[ سعادة ولكن! ]

[ سعادة ولكن! ]

11 0

الفصل العشرون

[ سعادة ولكن! ]

فتاه صغيرة لم تتجاوز الحادية عشر من عمرها، حقيبة وردية اللون، صوت الضحكات التي ملأت الإرجاء، سيارة تسير بسرعة جنونية! صوت الإصطدام المدوي

وبعدها ...... ظلام حالك!

أخترق صوته القوي غيبوبتها القصيرة لتستعيد وعيها شيئًا فشئ، أخذت تفتح جفنيها ببطء لترى نفسها ملقاه على الأرض و أنس أمامها ينثر على وجهها بعض قطرات المياه، نهضت سريعًا وهي تسعل بشدة وتمكن منها الدوار لدقائق إلا أنها أستطاعت إستعادة توازنها لتسمع صوته القلق المندهش يخترق أذنيها:

- أنتي أغمى عليكي ليه! محدش قربلك!

ومضات مرت على عقلها، وكأنها رأت ما حدث من جديد صوت الضحكات ثم صوت الإصطدام، أغقلت عينيها بعنف وهي تحاول نفض تلك الذكرى الأليمة لتنهض سريعًا وهي تزيل آثار التراب العالقة بها و تنطق بنبرة مهزوزة:

- م..ممكن يكون ضغطي وطي

زفر بضيق فمازال ما رآه قبل قليل عالقًا بذهنه مما أثار غضبه من جديد ليندفع قائلًا بغلظة:

- أكيد أنتي كدة مبسوطة بلمة الصيع دول حواليكي صح، مهو أكيد ده اللي أنتي عايزاه

أتسعت عينيها من كلامه المهين والذي ضغط على جرحها مما جعلها تدافع عن نفسها:

- أنا مسمحلكش تغلط فيا!

زاد حنقه وبرزت عروق رقبته وهو يتابع بغضب زاد أشتعالًا:

- أمال بتعملي أيه في مكان زي ده و في وقت زي دة وبلبسك دة يا محترمة

ثم صرخ فيها بصوت عال مما جعلها تجفل وترجع خطوة للوراء بخوف وهي تسمعه يقول:

- تقدري تقوليلي لو أنا ملحقتكيش كان أيه ممكن يحصلك، كان ممكن .......

قبض على زجاجة المياة البلاستيكية الممسك بها ثم ألقها بعنف ليوليها ظهره وهو يكز على أسنانه محاولًا تفريغ شحنة غضبه، سارت فيروز ببطء حتى وصلت لحقيبتها الملقاه على الأرض لتلتقطها وهي تمسح تلك العبرة التي سقطت رغمًا عنها، لم ترد أن تكون تلك الصورة المخزية هو التي يراها بها، لا تعلم لما ولكن يهمها حقًا أن ينظر لها نظرة أحترام وليس تلك النظرات المزدرية.

- رايحة فين!

قالها بجمود عندما رأها تقبض على حقيبتها وتسير نحو سيارتها فأجابته بنبرة باكية:

- مروحة، وشكرًا على اللي عملته معايا

أنحنى ليأخذ حقيبته وسار أمامها وهو يقول بحزم:

- أمشي معايا هوصلك بتاكسي مش هتمشي لوحدك في وقت زي ده

همت أن تعترض ولكن أخرستها نظراته الحازمة، ليتركها ويقف على قارعة الطريق ليوقف سيارة أجرة، وقفت لدقائق وهي تنظر له بنظرات مختلفة، لمعت أعينها البنية و تسللت خفقة بسيطة لعضلتها النابضة وكأنها تنبأها عن شعور جديد، شعور أصبحت لا تجرؤ على إنكاره، بسمة صغيرة شقت طريقها نحو ثغرها أخفتها سريعًا عندما أشار لها لتستقل السيارة التي أوقفها للتو.

لم يجرؤ على سؤال نفسه لما فعل كل ذلك!

لأنه يعلم تمام العلم أن الجواب لن يكن في صالحه، فقرر إعماء نفسه عن تلك المشاعر الجديدة الدخيلة على قلبه وإقناع نفسه أن كل ما يفعل هو بدافع الشهامة لا أكثر! ولكن هل سيظل الوضع كما عليه طويلًا؟

وفي حين غرقه في بحر التفكير أنتبه لنظرات سائق السيارة في المرآه ففطن أنها بالتاكيد موجهه لتلك الحسناء القابعة بالخلف، قبض على يده بقوة محاولًا ضبط أعصابه حتي لايحطم بها فك ذاك السائق، خلع سترته ومد يده للخلف دون أن ينظر لها وقال بجمود مسلطًا نظراته الحادة على السائق:

- ألبسي ده

توتر السائق ومسح جبينه بيده ثم نظر للطريق أمامه، بينما ألتقطت فيروز السترة دون تعقيب أو مجادلة لترتديها وقد أنتبهت بالفعل لنظراته الحادة نحو السائق مما جعل دقات قلبها تتعالى، ضمت طرفي السترة عليها وكأنها تريد الأختباء بها ظنًا منها أنه قد يسمع دقات قلبها العالية كقرع الطبول.

___________________________

دب في أوصالها بعض الأمل وصدقت أنه مع كل يوم جديد هناك حياة جديدة، فقررت أن تحيا الحاضر وأن لا تفكر في ما سوف يحدث في المستقبل، وجدت نفسها تستيقظ مبكرًا بنشاط لتتقدم نحو النافذة وتفتح ستائرها لتسمح لضوء الشمس بأن ينير الأرجاء، فمنذ أن تحدثت مع أبرار بالأمس وهي تشعر ببعض التحسن.

قطع شرودها دقات خافتة على باب الغرفة فذهبت لتفتحه لتراه أمامها ينظر لها بإبتسامته الدافئة المعهودة وهو ينبس بحنو:

- صباح الخير

أومأت برأسها وهي تبتسم بسمة بسيطة وترد:

- صباح النور

تابع بنفس نبرته الهادئة:

- بصراحة أنا كنت هقعد أفطر عشان نازل الشغل ولمحت نور الشمس من تحت عقب الباب فقولت أشوفك لو صاحية تفطري معايا

أطلت برأسها من خلفه لتراه واضعًا بعض الأطباق على الطاولة فقالت بنبرة عادية:

- تمام هغسل وشي وأجي

أتسعت إبتسامته لقبولها تناول وجبة الفطور برفقته فأومأ لها بحماس ليسير نحو الطاولة ويجلس علي أحد كراسيها منتظرًا إياها بسعادة.

دقائق وخرجت ضحى وهي تجفف وجهها بالمنشفة ثم وضعتها على الآريكة وأتخذت مجلسها بجانبه ليشرعا في تناول الطعام بسكون تام، قطع ذلك الصمت صوت ضحى التي قالت:

- ممكن أطلب طلب؟

رفع عمرو عينيه لينظر لها وبإبتسامة هادئة رد عليها:

- طبعًا

نفضت يدها من بقايا الطعام العالقة بها وهي تحمحم قائلة بنبرة عادية:

- كنت عايزة أروح أقعد مع ماما شوية بعد ما أخلص الدرس أنهاردة

ظلت إبتسامته كما هي وهو يجاوبها بحنو:

- ماشي روحي وخليكي لحد ما أرجع من الشغل أعدي عليكي ونروح سوا

لم تعقب و أومأت برأسها لتنهض عن الطاولة فأسرع قائلًا:

- رايحة فين كملي أكلك

ردت بكلمات مقتضبة وهي تستدير عائدة لغرفتها قائلة:

- شبعت رايحة أذاكر

تنهد عمرو و هو ينظر في آثرها بحزن، ولكن مع ذلك تسرب له بعض الأمل فها هي خرجت من صمتها وحدثته ولو بالقليل، ما عليه إلا الصبر لعلها تشعر بما يُكنهُ لها من مشاعر حب صادقة يومًا ما.

___________________________

صوت أحتكاك عجلات السيارة بالأرض جعله ينتبه لتلك السيارة التي تقترب من البوابة فنهض راكضًا نحوها والتي ما إن رأى سائقها حتى هرول نحو زر فتح البوابة ليفتحها على مصرعيها ويقترب من السيارة قائلًا بإحترام:

- أتفضلي يا فيروز هانم حمدلله على السلامة

أدارت مقود السيارة لتدلف للداخل و هي تصفها بجانب الممر الحجري المؤدي للحديقة الأمامية للفيلا، تابعت حديثها على الهاتف وهي تقول:

- أيوة يا يسر أنا وصلت الفيلا أهو

جاءها صوت يسر و التي عاتبتها بضيق زائف:

- مش عارفة ليه رجعتينا بدري كدة ده أحنا مكملناش يومين، من ساعة ما رجعتي أمبارح من السهرة دي وأنتي مش على بعضك أيه اللي حصل؟

كانت تغلق محرك السيارة ومدت يدها لتلتقط حقيبتها لتقع عينها على تلك السُترة القابعة تحتها ليعلو محياها بسمة عذبة ما لبثت إلا أن أخفتها و هي ترد بإختصار:

- محصلش حاجة، هكلمك بعدين عشان نتفق هنروح الأكاديمية أمتى

أغلقت المكالمة و ألتقطت السترة لتدلف لداخل الفيلا وهي تنادي على عبير مدبرة المنزل والتي أتت مسرعة و هي تقول بسعادة:

- أنتي جيتي يا هانم ألف حمدلله على السلامة

أومأت لها فيروز بالإيجاب وهي تقول بإبتسامة:

- الله يسلمك يا دادة

ثم مدت يدها بالسترة لتلتقطها عبير منها وهي تنظر لها بإستفهام فتابعت فيروز:

- لوسمحتي يا دادة عايزة الجاكيت دة يتغسل و يتكوي خلي السواق يوديه للوندري (مغسلة)

أومأت برأسها وهي تنطق بإحترام:

- تحت أمرك يا هانم، تؤمريني بحاجة تاني؟

همت أن تنصرف لكنها توقفت وهي تسألها قائلة:

- قوليلي مامي موجودة؟

هزت رأسها بنفي و هي تفسر لها:

- لا يا هانم خرجت من شوية، و سليم بيه في الشغل

تركتها فيروز وأتجهت للدرج لتعتليه ولكنها سمعت صوت إغلاق الباب فأستدارت لتسمع صوت والدها يقول:

- فيرو أنتي جيتي

أبتسمت فيروز وهرولت نحوه لتعانقه وهي تقول بإبتسامة واسعة:

- اه يا بابي وحشتني أوي

ربت على ظهرها وهو يقول:

- وأنتي كمان، بس قوليلي رجعتي بدري كدة ليه

تذكرت فيروز ما حدث فظهرت لمحة الحزن بعينيها ولكنها ردت بثبات حتى لا تثير شكوك والدها:

- أبدًا حسيت أنكوا وحشتوني

أبتسم سليم لها و أخرج هاتفه الذي رن لتوه ليجيب عليه بينما رفعت فيروز حقيبتها لتحكم قبضتها عليها وتتجه لغرفتها دون أن تنتبه لما سقط منها.

أنهى سليم مكالمته وسار في طريقة لكنه لمح تلك الورقة البيضاء على الأرض فأنحنى ليلتقطها، أدارها للجانب الآخر ليكتشف أنها صورة فوتوغرافية وليست مجرد ورقة عادية ليضيق عينيه بغموض وهو يرى تلك الصورة لأبنته وهي في أحضان ذاك الشخص الغريب!.

___________________________

صف سيارته بجانب تلك البوابة الحديدية ومد يده نحو الكرسي ليأخذ هاتفه ليجري إتصالًا قبل أن يضعه على أذنه منتظرًا الرد، ثواني وخرج صوته قائلًا:

- أيوة يا خالتي أنا وصلت، مستنيكوا قدام الفيلا متتأخروش

أغلق الهاتف وهو يشرد بعينيه على الطريق بنظرات مترجية أن يطمئنه الله على من سكنت فؤاده وشغلت عقله.

أحكمت حجاب رأسها لتأخذ حقيبتها وتسير نحو غرفة علياء لتنبأها بوصول كريم، طرقت عدة مرات حتى تنامى لمسامعها صوتها الواهن من الداخل لتدلف سريعًا فتراها جالسة أرضًا وكأنها فقدت توازنها وسقطت لتوها.

هرولت أحلام نحوها وهي تشهق بخوف، ضربتها بخفة على وجنتها وهي تحاول أفاقتها قائلة:

- علياء، سمعاني يا بنتي فوقي! علياء

نظرت حولها فوجدت حقيبتها التي سقطت منها عند الباب، همت لتنهض لكنها شعرت بإرتجافة جسد علياء بشدة و بعض قطرات العرق التي لمعت على جبينها، وضعت ظهر كفها على جبينها لتشهق بفزع وهي تقول:

- ده أنتي سخنة مولعة أسترها يارب.

أخذ ينظر في ساعة يده كل ثانية تقريبًا، مرت حوالي ربع الساعة ولم تظهر خالته حتى الآن، نهش القلق عقله فأسرع يمسك هاتفه ليتصل بها لكن قطع فعلته صوت رجل الأمن المهرول نحوه وهو يقول:

- كريم بيه أطلع للست أحلام بسرعة عايزاك ضروري

لم ينتظر ليسمع أكثر ليترجل من سيارته وهو يركض سريعًا للداخل شاعرًا بإنقباضة قلبه فحتمًا قد حدث شئ لصغيرته.

أعتلى الدرج سريعًا ليتوجه نحو غرفة علياء فيرى خالته الجالسة أرضًا وهي ضامة علياء لصدرها وتبكي على حالتها، هرول نحوها وهو يسألها بقلق:

- أيه اللي حصل يا خالتي

مسحت دموعها وهي تحاول رفع أبنتها لتنهض بها من على الأرض وهي تخبره بخوف:

- معرفش يا أبني أنا دخلت عليها لقيتها كدة

أوقفها كريم ليسرع بحملها وهو يحث خالته على الإسراع للذهاب بها إلى المشفى بينما أخذت هي حقيبتها سريعًا لتلحق به، وضعها كريم في السيارة لتجلس والدتها بجانبها وهي تدعو الله بتضرع من أجلها وترجوه أن لا يصيبها أي مكروه، أخرجت هاتفها محاولة الإتصال بعادل للمرة التي تجهل عددها ولكن النتيجة واحدة لا جواب!

___________________________

أسرعت تجفف يدها بعد أن قامت بجلي الأطباق و رصها بإنتظام وهي تشق طريقها لخارج المطبخ قائلة بصوت مرتفع:

- أيوة ياللي بتخبط

وضعت خمارها على رأسها وأسرعت نحو الباب وفتحته، لتبتسم فجأة بسعادة وهي تعانق الواقفة أمامها قائلة بإشتياق:

- ضحى يا بنتي وحشتيني أوي تعالي يا ضنايا

بادلتها ضحى العناق بإشتياق، فكم كانت بحاجة لتلك اليد الحنون لتربت عليها فتخفف من همومها وتزيل عن روحها آلامها، جلست بجانبها بعد أن وضعت حقيبتها على الطاولة لتنظر لها فردوس بإستفهام وهي تسألها:

- أيه ده أنتي رجعتي تنزلي الدروس تاني؟

أومأت ضحى برأسها وهي تخبرها:

- اه عمرو طلب مني أرجع أحضر المراجعات عشان الأمتحانات قربت

سعدت فردوس لذلك وشعرت ببعض الراحة على أبنتها فمنذ خروجها من باب منزلها والقلق لم يبرح عقلها وقلبها، أبتسمت بحبور وهي تجاوبها:

- والله الواد عمرو ده طيب و أبن حلال و....

عبست قسمات وجهها لتقاطع والدتها بضيق قائلة:

- خلاص يا ماما فضينا من السيرة دي

أمسكت فردوس بيد أبنتها وهي تسألها بلهفة:

- ضحى يا بنتي طمنيني عليكي، شيفاكي مش مبسوطة، قوليلي عمرو بيعاملك كويس

سحبت ضحى يدها بوجوم وقد تذكرت كل ما فعله بها أخيها لتقوس فمها بإبتسامة ساخرة وهي ترد عليها:

- يعني هيفرق معاكي أوي

رفعت فردوس حاجبيها بدهشة وردت بنبرة مستنكرة:

- يوه أمال هيفرق مع مين ده أنا أمك يا بنتي

نهضت بحدة وهي تنطق بنبرة تملؤها الحسرة والخذلان:

- لو كان يفرق فعلًا مكنتيش رضيتي باللي عمله أنس فيا لكنك سكتي ورضيتي بظلمي يا أمي!

شعرت بتأنيب الضمير فأبنتها منذ زواجها ولم يضحك وجهها أبدًا كما كانت، شعرت أن روحها أنطفئت لتُترك حطامًا لا حياة به، همت أن تتحدث لكن قاطعتها ضحى قائلة بحزن:

- أنا حاسة أني مصدعة هدخل أخد مسكن وأريح شوية لحد ما عمرو يجي ياخدني

أزاحت تلك العبرة التي هربت من عينيها وربتت على كتف أبنتها وهي تخبرها بحنان:

- ماشي يا بنتي أكون خلصت الأكل ونتغدى سوا بدل ما أكل لوحدي، أنتي عارفة أنس لسه هيرجع من السفر بكرة

أومأت برأسها دون أن تتفوه بكلمة وتوجهت نحو غرفتها تبحث عن حبة المسكن علها تهدئ من ألم رأسها، أخذت تبحث لكنها لم تجد شريط الدواء وقفت تحدث نفسها بحيرة:

- هيروح فين أنا دايمًا بحطه هنا، يمكن أنس خده عنده

سارت نحو غرفة أخيها لتبحث عنه، فتحت درج الكومود لتنثر محتوياته حتى وجدته أخيرًا فزفرت براحة وأعادت وضع أغراضه مرة أخرى لكنها لمحت تلك الصورة التي يظهر نصفها من أسفل الأغراض الكثيرة فعقدت حاجبيها بإستغراب ومدت يدها لترفعها أمام عينيها لتشهق بصدمة وتتسع عيناها غير مصدقة لما ترى!

___________________________

- أيوة يا ماما راجعة من الشغل في الطريق أهو

قالت عبارتها وهي تنفخ بضيق ليزيد تجهم وجهها عندما سمعت صوت والدتها يقول:

- طب أخلصي ومش لازم تروحي الجامع أنهاردة أجليها

سحبت شهيقًا وزفرته بمهل لتضبط أنفعالاتها وقالت بهدوء:

- مش رايحة يا ماما

همت أن تغلق المكالمة لكن قاطعها صوت نادية تسألها بعتاب:

- مبترديش على خطيبك ليه؟

ضاقت بها الدنيا وشعرت بذلك الإختناق يتسرب إلى رئتيها كلما ذُكرت سيرته فزفرت بصوت مسموع وأجابت بإقتضاب:

- لما أجي نتكلم سلام

لم تعطها أبرار فرصة للرد بل أغلقت الهاتف سريعًا محاولة كبح دموعها التي كادت تهطل من عينيها، نظرت للسماء وهي تدعو الله بقلبها بقلة حيلة أن يفرجها وتتخلص من تلك الخطبة، وعند ذكر سيرة عادل تذكرت أبرار أميمة فقد مضت بضع أيام لم تستطع فيها الإطمئنان عليها.

وبدون تفكير تجاوزت أبرار بنايتها لتتوجه نحو بناية أميمة، و قبل بلوغها رأت أبرار تلك السيارات الكبيرة أو ما تُسمى بالنصف نقل يتجمع حولها عددًا من الرجال يتعاونون في إنزال تلك الكراسي من عليها ورصها أمام البناية.

عقدت أبرار حاجبيها بإستغراب وظنت أنه ربما يكون زفاف أحدهم لتتجاوز الرجال بحرص وتدلف للبناية قاصدة شقة أميمة، ظلت تطرق عدة مرات لكن لا أحد يفتح، سمعت صوت الباب المقابل لشقة أميمة يُفتح وتطل منه سيدة في العقد الرابع وهي تحكم ربطة رأسها وتقول:

- دة أنتي يا أبرار

أنتبهت أبرار لمصدر الصوت لتستدير بجسدها وتبتسم مستفهمة:

- أزيك يا طنط أم شوقي، قوليلي هو مفيش حد هنا

قالتها أبرار وهي تشير نحو باب الشقة فظهر على وجه السيدة علامات الحزن والفزع وردت بنبرة متلعثمة:

- ه..هو أنتي...متعرفيش اللي حصل ؟

أقتربت منها أبرار بقلق وهي تضيق عينيها وتهز رأسها بنفي لتتابع السيدة بخوف ظاهر عليها:

- ربنا يعين الست أم أميمة على مصيبتها بنتها وجوزها راحوا في يوم واحد

شهقت أبرار بصدمة وهى تضع يدها على فمها لتتجمد في مكانها ونظراتها الغير مصدقة مازالت مصوبة على السيدة التي أسترسلت في الحديث متجاهلة ردة فعل أبرار:

- أول أمبارح دخلت على بنتها الأوضة لقيتها اللهم أحفظنا قاطعة أيديها وخدوها على المستشفى وهناك أبوها طب ساكت ياحسرة شكلة مستحملش موت بنته

أرتجفت يدها لتسقط منها حقيبتها على الأرض، تنظر لتلك الجارة بأعين جاحظة وهي فاغره فاها، شعرت بأن عقلها شُل بسبب تلك الحقائق التي هبطت عليه واحدة تلو الأخرى، عجز لسانها عن النطق وأُبتلعت الكلمات في جوفها وكأنها بكماء، قاومت أرتجافة جسدها وهي تمد يدها لتلتقط حقيبتها وتسير ببطء لتنصرف من أمام السيدة بسكون مميت دون أن تنبس ببنت شفه.

___________________________

مازالت الصدمة تتملكها وهي تنظر لتلك الصورة التي يظهر بها أخيها وهو يعانق تلك الفتاه الغريبة! ولكن كيف! هوت على الفراش وبصرها مازال مصوب نحوها، أخذت تغلق جفونها وتفتحها عدة مرات عله يكون حلمًا وليس حقيقة! نهضت ببطء وهي تتوجه نحو الصالة والصورة مازالت بيدها لتجفل فجأة عندما تسمع صوت والدتها العالي وهي تعانق أخيها الذي وصل لتوه وفاجأهم.

وقفت على أعتاب صالة المنزل وهي تنظر لأخيها بصمت متسمرة بمكانها، عانق أنس والدته بإشتياق ليلمح ضحى الواقفة أمامه بجمود فيهتف بإبتسامة:

- الله ضحى كمان هنا ده أنا حظي حلو عشان أشوفها كمان

اقترب منها ليعانقها لكنه تفاجأ بها ترجع خطوة للوراء بنفور فظن أنها مازالت غاضبة منه منذ زواجها فتنهد بعمق و قال:

- ضحى أنا .......

رفعت يدها أمام وجهه لتوقفه ونطقت بنبرة جامدة ساخطة وهي ترفع الصورة أمام وجهه:

- جوزتني بالعافية ودمرت مستقبلي عشان بس خرجت مع واحد زميلي، طب بالنسبة لده أيه يا شيخ أنس

قالت كلمتها الأخير بنبرة سخرية لترى الصدمة بادية على قسمات أخيها، أقتربت فردوس بدهشة لترى ما تتحدث عنه أبنتها فألتقط من يدها الصورة لتشهق بصدمة وتقول بصوت مهزوز:

- أ..أيه ده يا أ....أنس!

أبتلع أنس ريقه بتوتر وحاول التحدث بنبرة ثابتة:

- الموضوع مش زي ما أنتوا فاهمين .......

هنا صرخت ضحى فيه بكل ما أوتيت من قوة وكأنها فقد السيطرة على أعصابها حتى أنتباتها موجة هياج شديدة:

- أومال ايه، مش زي ما أحنا فاهمين أزاى، أتفضلي يا أمي شوفي أبنك المحترم اللي عاملنا فيها شيخ بيجوزني غصب عني عشان قعدت مع واحد زميلي في مكان عام بإحترام و البيه مقضيها في الكباريهات و ........

هوي أنس على وجنتها بصفعه قوية أختل توازنها على آثرها لتسقط أرضًا ومن ثَم أنفجرت في بكاء مرير، هرولت فردوس نحوها وهي ترمق أنس بنظرات إزدراء وقالت بنبرة غاضبة:

- لو أيديك أتمدت على أختك تاني هقطعهالك أنت فاهم! غلطان و بجح!

أغلق أنس عينيه بقوة وهو يعض شفتيه ندمًا مما فعله، ربتت فردوس على ظهر أبنتها وهي ترفعها عن الأرض وتقول بندم:

- حقك عليا يا بنتي أنا اللى سكت من الأول

مد أنس يده نحوها وهو يقول بنبرة مترجية نادمة:

- ضحى......

نفضت يده بعنف وشرارات الغضب تتقاذف من عينيها، كزت على أسنانها بقوة وهي تحدثه بنبرة ساخطة:

- أياك تلمسني، من أنهاردة أعتبر أن ملكش أخت أنا مش عايزة أشوف وشك تاني

كانت كلماتها كالخناجر التي تقطع نياط قلبه بلا رحمة، نظرت لوالدتها و نطقت بجمود وثبات عكس ما بداخلها من نيران مستعرة:

- ماما كلمي عمرو خليه يجي ياخدني!

___________________________

خرجت من المرحاض وهي ممسكة بتلك المنشفة القطنية البيضاء لتجفف بها شعرها وهي تدندن بكلمات أغنية أجنبية بينما يرتسم على وجهها أبتسامة عذبة، توقفت أمام المرآه لترى إنعكاس صورتها و لأول مرة تشعر بتلك السعادة، لأول مرة تشعر بتغير ملامح وجهها فهي تكاد تقسم أنها في تلك اللحظة لم تعد تحتاج لمستحضرات التجميل يكفيها تلك السعادة التي تزين وجهها.

منذ ما فعله معها بالأمس وهو لم يبرح تفكيرها قط، تشعر أنها تراه في كل مكان، جميع الأشخاص أصبحت تشبهه الآن، أتسعت أبتسامتها أكثر عندما تذكرت سترته التي كانت تحتويها بالأمس تضخ في عروقها شعورًا بالأُنس والأمان لطالما أفتقدته دائمًا.

جفلت فجأة عندما رأت أنعكاس صورة والدها في المرآه لتستدير سريعًا وهي تنظر له بإستغراب قائلة:

- في أيه يا بابي خضتني؟

أقترب سليم منها بهدوء مخيف جعلها تشعر بالقلق من قسمات وجهه الموحيه بأن هناك خطب ما قد حدث، بلعت ريقها عندما أستقر أمامها وبدون أي مقدمات رفع تلك الصورة أمام وجهها ليقول بهدوء:

- دي وقعت من شنطتك!

أبتلعت فيروز ريقها وألتقطت الصورة لتخفيها خلف ظهرها وهي تنبس بتلعثم:

- اه.. بصراحة... يعني...

وضع يديه على كتفيها ليجلسها على السرير قبل أن يجلس أمامها ناطقًا بنبرة عادية وملامح وجه خالية من أي تعبير:

- أكيد متوقعة أني هسأل عن تفسير للي شوفته؟

وجدت أنه لا مجال للهرب فقررت فيروز إخبار والدها بخطتها وقتها للإيقاع بأنس بسبب تطاوله عليها بالكلام بدون ذكر أي تفاصيل جانبية أخرى قد حدثت، وبالطبع دون أن تشعره أن قلبها قد دق له!

زفر سليم بصوت مسموع وخاطبها بنبرة حنونة:

- طب ليه يا فيروز! ليه تنزلي مستواكي لواحد زي ده! اللي يتجرأ ويضايقك قوليلي وأنا هتصرف معاه

دب الرعب في أوصالها وسقط قلبها في أخمص قدميها وظنت أن والدها قد ينتقم منه لأجلها فهبت واقفة وهي تبرر له سريعًا بتلعثم:

- لا .. بصراحة يا بابا أنا اللي غلطانة .. أنا اللي كنت قليلة الذوق معاه من الأول وأذيته كتير بس هو متجرأش يعملي حاجة.. وصدقني حاليًا خلاص الموضوع خلص وكل واحد في حاله

ظلت نظرات سليم مصوبه لها بغموض مما زاد قلها وتوترها لكنها زفرت براحه عندما أبتسم فجأه وقال وهو يربت على كتفها:

- ماشي يا فيروز، بس لو حد ضايقك متتردديش أنك تقوليلي على طول

أومأت له بإبتسامة قلقة ليبادلها الإبتسام ويتركها منصرفًا، دلف سليم لغرفة مكتبه وأخرج هاتفه ووضعه على أذنه لتظلم نظراته ويتحدث بنبرة مخيفة:

- هبعتلك صورة واحد تعرفلي هو مين

ثم كز على أسنانه وهو ينظر للفراغ أمامه بنظرات مرعبة متابعًا حديثه:

- وعايز واحد يراقب فيروز زي ضلها!

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة