[ أرواح حائرة ]

[ أرواح حائرة ]

11 0

الفصل الثالث عشر

[ أرواح حائرة ]

الإنسان مخير لا مسير في إختيار طريقه، فقد أعطانا الله سبيل النور و سبيل الظلمات، و بإرادتنا الحرة نسلك أي الطريقين، و بمجرد إختيار الإنسان لطريقه، فإنه بذلك يسطر أولى سطور نهايته.

رمى عقب لفافته على الأرض ليدعسها بقدمه فقد أصبح يدخن بشراهة في الفترة الأخيرة غير عابئ بما سوف يعود عليه من أضرار صحية أو حتى بحُرمة تلك العادة، ضغط بإبهامه على مفتاح السياره التى صفها للتو بمحاذاه الرصيف ثم سحب مقبضها ليتأكد من إحكام غلقها و هو يلتفت بوجهه نحو صديقه الذي يحدثه قائلا:

- يا أبني ما تسيبك من اللي إسمها فيروز دي بقي، أنت مش قد أبوها

رمقه بنظرة إزدراء و هو يوضح بحدة:

- و أنت شايفني قليل ولا ايه ده أنا أبويا رجل الأعمال بدر الدين حكمت، يعني الروس متساوية

وضح له بإيجاز محذرًا و هو يعبر ذاك الممر الخشبي المؤدي للمركب الخاص به:

- يعم مقصدش، بس أبوها عنده سلسلة شركات مش شركة واحدة من الأخر مش أي حد يقدر يقف قدامه، أعقل كده يا عادل و شيل البت دي من دماغك عشان متدخلش في مشاكل

زفر بضيق و هو يعنفه قائلا:

- أسكت أنت مش فاهم حاجة، أنت عارف أنا لو وقعت البت دي هعيش ملك

ثم غمز له بعينيه و تابع بطريقته الوقحة:

- و هبقى أنا الدنجوان اللي عرف يوقعها مش زيكوا خايبين و ....

بتر عبارته عندما لمح تلك الواقفه عند سور المركب في إنتظار وصوله، ألقى نظرة ضيق عليها ثم وجه بصره لصديقه و هو يعقب:

- طب إستناني هنا لحد ما أشوف المصايب اللي ورايا

ضحك بملئ فيه و هو يسحب سيجارة و يشعلها قائلا:

- خد راحتك يا برو

بخطوات ثابتة أقترب منها لتلتف له عندما شعرت بإقترابه و قبل أن تهم بالتحدث إمتقع وجهه و هو يسألها بنبرة جافة:

- أنتي أيه اللي جابك هنا يا أميمة؟

عقدت حاجبيها بإستغراب و هي ترد عليه:

- مالك يا عادل بتكلمني كدة ليه! وبعدين أنا مراتك ومن حقي أجي أشوفك في أي وقت!

حاول ضبط أعصابه و زفر بحدة طفيفة ثم أمسك يدها و هو يأمرها:

- تعالي معايا

و بحركة سريعة سحبها و أتجه نحو سلم صغير لينزله ومنه إلي رواق قصير ينتهي في آخره ببابًا موصدًا.

أدار مقبض باب الغرفة و دلف برفقة أميمة ثم تأكد من إغلاقه، توجهت أميمة نحو الآريكة لتجلس عليها و هي تجوب بعينيها الغرفة و تخبره بتنهيدة حب:

- ياه وحشتني أوضتنا أوي، بقالي كام يوم مجتش عشان الدراسة

زفر بملل و هو يسألها متجنبًا التطرق لموضوع زواجهم:

- خير جاية ليه ؟

نظرت له بدهشة و نهضت لتقف بمقابله و تطوق عنقه بيديها و هي تقول بهيام:

- هو أنت مش جوزي و أشوفك وقت ما أحب و لا أنا موحشتكش

أبعد يديها و هو يدس يده في جيب بنطاله و يخرج منها علبه سجائره ليلتقط واحده بفمه و يشعلها قائلًا بنبرة جافة:

- لا مينفعش، لأنك زي ما أنتي شايفة كده صحابي داخلين خارجين و محدش يعرف اللي بينا ده!

عقلها كان مغيبًا للدرجة أنها فسرت حديثه على أنه غيرة عليها فنطقت بسعادة ونعومة و هي تضع رأسها على ظهره:

- أنت بتغير عليا يا حبيبي

فقد كل ذرة صبر حاول التمسك بها فصاح بغضب جعلها ترتد للخلف مجفلة منه:

- أميمة خلصيني في يومك صاحبي فوق مستنيني

تنهدت بحزن و أردفت متجنبة المراوغة حتي لا تغضبه أكثر:

- عملت أيه في حوار الزفتة ضحي!

على ذكر سيرتها تذكر ذاك السؤال المُلح على عقله منذ أن أوصلها لبيتها في آخر مرة، أرتخت ملامحه و تبدلت بأخرى مهتمة و قال:

- كله تمام، صحيح قوليلي هي مين البنت أم طرحة طويلة دي اللي ضحي تعرفها ؟

أدار ظهره و جلس على الآريكة متظاهرًا و كأن الموضوع لا يعينه حتى لا يثير ريبتها، و ما كان منها إلا أن جلست جانبه و وضعت رأسها على كتفه و هي تجاوبه:

- تقصد مين أبرار؟

ألتعمت عيناه بنظرة ماكرة و هو يتابع تساؤلاته:

- هي أسمها أبرار؟

ثم أخفض صوته و الذي لم تلتقطة أذنا أميمة بوضوح قائلًا:

- بس قمر بنت الإيه

ردت عليه بدون إكتراث و لكن تبدلت نبرتها لنبرة غاضبة:

- أيوة هي اللي بتلبس خمار دي، هي السبب إن ضحى تقلب عليا، من ساعة ما ست سارة دي قربتهم من بعض بس ملحوقة و الله لأندمها على اليوم اللى فكرت تغلط فيا فيه

ثم هبت واقفة و هي تتابع بنظرات تنم عن ذاك الشر المتنامي بداخلها و تحقيق رغبتها في الإنتقام منها:

- عايزاك تكسرها يا عادل عايزة أشوفها مش قادرة ترفع عينيها في حد، مش هي عندها راجل بيحكمها، تبقى توريني الراجل ده هيقدر يرفع عينه في الناس ازاي بعد اللي أنت هتعمله فيها

كانت غارفة في أحلامها الإنتقامية وشعور بالإنتصار داخلها بدأ في النمو و التوغل بكل ذرة بكيانها، بينما لم يعرها عادل أي إهتمام فقد صب جام تفكيره في تلك التي سلبت عقله و تفكيرة حيث بدأت مخططاته في التغيير رويدًا رويدًا.

_____________________________

دائمًا ما كان يحاول التقرب إلى الله، يلتزم بأوامره و ينتهي عن نواهيه أملًا أن ينول منه الرضا و يكسب عفوه، و من ضمن الإشياء التي كان يحاول كبحها و تهذيبها في نفسه هو الغضب، عملًا بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم

( ليس الشَّديد بالصُّرعة، إنما الشَّديد الذي يَملك نفسه عند الغضب ).

و لكن الآن و في تلك اللحظة بالتحديد كان قد فقد كل ذرة هدوء يمتلكها، اشتعل غضبه كشرارة أضرمت النيران بداخله، كل لحظة تمر كانت تزيد من إحتدام غضبه و كأن الظلام قد أطبق على ملامحه و ذلك قبل أن يحاول إدخال المفتاح في مزلاجه لينجح أخيرًا في فتح باب الشقة علي مصرعيه حيث أحدث صخب عالي فزعت له والدته الجالسة على الآريكة تشاهد التلفاز، لم يأبه به و هرول مسرعًا للداخل و شفتاه مطبقتان بقوة يخفي وراءهما زوبعة من الكلمات التي تود الإنطلاق كالرصاص!

و بدون أي مقدمات أدار مقبض باب غرفتها و فتحه بعنف مما جعلها تجفل فزعة من هيئته التي لا تبشر بالخير، أتت فردوس من خلفه مهرولة بخوف و هي تسأله بنبرة قلقة:

- مالك يا أنس حصل أيه يا بني داخل كده ليه؟

قبض على يده بقوة حتي أبيضت مفاصله و برزت عروقها كأنها حبال مشدودة و هو ينظر لضحى الواقفة أمامه و جسدها يرتجف فزعًا ولم يشعر بنفسه إلا وهو يرفع يده ليهوى بها على وجنتها في صفعه جلعت الدماء تنزف من جانب فمها على آثرها.

شهقت فردوس و هي تقترب من إبنتها لتحيل بينهم و هي تفرد ذراعيها أمامها، لأول مرة تراه بتلك الحالة الغاضبة وكأنه بركان ينتظر شرارةً واحدة ليحرق كل ما حوله، صرخت به بفزع و هي تعنفه:

- أنت من أمتى بتمد أيدك على أختك يا أنس أنت أتجننت ولا أيه!

أحتدت نظراته المسلطة عليها و هدر بغضب أرتعدت له فرائص ضحى:

- أسألي الهانم بتاعة العربيات عملت أيه يمكن تجاوبك!

ضيقت فردوس عينيها بعدم فهم و هي ما زالت تقف كحائط سد بينهما و سألته:

- يعني ايه!

تلبدت ملامحه بظلام مخيف و هو يعطيها إجابة سؤاله المبهم بصوت يشبه قصف الرعد:

- الهانم المتربية كانت نازلة من عربية واحد انهاردة عند باب الحارة

جحظت عيناها في صدمة زلزلت كيانها وكأن كلامه وقع على مسامعها وقع الصاعقة، صفعته على وجهه لكنه لم يتحرك قيد أنملة كما لم يرف له جفن و هو يسمعها تصيح:

- أخرس أنا بنتي متربية، عيب تقول على أختك كده!

ثم إستدارت لترمق الواقفه خلفها بنظرات مستفهمه، كان وجهها شاحب كشحوب جثة تم دفنها للتو، جسدها يرتجف و صدرها يعلو ويهبط بفزع مميت، صرخت بها قائلة:

- أتكلمي يا ضحى الكلام ده صحيح!

أرتعشت شفتاها و هي متجمدة بمكانها، و كأن الكلمات أُبتلعت في جوفها فتركتها بكماء، هزتها فردوس بعنف وهي تصرخ بها لتجاوبها فما كان منها إلا أن أومأت برأسها برعب.

تركتها كالملسوعة و هي تنظر لها بعدم تصديق ليأتي صوت أنس هادرًا من خلفها وهو يشير لوالدته ملقيًا عليها تعليماته الصارمه بنبرة قاسية لا تقبل الجدال:

- البت دي ملهاش خروج من البيت إلا على جثتي أنتي سمعاني

ثم وجه نظراته نحوها مما جعلها تنكمش على نفسها برعب و تكتم شهقاتها بجوفها و قال متوعدًا:

- أخرك معايا أمتحانات السنة دي و ملكيش تعليم تاني، هرميكي لأول واحد يدق بابك، أنتي فاهمة!

ثم تركهم مغادرًا وهو يكتم بداخله غصة مريرة تكاد تشق قلبه لنصفين و مازالت كل ذرة فيه تتململ تحت وطأة الغضب.

___________________________

لم يعد يحتمل تلك الأفكار المتضاربة برأسه و هو يصبر على أحر من الجمر، أرهقه التفكير و نال منه ما نال، فحسم أمره و قرر الذهاب له في الحال لينفذ ما أنتوى على فعله.

و بالفعل هرول عمرو يهبط درجات بنايته ليكون خارجها بعد عده ثواني، أقترب من باب بنايه أنس لكنه تفاجئ به يخرج منها و تقاسيم وجهه لا تبشر بالخير، أقترب منه سريعًا و هو ينادي:

- أنس

توقف مكانه لكنه لم يلتفت، مسح وجهه بيده بعنف كأنه يزيل عنه غضبه و زفر بحدة مخرجًا كلته الهواء الجاثمة على رئتيه ليرى عمرو الذي وقف قبالته يقول:

- أنس كنت عايزك في موضو....

قطع جملته قائلًا بصوت متحشرج من الغضب:

- وقت تاني يا عمرو أنا مش فايق

تركه و سار لخطوات لكنه أعترض طريقه و طلب منه بإصرار:

- عايزك ضروري، و بعدين أنا مش هسيبك بحالتك دي أنت مش شايف شكلك عامل أزاي!

تنهد بضيق وهو يسير معه نحو بيته لعل في جلسته معه يتخلص من بعض الهموم التي أثقلت كاهله، تحدث عمرو أولًا بعد أن اتخذوا مقاعدهم على الآريكة و كأنه يستشف منه علمه بموضوع ضحى:

- مالك يا أنس ؟

أستدار بوجهه الممتقع و هو ينظر بإتجاه الشارع قائلا:

- مفيش مشكلة كده و أنا حليتها خلاص، قولي أنت كنت عايزيني في ايه

ساورته الشكوك حول معرفته للموضوع فملامح وجهه تنضح بالغضب و كأنه لم يراه على تلك الحالة قط من قبل، قرر عدم الضغط عليه فخرج صوته بتلعثم و هو يحمحم قائلًا:

- أنت عارف أني دلوقتي الحمد لله شغال شغل كويس، و كمان بدأت أحوش منه عشان أقدر أجيب شقة كويسة حتى لو إيجار و .....

لم يمتلك أنس التركيز الكافي ليفهم تلميحاته فنطق قائلا:

- خش في الموضوع

بلغ توتره عنان السماء، لم يوضع في موقف مثل هذا من قبل و مع من؟ صديق عمره و طفولته، أجلي حشرجة أحباله الصوتية و هو يندفع قائلا بتوجس:

- أنت عارف أني مليش في اللف والدوران عشان كده أنا عايز أطلب منك إيد أختك على سنة الله و رسوله!

___________________________

لا تعرف كيف مرت عليها الساعات و هي جالسة بغرفتها تتطلع لتلك الزجاجة الفارغة الموضوعة أمامها بأعين تلتمع بها السعادة بشكل غريب، أخر ما قد تتوقعة أنها تحتفظ بزجاجة مشروب غازي أشتراها لها هي التي كانت تُهدى من الهدايا أثمنها أصبحت تلك الزجاجة أغلى ما لديها و إن كانت تجهل السبب، أو بمعنى أصح لا تعترف به.

أغلقت الإضاءة بجانبها و تسطحت على الفراش محاولة غلق جفنيها لتوقف تفكير رأسها المستمر به، و لكن عادت ذكرى موقفه معها تهاجم عقلها للمرة التي تجهل عددها، لطالما كانت تطلب الإهتمام من أقرب الناس لها و لكن يقابل طلبها بالجفاء و اللامبالاه، عاشت لسنوات تتمنى بها أن يعطيها الله ولو شخص واحد فقط يفهمها، يهتم بها، و يسمعها في أصعب أوقاتها، و للغرابة قد جاءها ما تمنته لسنوات من أخر شخص كانت تتوقعه!

دقات الباب نشلت عقلها الحالم من أفكارها الوردية، أذنت للطارق و هي تعتدل في فراشها و تضئ النور تزامنًا مع دخول والدها لغرفتها الذي أتخذ مجلسه بمقابلها و هو ينظر لها بإبتسام، سعدت فيروز بداخلها ظنًا منها أنه جاء ليراضيها و يعوضها عن جفاءه معاها صباح اليوم، و خصوصًا عندما قال:

- كنتي نايمة؟ أصل كنت عايز أتكلم معاكي في موضوع

رسمت بسمة صافية على ثغرها و هي تنفي سؤاله:

- لا مكنتش لسه نمت، خير يا بابا

أخذ شهيقًا ثم زفره على مهل و هو يمهد لموضوعه قائلًا:

- فيرو حبيبتي، أنتي عارفة أنك بنتي الوحيدة و أنا أكيد نفسي أفرح بيكي و أشوفك أحسن حد في الدنيا

شعرت بشئ من عدم الراحة من حديثه فحمحمت و هي تستفهم:

- في أيه يا بابا ليه بتقول كدة؟

قرر عدم المراوغة و خرجت منه العبارات صريحة و هو يقول:

- أنتي عارفة أن أشرف و ياسر أبنه كانوا عندي انهاردة بنتكلم في شغل، و بصراحة أشرف كان بيلمحلي في القاعدة كل شوية عن موضوع إرتباطك بياسر، لحد ما ياسر مشي و هو فاتحني في الموضوع عشان ياخد مني معاد رسمي يجي فيه و تتعرفوا على بعض

تبدلت ملامحها المبتسمة لأخرى متجهمة و هي ترد بهدوء محاولة ضبط إنفعالاتها:

- بس أنا و ياسر نعرف بعض من وأحنا صغيرين و مش محتاجين نتعرف

تهللت أسارير سليم و هو يسمع جملتها و ظن أنها لا تعترض على تلك الزيجة، لكنه لو نظر نظرة متأملة في ملامحها لمحى ظنونه و شعر بما في قلبها، تبددت ملامح الإستبشار من وجهه عندما سمعها تستطرد:

- و عشان أنا عرفاه كويس فبقولك إني مش موافقه عليه!

عقد حاجبيه و هو ينظر لها بضيق واضح بينما تغيرت نبرته لأخري مهاجمة:

- نعم! و مش موافقة ليه إن شاء الله ياسر اى بنت تتمناه راجل منصب و مال و مركز و غير كده بيني و بين ابوه شغل هيعود علينا بمليارات ناقصه ايه عشان ترفضيه!

قوست فمها بسخريه و نظرت له بحسرة و هي تتابع:

- اه قول كده، يعني الموضوع ده كله عشان الشغل

أنتصبت واقفه بغضب حاولت كبحه و تحدثت بنبرة حازمة لا تقبل النقاش:

- بابا أنا مش هتجوز غير اللي يختاره قلبي لوسمحت مش عايزة كلام في الموضوع ده تاني

تجاهل غضبها و ضيقها و رسم بسمة على وجهه وكأنما يحادث حجر أصم و ليس إنسانة لها قلب و مشاعر:

- حبيبتي إنتي شكلك أعصابك تعبانه دلوقتي أرتاحي و فكري كويس و انا متأكد أنك هتوافقي

ثم نهض من مكانه مغادرًا لكنه لمح زجاجة المشروب الغازي الفارغة فنطق بإستغراب يتخلله الإشمئزاز:

- ايه ده يا فيرو ؟ ايه اللي بتشربيه ده!

توترت قسماتها و مدت يدها سريعًا لتلتقط الزجاجة وتخفيها خلف ظهرها معقبة:

- صودا عادي

أشار بيده و قال بتقزز:

- من أمتي بتشربي الحاجات الرخيصة دي، إياكي اشوفك جيباها تاني

ثم أدار مقبض الباب ليخرج منه مغلقًا إياه بهدوء، جلست فيروز علي طرف السرير و هي تخرج الزجاجة من خلف ظهرها و تنظر لها بحنو يشوبة بعض الحزن و هي تنطق:

- بس دي غالية عندي أوي يا بابا و عمرك ما هتفهم!

___________________________

حسم أمره بعدما قضى ليلته كاملًة في التفكير، فأول ما فعله عندما نهض صباحًا هو أرتداء ملابسة و تجهيز نفسة ليفعل ما عقد عليه العزم يوم أمس.

أحكم ربط ساعته حول رسغة و دس هاتفه و محفظته بداخل جيبه و هو ينظر لإنعكاس صورته بالمرآه بنظرات قلقة مترجية و هو يقول لنفسه:

- يارب ميحصلش اللي في بالي يارب أستر

طرقت والدته الباب ثم دلفت لتراه يرتدي حذائه على عجل فهتفت متعجبة و هي تسأله:

- أنت رايح فين يا كريم، أنت عارف أن ورانا تجهيز شنط عشان مسافرين!

أحكم رِباط حذائه و أعتدل واقفًا و هو يصوب بصره نحو حنان و ردد مقررًا:

- أنا مش هسافر تاني يا ماما

أتسعت عيناها بتفاجُئ و هى تقول مستنكرة:

- يعني ايه مش هتسافر!

فتح قارورة عطره لينثر منها القليل على جانبى ياقته و هو يوضح:

- يعني مش هسافر، أنا تعبت من الغربة والسفر كل شوية و نفسي أستقر بقى

عقدت حاجبيها بدهشة و هي ترد عليه:

- و أبوك اللي متغرب هنسيبه لوحده و شغلك هناك!

حسم أمره و بعينين ثابتتان نظر نحوها و هو يخبرها:

- هقدم إستقالتي و هبتدي من جديد هنا في بلدي

ثم أدار رأسه ليلتقط مفاتيحه و هو يتابع بهسيس يحمل في طياته الكثير من الحنين:

- و جمب الناس اللي بحبها.

__________________________

صف سيارته بمحاذاه الرصيف ثم أغلق موتورها قبل أن يخرج هاتفه من جيبه ليتأكد أنه العنوان المنشود، زفرة حاره خرجت من جوفه بعد أن تطابق العنوان مع البناية التي يسلط أنظاره عليها و هو يهمس لنفسه:

- يارب خيب ظني

مرت عليه الدقائق و كأنها دهور، أخذ يتأمل ساعته بين الحين و الأخر و هو يحرك أصابعه على مقود السيارة بمتلازمة منتظمة ليخفف من حده توتره.

حبس أنفاسه و شحب وجهه عندما أبصرها تهبط لتوها من سيارة الأجرة التي توقفت أمام تلك البناية و هي تختلس النظرات الحذرة يمنة و يسرة قبل أن تمد يدها من نافذة السيارة لتعطي السائق نقوده لينصرف مغادرًا على الفور.

أنتظر لدقائق حتى أختفت بداخل البناية ليترجل من السيارة مسرعًا بعد أن تأكد من غلقها و هو يتابعها دون أن تشعر به، رآها تدلف من باب المصعد فأتجه نحو السلم وهو يتابع شاشة المصعد في كل طابق حتي أبصره يتوقف عند الطابق الرابع، ظل واقفًا على الدرج محاولًا أن لا يلفت نظرها وهي تضغط على زر جرس إحدي الشقق ليمتقع وجهه و ينفطر قلبه عندما لمح ذاك الشاب الذي فتح الباب لها لتوه!.

أخذ يدور حول نفسه و كأنه أسد محبوس في قفصه ينتظر الإفراج عنه لينقض على فريسته بلا رحمة، قبض على يده بشدة محاولًا حبس ثورته بداخله، كانت كل ثانية تمر عليه تزيد من ناره إشتعالًا فقرر هبوط الدرج بتؤدة و هو يسير في إتجاه الباب محاولًا إستراق السمع لما يحدث بالداخل، لكن ما جعله يتجمد بمكانه هو إلتقاط أُذنيه لصوت صراخها بالداخل!

عندها فقد كل ذرة صبر و تريث حاول التسلح بها و أندفع نحو باب الشقه يضربه بكتفه بعنف و كأن صوتها أيقظ الوحش المفترس الكامن داخله، ثواني و أنكسر الباب ليهرول للداخل يبحث بعينيه عنها بجنون حتي وقعت عيناه على آخر شئ توقع أن يبصره.

صرخت علياء بأعلى صوتها وهي تستجديه و كأنه كان حبل نجاتها من مصيبة محتومة أوقعت نفسها بها بسذاجتها:

- ألحقني يا كريم!

في لحظه لم يشعر بنفسه إلا وهو ينقض علي ذاك القذر كالثور الهائج يكيل له اللكمات على أنحاء متفرقة من جسده و كأنه يضرب ما تطاله يداه و هو يسبه بسبات نابية، مما جعله يطرح أرضًا والدماء تسيل من كل شبر من جسده، مال بجسده عليه ليكمل ما بدأه لكن وجد يدها تمنعه و هي تصيح ببكاء مرتجف:

- سيبه بالله عليك هتموته متضيعش نفسك، مشيني من هنا بالله عليك يا كريم

حدجها بنظرات مشتعله جعلها تنتفض رعبًا من هيئته و بدون أي مقدمات قبض على يدها بعنف و هو يجرها خلفه جرًا ليتركا ذاك المكان المشؤوم.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة