الفصل الثالث: خمسة عشر سنة من الغباء
مرت خمسة عشر سنة.
كانت المملكة الصغيرة تتداعى كجدار قديم تحت المطر.
الملك ربيع كان في الخامسة والأربعين من عمره، لكنه لم يتعلم شيئاً عن الحكم. كان يجلس على العرش ويوقع على الأوراق التي يضعها المستشار زعموط أمامه دون أن يقرأها.
«هذه معاهدة سلام مع المملكة المجاورة يا مولاي،» يقول زعموط.
فيوقع ربيع.
وهي في الحقيقة معاهدة خيانة تمنح زعموط نصف ثروات المملكة.
«هذه أوامر بإعدام متمردين في الشمال يا مولاي.»
فيوقع ربيع.
والمتمردون ليسوا متمردين. بل فلاحون طالبوا بخبز يأكلونه.
زعموط كان يحكم المملكة من خلف الستار. كان يملأ جيوبه، ويشتري ولاء القادة، ويبيع المناصب لأعلى سعر. والملك ربيع كان يظن أن الناس تحبه، لأن زعموط كان يقول له كل صباح: «يا مولاي، الشعب يعشقك.»
أما جاسر، الابن الأكبر، فلم يعد موجوداً في المملكة.
بعد سنتين من حكم ربيع، غادر جاسر في الليل. أخذ معه بعض الموالين له وسافر شرقاً. لم يسمع عنه أحد منذ ثلاثة عشر سنة. قيل إنه مات. وقيل إنه جمع جيشاً في الصحراء. وقيل إنه تنازل عن العرش واعتزل الحياة. لا أحد يعرف الحقيقة.
أما فارس، الابن الثالث، فغادر بعد جاسر بسنة. لكن بطريقة مختلفة.
فارس لم يقل لأحد إنه مسافر. استيقظ النبلاء يوماً ليجدوا غرفته فارغة، وفرسه ليست في الإسطبل، وسيفه المفضّل مفقود. ترك رسالة قصيرة على وسادته مكتوب فيها:
«لن أقاتل على عرش لا يستحق. سأبحث عن حقيقة لا تعرفونها.»
ومنذ ذلك اليوم، لم يرَ أحد فارساً.
وها هي المملكة الآن، بعد خمسة عشر سنة من موت أخيروس الرابع، تعيش أسوأ أيامها.
الجيوب فارغة. الأسواق باكية. والناس تهمس في الليل:
«لو كان جاسر ملكاً...»
«لو كان فارس هنا...»
«لو لم يمت الملك أخيروس...»
لكن الأهم من ذلك كله، لم يسأل أحد السؤال الحقيقي:
هل كان ربيع هو الوريث الحقيقي أصلاً؟
وهناك من يقول إن المستشار زعموط غيّر الوصية قبل أن يعلنها. وهناك من يقول إن الملك أخيروس قال اسماً آخر في لحظة موته. وهناك من يقول إن الحقيقة مدفونة مع الموتى.
في الليل، وفي غرفته المظلمة، جلس زعموط أمام مرآته القديمة. كان عمره الآن سبعين سنة. شعره أبيض بالكامل، لكن عينيه لا تزالان حادتين.
ابتسم ابتسامة عجوز يعرف أسراراً لا يعرفها الأحياء.
همس لنفسه: «خمسة عشر سنة وما زالت الكذبة صامدة. لكن كم ستبقى؟»
فجأة، طرق الباب. دخل حارس يلهث.
«سيدي المستشار... لقد عاد...»
«من عاد؟»
«فارس... الابن الثالث. عاد من الغيبة. وهو يريد مقابلة الملك ربيع. وهو ليس وحده.»
وقف زعموط بسرعة.
قلبه دقّ بسرعة لم يشعر بها منذ عشرين سنة.
الحقيقة كانت قادمة. والكذبة لم تكن لتعيش إلى الأبد.
Amir Arab