[ شيء خفي ]

[ شيء خفي ]

11 0

الفصل العاشر

[ شيء خفي ]

دست مفتاحها في مزلاج الباب بتأفف بعد أن ضربت جرسه عدة مرات و لكن ما من مجيب، أدارته سريعا وهي تدلف للداخل وتجوب المنزل بعينيها وبصوت مرتفع تنادي قائلة:

- ماما، يا ماما أنتي فين

بحثت عنها في جميع الغرف ولم تجدها توجهت نحو المطبخ لتراه شاغرًا أيضًا رفعت حاجبيها بتعجب وهي تقول:

- يمكن راحت السوق

توقفت لبرهه وهي تنظر لداخل غرفة أنس وتردف قائلة:

- أنس كمان مش موجود مش قال مش نازل الشغل

رفعت كتفيها بلامبالاه وتوجهت نحو غرفتها وهي تفتح حقيبتها لتدس بها مفتاحها ثم ألقتها بإهمال علي الفراش وجلست جانبها وهي تحل عقدة حجابها لتحرر شعرها، لمحت تلك البطاقة والتي يبدو أنها سقطت من حقيبتها، ألتقطتها ونظرت لها بحيرة وشرود، كان من الغريب شعورها بتلك الدقات التي تطرق علي أبواب قلبها و ذاك الصوت الخافت الناتج عن تسارع أنفاسها، بإستنكار هبت واقفه وهي تضع يدها على قلبها وتقول محاولة تنظيم أنفاسها:

- في أيه، ايه بيحصلي؟

و من العدم لمعت تلك الفكرة في رأسها وبالأخص عند تذكرها أنها تتواجد في المنزل بمفردها، أبرز فمها عن إبتسامة صغيرة وهي تقول بتردد:

- ط..طب ما فيها ايه لما أتصل أشكره

ضربت بيدها على مقدمة جبهتها وهي تسخر من نفسها قائلة:

- تشكريه على ايه ده كان هيخبطك ده مفروض هو اللي يشكرك يا غبية

تحركت بتردد وهي تسير نحو باب الغرفة وتابعت حديثها مع نفسها وهي تحسم أمرها قائلة:

- أنا هكلمه أطمنه عليا زي ما طلب وأقفل على طول مش هيحصل حاجة يعني

كانت تختلق تلك المبررات لتقنع عقلها بما هى مقبلة على فعله، وكذلك لتخرس صوت ضميرها الحي الذي كان يأبي حتى أخر أنفاسه.

تغلبت على ذاك الصوت بداخلها وأخرسته عندما أندفعت مهرولة نحو الهاتف الأرضي القابع على الطاولة المستديرة التي تتوسط الآرائك وهي تهم بالإتصال به سريعًا قبل أن تجد أنس أو والدتها أمامها.

بيد مرتعشة وقلب نابض وضعت السماعة على أذنها منتظرة إجابة الطرف المقابل، لم تنكر أنها في تلك اللحظه أرادت غلق الهاتف و العودة أدراجها كما كانت لكن كان قد تأخر الوقت على ذلك فقد أتاها صوته الذى أصابها بالاضطراب يقول:

- ألو

أرتعش صوتها وهو يخرج من جوفها قائلة:

- أ..أستاذ عادل؟

بنفاذ صبر ونبرة متأففة رد عليها:

- أيوة أنا مين معايا ؟

أبتلعت ريقها بصعوبة وشعرت بجفاف حلقها وهي تردف:

- أ..أنا ضحي البنت اللي ك..كنت حضرتك خبطها يعني أمبارح.. أديتني الكارت بتاعك..ح..حضرتك مش فاكرني؟

تغيرت نبرة صوته سريعا وقال بصوت تعمد جعله رقيقا مؤثرًا:

- اه اهلا بيكي يا ضحى، اسمك جميل اوي

نظرت للارض بخجل ولم تعقب فتابع قائلًا عندما لاحظ صمتها:

- طمنيني عليكي أنتي كويسة؟ أنا بعتذر ليكي مرة تانية عن اللي حصل وأتمنى تقبلي أعتذاري

أخذت تعبث في طرف سترتها بتوتر وأجابت بتلعثم قائلة:

- أنا ك.. كويسة الحمد لله شكرًا لذوق حضرتك ومش لازم تعتذر

بنبرة خبيثة لم تلاحظها ضحي لسلامة نيتها ونقائها قال:

- طب تسمحيلي أعزمك على الغدا بكرة كنوع من أنواع الأعتذار، وقبل ما تعترضى هي نص ساعة بس ومش هعطلك، هستناكي بكرة في المكان اللي اتقابلنا فيه أمبارح وأتمنى مترفضيش

لم يمهلها فرصة للرد وأغلق المكالمة سريعًا، حتى وإن أمهلها فرصة لما أستطاعت بسبب تلك الصدمة التى كست ملامح وجهها.

أغلقت الهاتف بشرود ومازال قلبها يدق بعنف حتى فاقت من شرودها وهي تشهق عاليًا بفزع وتستدير سريعًا وهي تسمع صوت فردوس بعد أن فتحت باب الشقة للتو تقول:

- مالك يا ضحى واقفة كده ليه ؟.

___________________________

ضغط على زر إنهاء المكالمة وتلك الإبتسامة الواسعة تعلو ثغره، أمسك عقب لفافته نافخًا دخانها في الهواء بعبثيه ثم ألقى الهاتف على الكرسي بجانبه وهو ينظر للجالسة بالقرب منه وينطق بإنتشاء عجيب وإبتسامة أنتصار:

- سمعتي؟

زفرت بضيق و عبست ملامحها وهي تقول:

- ويارتني ما سمعت، وأنت ايش ضمنك أنها هتيجي، دي صاحبتي وأنا عارفاها كويس ملهاش في الكلام ده اذ كان مكانتش بتعرف تخرج معايا هتروح تقابك أنت!

لم تهتز شعره واحدة منه عندما سمع كلامها بل قال بنبرة واثقة وإبتسامة لم تفتر:

- هتيجي

ضغطت على حروف كلماتها وقالت:

- مستحيل، بس هنشوف أخرتها معاك

أقترب منها فجأة وقال بإبتسامة عابثة:

- أخرتها فل إن شاء الله يا قلبي، أنتي بس تنفذي اتفاقنا

ظهر التوتر جليًا عليها وقالت:

- قصدك ايه

قطب جبينه و تابع بجدية:

- نتجوز يا قلبي ولا نسيتي ان ده اتفاقك معايا من الأول، أنا عملت اللي عليا جه دورك

نهضت وهي تسير ثم قالت بتردد:

- بس أنت لسه مقابلتهاش يا عادل

نهض وسار في اتجاهها ثم وضع يده على كتفها مما جعل القشعريرة تسري في جسدها وقال ببحة غريبة:

- هقابلها أكيد سيبي الموضوع ده ليا، المهم دلوقتي أنا مجهز كل حاجة، كل اللي أنا عايزه هو أمضتك بس وهتبقي ليا أخيرا، ولا أنتي مش عيزاني يا أميمة؟

ألتفتت له بلهفه قاتلة آخر جزء بكيانها يحثها علي الهروب مما هي مقدمة عليه وقالت:

- طبعًا عيزاك، أنت مش عارف أنا مستنية اللحظة دي بقالي قد ايه، بس انت وعدتني انك بعد كدة هتتقدم ونتجوز رسمي صح ؟

أستدار وهو يخرج ( سيجارة ) اخرى ويضعها بفمه ثم يشعلها ويقول ببسمة خبيثة:

- طبعًا يا قلبي

وضعت توقيعها على تلك الورقة التي أقنعها أنها عقد زواج وأنها بذلك أصبحت حلالًا له أمام الله، لم تشغل عقلها بالتفكير في كيف لذلك الميثاق الغليظ الذي وضع الله له شروطًا أن يتم بتلك البساطة ؟ سيقت وراء شهواتها ونسيت ربها المطلع عليها ومحت بداخلها أي صوت للندم وأنغمست معه في عالم آخر يحفه المحرمات، ولم تكن تعلم أنها بداية هلاكها!.

______________________________

صعد درجات السلم بتؤدة وهو يفتح زر قميصه العلوى وبيده الأخرى يجفف حبات العرق التي برزت على جبهته، كل ما يريده الآن هو الغوص فى نوم عميق وهادئ حتى يتثنى له الاستيقاظ على وقت العِشاء للذهاب لذاك العمل الذي عرضه عليه صديق له وسوف يتقاضى أجره منه باليومية.

أتسعت عينه بفزع ودق قلبه عندما رآه يجلس على آريكته البالية في ركن ما علي سطح البناية عاقدًا ذراعيه أمام صدره وهو يمرر عينيه على الماره بشرود، أقترب منه وهو يصيح فيه قائلًا:

- ايه يا عم أنس خضتني يا جدع مش تخبرني انك جاي بدل ما تقطعلي الخلف كدة

تنهد أنس و زفر بعمق وكأنه يخرج ذاك الهم الجاثم على صدره وأردف:

- معلش يا صاحبي حقك عليا كان مفروض استأذن قبل ما أجي

ضيق ما بين حاجبيه وقال بجدية:

- انت عبيط يلا ده بيتك وتيجي وقت ما تحب، قولي قاعد كده ليه وشايل طاجن ستك

تنهد أنس وبعبارات مختصرة قص عليه كل ما حدث بدأً من رغبته في ترك العمل بسبب تصرف فيروز الأرعن إلي زيارتها المفاجإة له صباح اليوم.

أندهش عمرو من جرأتها ووقاحتها، لم يتخيل أن يصل الأمر إلى ما عليه الآن، فظن في بادئ الأمر أنها تحاول إغضابه فقط، و بنظره غاضبة رد عليه قائلا:

- أعلى ما فى خيلها تركبه، انا كنت بقولك دايما متسبش الشغل وتستحمل قرفها عشان عيلتك بس تغور في ستين داهيه هي وشركتها دي مش اخر شركة في الدنيا يعني، انت صح روح بكرة ارميلهم الاستقالة في وشهم

زفر أنس بحده وهو يخرج تلك الصورة من جيبه ويضعها أمام عمرو ناطقًا:

- أنت أصلك مشوفتش الصورة عاملة ازاي

ألقى نظرة خاطفة عليها ثم أسترسل حديثه مؤكدا:

- وأنا عند كلامي، الصور تبقى زي ما تبقى أنت راجل مش بنت هتخاف على سمعتك، وكفاية أنك عارف من جواك انك معملتش حاجة غلط

رد عليه بتنهيدة حارقة وقال:

- بس أحنا مش عايشين في الدنيا لوحدنا وكلام الناس كتير والصور دي هتتفهم غلط ومحدش هيعرف الحقيقة، وبعدين أنت ناسي إني عندي اخت وسمعتها من سمعتي، تقدر تقولي لو هي نفذت تهديها مين ممكن يتقدم لأختي؟ انا لا يمكن ادمر مستقبلها أنا أستحمل هي لا

لامست كلماته قلب عمرو وآلمته كثيرًا، كم يود إخباره بحبه الدفين لضحى وأنها الوحيدة التي سكنت جنبات قلبه وتربعت به، وأنه على إستعداد ان يتزوجها مهما كان ويخرس جميع الألسنه التي ستفكر في الخوض في سيرتها أو سيرته لكن لم يكن له القدرة على التلفظ بحرف واحد إلا أنه نهض من مكانه قائلًا بعجز وقلة حيلة:

- خلاص يا صاحبي أستحمل عشانها أنت صح، وربنا يصلحلك الحال.

____________________________

- أيه يا فيروز مبترديش ليه ؟

نبست بها يسر وهي تلج من باب غرفة فيروز بعد وصولها لفيلا فيروز للتو، سارت نحوها بعد أن أغلقت الباب وتوسطت الفراش أمامها وهي تعقد قدميها وتتابع:

- أنتي ناسية أن بكرة أول يوم أمتحانات والمفروض نقعد نراجع سوا، وطول الطريق وأنا جيالك عمالة ارن وأنتي ولا هنا وك......

قطعت يسر حديثها عندما لاحظت شرود فيروز وعدم أنتباهها فرفعت يدها تحركها أمام وجهها وهي تقول بجدية:

- أنتي يا بنتي مالك

أنتبهت لها أخيرًا ثم حمحمت لتزيل تلك الحشرجة عن أحبالها الصوتية وأردفت:

- معاكي يلا نبدأ عشان نلحق نخلص

وضعت يدها على كفها وسألتها بإهتمام:

- فيروز أنتي كويسة مش مرتاحة لسرحانك ده، وبعدين بقالك كام يوم مبتحكليش عن الغلبان اللي مطلعه عينه ده يا خوفي لا تكوني عملتي مصيبة جديدة

أبتعلت فيروز ريقها وقالت بتوتر:

- لا مفيش حاجه عادي

ردت سريعا و هي تسلط نظارتها عليها بشك:

- بس شكلك مبيقولش كدة، أنا متأكدة ان في حاجة حصلت

تنهدت بتردد ثم خرج صوتها يقول:

- يعني حصل حوار كدة ويارب أنس يرجع الشغل تاني

رفعت حاجبيها وأتسعت عينيها قليلا قائلة:

- يرجع ؟ هو سابه ؟ أنا مش فاهمه حاجة

ردت فيروز قائلة:

- هحكيلك

أسترسلت حديثها وقصت عليها كل ما حدث بأدق تفاصيله حتى وصلت لتلك الزيارة التي قررتها اليوم صباحًا ظنًا منها أنها تعيد كرامتها التي أطاح بها أنس أرضًا، كانت يسر تستمع لها بجمود ووجهها لا يظهر عليه أي تعابير مما وتر فيروز أكثر وهي منتظرة جوابها بعد أن انهت ما في جعبتها.

بعد قليل من الصمت الموتر للأعصاب نطقت يسر أخيرًا:

- ليه تعملي في نفسك كدة ؟ ليه تقللي من نفسك وتبوظي سمعتك ؟ ليه تعيشي الحياه اللي تغضب ربنا دى ؟ عشان ايه ؟

أزدردت فيروز ريقها ولمعت العبرات على طرف رموشها وهي تقول بنبرة مهتزة وكأن يسر لامست شيئًا موجعًا داخلها:

- أنا عارفة أني غلطانه، أنا طول عمري طايشة بس عمري ما عملت كده، أنا ...أنا معرفش مالي بجد، أنا نفسي أنس يرجع الشغل والله ما هعمله حاجة تاني، أنا اه كنت عايزة انتقم منه بالصور دي بس لما لاقيته مشي بجد مكانش قدامي الا الطريقة دي عشان أضغط عليه يرجع

كانت يسر تستمع لها وتلك النظرة الغربية تلمع في عينيها، مطت شفتيها وركزت أنظارها علي أنفعالاتها وقالت بصراحة:

- أنتي أول مرة تنطقي أسمه دايما كنتي بتقولي عليه الغبى!

أنتبهت فيروز لما قالته بدون وعي منها فشعرت بالحرج وأبعدت أنظارها عن يسر التي كانت تراقب قسمات وجهها بطريقة موترة، لكن ما جعلها تشعر بالخجل والصدمة في آن واحد هو قول يسر:

- فيروز أنتي حبتيه ؟

رغم بساطة السؤال لكن كان وقعه شديد الصدمة عليها، هل تلك الوخزات التي تداعب قلبها من حين لأخر، وتلك القشعريرة التي تسري في جميع جسدها والتي لم تلق لها بالًا طول الفترة الماضية كانت !... لا يبدوا أن هناك شيئًا خاطئ.

هتفت بإنكار بائن في أعينها الهاربة من نظرات يسر الثاقبة وكأنها تريد سبر أغوارها:

-،ح..حب، حب ايه وهبل ايه يا يسر أنا بتكلم في ايه وشوفي انتي بتكلميني في ايه

تقوس فم يسر مظهرًا أبتسامة بسيطة ونهضت وهي تقف أمامها بتحدٍ وتلك النظرة العابثة تلمع في حدقتيها قائلة:

- تمام، بس هراهنك!

قطبت حاجبيها بإستغراب وأردفت:

- تراهنيني! على ايه مش فاهمة

وضعت يدها كل كتفها ولفت حولها وهي تقول بمراوغة:

- لو روحتي بكرة الشركة بعد الأمتحان عشان تتأكدي هو رجع الشغل ولا لا، يبقي بتحبيه يا فيروز وهتعترفي بكدة، وهبقي كسبت وهتفذيلي اي طلب أطلبه منك

ثم مالت برأسها بحركة مضحكة وغمزت قائلة:

- وأهو الواحد يطلع منك بمصلحة

ابتسمت فيروز وتحررت من يديها الممسكة بها وهي تضربها قائلة:

- أنتي بتحلمي واللي في دماغك ده أوهام

قالت بضحكة واثقة وبنبرة ثابتة وهي ترفع كتفيها:

- هنشوف.

______________________________

أرتجافة خوف وتوتر أنتابتها وهي تعبر الطريق للجهه المقابلة من حارتها، تتلفت لكل الأتجاهات خوفًا من أن يراها أحد، علت دقات قلبها من الرعب فلأول مرة تقدم على ما فعلته اليوم، لم تذهب لدرسها كعادتها وأنما أنحرفت لتذهب لذاك المكان المتفق عليه لتراه، لم تنكر أن ضميرها كان يصرخ من الندم على فعلتها لكنها ببرت ذلك له بأن العمر يُعاش مرة واحدة وها قد واتتها الفرصة لتعيشه.

شددت من قبضة يدها على ذراعى الحقيبة المحتضنه ظهرها وهي تضع الأخرى أعلى جبهتها من حين لآخر خوفًا من أفتضاح أمرها وأيضًا لتحجب القليل من أشعة الشمس في ذاك الوقت قبل الظهيرة.

ملت من الأنتظار فحسمت أمرها بالعودة وقلبها مازال يرتجف خوفًا، وكأنه قرأ أفكارها لتجده بعده ثانية واحده من قرارها يهدئ من سرعة سيارتها ليقف أمامها وينظر لها من خلف نافذة السيارة، تعلوه تلك الإبتسامة الساحرة التي جعلت قلبها يزداد أضطرابًا.

- معلش أتأخرت عليكي، بصراحة مكنتش متوقع أنك ممكن تقبلي عرضي

أزدردت ريقها وهي تتلفت من حولها وقالت بتوتر:

- م..مفيش مشكلة

ثم سارت مستديرة حول مقدمة السيارة لتقبع في ذلك المكان الشاغر بجانبه لتراه يقول لها بنبرة حنونه:

- هوديكي مكان تحفة، أتمنى أنه يعجبك

علت دقات قلبها وسرت قشعريرة بادرة على طول جسدها وهي تنطق بتلعثم:

- م..ماشي.

__________________________

بعد مدة لا تزيد عن ثلث الساعه كان يغلق موتور سيارته بعد أن توقف أمام واجهة ذاك المطعم السياحي الفخم، تدلى فك ضحى للأسفل وهى تنظر بإنبهار واضح ألتمع في حدقتيها لوجهته الراقية والتي تنم عن ثراء رواده، تقوس فم عادل بإبتسامه جانبية خبيثة وهو يرى تلم النظرة البلهاء على قسماتها إشارة للوصول الى ما أراده.

- يلا بينا

قالها بإبتسامه صغيرة مما أعاد أنتباه ضحى له وهى تحمحم قائلة:

- اه ماشي

أستقروا على تلك الطاولة المتواجدة في الركن الخلفي للمطعم والمطلة على منظر أقل ما يقال عنه أنه ساحر للأعين، تلك الأشجار الخضراء التي تظهر من خلفها مياه النيل الزرقاء أضفت مظهرًا رائعًا تتأمل بهم الأعين وتبعث شعورًا بالراحة في الأنفس.

- أيه رأيك في المكان

قالها عادل بإبتسامه بعدما أغلق قائمة الطعام ليناولها للنادل بعد أن أختار منها ما شاء، كانت ضحى لا تزال مغيبة تحت سحر ذلك المكان الرائع التي كانت لا تراه إلا في التلفاز فهى لم تتعدى حدود حارتها والحارات المجاورة منذ ولادتها.

أنتبهت له وبنبرة تظهر بها السعادة جلية رددت:

- تحفة، جميل أوى بجد مكنتش أتخيل أني اجي مكان زي ده، حقيقي شكرا لحضرتك تعبتك معايا

رد عليها بعتاب مصطنع قائلا:

- لا حضرتك ايه بقي قوليلى عادل بس احنا بقينا صحاب دلوقتي ولا ايه ؟

لم تستساغ تلك الكلمة التي نطقها لوصف ما بينهم بأنها علاقة صداقة من الآن لكنها لم تعقب وفضلت الصمت وإكمال التأمل في ذاك المنظر البديع.

مرت الدقائق إلى أن قطع عادل ذاك الصمت الموحش وهو يقول فجأة:

- تعرفي أن عيونك حلوة أوى وخصوصا ولمعة الأنبهار دي فيها، حقيقي مش قادر أشيل عيوني عن الجمال ده

دق قلبها كقرع الطبول في حفلة أفريقية، أصاب جسدها الأضطراب وشعرت بمشاعر تختبرها لأول مرة لكن كان وقعها جميل عليها، عندما رأى تورد وجنتها ورأسها الذي نكسته خجلًا جعله ذلك يتمادى فمد يده بحركة مفاجأة سريعة ليمسك بكف يدها بين راحتيه.

__________________________

- طلب ترابيزة ٦٥ خلص ولا لسه

كان ذلك قول عمرو عندما هبط للمطبخ ليأخذ بقية الطلبات المتوجب عليه توصيلها لزبائنها، رد عليه طاهي من الطهاه بعمليه وهو يتحرك سريعا من مكان لآخر:

- خلاص أنا بفنشه أهو

رص الأطباق بحرفية شديدة علي الصينية المستديرة الكبيرة وصعد درجات السلم متوجهًا لحيث الطاولة المنشودة.

في طريقة مده يده ليعدل من طبق ما ظن أنه سيميل ليتأكد من ثباته كي لا يسقط، رفع رأسها وتلك الإبتسامة العملية التي يجب ان يظهرها للزبائن لا تفارق وجهه، ولكن فجأة أختفت تلك الإبتسامة ليحل محلها علامات الصدمة، أتسعت عيناه وأرتجفت أوصاله مما جعل يده ترتعش لكنه حافظ على توازنه وأحكم قبضته على الصينيه جيدًا، فهناك وبالتحديد على الطاولة (٦٥) كانت تجلس أمام عينيه ويقابلها ذاك الشاب الغريب وهو ممسك بكف يدها في كلتا راحتيه مما جعل قدميه تتجمد مكانها ولسانه يعقد عن الكلام، لكن الأكبر هو ذاك الصوت الذي خُيل له سماعه وهو صوت تحطم قلبه بالتأكيد.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة