الفصل الخامس: عودة الابن المفقود
كان خان التجار في قلب المدينة القديمة مكاناً بسيطاً. جدرانه من حجر أصفر، وأرضه من تراب، وغرفه متواضعة تنام على الحصير لا على الأسرة.
هناك، في غرفة لا تزيد مساحتها عن ستة أذرع، جلس فارس على الأرض، سيفه الموضوع إلى جانبه، وعيناه مثبتتان على الباب الخشبي.
لم يتغير كثيراً في خمسة عشر سنة.
شعره كان أسود كثيفاً من قبل، والآن فيه بعض الخطوط الرمادية على الصدغين. وجهه كان ناعماً شاباً، والآن تغطيه لحية قصيرة يخفي تحتها ندبة صغيرة من معركة قديمة. لكن عينيه بقيتا كما هما: عميقتان، حزينتان، وتقرأان ما في قلوب الناس قبل أن ينطقوا به.
طرق الباب. ثلاث دقات متباعدة. ثم اثنتان سريعتان. ثم واحدة بطيئة.
كانت إشارة.
وقف فارس وفتح الباب.
دخل رجلان.
الأول كان شيخاً في الستين من عمره، يرتدي جلباباً أبيض بسيطاً، ويلف عمامة كبيرة على رأسه. كان وجهه مجعداً كالورق القديم، لكن عينيه كانتا لا تزالان متقدتين بالذكاء. هذا هو الحكيم سامح، أكبر مؤرخي المملكة، والرجل الوحيد الذي كان يعرف أسرار القصر منذ أيام الملك أخيروس.
أما الرجل الثاني فكان شاباً في الثلاثين، طويل القامة، عضلاته تظهر تحت قميصه البسيط. كان يحمل سيفاً طويلاً على ظهره، ووشماً على رقبته على شكل نسر. اسمه مهند، وكان قائد مجموعة من الثوار يعملون في الخفاء ضد حكم زعموط.
أغلق فارس الباب خلفهما وجلسوا جميعاً على الحصير.
«هل تأكدت؟» سأل فارس بصوت خفيض.
أخرج الحكيم سامح درجاً قديماً ملفوفاً بقطعة قماش بالية. فتحه بحذر.
كانت الوصية الحقيقية للملك أخيروس الرابع.
«هذا هو الأصل،» قال سامح بصوت مرتجف. «كتبه الملك بيده قبل موته بأيام. ودفنته في جدار قبو القصر ليلة موته، قبل أن يأتي زعموط ويستبدل الوصية بوصية مزيفة.»
مد فارس يده وأخذ الدرج.
قرأ بصوت خفيف:
«بسم الله الرحمن الرحيم. أنا أخيروس الرابع، ملك هذه المملكة الصغيرة، وقد حضرني الموت. أوصي لمن بعدي: من يجلس على العرش من بعدي هو ابني الأكبر، جاسر. لأنه البكر، لأنه الأقوى، لأنه سيعرف كيف يحمي المملكة من أعدائها. أما ربيع، فهو غبي ولا يصلح للحكم. وأما فارس، فهو يصلح مستشاراً، لا ملكاً. اللهم لا اعتراض على حكمك. أخيروس الرابع.»
سكت فارس.
كان يعرف دائماً أنه ليس الوريث. لكن قراءة الكلمات بهذه الصراحة... كانت كالسكين في صدره.
«إذاً،» قال مهند بصوت غليظ. «جاسر هو الملك الشرعي. لكن جاسر... أين هو؟»
نظر فارس إلى صديقيه. ثم قال الجملة التي كان يخبئها منذ سنوات:
«جاسر لم يمت. وجاسر ليس في الصحراء. جاسر كان معي طوال السنوات الخمس الماضية. وهو الآن على بعد ثلاثة أيام من أسوار المملكة، ومعه جيش من ألف مقاتل.»
صُدم سامح ومهند.
«ألف مقاتل؟» صاح مهند بصوت مرتفع. «كيف أخفيت هذا عنا؟»
«لأنه لو عرف زعموط، لكان ذبح جاسر في نومه،» أجاب فارس ببرود. «والآن حان الوقت لنضرب. لكن ليس بالسيف فقط. بل بالحقيقة أولاً».
رفع الدرج القديم في يده.
«هذه الوصية... ستُقرأ على الشعب في ساحة القصر يوم الجمعة القادم. أمام الجميع. حتى الملك ربيع نفسه يسمعها. وعندها... لن يحتاج جيش جاسر إلى قتال أحد. لأن الشعب سيسقط زعموط بأيديهم».
حدق الحكيم سامح في عيني فارس.
«وهل أنت مستعد لما سيأتي بعد ذلك؟ بعد أن يسقط زعموط، وبعد أن يعود جاسر... من سيجلس على العرش؟»
ابتسم فارس ابتسامة مريرة.
«لست أنا. لم أرد العرش أبداً. تركت المملكة قبل خمسة عشر سنة لأنني لم أرغب في العرش. وعُدت الآن... لأعيد الحق إلى أهله فقط».
وقف وشد سيفه.
«الجمعة القادمة، ستتغير المملكة إلى الأبد».
Amir Arab