الفصل الحادي عشر
[ رهان ]
بحبور ظاهر علي وجهها وسعادة حقيقة تنتابها، أدارت مقبض الباب وهي تبتسم بوجه مشرق للواقفة خلفه، أندفعت نحوها تعانقها بإشتياق وحب حقيقي لا يعرف التزييف له طريقًا بينما بادلتها الأخرى العناق الأخوي المشتاق، دعتها للداخل وهي ترحب بها بحرارة وتقودها نحو غرفة الصالون الكبيرة وهي تردد بإبتسامة واسعة:
- والله وحشاني أوي يا حنان، متعرفيش زعلت قد أيه لما اعتذرتي انك تيجي المرة اللي فاتت
وضعت حقيبتها علي الآريكة الوثيرة خضراء اللون بعد أن عبرت ذلك البهو الواسع وهي تجلس ناطقة بتبرير:
- والله يا أحلام غصب عني أنتي عارفة أننا لسه نازلين من السفر قريب و كريم طلعله مشوار مهم كان لازم يقضيه عشان كده معرفناش نيجي
ذهبت بإنظارها نحو الباب ثم عادت تستفسر من أختها:
- أومال كريم فين ؟ أوعي تقولي أنه مجاش معاكي أزعل منه
أنفرجت شفتاها عن إبتسامة واسعة ورددت:
- هو يقدر، هو بس بيركن العربية وبيجيب الحاجات اللى فيها
ردت بعتاب قائلة:
- وتتعبيه ليه ما حارس البوابة يشيلهم
ربتت حنان علي ركبة أختها وقالت:
- أصل دي هدايا من برا وقالي لا لازم أنا أشيلهم لحد خالتي بنفسي
ضحكت أحلام بسعادة وأعربت:
- حبيب قلب خالته ده و الله
وما ان أنهت جملتها حتي وجدت ذلك الصوت المرح التي أعتادت أذنها عليه يحمحم من خلفها منتشرًا في المكان وهو يقول:
- أنا حاسس كدة أنكوا بتجيبوا في سيرتي
وبخفة وضع الأكياس على الطاولة وعانق خالته بإشتياق بينما رحبت به أحلام قائلة بإبتسامة لم تفتر:
- وحشتني أوي يا واد يا كيمو
رد عليها بسعادة:
- وأنتي كمان يا خالتي والله، أومال فين عمي بدر و عادل و علياء
جلس كريم بمقابلها وبجانب والدته بينما وضحت لهم أحلام وهي تجلس مرة أخرى:
- بدر في الشغل كالعادة وعلياء في الدرس بس خلاص على وصول
ثم تحشرج صوتها وهي تقول بإحراج فهي لم تعتاد على الكذب ولكن إبنها بتصرفاته الهوجاء لم يترك لها خيارًا أخر فأوضحت:
- وعادل في الشركة مع أبوه، اهو ابتدي يتعلم الشغل
أبتسمت حنان بحبور وهي تدعو قائلة:
- ربنا يخليهوملك يا حبيبتي وتفرحي بيهم يارب
ربتت أحلام على كتفها وهي تهم بالنهوض قائلة:
- هجبلكوا حاجة تشربوها وأشوف الاكل خلص ولا ايه عشان لما تيجي علياء نتغدى سوا.
_____________________________
قد لا نملك أحيانًا زمام الأمور و إتخاذ القرارات المتعلقة بحياتنا، فتحت مظلة المسؤولية يعلم الفرد أن حياته ليست ملك له فقط، وإنما هناك أُناس آخرين يطوع من أجلهم قرارات حياته؛ خوفًا عليهم ولإيصالهم لبر الأمان.
كان ذلك القرار الذي أتخذه بعد تفكير عميق شاقًا عليه؛ لكنه كان مجبرًا، فحتي الآن لا يعرف كيف ساقته قداماه ليصل لمقر الشركة أو بمعنى أصح ليصبح على رأس عمله من جديد، هتاف مرحب جاءه بعد أن أستقرت حقيبته علي مكتبه من جديد:
- أنس ! أنت رجعت تاني للشغل ؟ ولا جاي تاخد المرتب وتمشي ؟
زفرة حادة أخرجها أنس من جوفه، لكنه قال بثبات بل أنه أدعى الإبتسام:
- لا رجعت، أوعي تكون زهقت مني وكنت عايزيني أمشي
ضحك أيمن وهو يقترب منه معانقًا إياه بترحيب، ثم حرره قائلًا:
- يا راجل متقولش كده، يعلم ربنا أني اه أعرفك من مدة قصيرة بس ليك غلاوة عندي
ربت على كتفة و هو ينطق بإمتنان:
- ربنا يكرمك يا أيمن، أنت كمان غالي عليا
وضع يده أسفل صدغه و صمت قليلًا محاولًا ترتيب أفكارة بعد أن توجه زميله لمكتبه ليتابع عمله، ومضة أضاءت في عقله ذكرته بشئ ما فألتفت سريعًا نحوه و هو يسأله بدون تردد:
- أيمن أنت قولت لحد أني كنت هسيب الشغل؟
تقلبت عينا أيمن في محجريهما بتوتر وترك قلمه و هو ينظر له مبررًا بأسف:
- بصراحة قولت للآنسة فيروز، و قبل ما تضايق والله هي ضغطت عليا وهددتني
هنا أتضحت الصورة أمامه كاملة، وفهم سبب زيارتها له وعلمها المسبق بنيته لترك العمل، تنهد بصمت و نظر لأيمن الذي كان يتابعه في ترقب خشية أن يغضب منه، لكنه خالف توقعاته عندما أبتسم قائلًا ببساطه:
- ولا يهمك أنا برضو ميخلصنيش تتأذي بسببي.
___________________________
________
صدمة عاتية ضربت كيانها و أهتز لها جسدها رعبًا و فزعًا، و كأن صاعقًة قد ضربت رأسها فشجته بعنف و ذلك عندما رأته و هو يرص أطباق الطعام المختلفة علي الطاولة أمامهم وعيناه تحمل من الغضب و العتاب قدرًا لو أفرغ عليها لأسقطها صريعة، لم تشعر بيدها المهتزة من هول الصدمة إلا عندما أسقطت كوب العصير ليتهشم تاركًا كمية كبيرة منه قد أُريقت عليها فهبت واقفة كالملسوعة و هي ما زالت تتحاشى نظرات عمرو التي تحدجها بغضب، لاحظ عادل توترها فنهض محاولًا إمساك يدها من جديد، لكنها سحبتها سريعًا قبل أن يصل لها و هي تقول بنبرة مهتزة:
- أ..أنا ه..هروح الحمام
ولم تنتظر سماع رده بل ركضت قدماها بأقصى ما عندها من قوة لترتطم بتلك السيدة التي خرجت لتوها من المرحاض، أخذت تصيح فيها لكنها لم تكن منصته لأي صوت من حولها و كأنما تحيط بها هاله تصم أذناها و تعزلها عن من حولها.
أغلقت باب المرحاض ووقفت خلفه تصده بكلتا يديها و كأنها تهرب من هجوم ضاري عليها، صدرها أخذ يعلو و يهبط من شدة أنفاسها المتسارعة، و جدت عيناها الوقت المناسب لتنهمر دموعها خوفًا من أن يشي بها عمرو لأخيها، فتلك حتمًا ستكون نهايتها.
بأيدي مرتعشة حاول القبض علي الصينية الكبيرة وهو يقف على ذاك السلم المؤدي للمطبخ، نغزة قوية شعر بها تضرب صدره لكنها بالتحديد كانت في موضع قلبه الذي أنفطر لما رآه، لم يصدق عيناه في بادئ الأمر و ظن أنه يتخيل طيفها أينما ذهب، لكن عندنا أقترب من الطاولة متحققًا من ملامحها أنخلع قلبه صدمًة و هاله ما رآى، أهذة حبيبة قلبه وطفلته الصغيرة التي كان يراقبها يومًا بعد الآخر وهي تكبر أمامه ؟ و لأول مرة تفر تلك الدموع الحبيسة بعينيه، أطلق لها العنان و هو يخرج تنهيده حارقة من صدره و كأنه يحاول نفض ذاك الثقل الجاثم فوقه، لم يشعر بنفسه إلا عندما سمع صوت وقع أقدام يأتي من الأسفل، فمسح دموعه سريعًا و بخطوات متعرقله سار نحو الدرج الذي يؤدي للباب الخلفي للمطعم ليستنشق بعض الهواء عله يطفئ النار المتأججة
في صدره و التي تكاد تحرقه.
________________________________
- شوفتي أهي علياء وصلت
قالتها أحلام وهي تثبت طرف الصينية على الطاولة المستطيلة التي تتوسط غرفة الصالون عندما سمعت صوت جرس الباب، ثواني وسمعوا وقع أقدام يقترب من الغرفة إلى أن أطلت علياء عليهم بإبتسامة مرحبه و سارت نحو خالتها و هي تفتح ذراعيها لتعانقها بإشتياق و هي تعبر عن ذلك:
- وحشتيني أوي يا خالتو أخبارك أيه طمنيني عنك؟
بادلتها حنان العناق ومسحت على رأسها بحنو ثم رجعت برأسها للخلف وهي تقول بسعادة:
- وأنتي كمان وحشتيني أوي يا قلب خالتك، انا بخير الحمد لله
أدارت رأسها ليقع نظرها على كريم فأبتسمت له وأقتربت منه مصافحه اياه لكن ما لبثت أن تذكرت أنه لا يصافح النساء فخفضت يدها وهي تقول بمرح:
- كيمو باشا بذات نفسه عندنا ده الفيلا نورت
سرت تلك الرجفة الخفيفة بجسده و هو يتطلع لإبتسامتها العذبة التي جعلت دقات قلبه تضطرب، وبالرغم من ذلك أستطاع ألتقاط لمحة الحزن التي تخفيها خلف قناع وجهها المبتهج، أنفرجت شفتاه بإبتسامة وخرج صوت ثابتًا:
- أخبارك أيه يا علياء ؟
أجابت و هي تلتف حول الطاولة لتتخذ مقعدًا بجوار أحلام و تتابع:
- أنا الحمد لله بخير، حمدلله على سلامتكوا أمال فين أونكل راشد مجاش معاكوا ؟
ردت خالتها بتوضيح وهي تتنهد:
- لا معرفش ياخد أجازة برضو، أنتي عارفة بقى الشغل ربنا يسهلها ويقدر ينزل مصر و يستقر بقي.
تقوست شفتاها عن إبتسامة صغيرة وهي تدعو:
- ربنا يعينه
قاطعتهم أحلام و هي تنهض و تدعوهم قائلة:
- أحنا هنقعد اليوم كله هنا ولا ايه خلينا نقوم ناكل بقي، عملتلك الحمام المحشي اللي بتحبيه مخصوص يا حنان
نهضت هي الأخرى وهي تقول بحنين:
- ياه ده واحشني أوي
صدح هاتف علياء معلنًا عن وصول رسالة، أخرجته من حقيبتها وألقت نظرة على شاشته لتتغير تعابير وجهها التي لاحظها كريم بدقة، لتحمحم معتذرة وهي تقول بتوتر حاولت إخفاؤه:
- طب روحوا أنتوا وأنا هحط شنطتي في أوضتي وجاية على طول
شعر كريم بوجود خطبٍ ما و أنتابه القلق بشأنها
وقف قليلًا ليتابعها بنظراته و هي تمسك بالهاتف وتعبث به كأنها ترسل رسالة لأحد ما، ثم تلفتت حولها بتوتر وصعدت الدرج مسرعة نحو غرفتها، تنهد كريم و هو ينظر في آثرها بقلق و قال:
- يا تري في أيه مخبياه يا علياء !.
_________________________________
دست يدها في حقيبتها لتخرج منها قطعة شوكلاته كبيرة مغلفة يحوي غلافها علي الرسومات الكرتونية التي تجذب أنظار أي طفل بسهوله، و مدت يدها نحوه و هي تهديه أياها قائلة بفخر:
- شاطر يا نوح تسميعك أنهاردة ممتاز أحسن كتير من المرة اللي فاتت
قفز الطفل من مكانه و عيناه تلتمع بالسعاده ليلتقط تلك الحلوى من يدها و هو يقفز بعشوائية و يتمتم بكلمات سعيدة، ضحكت أبرار من قلبها و شعرت بالراحه لمحاولتها إدخال السرور على قلب ذاك الطفل البرئ و أيضًا تشجيعه على حفظ كتاب الله، بينما دعت الله داخلها أن يرزقها الذرية الصالحة ليكونوا سبيلها إلى الجنة.
- شكرًا يا ميس أبرار
قالها نوح بنبرة طفولية وهو يعانقها بشكر فعقبت بإبتسامة بشوشة:
- شوفت بقي أنك شاطر و تقدر تحفظ
- صح يا ميس، أنا مش هسمع كلام صحابي الوحشين تاني
مسحت على رأسه بلطف بينما منحها نظرة إمتنان، و حينها سمعوا صوت صافرة إنتهاء اليوم لتنهض أبرار من مكانها بعد أن رتبته وأعادت كل شئ كما كان ثم وقفت على الباب لتستقبل أولياء الأمور و تسلمهم أبناءهم.
أقتربت تلك السيدة والتي يبدو عليها في أول العقد الثالث من عمرها وهي تبحث بعينيها عن طفلها إلي أن وجدته يقف بجوار معلمته وهو يتحدث معاها بحماس و سعادة جلية على قسماته، حمحمت قائلة و هي تقترب منهما:
- أحم، لامؤخذة يا حبيبتي انتي أبرار ؟
أدارت أبرار رأسها عندما أنتبهت لها و ردت بإبتسامة:
- أيوة حضرتك مين ؟
ألتقطت يد نوح وهي تقول بإبتسامة واسعة:
- أنا يا حبيبتي أم نوح، نوح مبيبطلش كلام عنك من أخر مرة اه والله على طول بيشكر فيكي، الله يجازيكي خير
سعدت أبرار لثناءها عليها و قالت:
- نوح طفل جميل و مميز ربنا يجعله ذرية صالحة بأذن الله
نظرة سريعة خاطفة تجاه يدها ألتقطتها تلك السيدة لتسأل بعدها بدون تردد:
- أنتي متجوزة يا حبيبتي ؟
عقدت أبرار حاجبيها بدهشة، فظنت أنها تتحدث معاها لتتقصى عن أخبار طفلها ومستواه لكنها فاجأتها بسؤالها المباغت وبالرغم من ذلك لم ترد إحراجها فردت بإختصار:
- لا
أنفرجت أسارير السيدة وتابعت بتلهف:
- و لا مخطوبة ؟
رفعت أبرار حاجبها بتعجب من تلك السيدة الغريبة ثم قالت بإيجاز:
- لا، في حاجة ؟
تنهدت السيدة براحة وأقتربت منها وهي تهمهم قائلة:
- طب حيث كده كنت عايزة أطلب منك طلب و حبيبك النبي ما ترديني !.
_______________________________
أخذت تفكر طوال طريق عودتها في عرض تلك السيدة الغريبة، فتلك هي المرة الثانية فقط التي تراها بها مما يعني أنها لا تعرفها حق المعرفة لتعرض عليها ما قالته، سارت أبرار بمحاذاه الحارة لتخرج منها وتعبر الطريق متجه لحارتها و مازال التفكير يأخذ عقلها، ما نبهاها و هي تعبر الطريق هو عينيها التي لمحت تلك الفتاه المألوفة لها وهي تهبط من سيارة شخص ما لتتسع عينيها عندما تعرفت على هويتها.
عبرت الجانب الآخر من الطريق مهرولة و ما إن كانت على مسافة قريبة منها حتى نادت قائلة:
- ضحى !
أرتعدت أوصالها و أستدارت ببطئ و هي تنظر في إتجاه مناديها، لتتفاجئ من وقوف أبرار أمامها و ملامح الضيق و الأستفهام تظهر بوضوح عليها، تأكدت من ذلك عندما أستأنفت حديثها بضيق:
- مين ده اللي كنتي راكبة معاه ؟
أزدردت ضحى ريقها و أقتربت منها و هى تستجديها برجاء و دموعها على وشك الإنهمار:
- بالله عليكي يا أبلة أبرار ما تقولي لحد، أنس لو عرف هيقتلني أنا عارفة أني غلطانة بس بالله عليكي ما تقولي لحد
أظهرت أبرار بعض الشقفة عليها و أرتخت نبرتها قليلًا ثم أردفت:
- مش هقول لحد يا ضحي، بس لازم تفهميني كل حاجة !
تلفتت ضحى حولها برعب ثم قالت على عجالة:
- حاضر والله هقولك كل حاجه، بس لازم أروح حالًا عشان أتأخرت.
لم يسعفها وقتها للصبر على سماع ردها و إنما أنطلقت كالصاروخ قاصدة حارتها كي لا يعود أخيها من عمله ويكتشف تأخيرها و هي تدعو الله أن يتم كل شئ على خير مع والدتها.
نظرت أبرار في آثرها بأسف و قلق عليها ولسان حالها يقول:
- عشان كده مجتيش المسجد أمبارح، ربنا يهديكي يا ضحى و أصحاب السوء ميسحبوكيش لسكتهم اللى نهايتها معروفة.
______________________________
و كأن جزءًا ما ثقيل بداخلها قد لقى حتفه بنجاح و ذلك مع نهاية أولى إمتحانتهم على خير، زفرت فيروز براحة و هي تسير بجانب يسر بعد خروجهم من لجنة الإمتحانات من بضع دقائق، والتي آثرت فيروز فيهم عدم المراجعة كي لا تفسد يومها بأخطاء بلهاء تعلم جيدًا أنها ستقع بها.
- أنا مش مصدقة أن الهم ده قرب يخلص
قالتها فيروز و هي ترتدي نظارتها الشمسية بعد أن خرجت لفناء الجامعة الواسع، ضحكت يسر و هي تعقب على كلامها:
- طب متفرحيش أوى كده عشان لسه فاضل أربعة غيره
تأففت و هي تقول بتذمر أضحك يسر أكثر:
- يا شيخة متفكرنيش بقى ده أنا حاسة بإنجاز أني خلصت ماده
ربتت على كتفها بمزاح و تابعت:
- خلاص سكت، المهم قوليلي هتعملي ايه دلوقتي أنا عن نفسي هروح أنام عشان سهرت كتير إمبارح اذاكر و مش شايفة قدامي
قلبت فيروز عينيها في محجريهما و رفعت كتفيها قائلة بتوتر حاولت إخفاؤه:
- وأنا كمان هروح، هعمل إيه يعني
ضيقت يسر عينيها ونظرت لها بمكر وهي تقول:
- متأكدة أنك هتروحي ؟
دفعتها للإمام ثم إستدارت لتتجه نحو سيارتها وهي تقول:
- روحي يا يسر أحسن لكِ
قهقهت بعبثية و قالت وتلك النظرة الماكرة ما زالت ترتسم على وجهها:
- ماشي بكرة أكسب الرهان و هتشوفي !.
______________________________
كانت تعلم في قراره نفسها بأنها ستخسر ذلك الرهان التي أخترعته يسر بينها وبين نفسها، أدعت أمامها اللامبالاه و أكدت عليها أن ما يدور بداخل رأسها هي مجرد أوهام و لكن شيئًا ما بداخلها أنكر ذلك.
نفضت ذلك التفكير عن رأسها وهي توقف موتور سيارتها بعد أن صفتها أمام واجهة الشركة و هي تقول بسخرية مبررة تصرفها:
- رهان ايه و هبل ايه ؟ دي شركة بابا و أجي وقت ما أحب، و بعدين ما كنت شغالة فيها
صمتت قليلًا وكأنها تفكر في شيئٍ ما و أستأنفت:
- أينعم دلوقتي مش بشتغل بس عشان الأمتحانات اه مش هسيب إمتحاناتي يعني !
ألقت نظرة نحو مرآه السيارة الأمامية و هي تضحك على نفسها قائلة:
- أنتي بتبرري ايه و لمين أنتي كمان هو في حد سامعك !
وبخفه قبضت على حقيبتها و ترجلت من السيارة و هي ترمق بوابة الشركة بنظرات متمنية و تهمس بصوت خفيض حقيقي:
- أرجوك تكون رجعت يا أنس
أخذت شهيق طول ثم زفرته على مهل و هي تدلف للداخل متوجهه نحو غرفة أنس، لم ترتب في عقلها حجة مقنعة لسبب تواجدها في غرفته عندما يرآها و للعجب لأول مرة لم تكن تريد أن تكون حجتها هي تهديده أو العراك معه !.
لم تكن مصدقة أن الحظ حالفها أثناء غرقها في بحر من التفكير في حجةٍ ما، فقد رآته يخرج من المصعد ممسكًا ببعض الأوراق التي يتفحصها و يقلبها بين يديه، رفع رأسه في حركة تلقائية ليرى ما أمامه حتى لا تتعثر قدماه، تلاقت عيونه بخاصتها فعقد ما بين حاجبيه بضيق و زفر بنفاذ صبر و توقف منتظرًا وابل التهديد و (البجاحة) كما يصفها في كل مرة، لكن ما لبث أن أرتخت ملامحه بل وأتسعت عيناه في دهشة عندما مرت بجانبه وهي تقوس ثغرها بإبتسامة خفيفة و بنبرة لينة عكس تلك المهدده التي تخاطبه بها دائمًا نطقت:
- صباح الخير
بلع ريقه وظل وجهه يحمل معالم الدهشة وهو يجيب:
- صباح النور
أعطته إبتسامة أخيره وهي تومئ برأسها ثم تابعت طريقها تحت أنظاره المذهولة حتى توارت خلف باب المصعد، قلب شفتيه ورفع كتفيه و هو يقول بتأكيد:
- أكيد حد ضاربها على دماغها!.
قبض على الأوراق بيده ليتوجه نحو غرفة مكتبه، غير منتبه لذاك العامل الذي يقف على بُعد يراقب ما يحدث من نقطة ما وهو يضع هاتفهه على أُذنه و هو يهمس قائلا:
- أيوة يا هانم فيروز هانم جت هنا وكانت بتتكلم مع البشمهندس أنس من شوية، وبعت لحضرتك برضو صور ليهم
أغلقت معه المكالمه لتضع الهاتف أمامها و هي تقلب في تلك الصور المرسلة لها، أخذت تقفز بسعاده و بنظرة ماكرة تابعت:
- الله عليكي يا بت يا يسر بتفهميها وهى طايرة، ده أنتي وقعتي ولا حدش سمى عليكي يا فيرو !.
Basant Atef