[ قلب مجروح ]

[ قلب مجروح ]

7 0

الفصل الثامن

[ قلب مجروح ]

دقت أحلام الباب بخفة لتدلف لغرفة علياء وهي تحمل صينية الطعام، لتجد علياء تجلس في الفراش مستندة برأسها وتنظر للنافذة بشرود، أنتبهت لدخولها فاعتدلت وهي تسمعها تقول:

- صباح الخير يا حبيبتي عاملة ايه دلوقتي

أومأت بإبتسامة خفيفة وقالت:

- الحمد لله يا ماما أحسن

وضعت الصينية وجلست جانبها وهي تمسح علي رأسها برفق قائلة:

- ربنا يحفظك يابنتي، ها تحبي نأجل الدرس بتاع بكرة لحد ما تخفي ولا ايه

ردت عليها سريعًا:

- لا يا ماما انا كويسة وكمان الامتحانات قربت وانا عايزة اخلص من الثانوية دي بقي

ردت أحلام عليها بحنو و هي تناولها صينية الطعام:

- ربنا يوفقك يابنتي، يلا كلي أكلك كلو لحد ما أعملك حاجة تشربيها

هزت علياء رأسها بإمتنان وقامت أحلام لتنصرف لكنها تذكرت شيئًا ما فتوقفت قائلة:

- اه صحيح افتحي تليفونك يا علياء أبوكي بيتصل بيكي عشان يطمن عليكي وبيلاقيه مغلق

شردت قليلًا ولكنها أجابت بإيجاز:

- حاضر يا ماما.

___________________________

بتردد وحيرة أمسكت علياء هاتفها لتفتحه، فقلبها مازال مفطور من وليد الذي تركها تواجه الموت وحدها دون السعي لإنقاذها حتى، فلأول مرة يتزعزع شعورها بالأمان برفقته.

ما إن فتحته حتي تتابعت عليها المكالمات الفائتة من والدها بينما لم يحاول وليد الإتصال بها غير مرة واحدة منذ أخر مرة فتحت بها هاتفها !

وضعت الهاتف بحدة علي الكومود ونظرت امامها والدموع تتلألأ علي أعتاب عينيها تأبى النزول، وأثناء ذلك رن هاتفها فألتقتطه ظنًا منها أنه والدها ولكنها تفاجأت أن الإتصال من وليد، بحدة وغضب أجابت عليه:

- أفندم عايز ايه ؟

حمحم بتوتر ظاهر وإن حاول إخفائه ثم قال:

- مالك يا علياء بتكلميني كده ليه؟ وكمان مبترديش عليا ليه ؟

أجابت بنبرة ساخرة تحمل بعض الغضب في طياتها:

- معلش أصلي يدوبك عملت حادثة وكنت هموت وأنت كنت واقف بتتفرج عليا

خرج صوته بنفاذ صبر مبررًا:

- والله ما لحقت حتي أعمل حاجه وانا خارج من المطعم علي ما أستوعبت أنها أنتي لاقيت الإسعاف وصلت هركب معاكي بصفتي ايه يعني؟

ردت عليه بنبرة حازمة غير قابلة للنقاش:

- خلاص يبقي تخلي ليك صفة وتيجي تخطبني أظن أحنا عرفنا بعض كفاية، يا كدة....

قطع حديثها عندما ألتقطت أذنيه نبرة التهديد في صوتها مردفًا:

- يا ايه يا علياء!

ضغطت علي أسنانها تحاول كبح دموعها وقالت بثبات:

- يا كل واحد يروح لحاله.

______________________________

في غرفتها المغلقة والمظلمة بعض الشئ كانت تجلس على سريرها ضامة ركبتيها لصدرها و تحاوطها بيديها وهى تنظر للفراغ بعينين شارداين يشوبهم الحزن، كانت الشمس مشرقة من بضع ساعات ولكنها أبت تسلل الضوء إلي غرفتها المظلمة لتواجه إنكسار روحها وألم قلبها.

ساعات من الصمت والحزن مرت عليها إلى أن سمعت دقات على باب غرفتها لتجد من تهرع لداخل الغرفة بقلق وهي تضئ نورها منادية بقلق:

- فيروز!

بخطى سريعة توجهت نحوها وجلست أمامها وهي تنظر لوجهها الذي بدى عليه الحزن جليًا وأسترسلت:

- مالك يا فيروز ؟ انا لما دادة عبير كلمتني وقالتلي انك قافلة على نفسك من أمبارح جيت على طول ايه اللي حصل؟ حد ضايقك في حفله عيد الميلاد دي ؟

أخذت شهيقًا طويلًا لتملئ رئتيها بالهواء ثم زفرته بتنهد و أجلت صوتها المتحشرج قائلة:

- لا يا يسر أنا مروحتش الحفلة أساسًا

لم تعقب يسر على كلامها ولكن تعبيرات وجهها التي تنضح بالتساؤل كانت كافية لتجيب فيروز عليها:

- هو أنا ليه لوحدي يا يسر ها ؟ ليه ؟

قالت يسر بدهشة:

- لوحدك أزاي يا فيرو ما انتي عندك طنط وعمو ربنا يبارك في صحتهم وداده عبير اللي بتحبك زي بنتها وأنا كمان معاكي اهو

أبتسمت بسخرية على حالها و وضحت بتعابير ممزوجة بالألم:

- عمو ده طول الوقت في شغله وصفقاته اللي مبتخلصش بيشوفني كده بالصدفة ويسلم عليا، وطنط طول النهار في النوادي والكوافير ومع صحابها معندهاش حتي خمس دقايق تسمعني وتعرف أنا بحس بإيه، تطبطب عليا حتى!

فرت دمعه هاربه من عينها فمسحتها سريعًا بينما تنهدت يسر بحزن على حال صديقتها وقالت وهي تضمها لأحضانها:

- أنا معاكي يا فيرو أنتي مش بس صحبتي أنا بعتبرك أختي، أحكيلي ايه اللي مضايقك

حررتها يسر من عناقها لتنظر لها فيروز نظرة طويلة ثم تقص عليها كل ما حدث مؤخرًا مع أنس، كانت يسر تستمع لها بأعين متسعة من الصدمة إلي أن ختمت فيروز حديثها قائلة بإبتسامة حزينة:

- قالي أني رخيصة! تصوري يا يسر أول مرة كلمة تأثر فيا كده، أنتي عرفاني طول عمري مش بهتم بكلام الناس بس.....

أرتعش صوتها ولم تكمل عبارتها، فمدت يسر يدها وربتت على كتفها وقالت:

- أنا مش عايزة أزود عليكي بس أنا نصحتك وقولتلك اللي بتعمليه ده غلط وسيبيه في حاله، وياما نصحتك تغيري من لبسك وأسلوب حياتك، يا فيروز أنتي كويسة من جواكي بس محتاجة اللي يوجهك

كانت تستمع لها بعقل شارد وضمير مؤنب لكل ما فعلته.

____________________________

أنهت ضحى وضع كتبها في حقيبتها أستعدادًا للتوجه للدرس فقد أزف الوقت ولم يتبق علي ميعاد الإمتحانات غير شهران فقط، خرجت من غرفتها تنادي علي والدتها التي أتت من المطبخ قائلة بإستفهام:

- أنتي نازلة يا ضحى ؟

ردت عليها بنبرة عادية:

- اه يا ماما ومش هاجي على معاد الغدا عشان رايحة مع سارة الجامع

ألتقطت فردوس محفظتها وأخرجت منها القليل من المال ثم وضعتهم في قبضة ضحى وهي تقول:

- طب خدي يا بنتي الفلوس دي هاتيلك حاجة تاكليها انتي داخلة على امتحانات ومحتاجة تتغذي كويس

أخذتهم وهي تردف بإبتسامة بعد أن قبلت يد والدتها:

- ربنا يخليكي ليا يا ماما

___________________________

وصلت ضحى لمنزل سارة في ميعادها فوجدت أن المعلم لم يصل بعد فجلست تتجاذب معها أطراف الحديث ثم سألتها قائلة:

- هي أميمة مش جاية ولا ايه ؟

زفرت سارة بضيق عندما فُتحت سيرتها و هتفت قاصدةً غلق الحوار:

- شكلها كده مش جاية، أهو الجو يبقى هادي شوية

لم تعقب ضحى على حديثها نظرًا لأنها مازلت تكن بعض الغضب من ناحية أميمة، بعد دقائق وصل المعلم ليبدأ بتفقد الواجبات المنزلية والإيجابة على أسئلتهم ومن ثَم بدأ في شرح الدرس الجديد.

بعد إنصراف المعلم وتلقي الواجبات المنزلية منه، نهضت ضحى وهي تفرد أطرافها بإرهاق قائلة:

- أخيرًا خلصنا أنا كنت حاسة أنه هيقعد للفجر

ردت عليها سارة وهي تلملم حاجيتها من على الطاولة بضحكة:

- أنتي عارفة بقى الامتحانات قربت و المدرسين بيجروا عشان المراجعات

سحبت حقيبتها الصغيرة ثم أستطردت كلامها:

- المهم هتيجي معايا الجامع ولا ايه ؟

ردت ضحى بالإيجاب و هي تومئ بتأكيد مشيرة لحقيبتها القابعة خلف ظهرها:

- اه بس هودي الشنطة دي البيت أحسن تقيلة أوي وهقابلك عند الجامع

ردت سارة بإبتسامة:

- أتفقنا.

___________________________

أصرت فردوس على أن تدس تلك الشطائر في حقيبة ضحى الصغيرة، والتي وصلت للتو لتترك حقيبتها المدرسية بالمنزل تحت أعتراضات ضحى المتكررة أنها لن تجد الوقت لتناولهم، ولكنها رضيت مرغمة ثم ودعت والدتها وهي تعدو على سلالم البناية لتتوجة نحو الجامع.

وقفت ضحي على الرصيف منتظرة تباطؤ حركة السيارات لتذهب للجهه المقابلة والتي يقع بها الجامع، نظرت يمينًا ويسارًا ثم شرعت في قطع الطريق بسرعة ولكن لم تعرف من أين ظهرت تلك السيارة المسرعة أمامها فجأة، لتتصلب في وسط الطريق بصدمة وهي تضع يدها على عينها برعب.

ثواني وسمعت ضحى صوت صرير عجلات السيارة العالي أثر أحتكاكها بالأرض لتتوقف السيارة أمامها مباشرًة، فتحت عينيها ببطئ لتزفر براحة وان كانت دقات قلبها مازلت متسارعة، ترجل صاحب السيارة وهو يتجه نحوها بقلق ظاهر و يقول:

- أنتي كويسة جرالك حاجة ؟ أنا حقيقي أسف أنتي طلعتي قدامي فجأة

هزت ضحى رأسها بنفي وقالت وهي مازالت تحت تأثير الصدمة:

- محصلش حاجة ولا يهمك

همت أن تنصرف لكنه مد يده ببطاقة لها وهو يقول بإبتسامه جذابة:

-ده الكارت بتاعي لو حصل أي حاجة أنا مستعد أوديكي أحسن مستشفي، وبعتذرلك مرة تانيه يا آنسه .....

أبتسمت مجاملة وهي تلتقط البطاقة وقالت بنبرة مهزوزه:

- ض.. ضحى أسمي ضحى

مد يده نحوها ليصافحهت وهو يعرف عن نفسه:

- و أنا عادل .. عادل بدر الدين أتشرفت بيكي

نظرت ليده بإرتباك و أعتذرت و هي تهم بالمغادرة:

- أسفه مبسلمش

ثم أنصرفت راكضة بإتجاه الجهة الأخري لتختفي داخل تلك الحارة تحت أنظار عادل المتفحصة، أستدار لينظر لنقطة ما على الجهه الأخري حيث تقف أميمة مختبئة تراقب من بعيد ليومئ لها بإبتسامه إنتصار ثم يستقل سيارته منصرفًا لوجهته.

______________________________

مع غروب الشمس كانت نادية تشرع في تجهيزاتها المعتاده لأي شخص يتقدم لخطبة أبرار بهمة ونشاط، كانت تذهب هنا وهناك بسعاده تحت أنظار أبرار التي تقف بملل تراقب ذلك المشهد المتكرر حتى أنها حفظته عن ظهر قلب.

سمعت ضحكة جدتها التي تجلس علي كرسيها المدولب بجانبها وهي تقول:

- سبيها تفرح، من نفسها

نطقت أبرار بنبرة يشوبها بعض الحزن:

- يا تيتة ما هي بترجع تزعل لما ما يحصلش نصيب

ردت عليها جدتها بحكمة:

- ويمكن يحصل الله أعلم، يلا يا حبيبتي قومي جهزي نفسك وسبيها على الله

تنهدت أبرار ونهضت بتثاقل لتتواري خلف باب غرفتها لتبدأ في تجهيز نفسها.

ومع دقة جرس الباب علمت أبرار أنهم قد وصلوا، وكالعادة قامت بالطقس الواجب عليها وهو تقديم الضيافة لهم، وبعد الترحيب والتعرف تركتهم نادية ووالدة العريس على إنفراد.

ساد الصمت بعد إنصرافهم لقليل من الوقت ثم خرج صوته قائلا:

- أزيك أنا عبد لله

رفعت أبرار رأسها أخيرًا لتنظر له، كان شخص ممتلئ بعض الشئ ولكن ملامحه مقبوله، نطقت أبرار:

- الحمد لله، أنا أبرار

بدأ في تعريف نفسه حيث تابع:

- أنا عندي ٣٢ سنه شغال محاسب في شركة وشقتي هنا قريبة منكوا أصل أمي أتعرفت على والدتك من فترة صغيرة

شعرت أبرار من كلامه بأنه شخص يتصف بالرزانه وكان كمؤشر خير بالنسبه لها، تابع حديثه قائلًا:

- أنتي بتشتغلي يا أنسه أبرار ؟

ردت عليه بتلقائية:

- اه بشتغل محفظة قرآن

أشرق وجهه وقال بإبتسامة و بنبرة متسائلة:

- وعلى كده بتقبضي كام ؟

ضيقت ما بين حاجبيها مندهشة من سؤاله ولكنها سايرته وقالت:

- ٣٠٠٠ خير بتسأل ليه ؟

وضع قدم على الأخري وهو يحسب قائلًا بنبرة راضية:

- حلو أوي التلاتة بتوعك علي جزء من مرتبي يبقى حوالي سته حلو نمشي بيهم نفسنا

أتسعت حدقتيها من الدهشة و رددت مستفهمة:

- مش فاهمة حضرتك، أنت عايزيني أصرف معاك على البيت ؟

تحدث بثقة و قال:

- طبعًا مش هتكوني مراتي لازم تساعدي في المصاريف وتخدمي أمي ده بيتك برضو!

لم تستوعب أبرار ما يقال فسألت:

- وحضرتك هتعمل ايه؟ طب بفرض اني وافقت أنت برضو هتساعد في شغل البيت ويتقسم بينا مهو بيتك برضو!

تغيرت تعبيرات وجهه للضيق و زمجر بحدة:

- نعم ! أنتي عيزاني أتعب وأشقى وبعدين أجي أنضف في البيت أمال أنا متجوزك ليه ؟

أبتسمت أبرار بتهكم و إستطردت بهدوء:

- اه يعني حضرتك عايزيني اشتغل واصرف وكمان اهتم بالبيت وطبعا بالاولاد بعد كده لا وأخدم والدتك كمان وأنت هتعمل ايه ؟

رفع كتفيه بتلقائية وقال:

- هتجوزك

أستغفرت أبرار في نفسها وحاولت كبح لجام لسانها كي لا ينطق بألفاظ غير لائقه لها ولتربيتها ثم نهضت بهدوء و شددت على كل حرف قالته:

- حضرتك تقدر تجيب شغالة أحسن وأوفر لكن بنات الناس ميستاهلوش يتدبسوا في واحد زيك!

نهض من مكانه وهو يقول بعصبية:

- أفهم من كده أيه ؟

ردت عليه بتعجب قائلة:

- أنت كمان مبتفهمش!.

_____________________________

في ذلك المكان الصاخب والذي يُدعي بالملهى الليلي كانت فيروز تجلس وسط أصداقائها في وسط يسوده الضجة وكل أنواع المحرمات، بعضهم تعرفت عليه بالنادي والبعض الاخر من الجامعة ومن ضمنهم ( أسامة ) التي لا تتقلبه بالمرة؛ وذلك لعلمها بأنه يكن لها المشاعر التي تظهر جليًا في غيرته عليها ولكنها تتجاهله بالرغم من أنه يثير حنقها في بعض الأحيان.

أخرجت هاتفها الذي شعرت بإهتزازه فمن الصعب عليها سماعه وسط كل ذاك الصخب، وبهدوء أنسحبت لركن هادئ نوعًا ما لتجيب عليه:

- أيوة يا يسر

أتاها صوتها يسأل بقلق:

- أيه يا فيرو عاملة ايه دلوقتي قولت أطمن عليكي بما أنك مرضتيش تروحي الجامعة ؟

تنهدت فيروز وأجابت:

- أنا كويسة متقلقيش معلش سيبتك تروحي لوحدك بس من بكرة هنزل معاكي ومش هسيبك تاني

ألتقطت أُذن يسر تلك الضجة فسألت بتعجب:

- أنتي فين يا فيروز ايه الدوشة دي ؟

ترددت في بادئ الامر ولكنها نطقت قائلة:

- مفيش خرجت مع صحابي شوية

تغيرت نبرة يسر وقالت بحدة طفيفة:

- تاني يا فيروز مش قولتلك بلاش الناس دي وخروجاتهم!

تصنعت فيروز أنقطاع الشبكة و رددت بنبرة متقطعة:

- ألو يسر ألو سمعاني....

ثم أغلقت المكالمه وهي تقول بندم:

- سامحيني يا يسر بس فعلًا معنديش طاقة للكلام

نظرت للهاتف بيدها لوهله ثم ألتمعت برأسها فكرة شيطانية لم تخطر ببالها من قبل، لماذا لا تثأر لكرامتها المهدوره من قِبل ذلك الغبي!

تقوس فمها بإبتسامة توعد وقالت:

- مش أنت عاملي فيها شيخ وبتقول عليا رخيصة، أنا هخليك متقدرش ترفع عينك في حد تاني

وبسرعة وخفة توجهت نحو أسامة وطلبت مساعدته في أمر هام بينما هو لم يتأخر في مساعدتها، فهي تعلم جيدًا أنه الشخص المناسب لتلك المهمة.

_____________________________

خرج عمرو من غرفته التي تعتلي سطح البناية ليري أنس وهو جالس على تلك الآريكة البالية ينظر للمارة بالحارة بذهن مشتت، دنا منه واضعًا كوبين من الشاي على الطاولة الصغيرة ثم جلس بجانبه متحدثًا بنبرة مرحة ليزيل عنه همه:

- أيه يا عم أنس هتقضيها نكد ولا ايه ما ربنا ستر والبت خرجتك وراحت أعترفت على نفسها، والراجل اللي أسمه ناجي طلع ذوق وأداك اليوم أمبارح أجازة عايز ايه أكتر من كده

هز رأسه بإعتراض وبنظرات زائغة أجابه:

- القصة أكبر من كده يا عمرو أنت مش فاهم

أرتشف القليل من الشاي ثم وضع الكوب مكانه وأردف قائلًا:

- أمال ايه الحكاية فهمني

أخذ أنس شهيق طويل ثم زفره قائلًا بتنهد:

- البت دي مش سهلة يا عمرو وللأسف حطتني في دماغها خلاص

أتسعت أعين عمرو ليقول بحدة زائفة:

- مالك يا أبني أنت هتخاف من حتة بت عيلة مكملتش ١٩ سنه!

رد عليه بنبرة جدية و هو ينظر في عينيه عله يفهمه دون التحدث:

- لا مش كدة أنا خايف على نفسي يا عمرو حاسس أنها فتنة كبيرة ممكن مقدرش عليها

عقد عمرو ما بين حاجبيه وقال بتساؤل:

- أنت قصدك ايه هي حاولت تقرب منك؟

تنهد أنس و أجابه:

- حاجة زي كدة

ربت عمرو علي ركبته وقال:

- يا راجل قول كلام غير ده هتتفتن ليه يعني!

تابه و هو يشعر بالضيق من نفسه:

"-وليه لا، للأسف أنت مشوفتهاش واحده حسب ونسب ومال وجمال، وفوق كل ده حطاني في دماغها

صمت قليلا وكأنها يحاول أستجماع أفكاره المشتته ليستأنف قائلًا:

- أنا مبقتش عارف أعمل ايه من جهه عايز أسيب الشغل عشان مبقتش طايقه بسببها ومن جهه تانية مش قادر أسيبه عشان حمل البيت ومصاريفه

ربت عمرو على كتفه قائلا:

- هتفرج يا صاحبي متقلقش، صدقني طول ما أنت بتتقي الله أنا متأكد أن ربنا هيكرمك

أومأ له أنس بإبتسامة خفيفة، وفي تلك اللحظه سمع صوت هاتفه يعلن عن وصول رسالة، أخرجه من جيبه لينظر لمحتواها فبادره عمرو بالسؤال:

- في ايه حصل حاجة ؟

رد عليه أنس بإستغراب و مازالت عيناه تجوب تلك الرسالة:

- ده بشمهندش ناجي عايزني، طالب مني ورق تبع الشغل وعايزه دلوقتي وباعتلي مكان أقابله فيه!

رد عليه سريعا:

- طب ومستني ايه روح شوف شغلك يلا.

______________________________

توقف سائق سيارة الأجرة أمام ذلك المكان الذي دله عليه أنس، ظل أنس ينقل بصره بين هاتفه والمكان لعده مرات ثم نظر للسائق متسائلًا بعدم إرتياح:

"- أنت متأكد يا أسطى أن ده المكان ؟

رد عليه السائق مؤكدًا:

- أيوة يا باشا هو انا ماشي علي الطريق مظبوط

أعطاه أجرته وترجل من السيارة وهو ينظر لذلك المكان الصاخب المشع بالأضاءات مختلفة الألوان بدهشة وهو يسأل نفسه بحيرة:

- يا تري بشمهندس ناجي عايز يقابلني هنا ليه، أنا ازاى هقدر ادخل المكان ده ؟

ثم نظر للأعلى وهو يرفع كتفيه بقله حيله قائلًا:

- يارب سامحني انا لو عليا مدخلش ابدًا، بس هعمل ايه

_______________________

تجاوز أنس بوابة المكان دالفًا لداخله وعينيه تجوب المكان بضيق عله يجد ضالته لينصرف من هنا سريعًا لكن لا شئ، أخرج هاتفه ليهم بالإتصال به ولكن أوقفه ذاك الصوت الذي تحفظه أُذناه جيدًا، رفع رأسه ليراها أمامه ولكن سرعان ما أخفضه عندما لمح ملابسها الضيقة، أقتربت منه بتؤده وهي تتغنج في مشيتها وقالت بضحكة هازئة:

- طبعًا أنت مستني بشمهندس ناجي يجي صح، بس أحب أقولك خبر وحش اوى، للاسف هو مش جاي

أغمض عينيه بشدة ولعن غبائه الذي أوقعه في فخ تلك المتعجرفة، فكيف لم يفهم ذلك وقد رأى أن الرسالة مرسولة من رقم غريب، لكنه برر ذلك أنه يمتلك رقم آخر، لم يكن يعلم أنه وقع في مصيدتها وحتمًا هي تدبر له شيئًا ما سوف يصيبه بالجنون!

أستدار دون أن يعقب مقررًا مغادرة ذلك المكان فورًا لكنه توقف عندما سمعها تقول بصوت مهزوز وكأنها على وشك البكاء

- ليه ؟ ليه قولت عليا كده ؟

لأول مرة يمسع تلك النبرة المنكسرة منها فطالما كانت تقف أمامه بشموخ وبكامل عنجهيتها وتحدثه بنبرة متكبرة، ألتف ببطئ ليوجهها لكنه صدم مما فعلته فقد ألقت نفسها في أحضانه فجأة لتتسع أعين أنس بصدمة وينتفض كالملسوع للوراء، ثم لم يشعر بنفسه إلا ويده تهبط علي وجنتها تصفعها بقوة صفعة جعلت الدماء تنزف من جانب فمها على أثرها، ثم خطي بسرعه و حِده كالأسد الهائج مغادرًا المكان بأكمله!.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة