[ على حافة الإنهيار ]

[ على حافة الإنهيار ]

8 0

الفصل السادس عشر

[ على حافة الإنهيار ]

خطت بيدها آخر الإجابات على ورقة الأمتحان الأخير لها قبل أن تقبض على ورقتها بسعادة و هى تسلمها للمراقب و تخرج و هي تزفر براحة، أخيرًا اليوم قد تحررت من ذاك الضغط و التوتر الملازم لها طوال الأيام الماضية، ألتفتت بوجهها عندما وصل لمسامعها صوت يسر المرح والتي خرجت لتوها من لجنة الأمتحانات:

- دلوقتي بس نقدر نقول كفارة

ضحكت فيروز و أيدتها في رأيها لتتابع يسر قائلة:

- عايزاكي بقى تروحي كده زي الشاطرة تريحي و تجهزي شنطة هدومك عشان هنطير على الساحل بكرة انا عايزة انطلق

أومأت لها فيروز بحماس و هي تؤيدها و نطقت:

- ومين سمعك أنا كمان عايزة انطلق

- ايه يا فيرو مش هتيجي تحتفلي معانا ولا ايه!

أوقفتها جملته عن السير و قد تجعدت ملامح وجهها ضيقًا عندما عرفت نبرته، وجهت بصرها نحو يسر التي حركت مقلتيها للأعلى بتأفف فأستدارت لتجاوب بإقتضاب:

- لا مش فاضية أصلي مسافرة

ألتمعت أعين أسامة بسعادة وأقترب منها وهو يجاوبها بسماجة جعلت فيروز تشعر بالضيق أكثر:

- أوه طب مش تقولي انا هجمع الشلة و نلحقكوا هي دي الأجازات

ألقت يسر عليه نظرة إزدراء ثم قبضت على يد فيروز وسحبتها سريعًا دون حتي الرد عليه و ما إن وصلت قرب سيارتها حتى نطقت بضيق:

- أنا مش فاهمة أنتي أتسحبتي من لسانك وقولتيله ليه

لوحت فيروز بيدها بإمتعاض من تصرفها الأحمق ثم بررت:

- معرفش بقى قولت أهى حجة عشان يحل عني معرفش أنه هيلزق أكتر

زفرت يسر بحنق و هي تحاول نفض كل ما يحاول بث الضيق بها ثم قالت بلامبالاه:

- خلاص سيبك منه يلا بينا أحنا.

___________________________

بخطوات تائهه كانت تجر قدميها رويدًا رويدًا حتى تصل لوجهتها، عقلها شارد و أفكارها متشابكة كأشجار كثيفة في غابة شاسعة، لا تعلم كيف أنقلبت الأمور كلها بذلك الشكل المتداخل و الذي ما زاد همومها إلا طغيانًا.

خلعت حِذاءها عندما وصلت لباب المسجد ثم دلفت بقدمها اليمنى حتى وصلت لحلقه النساء و الفتيات المتجمعات منذ فترة يجلسن بإنتظارها، و هناك في ركن بعيد من الحلقة لمحت ضحى والتي لم ترآها منذ بضع أيام مما آثار قلقها و أرادت سؤال سارة عندها و لكنها تاهت في خضم الشجارات العنيفه بينها هي و والدتها لينتهي بها المطاف بالأحداث العصيبة التي مرت بها مؤخرًا.

أنتشلها من دوامات شرودها المتضاربة صوت تلك الفتاه تقول:

- أبله أبرار أنتي كويسة! بنادي عليكي من الصبح

أنتبهت لها أبرار و كأنها كانت معزولة عن العالم فحمحمت لتجلي حشرجة أحبالها الصوت وتومأ للفتاه بإبتسامة بسيطه ثم تبدأ حديثها:

- أنا عارفة أن بقالنا كام يوم بنأجل الدرس بس بعتذر كان عندي ظروف

ربتت عليها واحدة من النساء وهى تقول بإبتسامة:

- ولايهمك يا حبيبتي كفاية أننا نشوفك بخير

بادلتها أبرار الأبتسام لتلتفت فتقع عيناها على ضحى التى كانت تنظر أرضًا بشرود و كأنها تحمل جبالًا من الهموم فوق عاتقها لتجد نفسها تستهل حديثها قائلة:

- هنتكلم أنهاردة عن العلاقة بين الرجل والمرأة

أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرت كلامها مع أنفاسها دفعة واحدة و هى تستأنف قائلة:

- مفيش أي علاقة تجمع بين المرأة و الرجل الغريب عنها إلا الخطوبة ثم الزواج، يعني مفيش حاجة أسمها ده صاحبي أو اللي مرتبطة بيه زي ما بنسمع اليومين دول

هنا شعرت بتوتر قسمات وجه ضحى و إرتجافة جسدها لتمتد يد سارة بخفه فتقبض على يدها داعمة إياها، ظلت مسلطة أنظارها عليها حتي بعدما رفعت رأسها لتتقابل نظراتهم سويًا و قبل أن تتابع قاطعتها واحده من الفتيات و هي تسألها:

- بس أحنا أكيد لازم هنتعامل مع رجالة يا أبله يعني مثلا زمايلنا في المدرسة او الجامعة او لما نشتري حاجة

أومأت أبرار برأسها و هي ترد عليها:

- إن كان لازم ولابد التعامل مع الطرف الآخر سواء في دراسة أو في شغل او غيره من الضروريات فالتعامل ده بيكون بحدود، يعني مينفعش أقف أطول في الكلام و أضحك و أهزر و أقول ده زميلي! لا لازم هتلاقوا حد فيهم أتفتن و حب التاني!

هنا تحدثت سارة بنبرة ذات معزي و كأنها تقرأ ما يدور بداخل عقل ضحى و أرادت توجيه الكلام لها من خلال أبرار بصورة غير مباشرة:

- طب ما ممكن يبقوا أصحاب عادي يا أبله ومحدش يحب التاني

أبتسمت أبرار عندما فهمت المغزى من سؤال سارة فنطقت مستشهدة بآيات من القرأن الكريم وهي تتابع حديثها مسلطة أنظارها على ضحى:

- أكيد كلنا عارفين الآيه اللي بتقول

( وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا ۖ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا)

أتسعت أعين تلك الفتاه و هي تهم بالرد عليها مستفسرة:

- بس أيه اللي جاب الآيه دي للي بتقوليه؟

أسترسلت بحديثها مفسرة:

- لو أنا جبت غسالة و الغسالة دي باظت أو حصل فيها أي عطل هنعمل ايه؟

ردت عليها الفتاه:

- هنكلم الشركة اللي عملاها عشان يصلحوها

أبتسمت أبرار معقبة عليها:

- طب ليه مصلحهاش أنا؟

سمعت همهمات الفتيات و هن يقلن أنهم من صنعوها وهم أعلم بكيفية تصليحها فأستطردت قائلة:

- بالظبط و مع فارق القياس ربنا هو اللي خلقنا و هو اللي أعلم بينا فلما يحرم وجود علاقة بين الرجل و البنت خارج أطار الزواج يبقي عشان هو عالم بالنفس البشرية كويس، الصحوبية هتبدأ بنظرة و بعدها ضحكة و بعدها لمسة وبعدها ممكن توصل للزنا أعاذنا الله وإياكم! و لو ربنا ستر وموصلتش فليه أخد ذنوب على شخص أنا مش ضامنة هيبقي من نصيبي ولا لا!

أستدارت لتنقل بصرها بينهم بالتساوي و كأنها تريد حفر تلك الكلمات بأذهانهم:

- الإنسان لازم يحافظ على قلبه و مشاعره و طاقته للإنسان اللي ربنا هيكتبه من نصيبه و يكون حلاله ساعتها بس هيحس بطعم السعادة الحقيقية لكن صدقوني.....

سكتت لبرهه ثم عاودت النظر لضحى مرة أخرى وكأنها توجه تلك الكلمات لها:

- عمر الطريق اللى بدايته لا ترضي الله تكون فاكر أن نهايته هترضيك!

__________________________

كيف للمرء أن يندم لقرار أتخذه بكامل أرادته بل أنه أبتغاه و بشده، و لكن هل سبق السيف العزل و تأخر الوقت عن الندم؟

ذاك السؤال الذي كان يتردد داخل ثنايا عقله مرارًا و تكرارًا و هو ينظر لإنعكاس صورته بالمرآه بعد أن جهز نفسه أستعدادًا لتحقيق حلمه الذي تمناه منذ أمد بعيد.

كانت الحيرة تمزقه إربًا، و التردد والندم ينهشان كل ذرة بكيانه، لا مجال للأختيار فكل خيار كان كحد السيف الذي يهدده بجرح لن يلتئم أبدًا.

حسم أمره و حجب عن عقله التفكير المميت ليسير بخطوات منتظمة مسلوب الإرادة و كأنه مغيب و هناك من يسحبه، حتى وصل أمام باب منزل أنس، رفع يده ببطئ ليضغط على زر الجرس ولكن باغته أنس عندما فتح الباب سريعًا وهو يتحدث بعتاب:

- أنت فين كل ده يا عمرو المأذون وصل

دون أن يعقب ألقى عليه نظره معتذرة ثم دلف للداخل ليجد المأذون جالس على الآريكه و أمامه أوراق عقد القران التي قد تم تجهيزها من قبل بينما تقف فردوس خلف أنس و هي تنظر أرضًا بأعين شاردة حزينة.

فاق عمرو من جموده ليرى نفسه جالسًا على الآريكة هو و أنس ويتوسطهما المأذون الذي يدعوه لوضع يده بيد أنس، طال صمته و أقلقهم سكونه لكنه تحدث بعد برهة ليقول:

- أنا ليا شرط قبل ما نكتب الكتاب

عقد أنس حاجبيه بتعجب و تبادل نظرات مستفهمة مع والداته ليعاود تسليط بصره على عمر الذي نبس بثبات:

- أنا عايز أتكلم مع ضحى الأول!

على الجانب الأخر كانت ضحى تجلس بجمود أمام المرآه و كأنها جثة تكفن لتلقى مصيرها و ليس عروس تزف لعريسها في ليلة تعتبر من أجمل الليالي التي تحلم بها كل فتاه، نطقت سارة التي أنتهت من وضع أخر دبوس في حجابها للتو:

- خلاص خلصت، ماشاء الله طالعة زي القمر يا حبيبتي

لم تتلق رد من ضحى التي كانت ساكنه كسكون المقابر لتدير وجهها صوب باب الغرفة الذي طُرق للتو وتتجه إليه لتفتحه.

- عمرو عايز يتكلم مع ضحى لوحدهم يا بنتي هاتيها معاكي هو قاعد مستنيها في البلكونة

نبست بها فردوس و هي تنظر لإبنتها ذات الوجه الشاحب بنظرات حزن و شقفة ثم تتركهم و تنصرف، بعد مرور عدة دقائق خرجت ضحى من غرفتها برفقة سارة التي توقفت قبل مدخل الشرفة ثم ربتت على كفها و هي تدعمها بإبتسامة:

- كل حاجة هتبقي كويسة، أنا معاكي

أنسلت بكفها من بين يديها لتدلف فترآه واقفًا أمام سور الشرفة عاقدًا ذراعيه يجول بعينيه على المباني بشرود، سارت بخطوات بطيئة لتقف بالقرب منه و هي تجاهد لإخراج تلك الكلمات المقتضبة من جوفها:

- عايز أيه، أنت مش عملت اللى في دماغك؟ لزمتها ايه الدراما دي دلوقتي

أغلق جفنيه بقوه و هو يشعر بتلك الغصة المريرة تضرب حلقه و كأنما سكب به العلقم، زفر بحدة ثم حاول جعل نبرته لينة و هو ينطق:

- ضحى أنا طلبت أتكلم معاكي عشان أخد رأيك، مش عايز أعمل حاجة غصب عنك

أبتسمت بسخرية تشوبها بعض المرارة و تحدثت بقهر جعل قلبه ينفطر ألمًا عليها:

- وأنت بقى تفتكر أن رأيى ليه لازمة!

لم تعطه فرصة للرد بل تشنجت قسمات وجهها تحت وطأة غضبها و قهرها المكبوت، أرتجف جسدها و أرتعش صوتها و هي تقول بهدوء مميت:

- هنا نار و هناك نار و أنا أخترت النار اللي تحرقني و متموتنيش

ثم أستدارت بجسدها و سارت عدة خطوات نحو باب الشرفه و هي تنبس بسخرية:

- يلا يا عريس المأذون مستنيك!

___________________________

كل ما تتمناه في تلك اللحظه هو أن ترتمي في أحضان سريرها لتنعم بنوم عميق يبدد أرهاقها و تعب جسدها و ذهنها من كثرة التفكير، مدت يدها لتضع مفتاحها في مزلاجه لكنه فُتح قبل أن تصل إليه لترى والدتها تقف أمامها و هي تنظر لها بلهفه و سعادة، أتسعت عيناها عندما رأتها تقبض على يدها برفق و تتحدث بنبرة ناعمة:

- تعالي يا حبيبتي أخيرًا جيتي

فغرت فاها بدهشة و هي تحاول تخمين السبب الذي قلب والدتها رأسًا على عقب لتستقبلها بكل ذاك الحبور على عكس ما كانت عليه صباحًا، حمحمت و هي تتحدث بدهشة وتلك الإبتسامة البلهاء ترتسم على ثغرها:

- خير يا ماما في حاجة

أبتسمت نادية بسعادة و هي تردف قائلة:

- كل خير، في عريس جالك قاعد جوا في الصالون و معاه أخوه الكبير

تلاشت بسمتها تدريجيًا و هي تقطب جبينها بعبوس لتسمع نادية تسترسل حديثها بتحذير وصرامة:

- بقولك أيه الراجل بيقول أنه شافك في المعهد و أعجب بيكي يعني مش جيباه من عندي، فأعقلي كده عشان معندكيش فرصة ترفضي يلا أدخلي أغسلي وشك عشان تقعدي معاه

كزت على أسنانها و أغمضت جفونها بشدة و هي تحاول كتم ضيقها و مرارتها بجوفها ثم سارت كالدمية التي تحركها والدتها كيفما تشاء لتشهق بصدمة عندما وقعت عيناها على الجالس أمامها و الذي كان يرمقها بنظرات خبيثة منتصرة، لم تشعر بنفسها إلا وهي تهمس بصدمة قائلة:

- لا! أزاي! مش ممكن

أبتسمت نادية و هي تدفع أبرار للأمام قليلًا وتقول:

- طب أتفضل معايا يا أستاذ مرغني أشرب شايك في الصالة عشان نسيب الأولاد لوحدهم يتعرفوا على بعض

كانت عيناها متسعتان من الصدمة و عقلها مازال لا يستوعب ما يحدث، نظرت لوالدتها بتوسل و هي تهز رأسها برجاء لكنها لم تعيرها أي أهتمام وتركتها و أنصرفت لتبقى بمفردها معه بغرفة الصالون!

مسحت عبرة فرت هاربة من مقلتها وأحتدت نظراتها المسلطة عليه و هي تقول بنبرة غاضبة تكاد تحرقه حيًا بلا رحمه:

- أتفضل لم المسلسل البايخ اللي أنت عامله ده و غور من هنا

قهقه عادل بصوت عالي مما أثار إشمئزازها، ثم أرجع ظهره للخلف و هو يضع قدمًا فوق أخري و يقول ببرود:

- أيه يا أبله مش أنتي اللي مرضتيش تيجي بطريقتي!

ثم أعتدل في جلسته ليقترب للأمام بجذعه متابعًا وهو يغمز لها:

- أديني جايلك بطريقتك أهو

غامت قسمات وجهها من فرط غضبها و كزت على أسنانها و هي تضغط على كل حرف تنطقه:

- غور من هنا

على حين غرة وجدته أمامها فرجعت خطوة للخلف وهي تسمعه يهددها بنبرة ماكرة:

- أنا سيبتك تقولي الكلمتين اللي عندك ندخل في الجد بقى، أسمعى يا حلوة لسه متخلقش اللي يقدر يتحداني و بصراحه كده أنتي عجبتيني دخلتي دماغي وأنا مفيش حاجة بعوزها ومباخدهاش، فيا تقبلي بالخطوبة دي بالذوق يا زعلي هيبقى وحش أوي

نطقت بغل و هي تشيح بوجهها عنه منتوية الإنصراف:

- أعلى ما في خيلك أركبه

و همت أن تنصرف لكنها توقفت فجأه عندما قذف تلك الصورة أمامها على الأرض فهبطت بجذعها لتلتقطها لتشهق بصدمة عندما رأت ما بها لتجعدها سريعًا بيديها و كأنها تريد سحقها ثم قالت بأعين متسعة و نبرة مرتجفة:

- ايه ده!

رفع حاجبيه بدهشة و أبتسم بخبث و هو يقول:

- هو أنا مقولتلكيش! أصل مرغني اللى قاعد برا مع الست والدتك ده مش أخويا ولا حاجة، و هو نفسه برضو اللي موجود فى الصورة معاكي، أيه رأيك؟ الواد بتاع الفوتوشوب أبن حلال صح؟

ثم أقترب منها و هو يهمس في أذنها بهسيس كالأفعي التي تلتف حول فريستها محاولة حقنها بسُمها:

- تخيلي بقي مرغني يلف علي الحارة يوزع الصور دي ويحكي قصة حبه اللي كسرت قلبه مع شوية إضافات من عندي كده

حدجته بنظرات إزدراء و أخبرته بنبرة مرتجفة:

- محدش هيصدقك كلهم في الحارة عارفني

أبتسم بثقة و أجابها بنبرة تحدي:

- العيار اللي ميصبش بيدوش يا أبله!

شعرت أبرار أن قلبها سوف يتوقف من شدة دقاته الممزوجه بخوفها و قهرها في تلك اللحظه، لم تستطع فعل شئ غير أنها نظرت له بقهر وعينيها تلتمع بنهر من الدموع الحبيسة و قالت:

- حسبي الله و نعم الوكيل فيك!

أبتسم بإنتشاء و شعر بإنتصاره عليها، دموعها أرضت غروره و روت كبريائه فتابع وهو يلتقط هاتفه ومفاتيحه من على الطاولة:

- قدامك لحد بكرة عشان تقرري، بس صدقيني الرفض مش من مصلحتك

ثم لوح لها بيده بإستفزاز و تلك الإبتسامة المتشفيه لم تفارق وجهه:

- سلام يا.....أبله!

___________________________

خطت بقدميها للداخل و هي تجوب المكان بعينيها الحزينة، وقفت ساكنة لبعض الوقت حتى فاقت من جمودها على صوته يأتي من خلفها:

- نورتي بيتك

لم تنبس ببنت شفه و إنما ظلت على سكونها فحمحم عمرو و هو يتابع موضحًا:

- تحبي تاكلي الأول و لا تبدلي هدومك؟

التفت له بحدة لتنظر في عينيه نظره تمنى لو كان مات قبل أن يراها بعينيها ثم سمعها تقول بعنف:

- أسمعني كويس جوازنا دة على الورق قدام الناس و بس فمتعيش الدور، أنا بكرهك عارف يعني أيه بكرهك أنت السبب في كل اللي حصلي انت دمرت حياتي في اليوم اللي قولت لأنس فيه اللي حصل في المطعم

أغلق جفنيه بمرارة و هو يبتلع سهام حديثها و كأنه نصل سكين حاد يقطع قلبه بلا ذرة رحمة ثم فتح عينيه فجأه و تغيرت ملامحه لتصبح أكثر صلابة، شعر بإختناق الكلمات في حنجرته لكنه تحدث أخيرًا بغضب مكبوت:

- مش أنا الراجل اللي يغصب مراته على حاجة مش عايزاها متقلقيش، أما بالنسبة لأفكارك أني السبب في أني دمرتلك حياتك فأنا هسيب الوقت هو اللي يبينلك الحقيقة

خلع سترته و ألقاها بإهمال على الآريكة ثم أشار على الطاولة وهو يفسر:

- الأكل عندك لو جوعتي، و زي ما أنتي شايفة البيت صغير ومفيش غير أوضة واحده، نامي أنتي فيها و أنا هنام هنا على الكنبة

تذكر حينها إرهاقه طوال الأشهر الماضية في توفير الأموال و إدخارها ليتمكن من إستئجار مسكن أكبر و أفضل من أجلها، كان يهون على نفسه إي مشقة تنال منه في سبيل الوصول لها والتنعم بلحظة واحدة بجانبها، نفض تلك الأفكار من رأسه ثم تابع:

- أنا قاعد برا لو عوزتي حاجة، تصبحي على خير

ليتركها منصرفًا بعد أن أغلق باب الشقة خلفه تاركًا أيها بعدما أنهارت أرضًا لتبكي بحرقة كما لم تبكي من قبل، ترثي نفسها، قلبها و حياتها التي تدمرت بين عشية و ضحاها.

__________________________

جلست على سريرها و هي تحتضن وسادتها و دموعها لم تجف بعد من على وجهها، ثواني و سمعت دقات على باب الغرفة ليدلف أنس و هو يسألها بدهشة:

- مالك يا أمي قاعدة هنا ليه؟

لم تنظر إليه و إنما ردت بإقتضاب و هي تمسح دموعها بكم جلبابها:

- أيه ممنوع أقعد في أوضة بنتي ولا ايه؟

تنهدت أنس وأقترب منها و هو يقول برفق:

- خلاص يا أمي اللي حصل حصل، وبعدين هيا مسافرتش يعني ده قاعدة في العمارة اللى قدامنا

أخفضت بصرها ليقع على تلك الحقيبة التي يحملها بيده، فنظرت له و هي تسأله:

- أنت خلاص مسافر؟

أومأ لها بالإيجاب ثم نطق قائلًا:

- أيوة و جاي أسلم عليكي قبل ما أمشي

نهضت واقفة ثم عانقته و بدأت في البكاء مرة أخرى و هي توصيه:

- خلي بالك من نفسك و متتأخرش يا أبني بالله عليك أديك شايف بقيت لوحدي بين أربع حيطان

ربت على كفها ثم رفعه ليقبله و هو يطمئنها:

- متقلقيش يا أمي هما يومين بإذن الله وراجع لو عوزتي حاجة عمرو موجود متتكسفيش منه

أومأت له من بين دموعها فربت على كتفها ليحمل حقيبته و ينصرف ولكنه سمع صوت فردوس توقفه و هي تقول:

- صحيح يا أبني أنت مقولتليش مسافر فين؟

أستدار لينظر لها و هو يخبرها قائلًا:

- الساحل الشمالي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة