الفصل الخامس عشر
[ بين متاهات الأحزان ]
البشر بإختلافهم فأنهم يتفقون على شئ واحد، و هو بشاعة الشعور بالظلم!
شئت أم أبيت، فطوال سنواتك التي ستحياها لابد أن تتجرع مرارة الظلم، ستشعر به يقيد قلبك و يستنزف روحك عندما لم يكن لك القدرة على دفعه!
لكن " دوام الحال من المحال " و لكل شئ نهاية، حتي الشمس ذات يوم ستكسر القواعد لتشرق من مغربها معلنة عن النهاية.
كانت تعلم في قرارة نفسها أن حديثها لن يجني ثماره و لن يجدي نفعًا لكنها قررت أن لا تيأس حتى لا يؤنبها ضميرها و حتي تتحمل تلك المسؤولية التي أوكلت لها تجاه رعيتها التي أمرها الله بها، عملًا بحديث رسول الله صل الله عليه وسلم:
( كلكم راعٍ و كلكم مسئولً عن رعيته .... ).
زفرت الهواء الزائد بصدرها و هي تسير بخطوات ثابتة ممسكة بصينية موضوع فوقها كوبين من الشاي الساخن، و عندما وصلت لباب غرفة المعيشة نظرت له لتجده جالسًا على الآريكة يتصفح أوراق الجرائد، أقتربت بتؤدة لتسند طرف الصينية علي الطاولة ثم تدفعها برفق للداخل قبل أن تجلس بمقابله.
قلب صفحة أخري من الجريدة و هو ينبس دون أن يتطلع لها و مازال نظره يجوب السطور المكتوبة:
- ها قولي مش لازم مقدمات
تنهدت ببطئ ثم تحدثت بهدوء:
- علياء مش عجباني بقالها كام يوم يا بدر أنا خايفة عليها أوي
عقد حاجبيه و هو يقلب صفحة أخرى ثم سأل بعدم أهتمام:
- مالها ؟
قامت من مكانها لتجلس علي الآريكة التي تجاوره و هي تخبره بقلق:
- مش عارفة بقالها أكتر من أسبوع لا بتتكلم و لا بتقعد معايا من الدرس للبيت و من البيت للدرس وعلى طول قافلة على نفسها و وشها مصفر كده و شكلها تعبانة، أنا قلقانة عليها أوي
طوى الجريدة ليضعها بجانبه ثم قال و هو يمد يده ليمسك بفنجان الشاي:
- هتلاقيها متوترة ولا خايفة من الأمتحانات متكبريش الموضوع يا أحلام
ردت عليه مؤكدة:
- لا يا بدر أنا بقولك بنتي فيها حاجة، سألتها كذا مرة و مرضيتش تتكلم معايا، ما تحاول معاها كدة وقرب منها يمكن تحكيلك، يا بدر بلاش تضيعها زي ما ضيعت عادل!
لم تتفاجئ عندما رآت ردة فعله الغاضبة منها فقد أعتادت على ذلك، لذا صمتت حتى يخرج ما في جعبته و هو يقول بحده:
- هو كل شوية نفس الأسطوانة دي أنتي ايه مبتزهقيش، ده الواحد زهق من النكد ده
هبت واقفة بغضب و هي ترد عليه:
- نكد ! عشان بقولك خلى بالك من عيالك و حابي عليهم أبقي نكدية، ماشي يا بدر أنا نصحتك وعملت اللي عليا بس يارب مترجعش تندم لما ولادنا يضيعوا من ايدينا
ثم أولته ظهرها و تلك الدموع الحبيسة في مقلتيها بدأت بالإنسياب واحده تلو الآخرى بحسرة وهي تتابع:
- زي ما ضاع عادل و يا عالم هيفوق قبل ما عقاب ربنا يفوقه ولا لا
ثم تركته و غادرت و هي تغمغم بغضب:
- أنا هروح أشوف بنتي أحسن ما أضيع وقتي في كلام مش هيأثر في حد.
___________________________
كما هو الحال منذ أسبوع كانت تجلس على فراشها و هي ضامة ركبتيها لصدرها و تبكي بحرقة حتى تورمت عيناها، غصة مريرة تضرب قلبها حتى أنها ظنت أنه سينخلع من قفصها الصدري تاركًا أيها جثة هامدة من فرط حزنها.
مسحت وجهها بظهر كفها و هي تتحسس عيناها الحمراء المتورمة بألم، حتى الآن لا تصدق أنها نجت من تلك المصيبة التي كانت ستقضي على حياتها للآبد لتجعلها جسدًا بلا روح.
مدت يدها أسفل الوسادة لتلتقط هاتفها ثم عبثت به لتتوقف أمام أسمه ككل يوم بحيرة أتهاتفه أم لا؟ بسرعة ضغطت بإبهامها زر الإتصال حتي لا يهزمها التردد واضعة الهاتف على أذنها لتسمع تلك الصافرة الرتيبة متمنيه أن يجيبها اليوم، فمنذ أسبوع هو يتجاهلها تمامًا، أنسابت العبرات أكثر من حدقتيها عندما أنتهى الاتصال و لا رد كالعادة، فقررت إرسال رسالة أخري له لعل قلبه يلين و يعطيها فرصة واحده لتتحدث معه.
ما إن أرسلت الرسالة حتى سمعت دقات على الباب لم تستطع اللحاق و التظاهر بالنوم فقد دخلت والدتها سريعًا لتراها جالسة على حالتها المزرية تلك، هرولت نحوها وهي تمسك بكفيها وتقول بقلق مميت:
- مالك يا علياء طمنيني يا بنتي وشك مخطوف و عنيكي وارمة حاسة بإيه يا بنتي قوليلي
مسحت دموعها و جاهدت لتخرج الكلمات من جوفها لتتحدث بوهن:
- مفيش يا ماما مضغوطة بس بسبب الأمتحانات
ساورتها الشكوك، وفعلت الظنون بعقلها الأفاعيل تشعر أنها مكبلة و أن أبنتها بها خطب ما و غير قادرة على معرفة السبب فنطقت بخوف حقيقي:
- علياء حبيبتي لو في حاجة صارحيني، طب تحبي نروح للدكتور
ثم مدت كفها تتحسس جبهتها بتفحص لتشهق بخضة و هي تقول:
- أنتي سخنة أوي يا علياء مالك يا بنتي!
ربتت علياء علي يدها و حاولت إقناعها بصعوبة و هي تعتدل لتنام:
- صدقيني يا ماما مفيش حاجة هتلاقيني داخلة على دور برد ولا حاجة أنتي عارفة الجو ابتدي يسقع، انا بس محتاجة أنام
ثم تسطحت على الفراش لتستدير على جانبها كي لا تضغط عليها والدتها بالحديث أكثر، تنهدت أحلام و أحكمت الغطاء عليها لتتركها تهنأ ببعض الراحة لعل صحتها تتحسن و غادرت الغرفة مغلقة الباب خلفها بهدوء تاركة علياء تسبح في بحور الحزن و الحسرة.
___________________________
ظلت جالسة كما هي على الآريكة تتأمل صورة زوجها الراحل بحزن، منذ رحيله و قد تبدلت الأحوال و زادت عليها صعوبات الحياة فوجدت نفسها بمفردها في هذة الدنيا الواسعة تحارب مصاعب الحياة بطفلين تريد أيصالهم لبر النجاة حتى تهنأ في نومتها الأبدية أن كُتب لها نهاية أجلها.
أزالت تلك العبرات العالقة بأهدابها و هي تتحدث بحزن:
- الحياة من بعدك صعبة أوي يا محمد، كنت شايل عني كتير و كنت مطمنة بوجودك كنت و نعم الزوج
رفعت الصورة قرب وجهها لتقبلها بحب و هي تدعو برجاء:
- ربنا يرحمك و يصبرني على فراقك
نهضت لتعلق الصورة بمكانها على الحائط كما كانت ثم تنهدت بعمق وسارت قاطعة الردهة القصيرة لتصل لغرفته فتجده يضع أغراضة بداخل حقيبة سفر متوسطة الحجم، طرقت على الباب لتنبهه بوجودها فألقى عليها نظره ثم عاد يكمل ما بدأه.
- أنت مسافر ليه يا أنس؟
سألت فردوس مستفهمه و هي تدلف لتقف بالقرب منه، أستدار أنس بإتجاه الخزانة ليلتقط منها ملابسة و يضعها في الحقيبه و هو يجاوبها بإقتضاب:
- مسافر تبع الشغل زي مأمورية كدة
عقدت حاجبيها ثم تابعت بتساؤل:
- و أشمعنى أنت اللي تسافر يعني؟
فسر لها و هو يتابع ترتيب أغراضة ليغلق الحقيبة:
- البشمهندس ناجي عايز يدربني على الشغل في كذا موقع و منها مواقع الشركة اللى في المحافظات التانيه
ثم تابع قبل أن تهم فردوس بالحديث و هو يطمئنها:
- متقلقيش هما يومين بالكتير هخلص اللى ورايا و هرجع، عشان كده كتب الكتاب لازم يتم بكرة قبل ما أمشي عشان عمرو يبقى معاكوا و أبقى مطمن عليكوا لو احتاجتوا حاجة
وضعت يدها على كتفه توقفه عندما شعرت بتوتره و ضيقه، توقف أنس عن الحركة على آثر لمستها ولكن هل يتوقف رأسه عن التفكير؟
أجلسته على السرير وجلست جانبه و هي تقول:
- مش شايف أن ده عقاب قاسي أوي يا أنس، أنا معاك أن ضحى غلطت يا أبني بس من أمتي بنرغم البنات على الجواز ده ميرضيش ربنا
تذكر كلام ذلك الرجل الذي يسكن على أول حارتهم عندما ألتقى به صدفه يومها ليخبره أنه رآي ضحي و هي تهبط من سيارة شخص ما و ينصحه أن يراقب أهل بيته، فثارت الدماء بعروقه و أستشاطت حميته الرجولية و أنتصب واقفًا بغضب و قال:
- وهي لما تدور على حل شعرها و تركب مع شباب غريبة العربية ده بقى اللي يرضي ربنا!
ثم تابع بنبرة صارمة لا تقبل الجدال لينهي الحديث عن ذاك الموضوع:
- أنا خدت قراري كتب الكتاب هيتم في معاده و مش عايز كلام تاني و إلا هى عارفة أنا ممكن أعمل أيه كويس
خشيت فردوس من تفاقم الأمور أكثر و إثارة غضب أنس فيفعل ما لا يحمد عقباه فآثرت تغيير الحديث و قالت بهدوء ممزوج ببعض الرجاء:
- سارة كانت هنا من شوية بتطمن على ضحي و طلبت أنها تروح معاها درس الجامع بكرة خليها تروح معاها يا أبني
بدا على وجهه علامات الإعتراض لكنها تحدثت سريعًا محاولة إقناعه:
- بالله عليك ما ترفض، و بعدين سارة هتكون معاها هتاخدها للجامع و تجيبها منه، سيبها يا أبني بيت ربنا و الصحبة اللي فيه كفيله تصلح حالها
زفر بضيق و هو يقلب عينيه بتردد لينطق بعدها بإقتضاب:
- ماشي، بس قولي لسارة تاخد بالها منها.
___________________________
لا تعلم كم من الوقت مر عليها و هي جالسة على حالتها المصدومة تلك وكأن الزمن قد توقف من حولها و فُصلت عن واقعها فأصبحت لاتفرق بين الواقع و الخيال، صوت بعيد أخترق طيات عقلها المغيبة ليعيدها على أرض الواقع من جديد لتنتبه لتلك التي تضع يدها على كتفها وتناديها فنظرت لها نظرة تائه لتسمعها تقول:
- يا آنسة ! حضرتك قريبة المريضة؟
هزت رأسها كأنها تحاول إستيعاب الموقف لترد بعد برهة بصوت متحشرج مبحوح:
- ا...اه
أبتسمت تلك الممرضة بعملية و هي تخبرها برسمية:
- المريضة فاقت تقدري تدخليلها حمد لله على السلامة
ثم تركتها و أنصرفت لتتابع عملها، نهضت أبرار من على الكرسي غير عابئة بتيبس عضلاتها التي آلمتها بسبب جلوسها على نفس الوضعية منذ مدة تجهلها، طرقت بضعف على الباب لتدلف للداخل فتجد أميمة التي أستيقظت للتو وهي جالسة في الفراش و تفرك رأسها بألم ظاهر على قسماتها.
أنتبهت لأبرار فأخفضت يدها لتنظر لها بدهشة ممزوجة بالإستفهام و هي تقول:
- أبرار! أنا أيه اللي جابني هنا أنا مش فاكرة حاجة
أبتلعت أبرار ريقها بصعوبة فقد جف حلقها من هول ما عرفت و أجابتها بوجه جامد مصدوم:
- أنتي كنتي تعبانة و أغمي عليكي و أنا جبتك المستشفي
بدأ عقلها بالعمل تدريجيًا و تذكر ما حدث لها فوضعت يدها على بطنها و قالت:
- أيوة افتكرت أنا فعلًا حسيت بمغص في بطني جامد و بعدين دوخت و.....
نظرت لأبرار التي كانت صامتة تنظر لها بنظرات تملؤها الهلع و الصدمة كما لاحظت إرتجافة جسدها، دب الرعب بداخل أميمة من هيئتها و ظنت أنها أصيبت بمرض خطير و أبرار غير قادرة على إخبارها فسألت بتوجس و قلبها يدق بعنف من ما قد تسمعه:
- م... مالك يا أبرار؟ الدكتور قال أيه؟
ظل الصمت المميت هو سيد الموقف لعدة دقائق مما جعل توتر أميمة يبلغ أقصاه فأعتدلت بقلق و هي تنظر لعينين أبرار المصوبة بإتجاهها والتي تحدثت أخيرًا:
- الدكتور قالي إنك ..... حامل!
جحظت عيناها و تجمدت بمكانها، زادت دقات قلبها وعلت وتيرة أنفاسها، توقعت أبرار في تلك اللحظة ردة فعل مغايرة لتلك التي تراها عليها، همت أن تنطق لكن قاطعتها أميمة بحزم:
- أنا عايزة أروح!.
___________________________
ترجلت من سيارة الأجرة برفقة أميمة التي أعطت السائق نقوده و أنطلقت نحو بنايتها دون أن تعير أبرار أدنى إهتمام، ظلت أبرار واقفه على حالتها غير المستوعبة حتى الآن ترمق آثرها بإشفاق و حزن و لسان حالها يقول قبل أن تختفي خلف باب مدخل بنايتها:
- يارب أسترها معانا
فتحت أميمة الباب سريعًا و هرولت نحو غرفتها و قبل أن تغلق بابها وجدت والدتها تقف أمامها وترمقها بضيق قبل أن تقول بحدة و هي تدفع الباب لتدلف:
- أخيرًا شرفتي يا ست هانم
زفرت أميمة بحدة و قالت و هي تشير للخارج:
- أنا مش فيقالك سيبيني في حالي و أطلعي برا
أتسعت عيناها من إهانتها فهجمت عليها و هي تقبض علي شعرها الظاهر من أسفل حجابها و تهدر بها بغضب:
- جرا ايه يا بت أنتي ما تظبطي كدة بدل ما أظبطك ولا شكلك وحشتك العلقة اللي كنت بديهالك زمان
قفزت الدموع رغمًا عنها لتشق طريقها التي تحفظه عن ظهر قلب على صفحة وجهها، فمنذ أن شبت على الدنيا ووعت لما يجري حولها و هي تعاني من معاملة والدتها الجافة القاسية كأنها قطعة أثاث بمنزلها تحركها كيفما تشاء، لا تتذكر أنها قد عانقتها لمرة طوال حياتها! لا تتذكر أن ربتت على كتفها في أشد أوقاتها أحتياجًا لها! كل ما يجمعها بها هو أنها تراها وسيلة لجني الأمول ليس أكثر، فإذا أردت أن تحيا عليها أن تحاسب على ذلك!
نفضت يدها بعنف و صرخت بها بكل ما تحمله بداخلها من ظلم و قهر و قسوة تشبعت بهم طوال سنوات حياتها:
- حرام عليكي بقى عايزة مني أيه، أنتي أزاى أم؟ لا بجد! عشت طول عمري بسأل نفسي سؤال واحد أنتي فين من حياتي! بحاول أفتكرلك أى حاجة حلوة عملتيها معايا ملقتش!
أرتجفت أوصالها و إنهارت حصونها و إستطردت بنبرة مبحوحة يشوبها القهر:
- فاكرة لما كنتي بتخليني أمسح سلالم العمارة في عز البرد و أنا عيلة مكملتش العشر سنين عشان بس الجيران يعطفوا عليا و يدوني اللي فيه النصيب وتاخديه انتي! طب فاكرة كام مرة أترجيتك متخلنيش أخدم في البيوت عشان أصاحبها بياكلوني بنظراتهم اللي مكنتش فهماها و كانت بترعبني عشان بس تطلعي من ورايا بكام مليم!
هوت علي الفراش و هي تتنهد بحرارة وتبكي بحرقة و تتابع:
- اه أفتكر ايه و لا ايه! أنتي خلتيني مسخ! مسخ عايش بيجري عشان الفلوس و بس
ثم نظرت لبطنها و لطمت وجهها و هي تصيح بإنهيار لدرجه جعلت قلب والدتها يرق لأول مرة في حياتها:
- وأهي ضيعتني الفلوس ضيعتني، أنا ضعت سيبيوني في حالي اه أنا ضعت
أقتربت منها و هي تمد يدها محاولة تهدئتها لأول مرة تراها بتلك الحالة لكنها تراجعت مزعورة عندما صرخت بها أميمة و هي تدفعها لخارج الغرفة و تصرخ بهستيريا:
- أطلعي برا مش عايزة أشوفك سيبوني في حالي
أغلقت الباب بعنف و جلست مكانها بإنهيار مرة أخري ترثي حالتها التي وصلت لها محاولة ألتقاط انفاسها ليمر عليها الوقت حتى هدءت تمامًا، تذكرت ما كانت منتوية فعله فهرولت نحو خزانتها لتلتقط هاتفها وتتصل به والذي ما إن سمعت صوته حتي قالت سريعًا:
- ألحقني يا عادل!
سمعت نبرته السعيدة تأتيها عبر الهاتف وهو يقول بضحك:
- بنت حلال بتتصلي في وقتك كنت عايزك في حوار كده
عقدت حاجبيها لكن ما لبثت أن فسرت له قائلة:
- مش وقته يا عادل أسمعني أنا في مصيبه
رد عليها مرغمًا بتأفف و قال:
- خير ما أنتي مبيجيش من وراكي غير المصايب
أبتلعت ريقها بصعوبة و قالت ببكاء:
- أنا حامل يا عادل
حتي لو كانت أمامه لم تكن لتتخيل تعابير وجهه التي أحتدت و أظلمت بغضب، لكن سمعت صوته الذي هدر بها بغضب:
- نعم ياختي! بتقولي ايه! اه انتي عايزة تدبيسيني وتحطيني قدام الأمر الواقع لا يا حلوة أنا مبيتلويش دراعي
كتمت شهقاتها و بررت بوهن:
- والله أبدًا، والله ما نيتي أدبسك و لاحاجة وانت عارف بس ده قضاء ربنا بالله عليك يا عادل متسبنيش
أهداه تفكيره المختل و عقله الحقير في لحظتها تلك الفكرة الخبيثة التي ألتمعت برأسه في التو مستغلًا لحاجتها له فقرر مساومتها بحقارة قائلًا:
- حلو الكلام، يبقي يا تنفذي اللي هقولك عليه بالحرف يا ملكيش حاجة عندي و أنتي عارفة الفضيحة هتبقى من نصيب مين يا حلوة.
___________________________
حاوطتها أحزانها من كل جانب و عندما غرقت في بحر من التفكير السلبي خافت أن يمس قلبها ذرة قنوط فإستعاذت بالله من الشيطان و هرعت نحو الباب الوحيد الذي تتأكد أنه لن يغلق في وجهها أبدًا.
أخذت تصلي و تناجي ربها بكل ما يجول بداخلها من أحاديث طويلة مكبوتة تترجاه بكل كلمة أن يفرج قلبها و يجلي حزنها و يرزقها ما تتمناه، قفز في عقلها ما حدث صباحًا عند تعرض ذاك الشخص الدنئ لها نظرت ليدها التي لمسها عنوة في غفلة منها و أنخرطت في بكاء مرير و هي تحدث نفسها:
- ليه يعمل كده! أنا لا أعرفه ولا هو يعرفني ليه يعمل معايا كدة! عشت عمري كله بحافظ علي قلبي ومشاعري للشخص اللي يستهالهم و اللي هيكون زوجي بس جه الحيوان ده و بوظ كل حاجة
أخذت تنفض يدها بعنف و كأنها تريد محو آثار تلك الذكري السيئة منها و من عقلها للأبد، و في خضم أفكارها المتضاربة شردت بتركيز محاولة ربط الخيوط ببعضها، فذاك الشاب كان يتحدث وقتها مع أميمة التي تركته و على وجهها ملامح الضيق لترآها بعدها في مدخل بنايتها فاقدة لوعيها، و عند وصولها لتلك النقطة شهقت وهي تنطق بصدمة:
- مش معقول! يعني ممكن يكون هو ده اللي أميمة ا.......
بترت عبارتها فلم تسطيع إتمامها و نهرت نفسها لظنها السوء بها فتابعت قائلة:
- أستغفر الله العظيم، مش عايزة اظن فيها
ثم تنهدت بعمق و تابعت بحزن:
- بس الأكيد دلوقتي أن أميمة في مصيبة كبيرة أوى و ربنا يخرجها منها على خير ويتوب عليها!.
___________________________
ظنت بحلول يوم جديد أن معاناتها ستنتهي وأن قرار أخيها كان ليس إلا مجرد تهديد ليخيفها به، فقد نفذ عقابه لها بالفعل عندما حبسها بالمنزل و منعها حتي من الذهاب لدروسها، ولكن لا جديد غير أن معاناتها زادت أكثر لتأكدها من تنفيذه لحكمه عليها بالإعدام اليوم!
فاقت من شرودها علي يد سارة الموضوعة على كتفها و هي تقول بحزن علي حالتها:
- خلصتي يا ضحى مش عايزين نتأخر على الجامع
هوت على السرير كأنها جسد بلا روح و تحدثت بنبرة هادئه مقهورة:
- ليه بيحصل فيا كدة يا سارة؟ ليه يقرر ينهي حياتي و يجوزني دلوقتي و لشخص مش بحبه! يأما مش هكمل تعليمي و أتحبس في البيت!
جلست سارة جانبها و هي تحاول مواساتها عليها قائلة:
- أسمعيني يا ضحى، ساعات كتيرة بيحصل حاجات بنبقي فاكرين أنها وحشة و أنها النهاية بس صدقيني ده ممكن يكون خير لينا و أحنا منعرفش، أنا عايزاكي تصبري و ترضي بنصيبك و صدقيني ربنا هيراضيكي
هبت واقفه و هي تهدر بها ببكاء:
- خير! فين الخير في ان اخويا يقضي على حياتي ويدفني بالحياه مع واحد مبحبوش!
عانقتها وهي تربت علي ظهرها بحنو حتى هدأت لتقول بمواساه و قلبها ينفطر حزنًا على صديقتها:
- صدقيني مسيرك تعرفي بكرة أن كل ده خير ليكي.
Basant Atef