[ خطة أم قدر! ]

[ خطة أم قدر! ]

11 0

الفصل الرابع عشر

[ خطة أم قدر! ]

يقال لو عُرضت الأقدار على الإنسان لأختار المرء قدره الذي كتبه الله له، فسواء كان راضيًا به أم قانطًا عليه فلا شئ يعلو مشيئة الخالق عز وجل.

أطبقت علي مقبضي الكرسي المدولب الخاص بجدتها بيديها لتدفعها برفق للخارج نحو طاولة الطعام ليتناولوا وجبة الإفطار قبل أن تهم للذهاب لعملها، أوقفت الكرسي أمام الطاولة وإستدارت لتجلس بمقابلها و هي تقول بإبتسامة:

- ايه رأيك بقي في التسريحة الحلوة اللي عملتهالك دي

أبتسمت جدتها ببشاشة و هي ترمقها بنظرات حانية و تشكر الله في نفسها على أنه أعطاها بنت حنونة مثل حفيدتها، ربتت على كفها و هي تمدحها:

- كل حاجة منك حلوة

بادلتها أبرار النظرات الحانية التي ما لبثت إلا وتحولت لنظرات حزينة عندما ذهبت بعينيها نحو باب غرفة والدتها المغلق فتنهدت متابعة:

- تفتكري لسه زعلانة مني؟

فهمت حفيدتها على الفور بل وأشفقت عليها من معاملة نادية الجافة معها بسبب رفضها لآخر شاب تقدم لخطبتها والذي جاء من طرف والدة الطفل نوح، فربتت على كتفها و هي تحثها قائلة:

- أعملي اللي عليكي يا بنتي و راضيها مهما كان هتفضل أمك

أومأت لها بإبتسامه بسيطة ثم نهضت متوجهه لغرفة والدتها منتوية فض الخلاف بينهما بأي شكل، جال بخاطرها في تلك اللحظات ما حدث منذ أسبوع عندما قابلت والدة نوح في اليوم التالي من طلبها لخطبتها من أخيها التي مدحت أخلاقه و تدينه، يومها منحتها الرد بالإيجاب لتسعد السيدة و تتفق معاها على زيارتهم في اليوم التالي.

لم تنكر وقتها أنها كانت تستبشر خير و تشعر بالقليل من الراحة النفسية، و بالفعل فور عودتها من عملها أخبرت والدتها بكل ما حدث والتي كانت فرحتها مضاعفة بسبب أنها التمست من أبنتها القبول المبدئي وشرعت كعادتها في التجهيزات المعتادة لإستقبال العريس المنتظر.

خابت كل توقعاتها و أنهارت سعادتها أرضًا مع رفض أبنتها غير المتوقع للشاب الذي من وجهة نظرها كامل و لا عيب به، ثارت، هاجت و ماجت للحد الذي أثار خوف أبرار فلأول مرة تري والداتها بتلك الحالة الغاضبة الثائرة، ومن يومها وهي أنزوت بداخل جدران غرفتها ممتنعة عن التحدث معها او مقابلتها ولو بالمصادفة.

نفضت شرودها فيما حدث ثم أخذت نفسًا عميقًا محاولة تهدئة توترها ثم طرقت بخفه على الباب المغلق، أنتظرت لثواني لكنها لم تسمع أي رد عاودت الكَرة لكن لا رد أيضًا، تشجعت و هي تمسك بمقبض الباب لتديره وتطل برأسها من إنفراجة الباب المفتوحة و هي تنادي:

- ماما!

كانت الغرفة غارقة في ظلامها رغم نور الشمس الذي ملأ الأرجاء، خطت للدخل بقلق عندما لم تسمع صوت والدتها و هي تضغط على رز الإضاءة، عندها لمحت والدتها وهي تجلس على طرف الفراش تنظر للفراغ أمامها بجمود، أقتربت أبرار منها بهدوء و هي تقول بإبتسامة:

- مش هتيجي تفطري معانا يا ماما؟ أنا حضرتلك فطار أنما أيه هي........

بترت عبارتها عندما حدجتها نادية بنظرات ضائقة تنم على ثورتها العارمة و التي لم تهدأ بعد، و أخيرًا تحدثت بنبرة جافة وهي ترد عليها:

- مش عايزة منك حاجة أطلعي برا مش عايزة أشوفك

تلك الدموع التي أمرت أن تكون حبيسة عينيها ثارت عليها و أبت الأنصياع لها لتهطل علي وجنتيها، فتحدثت بصوتٍ باكي:

- يا ماما حرام عليكي أنا مليش ذنب أني لسه متجوزتش، الشخص ده مكانش مناسب ليا و أنا رفضته ده نصيب صدقيني و اللي نصيبي فيه هاخده، أبوس أيديك متعاملنيش كده معاملتك دي بتحزني

نهضت نادية فجأة و هي تهدر بها بغضب:

- ماله! مش أنتي قرفاني عايزة واحد متدين أهو جالك أتبطرتي عليه برضو يبقى هي باينة، أنتي عايزة تقعدي جمبي صح!

ثم أستدارت لتمحو تلك العبرة التي نزلت من عينها رغمًا عنها و تابعت:

- بتقولي ملكيش ذنب! طب و أنا أيه ذنبي الناس يعايروني بيكي في الرايحة و الجاية، ها! قوليلي ما أنتي مبتسمعيش تلقيحهم اللي يوجع القلب!

أستدارت لتقترب منها و هي تقبض على ذراعها بقسوة و تهددها بنبرة غاضبة قائلة:

- أسمعي بقي أول عريس هيتقدملك هتوافقي عليه ورجلك فوق دماغك فاهمة! يا إما كدة يا إما أنا هكون غضبانة عليكي العمر كله و مش عايزة أشوف وشك ده تاني!

ثم دفعتها بعنف لتترك لها الغرفة و تغادر بينما إرتدت أبرار لتقع علي الكرسي الموجود خلفها وهي تحاول إستيعاب كلمات والدتها التي كانت كالخناجر تمزق قلبها بلا رحمة!.

___________________________

- أنا مش مصدقة أن خلاص بكرة أخر يوم أمتحانات و هنقول باي باي سنة تانية

قالتها فيروز بتنهيدة راحة و هي تسير بجانب يسر إلى أن أستقرت جالسة برفقتها على أحد المقاعد الخشبية المنزوية في جانب الحديقة الخضراء الواسعة الممتدة بداخل الجامعة، فتحت يسر زجاجة المشروب التي أشترتها لتوها و شربت منها القليل قبل أن ترد عليها:

- اللي يشوفك كده يقول أنك خلاص هتخلصي تعليم، ده لسه قدامنا سنتين!

ألتفتت لها فيروز بضجر و وبختها قائلة:

- يا بنتي هو أنتي حد مسلطك عليا، أشربي وأنتي ساكتة بدل ما أدلقها عليكي

ضحكت يسر على طريقتها ثم رفعت الزجاجة لتشرب منها القليل و هي تنظر لها بإبتسامة واسعة لتغيظها، بينما تذكرت شيئًا ما فقالت مسرعة:

- صحيح كان فيه رهان كده من حوالي أسبوع باين ولا أنتي نسيتي

لا تعرف فيروز لما أنتابها التوتر فجأة على سيرة ذاك الرهان لكنها تحكمت في إنفعالاتها و هي تجيبها بلامبالاه وبنبرة ثابتة:

- رهان ايه؟

أقتربت يسر منها و تلك البسمة الماكرة لم تفارق ثغرها و قالت بنبرة ذات مغزي و هي تضيق عينيها:

- يا فيرو عليا الكلام ده! الرهان بتاع حبيب القلب

شعرت بتلك الرجفة التي تصيب عضلتها النابضة عند ذكر سيرته فتصنعت فيروز الإنفعال و قالت بنبرة حاولت جعلها غاضبة:

- يسر والله لو ما أتلميتي هضربك

ضحكت يسر بشدة فهي تعشق العبث مع صديقتها و إثارة حنقها فتلك أولى قواعدها للصداقة التي تدوم طويلًا، أخفت ملامحها المرحة خلف قناع الجدية و هي تقر:

- تنكري أني كسبت؟ و أنك روحت الشركة يا جميل؟

حاصرتها يسر بحديثها فلم تجد بُدًا للمراوغة فأخبرتها قائلة بتأفف:

- يااه عليكي خلاص يا ستي كسبتي شوفي عايزة أيه و خلصيني بقي من الحوار ده

قفزت من مكانها بسعادة و هي تهتف بمرح:

- أيوة بقى هو ده الكلام، بصي بقي يا ستي أنا عايزة نسافر نغير جو بما أن بكرة اخر يوم امتحانات وهناخد الاجازة

كان طلبًا بسيطًا بالنسبة لها فقد توقعت أن تطلب منها يسر طلبات تعجيزية بقصد مشاكستها، فلذلك لم تبدي أي أعتراض بل ردت عليها مرحبة بفكرتها:

- بس كده أوي أوي، أنا كمان عايزة أغير جو، شوفي عايزة تروحي فين و نروح

وضعت يسر يدها أسفل ذقنها و هي تجيب بحيرة:

- لا دي لسه مش عرفاها لما أقرر أقولك

قطع حديثهم رنين هاتف فيروز لتجيب عليه عندما رأت أسم والدها يعلو شاشته، عقدت حاجبيها بدهشة و هي تستمع له تحت نظرات يسر المستفهمه والتي قالت فور إغلاقها للمكالمة:

- في أيه يا فيرو؟

أخبرتها فيروز و هي تهم بالنهوض و تلتقط حقيبتها بحيرة:

- مش عارفة بابا عايزيني أروحله الشركة دلوقتي

ثم أسرعت خطاها في أتجاه سيارتها لتلوح لها يسر بيدها و هي تصيح قائلة بضحكتها السمجة:

- أستني يا فيرو أنا جاية معاكي، عايزة أشوف حبيب القلب.

___________________________

لم تخلو الفترة التي قضتها فيروز للوصول للشركة من مشاكسات يسر لها، لم تنكر أنها تستمع بذاك النوع من الممازحات من صديقتها لكنها في نفس الوقت خشت أن يكون ما ترمي إليه صديقتها حقيقيًا، بل و أن يصبح مكشوفًا و ظاهرًا للعيان!

- أوف أنتي مبطلتيش رغي يا يسر من ساعة ما خرجنا من الجامعة

أقتربت منها و قالت وهي تغمز و تبتسم تلك الإبتسامة الواسعة:

- خلاص مش هجيب سيرة حبيب القلب تاني

قلبت فيروز عينيها في محجريهما بتأفف و أمرتها قائلة:

- طب أخلصي أنزلي

دلفوا سويًا من بوابة الشركة و هم منهمكين في الحديث لكن سرعان ما قطعت يسر حديثها عندما لاحظت جمود فيروز و توترها وهي تنظر صوب نقطة ما، لفت يسر وجهها في إتجاه نظر صديقتها لتري ذاك الشاب الذي خرج لتوه من المصعد و هو ممسك بملف يحوي على عدة أوراق يقلبها بين يديه و هو ينظر لها بتركيز.

قوست يسر جانب فمها بإبتسامة بسيطة و راحت توزع نظراتها بينهما بإبتسامتها التي لم تفتر، رفع أنس وجهه في حركة تلقائية كي يبصر ما أمامه حتى لا ينكفئ على وجهه فتلاقت نظراته بنظرات فيروز التي أبتسمت له بتلقائية فأومأ لها وهو يبادلها أبتسامة عملية بسيطة قبل أن ينحرف ليدخل من باب مكتبه.

رفعت يسر يدها لتحركها أمام وجه فيروز و هي تناديها قائلة:

- فيروز أنتي يا بنتي

أسترعت أنتباها فحولت نظراتها المثبتة على باب المكتب لها و هي ترد بتوتر:

- أيه

جاوبتها و هي مدهوشة من حالتها تلك:

- لا ده أنتي في دنيا تانية!

ثم لكزتها في كتفها بمرح و هي تسطرد متسائلة:

- هو ده بقى حبيب القلب؟

تجاهلت فيروز حديثها او بمعني أصح لم تكن تملك التركيز الكافي فقالت و هي تسحبها من يدها:

- يلا يا يسر خليني أشوف بابا عايز أيه

ثم شردت مرة أخرى و هي تحادث نفسها:

- يا تري مالك يا أنس؟ أيه اللي مخليك حزين كدة؟.

______

بوجهٍ محتد و زفير غاضب أدارت مقبض الباب بحدة و خرجت غير عابئة بنداءات والدها من خلفها، أسرعت يسر في خطاها لتلحق بخطوات فيروز السريعة و هي تحاول إيقافها:

- فيروز أستني

أستطاعت الوصول لها أخيرًا و لحقتها بالكاد قبل أن تصل لبوابة الشركة، وقفت قبالتها تمنعها من السير و هي تحاول تنظيم أنفاسها من الركض خلفها و هي تقول بصوت متقطع:

- أيه يا فيرو ايه حصل لكل ده

زمت حاجبيها بإستنكار و هي تقول بحدة:

- يعني يجبني الشركة عشان يحطني قدام الأمر الواقع! قال أيه ياسر جاي و دي فرصة كويسة أقعد معاه!

ربتت على كتفها محاولة تهدئتها:

- خلاص أهدي

زفرت بحدة و هي تشتكي بنبرة يشوبها الحزن:

- هو الجواز بالعافية؟ أنا حقيقي زهقت نفسي حد يفهمني فيهم!

تحدثت يسر مستفهة:

- هي طنط ليلي رأيها أيه؟ أكيد واقفة معاكي!

ضحكت بسخرية و شعرت بتلك الغصة تتسلل لنياط قلبها و أردفت بنبرة حزينة:

- و هي طنط ليلي حطاني في حساباتها أصلًا، عندها حاجات أهم!

لم ترد يسر إطالة الأمر و جعل فيروز تنخرط في أحزانها أكثر فطوقت عنقها و هي تقول بمرح:

- لا بقولك أيه أحنا مش هنكد على نفسنا أحنا ورانا سفرية و عايزين ننبسط

أبتسمت فيروز و أكدت على كلامها قائلة:

- عندك حق، يلا بينا نمشي

سبقتها فيروز و خرجت من البوابة لتظل يسر واقفه بمكانها متنهدة و هي تنظر لها بشفقة، تتمني لو كان بإستطاعتها محو جميع أحزانها لكن ما باليد حيلة، قبضت على حقيبتها و همت لتلحق بها لكنها سمعت تلك الهمهات الصادرة من غرفة أنس فأقتربت قليلًا ترهف السمع لما يقال لتتسع أعينها بسعادة و تلك الفكرة تلتمع برأسها، ركضت سريعًا مغادرة و هي تلحق بفيروز التي كانت تركب السيارة و هي تصيح:

- فيروز

كادت تجلس خلف مقود السيارة لكنها تراجعت عندما سمعت يسر و هي تأتي مهرولة فسألتها بتعجب:

- في أيه يا مجنونة!

وضعت يدها علي قلبها و هي تحاول ألتقاط أنفاسها و قالت بسعادة:

- أنا قررت أنا عايزة أسافر فين، أنا عايزة أروح الساحل الشمالي!.

___________________________

كانت تقدم قدم و تؤخر الآخرى و هي تقترب من باب غرفتها التي كانت بمثابة سجن لها طوال أسبوع كامل لم ترى به الشارع و لا حتى أي أحد من صديقاتها، فتحت الباب بيد مرتعشة وتقدمت بتوتر نحو والداتها التي تجلس على الآريكة تشاهد ذاك المسلسل في نفس التوقيت بكل يوم، أزدردت ريقها بتوتر و حاولت إجلاء تحشرج أحبالها الصوتية ليخرج صوتها متلعثمًا:

- م..ما..ما

لم ترد عليها فردوس بل ظلت مرتكزة بنظارتها على شاشة التلفاز بجمود و قد تغيرت قسمات وجهها للضيق عند سماع صوتها، فتابعت ضحى بنبرة مرتعشة و هي تحاول حبس دموعها بمقلتيها:

- ماما أنا أسفه و الله ما كان قصدي مش هعمل كده تاني والله لو ....

بترت عبارتها و هي تجفل مرتدة للخلف عندما هدرت بها فردوس بغضب و هي تحدجها بتلك النظرات التي كانت بمثابة سهام حارقة تخترق قلبها فتمزقه:

- أخرسي خالص، مش عايزة أسمع صوتك و لا عايزة أشوف وشك، و الباب ده مش هتعتبيه إلا على الأمتحانات زي ما أخوكي قال

ثم تنهدت بحرقة وكأنها تحاول إخراج ذاك الهم الجاثم على قلبها و تابعت بحزن:

- يا خسارة تربيتي فيكي يا ضحى!

همت أن تتحدث لكن أخرسها صوت المفتاح الذي يدار في الباب وينفتح ليظهر أنس من خلفه مما جعلها ترجع خطوة للخلف بخوف ظاهر على قسماتها، ألقى عليها أنس نظرة ساخطة ثم أغلق الباب بحدة و أوقفها بصوته الجهوري عندما رآها تتقهقر لتعود لحبسها الذي فرض عليها من جديد:

- أستني عندك!

أبتلعت ريقها بخوف و أستدرات ببطئ لتواجهه و هي تخفض نظراتها لأسفل، وزع نظراته بين والدته و أخته ليستأنف حديثه المباغت:

- أجهزي عشان كتب كتابك هيتم بكرة قبل ما أسافر

أتسعت عينيها بصدمة و دق قلبها رعبًا بينما شهقت فردوس و هي تنتفض من على الآريكة و هي تقول بصدمة:

- أنت بتقول أيه يا أنس!

ظل على جموده بينما أحتدت نظراته المسلطة على ضحى و هو يتابع بحده:

- قولت اللي سمعتوه، عمرو صاحبي أتقدم لها و أنا وافقت

فاض بها الكيل فكسرت غلاف صمتها و صاحت وهي تقول بإنهيار:

- حرام عليك ليه بتعمل فيا كده! أنا مش موافقة على اللي أنت بتقوله ده، قولي حاجة يا ماما أبوس أيديك

بخطوات سريعة أقترب منها وهو يقبض على ساعدها بقوة و تابع بتهديد:

- يا هتوافقي تتجوزي عمرو يا مفيش تعليم تاني و مش هتفارقي البيت ده إلا على قبرك!

تركها و خطا سريعًا نحو غرفته ليغلق بابها بعنف بينما أنهارت ضحي على الأرض تبكي بحرقة و تندب حظها و سذاجتها التي أوقعتها في تلك المصيبه.

رمى حقيبته بعنف و هو يزفر بحدة ثم شرع في تبديل ملابسه، جلس على طرف الفراش و هو يرتدي جواربه ثم مده يده ليفتح درج الكومود و يلتقط منه محفظته ليثبت نظراته على تلك الصورة الموجود أسفلها، مد يده و ألتقطتها و هو يرفعها نصب عينيه، خرجت منه تنهيدة حارة ليحدث نفسه متسائلًا:

- يا ترى نويالي على ايه يا ............. فيروز!

___________________________

بلغ قلقها أقصاه ولم تعد تحتمل الجلوس دون فعل شئ يطمئنها على من أعتبرتها صديقةً و أختًا لها، خرجت من غرفتها لتتجه نحو والدتها وهي تنوي على فعل ما قررته، وقفت قبالتها و هي تقول صراحًة و بدون مراوغة:

- ماما أنا هروح لضحى أطمن عليها بقالها أسبوع لا بتحضر دروس و لا بتيجي الجامع

عبست ملامح زينب و ردت معلله:

- لا يا سارة قولتلك مليون مرة البيت ده فيه شاب و مينفعش كل شوية تدخلي عندهم بمزاجك كده

جلست جانبها و أمسكت بكف يدها و هي تستجديها برجاء:

- بالله عليكي يا ماما توافقي، و الله هطمن عليها و هرجع على طول مش هطول، و عشان تطمني أنا مش هدخل هشوفها من على الباب بس

تنهدت زينب و بدى عليها علامات الأقتناع فهي أيضًا يساورها القلق نحو غياب ضحى، و طوال الأسبوع الماضي لم يتسنى لها مقابلة فردوس في السوق و لو بالمصادفة فتحدثت و هي تلقي عليها تعليماتها الصارمة:

- هي ربع ساعه مش أكتر و هتطمني عليها من على الباب كدة و ترجعي على طول فاهمة!

قطعت المسافة القصيرة التي تصل بين بنايتها و بناية ضحى بخطوات متعجلة حتى تفى بوعدها لوالدتها و لا تتأخر، عندما أقتربت من البناية لمحت أنس وهو يخرج منها ليدلف للبناية المقابلة لها، تنهدت براحه لتأكدها بعدم وجوده حتى تأخذ راحتها في الحديث مع صديقتها و بالتالي لم توبخها والدتها.

أستقبلتها فردوس بترحاب و دعتها للداخل لتمشي معاها حتي أتخذت مقعدها على الآريكة و هي تسمع فردوس تقول:

- نورتينا يا حبيبتي وحشاني و الله، استني هقوم أجبلك حاجة تشربيها

أوقفتها سارة سريعًا و هي ترد عليها:

- لا يا خالتي فردوس متتعبيش نفسك انا مش عايزة اتأخر أنا كنت جاية أطمن على ضحى بقالي كتير مشوفتهاش حصل حاجة هي كويسة؟ وفينها مش شيفاها؟

تنهدت فردوس بحزن وهي تردف:

- والله ما عارفة أقولك ايه يا بنتي، هي نايمة دلوقتي

ثم تابعت حديثها عندما رأت علامات الأستفهام و القلق جلية عليها:

- أنا هقولك اللى حصل يا بنتي.

___________________________

لا تعرف كيف أنهت عملها و هي بتلك الحالة الشاردة الحزينة، حتى أن بعض الأطفال قد أثارت قلقهم ليسألوها إن كانت بخير، و ما أضاف همًا لهمها هو أكتشافها اليوم أن والدة نوح قد نقلته لمعهد آخر مما جعلها تشعر بغصه مريرة فهي تحب الأطفال و لم تنكر أنها أحبت نوح و تعلقت به و كانت تود لو أن تحدث تغييرًا ملحوظًا بشخصيته لكن لم يحالفها الحظ.

طوال طريق عودتها كانت شاردة في وضعها الصعب مع والدتها و قرارها المفاجئ التي قررته صباحًا، كيف لها أن تغضب عليها بتلك السهولة! أليست حياتها! هل يعتبر جرم لأنها تريد أختيار الشخص الذي تسكن و تأمن جانبه و الذي يكون طريقها للجنة، ودت في تلك اللحظة لو تصرخ بأعلى صوتها كي يشعر أحد بها و بتلك الحسرة التي تعتمل قلبها و تفتك به.

وقفت على الرصيف محاولة ضبط نفسها و منع دموعها من الإنهمار، مسحت تلك العبرات العالقه على أهدابها ثم أخذت نفسها و هى ترفع رأسها لتهم بتجاوز الطرف الآخر من الطريق، و أثناء ذلك وقع بصرها على أميمة الواقفه بجانب سيارة و يبدو عليها أنها تتحدث مع رجلٍ ما، دققت النظر لتتفاجئ به، أنه هو الذي رأت ضحي تهبط من سيارته في الأسبوع الماضي!

شعرت أن هناك شئ غير طبيعي و خصوصًا عندما راقبت أميمة و هي تتركه و تنصرف و على وجهها ملامح الغضب و الإستنكار، قررت قطع الطريق و الوصول لها لتستفهم منها عما يدور لها لعلها واقعة في مشكلة ما، ولكن قبل أن تصل لأول حارتها باغتها ذاك الشخص و أخترق صوته أذناها و هو يناديها بوقاحة:

- أنتي أبرار صح؟

أستدارت لتواجهه و حاجبيها معقودان من الدهشة، فردت عليه بحدة:

- أفندم!

بسمة واسعة أرتسمت على محياه و هو يمد كف يده ليصافحها و يتابع بنبرته الماكرة:

- أنا عادل أتشرفت بيكي

ألقت بصرها على يده الممدودة ثم رفعته لتنظر له بإزدراء و هي تجاوبه قبل أن تستدير لتنصرف:

- و أنا متشرفتش

أرتدت للخلف و هي تشهق بصدمة عندما ألتف حولها ليعترض طريقها بحركة مباغتة و تلك النظرة الغريبة تلتمع بحدقتيه مما أثار الرعب في نفسها، فقبضت على خمارها بشدة محاولة تثبيته قبل أن تسمع صوته القمئ يتابع:

- بصراحة جو أعمل فيها محترمة عشان أوقع الشباب ده بقى قديم أوي

ثم أقترب خطوة و هو يستطرد حديثه المستفز الذي أثار في نفسها النفور و الإستهجان:

- و أنا بديكي الفرصة أهو من غير ما تتعبي نفسك يا قمر

ثم مده يده ليمسك بكف يدها و كأن صاعقًا كهربيًا قد لامسها، وقع كلامه كالصدمة عليها مما جعلها تنتفض مزعورة و تسحب كفها بعنف وهي تهدر بصوت غاضب و نظراتها المزدرية مسلطة عليه:

- أنت لو ممشيتش من قدامي يا حيوان أقسم بالله هصوت و هلم عليك الناس

لم يأخذ حديثها على محمل الجد و قرر التمادي أكثر لكنه لم يلحظ عم مرعى صاحب دكان تصليح السيارات الذي لفت نظره ما يحدث ليقترب منهم برفقة بعض أصحاب الدكاكين الأخرى بالحارة ليتجمد عادل بمكانه عندما سمع صوته الخشن يقول بإقتضاب:

- في حد مضايقك يا أبلة؟

لم ينكر أن قد تسلل بعض الخوف إليه و عرف أنه لو تمادى أكثر لن ينتهي الموقف لصالحه بل ربما ينتهي به المطاف في غرفة بداخل المشفى فقرر الإنسحاب سريعًا قبل تفاقم الأمر فتحدث بتهذيب قبل أن ينطلق مغادرًا:

- تمام بعد أذنك يا أنسه همشي أنا

ولم ينتظر لثانية أخرى بل هرع نحو سيارته لينطلق بها، مسحت أبرار دموعها و نظرت لعم مرعى بإمتنان وهي تشكره:

- تسلم يا عم مرعي محصلش حاجة

تابعت طريقها لتدلف لحارتها و هي تشعر أنها ستقع مغشيًا عليها من هول ما رأت فطوال عمرها الذي قضته فى الحارة لم يحدث أن تعرض لها أحد بهذا الأسلوب الفج، لا تعرف لما شعرت في تلك اللحظة أنها تريد الإطمئنان على أميمة فبدون تردد تخطت بنايتها لتتابع طريقها نحو بناية أميمة التي ما أن وصلت لها حتي تفاجأت بأميمة و هي تجلس على أولى درجات سلم مدخل البناية و يظهر عليها الإعياء الشديد، هرولت نحوها بذعر و هي تسندها و تهزها منادية:

- أميمة! أميمة مالك أيه اللي حصلك!

لم يهديها تفكيرها لفكرة صائبة الآن فقد سُلب منها تركيزها بعد كل ما عايشته اليوم فلم تشعر بنفسها إلا و هي تحاول حملها و وضعها في أول سيارة أجرة أمامها لتنطلق بها إلى أقرب مشفى.

ذرعت الردهة الممتدة أمام غرفة الكشف جيئة و ذهابًا و هي تشعر بالتوتر الممزوج بالخوف، سمعت صوت صرير الباب يُفتح ليخرج منه الطبيب بعد وقت طويل، أنقبض قلبها وأسرعت نحوه مهرولة وهي تخرج الكلمات بصعوبة من جوفها:

- طمني يا دكتور ؟

أبتسم الطبيب بعمليه و تحدث بنبرة مطمئنة:

- متقلقيش مفيش حاجة خطيرة

زفرت براحة و كأن ثقل كبير قد أنزاح من عليها، خف روعها، هدأ توترها و ألتقطت أنفاسها المحبوسة لكن ما لبثت أن جحظت عيناها بصدمة و شلت أطرافها عن الحركة و كأنها تسمرت بمكانها عندما تابع الطبيب بإبتسامة:

- مبروك المدام حامل.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة