
ــ ما فائدة الحبر الذي بجانبك؟
تجهم الزعيم أمبرا فصرخ عليه:
ــ انقلع من أمامي، لا ينقصني إلا وجهك!!
أخرج الآخر نفسًا هازئًا بينما يركل حصى وهمية أثناء خروجه ...
هايزك هو الابن الوحيد للزعيم أمبرا، ودائمًا ما يحضره الزعيم إلى مقرهم السري حتى يتعلم أصول الجريمة، ولكن هايزك يأخذ تعاليم والده باستهتار ولا يقوم إلا بما يملي عليه رأسه فقط ...
أمريكا ـ ـ العاصمة واشنطن ـ ـ مدينة سياتل ـ ـ ضاحية ساوث ليك يونيون.
أرادت يوجيني تحميم كايون وعندما رأت جذعه المحنط بالضمادت، صُعِقت، وارتجفت يدها حين تحسست ندوبه.
بكت كثيرًا فأخبرها ميلڤين بأن مديرة الميتم كانت شرسة للغاية وأنه قد رأف بحال كايون وقرر أن يتبناه من بين جميع الأطفال كون حالته قد كانت الأسوأ بينهم. فاستفسرته يوجيني بينما تستنشق دموعها:
ــ لماذا لم تبلغ الشرطة؟!
طمأنها: أبلغتهم بالفعل وهي الآن في السجن، فلترتاحي.
تنفست براحة حين سمعت كلامه، فقد كانت تشعر بالقلق حيال بقية الأطفال ...
نظرت إلى كايون والذي كان يقف بعيدًا عنهما، أشارت إليه بيدها ليقترب منها.
سار نحوها على مضض. يشعر بأن هناك حاجِزٌ بينه وبينها وأنه لن يصبح ابنًا لها أبدًا ...
(يوجيني): اجلس هنا.
أبعدت ثوبها عن الأريكة حتى يتسنى للآخر الجلوس بجانبها. جلس، وأبقى مسافةً بينه وبينها، فاقتربت منه ودست وجههُ في حضنها، ثم همست بصوتٍ مُرهف:
ــ أعلم بأنك لم تعتد عليَّ بعد ولذلك سأبذل جهدي حتى أُزيح الحاجز الذي يفصلك عني.
أردفت: هل يمكنك أن تناديني أمي؟
رفع ناظريه إليها في حين وضعت الأخرى كفها على وجنته ... كان من الطبيعي أن يرفض أو أن يرد عليها بكلامٍ وقح، غير أن فضيتيها قد ولجت إلى أعماق روحه وبثت فيها الحب والطمأنينة، شعر بفيضان الأمومة ينبع من عينيها، لم ينسَ حضنها الدافئ وكلماتها الحنونة، فوجد نفسه مستسلمًا ومُجيبًا لها بهمس: أمـ...
فشل، فلسانه لم ينطق بهذه الكلمة من قبل.
شجعته يوجيني: هيا.. هيا، أُمي!
ــ أأ..أمـ...
ارتجفت شفتيه، وتبلورت عيناه بطبقةٍ زُجاجية. تساءل في نفسه "لمَ؟! لمَ لا أستطيع نُطق الكلمة التي لاطالما حلمت بها؟! "
رطّبت شفتيها، ودنت منه أكثر ماسحةً مجرى دمعةٍ متمردة. أردفت قائلة: خذ نفسًا.
أخذ عدة أنفاس، وعاودت يوجيني تهجِئته للحروف:
ــ أ.. مـ..ـي.. أُمي!
ابتلع ريقه، ثم ردد: أمـ.. ـي.
عناقته من جديد ولكن بقوةً أكبر ... تمتمت، وغُصةُ البُكاءِ لا تخفى عن صوتها:
ــ وأخيرًا!.. وأخيرًا سمعت هذه الكلمة!
فـي المـسـاء ...
أخذته إلى غرفته، فتفاجأ لضخامتها ولديكورها الفخم ... وفي الوقت الذي كانت فيه يوجيني تغلق أزرار بجامته، استطرد قائلًا:
ــ لي أخٌ في الميتم ولقد اشتقت إليه كثيرًا.
حدقت يوجيني في عينيه، فأردف ممتعضًا:
ــ وذلك الرجل أخذني ورفض أن يأخذ ليون معي!
أخفضت يوجيني حاجبيه وقالت: ليون!.. أهذا اسم أخوك؟
أومأ لها فقالت: لا تحزن سأخبر ميلڤين أن يتبناه أيضًا.
(كايون) بتوجس: ولكن كيف؟.. أنا طلبت منه ذلك ونحن ما نزال في الميتم وهو رفض بشكلٍ قاطع!
مسحت يوجيني على رأسه وطمأنته: دع الأمر لي ... والآن هيا لنخلد إلى النوم.
ابتسم بخفه ثم أخلد إلى فراشه. دفأته يوجيني ودفأت نفسها كذلك، ثم سألها الآخر:
ــ أستنامين بجانبي؟
رفعت يوجيني رأسه وهمت بالمغادرة بينما تقول: لا بأس سوف اذهب إلى غرفتي.
سارع كايون في إمساك يدها وقال: كلا أرجوكِ ابقي معي!
(يوجيني): ألن تتضايق؟
(كايون) وهو يهز رأسه يمينًا ويسارًا:
ــ أبدًا أنا فقط كنت أسأل ولم ينجم ذلك عن أي تضايق.
اتسعت ابتسامتها واقتربت منه، لتضع قبلةً على جبينه.
بقي يحدق بفضيتيها حتى تثاقلت أجفانه.. تساءل في نفسه قبل أن يغفو " أيا تُراها طيبة حقًا؟.. أم أن هذه البداية فحسب؟! "
في لبنان ـ ـ العاصمة بيروت ـ ـ في منطقة بدارو.
بخطواتٍ قافزة توجهت الطفلة نحو غابةِ الصنوبر وبيدها مجلةٌ ملونة ...
خصلاتها المتفحمة تتراقص مع الرياح في حين تمشط المكان بقزحيتيها السوداء.
وجدت مكانًا مناسبًا للاستلقاء، فاستلقت على العشب الأخضر وبدأت بتصفح المجلة.
لم يدم الهدوء طويلًا، فقد التقطت أُذناها صوت تحطم غُصن. استقامت وأخذت بالتلفت يمينًا ويسارًا. حدقت نحو الـغابة المتشابكة بنسيجٍ أخضر لمدة، غير أنها لم ترَ أحدًا، فغمغمت " أيا تُراه كمال؟.. أرجو ألَّا يكون هو فأنا أريد أن أنهي المجلة بدون أزعاج "
مرت بضع دقائق لم تسمع خلالها الصبية أي شيء عدا همسات الرياح، وتعارك الأغصان المصاحبة للعصافير المغنية ...
تجاهلت الأمر وظنت بأن ما سمعته كان بسبب الحيوانات، بيد أنها قد غيرت مكانها وابتعدت قليلًا عن أشجار الصنوبر ...
لم تنعم الصغيرة بتصفح مجلتها، لأنها سمعت صوتًا على مايبدو أنه صوت تقطيع أو ارتطام، ولأن الأنسان مصابٌ بمرضٍ يُسمى الفضول قررت الصغيرة أن تتبعه.
دلتها أذانها على المكان، وأخذتها قدماها إليه..
فشهقت وأخفت جسدها الصغير خلف إحدى الأشجار.
تلاطمت أنفاسها، وتسارعت نبضاتها بينما تذرف الدموع بصمت. تمنت في تلك اللحظة لو أنها لم تأتِ، فما رأته لن يحتمل رؤيته أي طفل ...
لقد رأت شخصًا يرتدي عباءةً سوداء بها قلنسوة كبيرة تخفي ملالمحه بالكامل، كان يرطم رقبة الغزال بساطورٍ تخضبَ بدماء الزمن ...
كان ينحره بعشوائية ووحشية مرعبة، يضرب الساطور على أطرافه وعنقه بعنف، لا يسمح لأنفاسه أن تنتظم حتى، في حين يواصل نثر أشلائه في كل مكان ...
وحين أرادت الصغيرة أن تعود من حيث أتت داست على غُصنٍ متيبس، فاتسعت حدقتاها وتجمد الدم في عروقها، وما زاد من رعبها رعبًا هو أن ذلك الشخص قد توقف عما كان يفعله، فعلمت بأنهُ قد عرف بأمرها وهو الآن ينتظر حركةً أخرى حتى يحدد مكانها...
لثمت الصغيرة فمها بكلتا يديها حتى تمنع صوت نشيجها، وفي تلك اللحظة، لاح أمامها ظل شخص.
تدفقت الدموع من عينيها بغزارة وأصبحت محصورة من الأمام والخلف، تخشى أن تعود إلى الوراء فتلقى مصير الغزال وتخشى أن تسير إلى الأمام فتقابل شخصًا مجهولًا.
باعدت يديها عن فمها حين اتضحت لها ملامحه، وهمست بصوتٍ متحشرج: أبي!
انخفضت ولامست أصابعها الأرض ثم تقدمت نحو والدها زاحفة. عقد والدها حاجبيه لرؤيته لها تزحف وتبكي فسارع في خطاه نحوها..
رفعت الأخرى يدها مُشيرةً له بأن يتوقف غير أنه لم يستمع إليها وواصل سيره. أخذها من الأرض ولفها بين ذراعيه. وقبل أن يتفوه بأي كلمة سدت فمه بكفها الصغير وهمست في أذنه بصوتٍ متقطع:
ــ أرجوك .. لا .. لا تتحدث .. سيسمعك .. دعنا نذهب .. بسرعة .. بسرعة!
همس لها هو الآخر: من تقصدين؟.. ولمَ أنتِ خائفة؟!
كورت الصغيرة قبضتها وأخذت بضرب كتفه بينما تنبس: أبي!.. بسرعة .. أرجوك بسرعة!
ضيق عينيه أثناء تحديقه بالمنطقة التي جاءت منها ابنته، وحدق ناحية الأشجار لمدة، ثم استدار مغادرًا.
وصل إلى المنزل وجلس مع ابنته في غُرفتها الزهرية. أعطاها كوبًا من الماء، وحين وضعت رأسها على الوسادة، أصغت لما يقوله والدها:
ــ أريج!
ــ ماذا؟
ــ عديني ألَّا تعودي إلى تلك الغابة مجددًا.
رمشت أريج متعجبة في حين أردف والدها:
ــ أتعدينني بذلك؟!
ــ حسنًا ... لن اذهب إليها مجددًا.
أمال رأسه ورفع أحد حاجبيه، وقال:
ــ أريج!.. قُلت لكِ أن تعديني من دون لف أو دوران!
ابتسمت ابتسامة معكوسة، فاستطردت معترضة:
ــ ولكنه مكاني المفضل!
ــ عليكِ أن تجدي مكانًا مفضلًا آخر.
تنهدت بينما تغمغم" صحيح أن الغابة أصبحت مُخيفةً اليوم ولكن ذلك لأني توغلت فيها وأنا لا أتوغل فيها عادةً فما الضير من الاستلقاء بالقرب منها؟!"
قاطع حديثها النفسي صوت والدها: أريج!
(أريج): لن أتوغل فيها مجددًا.
تحدّث والدها بجدية:
ــ كلا، عديني ألَّا تقتربي من الغابة أبدًا!
زمت شفتيها ووعدت على مضض:
ــ أعِدُك.
بعثر شعرها وقال: جيد ، هذه هي فتاتي المطيعة.
دفأها جيدًا وهم بالخروج، وقبل أن يغلق الباب خلفه سمع صوت أريج وهي تناديه:
ــ أبي!
ــ نعم يا حلوتي؟
ــ متى ستعود أمي؟
ــ ستعود في المساء وأنا كذلك، لا تخرجي من المنزل أثناء غيابنا!
ــ حاضرة.
لم تستطع أريج النوم، فذهنا قد سبق شعرها في التبعثر.
أخذت آيبادها لتلعب به قليلًا..
نفثت هواءً حارًا عندما تبين لها أنه فارغٌ من الشحن، فقامت بشحنه، وبعد دقيقة من الملل قررت أن تقعد على نافذتها وتتأمل الغابة التي لن تعود إليها مجددًا ...
ودعتها في نفسها" وداعًا أيتها الغابة الجميلة .. وداعًا يا غابة الصنوبر .. سأفتقدك كثيرًا وأعلم أنكِ ستفتقدينني كذلك"
وجهت بصرها نحو باب المنزل، فرأت والدها مغادرًا..
تتبعته بسوداوتيها، فافترقت شفتاها بصدمةٍ، وتساءلت:
ــ ولكن!.. لمَ هو عائدٌ إلى الغابة؟!.. الوحش ما يزال هناك!!
Ahed Nasser🍂