الملك الذي بكى

الملك الذي بكى

15 0

الفصل العاشر: الملك الذي بكى

وقفت الأخوة الثلاثة وجهاً لوجه في ساحة القصر الرئيسية.

آلاف العيون تنظر إليهم. الجو كان بارداً، والريح تحمل معها رائحة الخوف والأمل معاً.

جاسر كان لا يزال على فرسه، يحدق في أخيه الأصغر ربيع الذي وقف أمامه بدرعه الفضي وسيفه المسحوب. لكن يد ربيع كانت ترتجف. السيف كان ثقيلاً عليه.

فارس وقف بينهما، كالجسر الذي يربط بين ضفتين متباعدتين.

«ربيع،» قال فارس بهدوء. «ضع السيف. نحن لسنا هنا لقتلك».

نظر ربيع إلى فارس بعيون محتقنة بالدموع. كان يبكي. ملك كان يبكي أمام شعبه لأول مرة في حياته.

«إذاً لماذا جئتم؟» سأل ربيع بصوت مكسور. «جئتم بجيش من ألف رجل... لتأخذوا عرشي... وتتركوني أتجول في الشوارع كالمتسولين؟»

نزل جاسر من فرسه.

خطا خطوة نحو ربيع. ربيع رفع سيفه في وجهه.

لم يتوقف جاسر. استمر بالمشي حتى صدره لامس طرف سيف ربيع.

«اضرب،» قال جاسر ببرود. «إذا كنت تعتقد أنك ملك حقيقي، فاضرب. أثبت أنك تستحق العرش الذي جلست عليه خمسة عشر سنة بالكذب».

ارتجفت يد ربيع أكثر. ثم أسقط السيف.

سقط السيف على الأرض بصوت مرتفع في الساحة الصامتة.

وتراجع ربيع خطوتين. ثم سقط على ركبتيه.

وبكى. بكى كطفل صغير فقد لعبه التي أحبها.

«أنا لم أطلب العرش،» قال بين شهقاته. «أنا لم أطلب أن أكون ملكاً. أبي هو من جعلني ملكاً. زعموط هو من قال لي إنني المختار. أنا... أنا كنت أصدقهم».

تقدم فارس وجلس بجانبه على الأرض. وضع يده على كتف ربيع.

«نحن نعلم أنك لم تكن تعلم،» قال فارس. «ولهذا نحن هنا لنسامحك. لا لنقتلك».

رفع ربيع رأسه. دمعه لامع على خديه. «تسامحني؟ بعد كل هذه السنوات من الحكم الفاسد؟ بعد كل هذه الضرائب التي وضعها زعموط باسمى؟ بعد كل هؤلاء الفقراء الذين ناموا جياعاً وأنا آكل من صحون ذهب؟»

«غلطة زعموط، ليس غلطتك»، قال جاسر بصوت أشد قليلاً. «لكن غلطتك أنك لم تحاول أن تعرف الحقيقة. أنك رضيت أن تكون دمية. أنك آثرت النوم على الحرير على أن تصحو وترى ما يحدث في مملكتك».

ربيع أطرق برأسه.

كان يعرف أن جاسر على حق.

وقف فارس ورفع ربيع بيده.

«سامحنا يا ربيع إذا كنا قساة،» قال فارس. «لكن الحقيقة مرة. وشربها الآن خير من شربها بعد أن تموت وأنت لا تعرف من أنت».

ربيع مسح دموعه بكم قميصه. نظر إلى جاسر. ثم إلى فارس.

«أنا... أتنازل عن العرش،» قال بصوت ضعيف لكنه واضح. «أعلنها أمام الجميع. أنا لست ملكاً شرعياً. والملك الشرعي هو...»

توقف. نظر إلى جاسر. ثم إلى فارس.

«من منكما هو الوريث الحقيقي؟»

صمتت الساحة.

جاسر وفارس تبادلا النظرات.

ثم تقدم جاسر خطوة. كان على وشك أن يقول إنه الوريث. إنه البكر. إنه الأحق.

لكن فارس سبقه بالكلام.

«الوصية تقول إن الملك الشرعي هو جاسر،» قال فارس بصوت واضح. «لأنه البكر. لأن والده اختاره قبل موته».

صُدم جاسر من كلام فارس. كان يعتقد أن فارس سينافسه على العرش. كان يعتقد أن المعركة الحقيقية ستكون بينهما.

لكن فارس كان صادقاً. لم يرد العرش أبداً.

نظر جاسر إلى فارس طويلاً. ثم قال الجملة التي غيرت كل شيء:

«وأنا... أتنازل عن العرش لفارس».

صُدم الجميع. حتى فارس.

«ماذا؟» صاح فارس. «أنت البكر! أنت الأحق! أنت من انتظرت خمسة عشر سنة وجمعت جيشاً من ألف رجل!»

ابتسم جاسر ابتسامة حزينة. «جمعت الجيش لأعيد الحق. والآن عرفتُ أن الحق ليس لي. لأنني غادرت المملكة. تركتها عندما كانت في أمس الحاجة إلي. أما أنت... فبقيت في الظل خمسة عشر سنة تخطط وتعمل وتجمع الوثائق وتؤسس شبكة من الثوار. أنت من يستحق العرش. ليس أنا».

فارس هز رأسه بعنف. «لا. لن أقبل».

«ستقبل،» قال جاسر بحزم. «لأن المملكة تحتاج إلى عقل. وإلى قلب. وإلى رجل لا يخاف من الموت. وهذا الرجل... هو أنت يا أخي».

الشعب بدأ يهتف. ليس باسم جاسر. ولا باسم ربيع.

بل باسم فارس.

«فارس! فارس! فارس!»

وقف فارس في وسط الساحة محاطاً بأخويه وأمامه آلاف الناس يهتفون باسمه.

لم يطلب هذا أبداً. لم يحلم به أبداً.

لكن القدر كان له رأي آخر.

وفجأة، قطع الهتاف صوت آخر.

صوت بعيد. لكنه قادم من جهة القصر.

صوت سنان، قائد حرس زعموط، وهو يصرخ:

«المستشار زعموط هرب! هرب من الباب الخلفي للقصر! ومعه صناديق من ذهب المملكة!»

تحول هتاف الناس إلى صرخات غضب.

نظر فارس إلى جاسر. نظر إلى ربيع.

وقال:

«المعركة الحقيقية لم تبدأ بعد. زعموط لن يفلت منا».

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

كـذبـة إسـتـمـرت لـأجـيـال

المؤلف Amir Arab
2026/05/31 مكتملة
قائمة الفصول (26)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة