الفصل التاسع عشر
[ مأزق ]
لم يشتت ذاك المنظر الهادئ تفكيرها المضطرب ولم يطفئ جذوة غضبها المتقد من نفسها، حتى الآن لامت نفسها عدة مرات على قبولها عرضه وعدم رفضها بحزم وإصرار، أنتبهت على عبارته التي عادها للمرة الثانية وهو يمسك بكف يدها التي سحبته سريعًا:
- فيروز أنتي معايا؟ بقولك كويس أن يسر قامت عشان محتاج أتكلم معاكي في موضوع مهم
أشاحت فيروز بوجهها بضيق و أخذت تتطلع نحو النافذة و هي تنبس بإقتضاب:
- خير يا ياسر
أبتسم لها ثم تحدث بوضوح قائلًا:
- أنتي عارفة أني مليش في المقدمات فهدخل في الموضوع على طول
رفع يده ليضعها أسفل ذقنها ويدير وجهها لتنظر إليه، رجعت برأسها للخلف فأخفض يده وهو يتابع حديثه:
- فيروز أنا بحبك، معرفش ده حصل أمتى وأزاي بس دايمًا بحس بقلبي بيدق وأنتي جمبي، بحس أني دايمًا عايز أشوفك و أبقى قريب منك و.........
كزت على أسنانها و أعتصرت جفنيها بضيق، يفترض أن تبث كلماته في نفسها السعادة تلك الكلمات التي تطرب آذان أي فتاه، لكنها وجدت نفسها تقاطعه بغضب و هي تهاجمه:
- ياسر أنت طول عمرك صديق ليا، أنت وأنكل أشرف أصدقاء العيلة من زمان ومن ناحيتي الموضوع مش هيتخطى الصداقة والأخوة وأتمنى بالنسبالك يبقى كده كمان
ألتقطت حقيبتها و همت بالمغادرة لكنه أعترض طريقها سريعًا و هو يفسر لها:
- أنتي ليه مش قادرة تحسي بيا، كل اللي طالبه منك فرصة، فرصة واحدة بس! مش معقول مش واخدة بالك من تلميحاتي من فترة
فيروز صدقيني أنا بحبك و عايز أتجو.......
رفعت كفها أمام وجهه وأرتسمت عليها ملامح الإمتعاض من إسترساله في حديثه لتنهره قائلة:
- بس بقي كفاية، هو أيه الحب و الجواز عندكوا بالعافية! أنا مبحبكش يا ياسر و عمري ما فكرت فيك و لا عمري هفكر
أرتدت حقيبتها بحده وتركته و أنصرفت لكنها توقفت فجأه لتستدير و تنظر له قائلة:
- اه وحتي علاقة الصداقة و الأخوة دي أنتهت، أطلع من حياتي يا ياسر
أستدارت لترى يسر تقف أمامها و هي تنقل بصرها بينهم بأستفهام ممزوج بالضيق لتسحبها فيروز من يدها و تغادر المكان، نظر ياسر في آثرها وقد أظلمت ملامحه لينضح منها شر مستطر قبل أن يحدث نفسه بنبرة تحمل بين طياتها التهديد و الوعيد:
- أنتي اللي أخترتي، بكرة هتيجي تترجيني وأنتي مذلولة و ساعتها مش هرحمك يا فيروز!
ظلت نظرات فيروز معلقة على الطريق بجمود إلى أن وصلت للمنزل، أطفئت محرك السيارة لتزفر بحدة قبل أن تسمع صوت يسر المتردد يقول:
- ممكن تفهميني أيه حصل؟ الواد ده ضايقك في حاجة؟
أخذت فيروز نفسًا عميقًا ثم زفرته دفعة واحدة وكأنها تخرج به كل ما يعتمل بدخلها من غضب لتجاوبها بإيجاز:
- سيبك منه مش نقصاه
هنا مر طيفه بمخيلتها لتتذكر مقابلتها له منذ عدة ساعات لتجد نفسها تهدأ ويتسرب لها شعور بالراحة حتى أنها نسيت ما حدث منذ قليل، نظرت ليسر لتقول بهدوء:
- يسر أنا طالعه أرتاح شوية عشان نازلة بليل، أسامة بعتلي رسالة أنه هو و الشلة وصلوا وهنتجمع بليل
زفرت يسر بضيق لترد عليها بنبرة متهكمة:
- مهي نقصاه نخلص من سي زفت ياسر يطلعلنا أسامة دة في البخت، ربنا يهديكي يا فيروز و تبعدي عن العيال دي.
___________________________
دس يده في جيبه يبحث عن مفتاحه حتى أخرجه ومن ثم وضعه بالمزلاج ليفتح باب الشقة بيده بينما يحمل بالأخرى عدة حقائب، أغلق الباب من خلفه ووضع الحقائب على الطاولة و هو يجوب المكان بعينيه باحثًا عنها، وقعت عيناه على باب الغرفة المغلق فسار نحوه بهدوء ثم طرق عليه طرقات خفيفة ليسمع صوتها يأذن له بالدخول
فتح الباب ليرآها جالسه على الفراش وهي ضامة ركبتيها لصدرها و تحاوطها بيديها وهي تنظر للفراغ بشرود، تنهد بآسى على حالتها ثم أقترب منها ليجلس على طرف الفراش لينبس:
- أنا جبتلك أكل وشوية خزين للبيت
لم ترد عليه حتى أنها لم تنظر إليه فتابع حديثه:
- ضحى ممكن أتكلم معاكي في موضوع مهم
جذب أنتباهها فرفعت رأسها لتنظر إليه دون أن تعقب فأسترسل قائلًا:
- أنتي ناوية تحضري مراجعاتك أمتى؟
عقدت حاجبيها بتعجب و هي تسأله بنبرة جافة:
- مراجعاتي!
أبتسم بلطف و هو يجاوبها فقد نجح في جعلها تتحدث معه:
- أيوه أنا عرفت أن المراجعات بدأت ولا أنتي ناسية أنك ثانوية عامة وخلاص الإمتحانات على الأبواب
فرت من عينيها دمعة هاربة عندما تذكرت حبس أخيها لها وعدم حضورها لجزء كبير من دروسها حتى أنتهى بها المطاف لتتزوج من لا تحب لتُغتال أحلامها و تُدفن حياتها، وكأن عمرو قرأ ما يدور بذهنها فشعر بالحزن و الألم على حالها لكنه تماسك و تابع بنبرة جدية:
- ضحى أنا متجوزتكيش عشان أحبسك، أنا عارف أن اللي حصل ده مكانش بإرادتك و أنك أتجبرتي و حاسه أنك خسرتي حياتك بأنك أتجوزتيني
شعر بتلك الغصة تضرب حلقة فتصيبه بالجفاف و المرارة فنهض من مكانه وهو يتابع بنبرة حزينة:
- بس ليه تخسري مستقبلك؟ فوقي يا ضحى ومتفكريش في أي حاجة دلوقتي غير أنك تكملي تعليمك و تدخلي الكلية اللي بتتمنيها
حاول نفض تلك الأجواء المتوترة الحزينة فأبتسم وهو يقول بنبرة مرحة:
- وبعدين ياستي تقدري تعتبريني صديق أو أخ وأنا مستعد أساعدك في أي حاجة تحتاجيها
أتفقنا؟
لم تنكر أنها شعرت ببعض الراحة من حديثه، وأن جزءًا ما ثقيل كالجبال قد أنزاح رويدًا رويدًا من على صدرها فأصبحت تشعر ببصيص من الأمل يتسرب داخلها فينير ظلمة قد أستبدت بقلبها، أخذت شهيقًا ثم زفرته على مهل و شبح إبتسامة بسيطة رُسم على ثغرها لتومئ له وهي تنطق:
- ماشي أتفقنا
أبتسم عمرو بسعادة و إرتياح لنجاحة في إخراجها من حالتها التعيسة تلك و لو بجزء بسيط، نظر لها بحب وهو يتابع بنبرة حانية:
- تمام أنا نازل دلوقتي لأني ساعات بيجيلي شغل باليومية بليل، يعني أنتي عارفة أن شغل المطعم لوحده مش هيكفي
أومأت برأسها دون أن تعقب وهي تبتسم له إبتسامة مصطنعة ليتركها ويغادر، وما إن وضع يده على مقبض باب الشقة ليديره حتى سمع صوت قرع الجرس، فتح الباب ليتفاجئ بها أمامه رفع حاجبيه بدهشة و هو يقول:
- آنسة أبرار!
نظرت أبرار للأرض بحرج وهي تفرك كفيها بتوتر ثم نطقت بنبرة مترددة محرجة:
- أنا أسفة أني جيت من غير معاد أنا بس كنت عايزة أسلم على ضحي و معرفش رقم البيت هنا
أبتسم بعملية ثم قال مرحبًا:
- لا أزاى حضرتك تنوري في أي وقت، أتفضلي و أنا هناديها حالًا
رجعت أبرار خطوة للوراء وهي تنبس بحرج:
- لا مفيش مشكلة أنا ممكن أقف ه......
قاطعها عمرو بإصرار وهو يؤكد عليها بنبرة غير قابلة للنقاش:
- لا أزاي طبعًا ميصحش أتفضلي، أنا أصلًا نازل وتقدري تقعدي معاه براحتك، دقيقة واحدة هناديها.
___________________________
ذرعت الردهة ذهابًا وأيابًا والقلق ينهش كل ذرة بجسدها ولسان حالها يردد بإستمرار دون أنقطاع:
- يارب أستر يارب طمني عليها
سمعت صوته يأتي من عند الدرج فهرولت نحوه مسرعه ليخبرها:
- الدكتور وصل يا خالتي
قادت الطبيب نحو غرفتها ليدلف وهي من خلفه لكنها توقفت لتلتفت لكريم وتسأله بقلق:
- قولي يا أبني أيه اللى حصلها متقلقنيش
رد عليها كريم بنبرة خائفة فلا يقل شعوره بالقلق والخوف عنها:
- والله كانت كويسة يا خالتي و بتتكلم معايا عادي فجأة لقيتها أغمى عليها
سقطت دموعها خوفًا على أبنتها الوحيدة ثم أخذت تدعو بتضرع:
- يارب أستر
ربت كريم على كتفها يطمئنها وهو يقول:
- أهدي يا خالتي أن شاء الله هتبقى كويسة، أدخلي بس خليكي مع الدكتور و أنا هستني هنا لو أحتاجتوا أي حاجة
أنتهي الطبيب من فحصة لتلك النائمة في فراشها لا تشعر بما يدور من حولها وكأنها فُصلت عن الواقع، أغلق الطبيب حقيبته لينظر لتلك الأم المذعورة وهي تنطق بقلق:
- طمني يا دكتور بالله عليك
تحدث الطبيب بهدوء وهو يشير للخارج:
- أتفضلي نتكلم برا عشان منزعجهاش
- أيه يا خالتي حصل أيه؟
قالها كريم وهو يسير نحوهم بعد خروجهم من غرفة علياء ليرد عليه الطبيب موضحًا:
- هي الأعراض اللي عندها بتقول أنها نزلة برد شديدة، لكني لاحظت وجود حساسية شديدة فوق المعصم بتاعها وبنصح أنها تروح لمستشفى
تحدثت أحلام سريعًا بنبرة يكسوها الخوف والقلق:
- ليه هي فيها حاجة خطيرة طمني بالله عليك
جاوبها الطبيب بنفس نبرته الهادئة:
- لا أبدًا بس لازم تكشف عشان تعرفوا أذا كانت حساسية ولا حاجة تانية، وعشان تقدروا تعرفوا التشخيص الصح بعد ما يتعملها التحاليل و الفحوصات اللازمة
هنا تحدث كريم وهو ينهي الحوار بعد أن صافح الطبيب:
- شكرًا لحضرتك يا دكتور تعبناك معانا أتفضل معايا
أوصل كريم الطبيب نحو باب الفيلا و سأله بعض الأسئلة عن حالة علياء الصحية لكنه لم يجاوبة بأكثر مما قاله، رجع مرة أخري ليرى خالته جالسة بجانب علياء وهي تمسح على رأسها ببكاء وتدعو الله أن يشفيها و يطمئن قلبها عليها، أقترب منها ووضع يده على كتفها وهو يواسيها:
- متقلقيش يا خالتي أن شاء الله علياء هتكون كويسة
مسحت دموعها وهي تؤمن على حديثة بنبرة راجية:
- يارب يا أبني يارب
تابع كريم حديثة بجدية:
- خالتي أنا أن شاء الله هعدي عليكي بكرة ناخد علياء للمستشفى ونطمن عليها، اه وبلاش تقولي لعمي بدر و لعادل عشان ميقلقوش عليها
ثم نظر نحو الفراغ بشرود وقد زاد قلقه وخوفه عليها وهو يقول برجاء:
- وهي ان شاء الله هتبقى كويسة.
___________________________
- أبلة أبرار!
قالتها ضحى بإبتسامة سعيدة عندما رأت أبرار الجالسة على الآريكة أمامها، لتهرول نحوها وهي تعانقها بإشتياق وترحب بها قائلة:
- أنا مش مصدقة أنك هنا، أنتي عرفتي أزاى
أبتسمت أبرار بسعادة وجلست جوارها وهي تنطق بعتاب زائف:
- ما أنا لقيتك وحشة ومش بتيجي الجامع عشان أشوفك قولت أجيلك أنا
تنهدت براحة وتابعت بحرج وهي توضح لها:
- معلش بقى يا أبلة كل حاجة جت بسرعة وملحقتش أقول
قاطعتها أبرار وهي تربت على كفها بحنو و تخبرها:
- لا يا حبيبتي ولا يهمك أنا جيت أطمن عليكي وأباركلك ألف مبروك يا ضحى
تغيرت ملامح ضحى عند تذكرها ما حدث لترسم بسمة حزينة وهي ترد عليها:
- الله يبارك في حضرتك يا أبلة
وهنا أنتبهت لتلك الدبلة التي تطوق أصبع أبرار بيدها اليمني فلمعت أعينها بسعادة وهي تمسك كفها وتراها عن قرب وهي تقول بفرحة:
- أيه ده يا أبله أنتي أتخطبتي؟
سحبت أبرار يدها سريعًا وأعتدلت في جلستها بتوتر وهي تخفي يدها بكفها الآخر وتجاوبها بإقتضاب ممزوج بالضيق:
- اه جت بسرعة برضو، المهم سيبك مني أنتي كويسة يا ضحى حاسة أن فيكي حاجة
زاغت أعينها بعيدًا وألتمعت بها عبرات الحزن لتتأكد أبرار أن هناك خطب ما فأقتربت منها وضغطت على كف يدها بإطمئنان و هي تحثها على التحدث:
- ضحى لو فيه مشكلة وحابة تحكيلي يمكن أقدر أساعدك، و صدقيني لو في أيدي حاجة مش هتأخر عنك
أغلقت جفنيها وهي تعض على شفتيها بضيق وكأن الفرصة أتت لها لتلقي ما بجعبتها علها تنشد بعض الراحة، فتحت عينيها و نظرت لها بثبات وهي تقول:
- أنا فعلًا محتاجة أتكلم مع حد، أنا مخنوقة و تعبانة أوي يا أبلة
و على عجالة قامت ضحى بسرد كل ما حدث معها في الآونة الأخيرة ومن ضمنها ما حدث معها يوم أن رأتها أبرار تترجل من سيارة ذاك الشخص الغريب، شعرت أبرار بغصة مريرة تضرب قلبها عندما تذكرت أن ذاك الشخص البغيض هو نفسه من خطبها قسرًا، حاولت التظاهر بالثبات وحبست عبراتها بمقلتيها كي لا تثير قلق ضحى لتنبس بهدوء:
- عارفة أيه الحاجة الوحيدة اللي مفروضة عليكي و في أيديكي تعمليها
نظرات لها ضحى بنظرات تملؤها اللهفة فتابعت أبرار بإبتسامتها الهادئة و وجهها البشوش:
- أنت تخليكي مع ربنا، تقربي منه و أطلبي أنه يغفرلك الذنب اللي عملتيه، أرضيه عشان اللي بيرضي ربنا بيلاقي ربنا رضاه و فرجها عليه من حيث لا يحتسب، ومتفكريش في حاجة تاني
ثم أدارت رأسها لتنظر للفراغ بنظرات زائغة مهمومة وتابعت بتنهيدة:
- وسيبي كل حاجة على الله.
___________________________
- يعني متأكدة أنك مش عايزة تيجي معايا؟
قالتها فيروز و هي تضبط خصلات شعرها ثم تلتقط عطرها لترش منه القليل بينما تستمع لصوت يسر الجالسة خلفها على الآريكة و هي تشاهد ذلك البرنامج التليفزيوني:
- لا مش عايزة
زفرت فيروز بصوت مسموع ثم أقتربت منها لتلتقط حبة من البطاطس المقلية التي تتناولها يسر و تنطق و هي تلوكها بفمها:
- هتفضلي قاعدة لوحدك يعني كدة؟
رفعت حاجبها بضيق وهي ترد عليها بإقتضاب:
- اه أحسن ما أشوف الخِلق اللي تسد النفس دي
رفعت فيروز كتفيها بإستسلام ثم أولتها ظهرها لتغادر ولكن أوقفها تحذير يسر و هي تؤكد عليها:
- فيروز متتأخريش و أرجعي بدري المنطقة هنا مش حلوة بليل
وقفت مكانها وقد تذكرت ما قاله أنس لها صباحًا وها هي يسر تعيده على مسامعها مرة أخري، نفضت تلك الذكري عن رأسها ثم تابعت طريقها وهي ترد عليها بإيجاز:
- حاضر
أستقلت فيروز سيارتها وبعد عدة دقائق كانت تصفها أمام ذاك الملهي الليلي والقريب من مكان سكنها، ترجلت قبل أن تغلق السيارة وتتجه نحوه لكنها سمعت من يناديها بصوت عالي:
- فيرو
نظرت خلفها لترى بعض أصدقاءها والذين وصلوا للتو فأبتسمت وسلمت عليهم ليدلفوا جميعهم لذاك المكان الملئ بالصخب، الضجة و أيضًا المحرمات.
يفترض أن تكون سعيدة، بل أنها كانت ترقص و تمرح عندما كانت تتجمع مع أصدقاءها في مثل تلك الأماكن دائمًا، لكنها وجدت نفسها تشعر بشعور غريب و كأنه نفور من كل شئ حولها، وجدت نفسها ساكنة قابعة بمكانها لم تتحرك منه منذ أن ولجت لذاك المكان، مدت يدها لترتشف بعض من العصير الموجود على الطاولة أمامها لتجفل فجأة عندما سمعت صوت ذلك الشخص الذي يجلس جانبها ويقول:
- أيه يا فيرو مالك هادية كدة ليه أنهاردة ده أنتي كنتي بتكسري الدنيا في كل سهراتنا
أبتسمت بمجاملة و هي ترد عليه بإقتضاب:
- عادي حاسة أني مش في المود يا أسامة
قبض على كف يدها وهو يسحبها معه بحماس و يقول:
- طب قومي معايا و أنا هرجعلك مودك يا جميل
وجدت نفسها تسحب يدها بحدة وهي تنظر له بإمتعاض من لمسه ليدها بالرغم من أنه كان شيئًا عاديًا بالنسبة لها في السابق، ثم ردت عليه بحدة وضيق:
- متلمسش أيدي تاني، وشكرًا مش عايزة منك حاجة
لتتركه وتنصرف ليتابعها بعينيه حتى يراها تخرج من الباب الخلفي، أستنشق سيجارته ثم ألقاها على الأرض ليدعسها بقدمه وهو ينظر في آثرها نظرات غاضبة ممزوجة بالخبث والتوعد.
وضعت يدها على كتفيها الظاهرين من فستانها صعودًا و هبوطًا في محاولة منها لتدفئتهم، نهرت نفسها لأنها لم تأخذ سترتها لتقيها من النسمات الباردة التي لفحتها عند خروجها من باب الملهى، جال بخاطرها في تلك اللحظة صورته وتذكرت ما حدث صباحًا لتشق البسمة طريقها على ثغرها، أغمضت عينيها وتمنت في تلك اللحظة لو تراه أمامها فتشعر بالآمان وتستكين إلى جواره، فتحت عينيها فجأة عندما شعرت بذلك الكف الذي وضع على كتفها لتلتف بإبتسامة وهي تنطق بتلقائية:
- أنس
لتجفل فجأة وترتد للخلف وهي متسعتة العينين و قد رأت أسامة الواقف أمامها وهو يتفحصها بعينيه من أعلاها لأسفلها بنظرات وقحة و غير مريحة، أبتلعت ريقها بخوف لكنها لم تظهره و تحدثت بنبرة جافة ثابتة:
- أنت ايه اللي جابك ورايا!
أبتسم بخبث وهو يقترب منها متسائلًا بوقاحة:
- مش تقوليلي الأول مين أنس ده؟ مش يمكن أطلع أحسن منه؟
عقدت حاجبية بغضب و هي تهتف به بحدة:
- أحترم نفسك يا أسامة و أعرف حدودك!
أخذ يقترب منها أكثر فأكثر و هي تتراجع للخلف بذعر وهي تصرخ به أن يبتعد عنها ويتركها وشأنها لكنها سمعته يتحدث بمكر بنبرة أرعبتها:
- حاولت معاكي كتير بالذوق لأجل تفهمي حبي ليكي لكن كنتي بتتعمدي تحرجيني و تقللي مني، لكن خلاص لو مش هيبقي برضاكي هيبقي غصب عنك يا فيروز
لتتسع أعينها بذعر عقب إنتهاء حديثه لتحاول الفرار راكضة منه وهي تصرخ لكن حركته كانت أسرع منها حيث كبل يديها بيده و بالآخرى كمم فمها ليضرب قدمها بقوة فيطرحها أرضًا.
___________________________
رتب تلك الأوراق في الملفات بعناية وأخذ يراجعها للمرة الثالثة فهو يحب أن يتقن عمله وأن لا يقصر لو بجزء بسيط به، زفر براحه بعد أن أتم مراجعتهم وترتبيهم ليجمعهم ويدسهم داخل حقيبته الجلدية قبل أن يغلق سحابها.
- الله ينور يا هندسة
كان ذلك صوت عامل من عمال الموقع ليبتسم له أنس مجاوبًا:
- الله يخليك
مدح ذاك العامل مجهوده و تفانيه في عمله وهو يقول:
- الله يباركلك يا بشمهندس أنس أنت من الناس المحترمة المجتهدة اللي أتشرفت بمعرفتها
ربت أنس على كتفه وهو يومئ له بإمتنان ثم أخبره:
- أنا كده خلصت كل حاجة وتممت عليها وخبرت البشمهندش ناجي وسمحلي أرجع القاهرة بكرة
أكد العامل على كلامه وهو ينطق:
- أيوة كنت لسه هقول لحضرتك كده ملهاش داعي تفضل قاعد يوم كمان
سلم عليه أنس وودعه على وعد باللقاء قريبًا ثم ألتقط حقيبته ليغادر مكان عمله، وقف أنس على الطريق محاولًا إيجاد سيارة أجره لتوصله لمنزله فعليه أعداد حقيبته ليغادر إلى القاهرة في الغد لكن مر عليه الوقت دون أن تعبر سيارة واحدة.
وبينما هو غارق في تفكيرة مرت سيارة أجرة ليوقفها سريعًا و يملي على سائقها عنوان منزله لكنه تفاجئ به يخبره:
- لا للأسف ياباشا مش هعرف أروح هناك في حادثة على الطريق و الدنيا واقفة ومظنش أن فيه أي تاكسي هيوديك هناك
تفاجأ من حديثه ثم زفر بحدة وهو يسأله:
- يعني أيه الحل دلوقتي مفيش أي مواصلة هتقدر توديني هناك؟
هز السائق رأسه نافيًا بأسف ثم تابع قائلًا:
- مفيش حل غير أنك تلف من الناحية التانية وتروح مشي هياخد منك حوالي نص ساعة بدل ما تفضل واقف مستني
قالها السائق ثم أدار محرك سيارته وأنطلق بها، تأفف أنس بضيق وهو يحدث نفسه:
- هعمل أيه همشيها و أمري لله
وبالفعل أستدار أنس ليسلك الطريق الآخر سيرًا على قدميه، وعند أقترابه من منطقة معينة قرب منزله سمع أصوات الصخب و الضحكات التي تملأ المكان والتي تصدر من ذاك الملهى والذي رآه بالأمس عندما كان يبتاع بعض الطعام من محل قريب، لمح أؤلائك الشباب والفتيات الذين يترددون على ذاك المكان وشعر بالإشفاق والحزن عليهم و أخذ يدعو في نفسه:
- ربنا يهديكوا و يردكوا إليه ردًا جميلًا، الحمد لله الذي عافنا
تابع سيره ولكن تنامى لمسامعه صوت صراخ أنثوي يأتي من بعيد، توقف للحظات وأخذ يدور بعينيه حول المكان ليتأكد مما سمعه لكنه لم يرى شيئًا فظن أنه يتوهم وقرر متابعة سيره لكنه في تلك اللحظة سمع ذلك الصوت يرتفع بوضوح، لا يعرف لما أنقبض قلبه ودفعه فضوله للتأكد مما سمعه فأخذ يتتبع صوت الصراخ إلى أن وصل للبوابة الخلفية للملهى وهناك صعق مما رآى!
أنها هي! ومن هذا! أنه يقترب منها! ماذا يحدث!
وكأن عقله قد شُل عن التفكير وتوقف العالم من حوله وقد سمع صرخاتها التي تزداد فلم يشعر بنفسه إلا وهو يلقى حقيبته ويندفع نحوه سريعًا و يخلصها من براثنه ليكيل له اللكمات على وجهه حتى طرحه أرضًا من قوتها، قامت فيروز من مكانها بذعر وهي ترتجف وعندما وقعت عيناها عليه صرخت بقوة:
- أنس!
تحاملت على نفسها ووقفت وهي تقترب منه وتتوسل له برجاء:
- سيبه يا أنس بالله عليك بلاش تضر نفسك
لم يكترث لها فقد كان في أوج غضبه كان يضربه بوحشيه وعينيه تتقاذف منها حمرة الغضب وكأنه وحش أنقض على فريستة فنال منها وهو يهتف به بنبرة أرعبته:
- قذر! أزاي تتجرأ تلمسها!
أسرعت فيروز لتمسك بكفه والذي تجمد بمكانه وهي تتوسل له ببكاء:
- أرجوك كفاية
أخفض يديه ببطء ونهض من مكانه ثم بصق عليه بإزدراء وهو يرمقة بنظرات مميتة ليهرول أسامة بذعر ويختفي من أمامه سريعًا.
حانت من أنس ألتفاته نحو فيروز و أخذ يرمقها بنظرات تغلي من الغضب ليرآها متسعتة الأعين جامدة بمكانها، جسدها يرتجف بشدة وعندها لم تستطع قدماها حمل ثقل جسدها لتفقد قدرتها على الوقوف و تخور قواها و تستسلم جفونها لذاك الظلام الدامس!.
Basant Atef