[ اللقاء ]

[ اللقاء ]

12 0

الفصل الأول

[ اللقاء ]

ضرب بيديه على سطح المكتب بغضب ثم أنتصب واقفًا وهو يصيح بصوت عالي:

- أنت مرفود روح على الحسابات وخد باقى مستحقاتك ومشوفش وشك هنا تانى

رد عليه بسخرية واضحة قائلًا:

- مرفود مرفود يعنى طالع من الجنة ياخي

وخرج من مكتبه وهو يزفر بغضب ويسبه فى نفسه ، استقل المصعد ليتوجه نحو مكتب الحسابات ليأخذ باقى مستحقاته ويذهب من هذا المكان الكئيب الذى يبعث فى روحه الشعور بالغضب والضيق .

بعد أن أنتهى توجهه نحو مكتبه ليأخذ اشيائه وحقيبة عمله ويودع أصدقائه وينطلق بعدها نحو المنزل.

في منطقة لاتعتبر شعبية أغلب قاطنيها من الطبقة المتوسطة او أقل كان يمشي على أول الشارع الذى يقطن فيه، وما إن أدرك دكان تصليح السيارات حتى أقترب منه قائلًا:

- أزيك يا عم مرعي

رفع حاجبه بتعجب وهو يسأله:

- الله انت ايه اللي مرجعك بدري كده

اجابه بضيق ممزوج ببعض الراحة قبل أن يتركه ويغادر وسط ذهوله:

- اترفدت

حدث عم مرعي نفسه بطرافة بعد رحيله:

- هو الواد ده كل شوية بيترفد ده جتته نحست من الرفد انا خايف اشغله معايا في الدكانة أقوم رافده

فتح باب الشقة ودخل ثم اغلقه من خلفه ليسمع صوت والدته وهي قادمة من المطبخ تقول:

- مين اللي برا

وما ان خرجت ورأته حتى شهقت قائلة بدهشة:

- أنس !!

ألقى عليها نظرة مجهدة ليتابع طريقه ويجلس على الآريكه بتعب، تابعت والدته في ذهول:

- ايه اللى مرجعك بدرى يابنى حصل حاجة

وضع حقيبته باهمال على الطاولة وجلس ليتنهد قائلا:

- اترفدت يا أمى

شهقت فردوس قائلة:

- لا حول ولا قوه الا بالله ليه يا بنى حصل ايه

قال بغضب وهو يشير بيده في حركات عصبية:

- دي عالم ظالمة ومتعرفش ربنا يعني انا يطلع عيني وانزل المواقع في الشمس واتبهدل وفي الاخر كل شوية ياخدوا من مرتبي عشان يدوا اللي قاعدين في مكاتبهم في التكييف ومبيشتغلوش ده ايه الشركه الغم دي

حزنت فردوس على حال ابنها فهى تعرفه جيدا مثل والده لا يتحمل الظلم ويقول الحق حتى لو تسبب ذلك فى رفده، جلست جواره وهى تربت على كتفيه قائلة:

- ولا تزعل نفسك يا حبيبى بكرة ربنا هيرزقك شغلانه احسن منها وهيعوضك

قال بحزن وتلك التنهيده الحارة تخرج من جوفه:

- انا نفسي اشيل عنك الحمل يا امى من ساعه ما ابويا مات وانت بتشتغلى على ماكينه الخياطه وضهرك بيتقسم عشانا

قالت بعتاب وهي تلومه:

- وانا مشتكتش يا ابنى انا كل املى فى الدنيا اطمن عليك انت واختك بس، يلا ياابنى قوم غير هدومك وارتاحلك شوية لحد ما اجهز الاكل

اومأ لها ثم قبل يديها وجبينها وقام متوجها لغرفته لكنه توقف قائلا:

- أومال فين ضحى

اجابته وهى تدلف للمطبخ:

- فى الدرس ربنا يعينها على الثانوية العامه دى بقى وتدخل الجامعه.

_______________________________

أغلق المدرس الكتاب الموضوع أمامه بعد أن أنهى شرحة المفصل وهو يأمرهم:

- هتحلوا كل الاسئلة اللى علمتوا عليها دى والمرة الجاية هصححها

أستاذن الاستاذ بعد أن ألقى عليهم تعليماته للمغادرة ليستطيع اللحاق بالدروس الاخرى بينما اغلقت ضحى كُتبها لتضعهم فى حقيبتها قائلة:

- احنا هنمشي بقى يا سارة

اجابتها سارة بلهفه:

- ما تخليكوا قاعدين شوية كل مرة بعد ما الدرس بيخلص بتمشوا على طول

ردت عليها أميمة بابتسامه زائفة:

- معلش بقى خليها المرة الجاية عشان نلحق نروح يلا بينا يا ضحى احسن اخوكى يزعقلك

ثم التقطت حقيبتها لتغادر ، اقتربت ضحى من سارة مواسية إياها:

- متزعليش منها ان شاء الله المرة الجاية هستأذن ماما واقعد معاكى شوية اتفقنا

ابتسمت لها سارة قائلة بود:

- اتفقنا خلى بالك من نفسك.

______

اسفل البناية كانت أميمة واقفة في انتظار ضحى التي ما ان رأتها تخرج من باب البناية حتى قالت:

- انتى هتقعدى ترغى معاها كتير انتى عارفه انى مش بطيقها ووافقت أخلي الدرس في بيتها بالعافية

قالت ضحى بتوضيح:

- ليه بس يا أميمة حرام عليكى سارة دى طيبة وغلبانه هى بس معندهاش صحاب وانا مش عيزاها تحس انها لوحدها

تابعت أميمة حديثها وهى تمشي بجانب ضحى:

- دى بت قفل عشان كده ملهاش صحاب انتى مش شايفه شكلها ولا طريقة لبسها

توقفت ضحى لترد عليها بضيق واضح:

- أميمة لو اتكلمتى على سارة بالطريقة دى تانى انا هسيبك وامشي ، وبعدين هى مش قفل ولا حاجه بالعكس دى بنت محترمة جدا

حاولت أميمة تغيير الموضوع قائلة:

- اووف خلاص ياستى سيبك المهم هتخرجى معانا انهاردة، شلة المدرسة كلها هتتجمع

ثم تابعت بفرح وتلك النظرة الهائمة تظهر في حدقتيها قائلة:

- و عادل كمان جاى

قالت ضحى وهى تنحرف معاها ناحية اليمين لتدخل الى الحارة التى تقطن بها:

- ما انتى عارفه انى مبخرجش واخويا مش بيوافق على كده

ردت عليها بتأفف:

- يوه بقى يا ضحى ما انتى شايفه ضغط الدراسة خلينا نفك شوية وحياتى عندك تيجى معانا

حاولت ضحى غلق الموضوع قائلة:

- ماشي ربنا يسهل انا هطلع البيت بقى.

________________

وضعت فردوس الطعام على الطاولة وتوجهت نحو غرفة أنس لتوقظه، فتحت الباب بهدوء واقتربت منه قائلة بنبرة هادئة:

- انس انس اصحى يا حبيبى الاكل جاهز

نهض انس من فراشه وهو يتثاءب قائلا:

- ايوة يا امى انا صاحى، ضحى جت ؟

قالت فردوس بحيرة:

- لا لسه يا بنى مجاتش معرفش اتأخرت ليه كده

صوت جرس الباب تنامى لمسامعهما لتقول فردوس حينها:

- اهى شكلها جت قوم اغسل وشك كده على ما افتحلها الباب

دلفت ضحى وهى تقول بابتسامه مشاكسة:

- الله الله ايه ريحة الاكل الجامدة دى يا ست ام ضحى

ضربتها فردوس ضربة خفيفه على كتفهاقائلة بحدة طفيفة:

- خشى يختى اتأخرتى كل ده فين

ضربت الأرضية بقدمها متذمرة وهي تبرر:

- والله ما اتأخرت يا امى يدوبك خلصت واتمشيت مع اميمة لحد ما وصلت البيت

سمعت ضحى صوت انس يأتى من خلفها قائلا بضيق:

- تانى اميمة دى مش قولتلك البنت دى مبستريحلهاش

قاطعتهم فردوس متجنبه حدوث مشكلة لنفس الموضوع كل يوم:

- خشي يا اخرة صبرى غيرى هدومك وتعالى عشان تاكلى عشان تلحقى تخلصى مذاكرتك

________

التقط انس مفاتيحه وهاتفه ليدسهم فى جيب بنطالة رأته فردوس فقالت:

- رايح فين يا انس

رد عليها قائلًا:

- رايح اقعد مع عمرو شوية يا امى

قالت فردوس بحبور:

- سلملى عليه وحشنى اوى الواد ده ابقى خليه يعدى يسلم عليا

التقط انس يدها وقبلها بوجه بشوش متابعًا:

- حاضر يا امى مش عايزة منى حاجه

- سلامتك يا ابنى

__________________

فى غرفة صغيرة فوق سطح البناية المقابلة لبيت انس كان عمرو يجلس على الاريكه يشاهد التلفاز وبيده كوب من الشاى الساخن كعادته وهو يضحك على ذلك الفيلم الأبيض وأسود الذى رآه ألف مرة قبل ذلك ، الى ان سمع طرقات على باب الغرفة فنهض ليفتح الباب، لتظهر تلك الملامح المرتخية على وجهه وينطق:

- ايه يا صاحبى تعالى بقالى يومين مشوفتكش

دخل انس ورمى بنفسه على الاريكه وهو يقول:

- انا اترفدت من الشغل

اجابة عمرو وهو يضحك وكأنه شئ أعتيادي كنشرة الأخبار كل صباح وتابع وهو يضحك:

- طب ايه الجديد استنى هعملك شاى

وضع عمرو امامه كوب من الشاى الساخن وجلس جانبة وهو يربت على كتفه قائلا:

- معلش يا انس بكرة ربنا هيكرمك باللى احسن منه

قال انس بضيق:

- انا مبقتش فاهم حاجه هو يعنى لازم الانسان يسكت عن الحق ويبقى فاسد زيهم عشان يقدر ياخد حقه

قال عمرو بحزن:

- هى دى الدنيا يا صاحبى والا مكنتش حالى زى ما انت شايف كده قاعد لوحدى فى اوضه على السطوح وبلقط رزقى كل يوم فى شغلانه شكل

تسرب بعض التفاؤل لوجدانه وهتف بإبتسامة واثقة:

- ربنا هيكرم يا عمرو وان شاء الله هدور تانى على فرصه ليا وليك انت اخويا وصاحب طفولتى وجارى

قال عمرو بابتسامه لم تفتر

- ايوة يعم فرفش كده محدش واخد منها حاجه.

_________________

دلفت فردوس لغرفه ضحى فوجدتها ممسكة بكتبها وتذاكر بجِد فابتسمت قائلة:

- ربنا يوفقك يابنتى ويفرحنى بيكى

رفعت ضحى رأسها وهى تقول بابتسامه:

- يارب يا أمى

تابعت فردوس قائله:

- صاحبتك على التليفون برا عيزاكى

- مين أميمة ؟

قالت فردوس بنفاذ صبر:

- هى فى غيرها ياختى، بقولك ايه لمى نفسك و قللى كلام مع البت دى عشان اخوكى ميزعلش

عقدت ضحى حاجبيها قائلة بإعتراض:

- انا مش فاهمه هو ماله هو كمان هيختار اصاحب مين ومصاحبش مين وبعدين اميمة دى بنت جدعه ووقفت جمبى كتير

ثم تابعت بضيق:

- انا رايحه ارد على التليفون

أمسكت ضحى بسماعة الهاتف ووضعتها على اذنها ليأتيها صوت أميمة تقول:

- ايه يا ضحى كل ده عشان تردى

اجابتها ضحى:

- معلش كنت بذاكر

تابعت حديثها بحماس:

- طب سيبك المهم قوليلى قولتى لاخوكى ولا لسه انا بجهز اهو عشان اعدى عليكى ونخرج

تنهدت ضحى بحزن فهى تتمنى ان تعيش مثلما تعيش صديقاتها، تخرج لخارج حدود حارتها وترى اماكن مختلفه وتتعرف على أُناس جدد ولكن اخيها يمثل العقبة امامها كمان انها لا تريد مخالفه كلمته:

- ضحى انتى معايا ؟

- اه اه معاكى بصى انا اخويا مش موجود لسه نازل دلوقتى

قالت اميمة بسعاده:

- طب حلو تعالى نخرج وهى ساعه زمن وهنرجع ولا من شاف ولا من درى

ضحكت ضحى قائلة:

- انتى اكيد بتهزرى انا مقدرش اخرج من وراه وحتى لو خرجت ماما مش هتوافق

سمعت ضحى صوت فردوس من خلفها وهى تقول:

- مش هوافق على ايه ؟

انتفضت ضحى من الفزع وقالت بتوتر وهى تغلق الهاتف:

- طب هكلمك بعدين يا أميمة سلام

نظرت لها فردوس بنصف عين وهى تقول:

- فى ايه ؟

اخذت ضحى نفسا عميقا واستجمعت شجاعتها وقالت:

- ماما انا عايزة اخرج مع صحابى !

__________________

فى مركب كبير على النيل، اقتربت تلك الفتاه وهى تتغنج فى مشيتها من الجالس امامها وهى تقول:

- عدول ازيك

ابتسم لها عادل ونهض من مكانه وهو يقول:

- بوسي اخبارك ايه

تابعت بدلال مائع يثير في النفس الإستفزاز:

- زعلانه منك كده متجيش عيد ميلادى الاسبوع اللى فات

كانت اعين أميمة الجالسه جوارهم تتابعهم بغضب خاصًة عندما اجابها عادل قائلا:

- حقك عليا يا بوسي انتى عارفه انى مشغول

نظرت الفتاه لأميمة نظرة احتقار وهى تردف:

- اه مهو واضح، يلا همشي انا سي يو يا قلبى

سحبت أميمة عادل من يده بحده لتجلسه جوارها كما كان لتقول بصوت يملؤه الغضب:

- مين دى ؟

اجابها عادل بضيق:

- مالك انهاردة يا اميمة قافشة كده ليه دى بوسي من معارف العيلة ما انتى عارفه بابا رجل اعمال وليه معارف كتير

ردت اميمة بحزن:

- عارفه يا عادل بس انت عارف انى بحبك وبغير عليك ومبستحملش حد يقرب منك

تابع مراوغًا وهو يحاول تغيير الموضوع:

- الا صحيح قوليلى فين صاحبتك اللى قولتى هتجبيها معاكى

تذكرت أميمة حديثها مع ضحى عبر الهاتف فتبدلت ملامح وجهها للتجهم وقالت بوجوم:

- قعدت تتحجج باخوها كالعادة وقفلت قعدت اتصل بيها تانى مردتش عملالى فيها البت المؤدبة

وضع عادل يده على كتف اميمة وهو يقول بأبتسامه عابثة:

- فكك منها يا بيبى احنا جايين هنا عشان نتبسط ولا ايه

ردت عليه وهى تضحك بصوت رنان غير عابئة لوجود أؤلائك الرجال الغرباء:

- ايوة طبعا.

___________________

ادار انس المفتاح بالباب ليدلف لداخل الشقة فيجد والدته جالسة على الاريكه ممسكة بجهاز تحكم التلفاز بيدها و مسندة رأسها على الآريكة وذاهبة فى سبات عميق، اقترب منها انس ليوقظها بلطف قائلا:

- ماما، ماما

فزعت فردوس من نومها وقالت بصوت متلعثم يشوبه آثر النعاس:

- ا.. ايه فى ايه، انت جيت يا انس ؟

ضحك انس على مظهرها قائلا:

- اه يا امى، بس انتى ايه منيمك هنا ؟

قالت وهى تنهض ببطئ واضعة يدها أمام فمها لتتثاءب ببطء:

- كنت مستنياك لاقيتك اتأخرت

قبل انس جبهتها قائلا:

- قومى طب نامى فى اوضتك جوا

قامت فردوس واغلقت التلفاز وتنهدت بحزن لتتجه الى غرفتها ولكن اوقفها صوت انس قائلا:

- مالك يا امى شكلك زعلان فى حاجه حصلت، ضحى كويسة؟

تنهدت بحزن وهي تجيبه قائلة:

- مفيش يا بنى انا بس زعقتلها جامد انهاردة ومن ساعتها وهى قافله على نفسها الاوضة ومرضيتش حتى تخرج تتعشي

رد عليها بنبرة قلقة مستفهمًا:

- ليه كده ايه اللى حصل

- كانت عايزة تخرج مع صاحبتها وانا موافقتش وعارفه كمان انك مش هتوافق لقيتها عاندت معايا لا وكمان بتقولى هخرج وهاجى قبل ما انس يرجع ومش هيعرف حاجه روحت مزعقلها

صدم انس من تفكير اخته الصغرى ايعقل ان خوفه وحرصه عليها يجعلها تفكر فى الخروج دون معرفته، خاف انس من تطور الموضوع فهدأ والدته بكلمات مقتضبة:

- خلاص يا امى ادخلى انتى نامى وانا هبقى اتكلم مع ضحى

ربتت فردوس على كتفه قائلة:

- ربنا ميحرمناش منك يابنى.

________________________________

استيقظ أنس على صوت منبهه فتململ ببطئ فى فراشة وهو يفرك عينيه ليزيل عنهما آثار النوم ، ثم مديه يده ليغلقه ونهض من سريره متوجها نحو المرحاض.

خرج أنس من المرحاض وهو ممسكا بمنشفته يجفف بها وجهه ثم ألقاها باهمال على الآريكة وتوجهه نحو غرفة أخته الصغرى وطرق على بابها ثم دلف عندما سمع الاذن بالدخول

- صباح الخير

- صباح النور

قالتها ضحى وهى واقفة امام المرآه ترتدى حجابها ، فابتسم أنس موجهًا سؤاله بنبرة لينة:

- لسه زعلانه ؟

أشارت ضحى بوجهها بالنفى دون ان تتكلم

فسحبها أنس من يدها برفق واجلسها على السرير امامه وقال بحنو:

- صدقينى يا ضحى كل اللى بعمله ده عشان خايف عليكى من الدنيا، من ساعة ما بابا الله يرحمه اتوفى وانا حاسس انى شايل مسؤولية كبيرة ولازم اوفيها عشان بابا يكون مرتاح، فمش عايزك تكونى زعلانه منى

ابتسمت ضحى وعانقت اخيها قائلة:

- مش زعلانه منك، انا عارفه انك انت وماما خايفين عليا بس يا انس حط نفسك مكانى انا برضو نفسي اخرج واشوف الدنيا واريح شوية من ضغط المذاكرة، مفيهاش حاجه لما اخرج مرة مع صحابى اتفسح

تنهد انس بإستسلام قائلا:

- ماشي يا ضحى هى مرة واحده بس بشرط

قالت سريعًا بحماس متقد:

- اشرط زى ما انت عايز

حرج صوته حازمًا وهو يشترط عليها:

- انا هوصلك وهفضل مستنيكى واروحك معايا

قالت ضحى وهى تقبله من جبينه:

- موافقة يا احلى اخ فى الدنيا

رد عليها ممازحا وهو يحاول دغدغتها:

- اه يا بكاشة دلوقتى بقيت احلى اخ فى الدنيا مشوفتيش امبارح بوزك كان مترين قدامك

ضحكوا سويا حتى دخلت عليهم فردوس فسعدت ان ابنها قد احتوى الموقف و سعى لإرضاء اخته دون المعاندة معاها وكسر خاطرها، تنحنحت قائلة:

- أنس عمرو بره مستنيك عايزك

ثم نظرت لضحى و أستأنفت:

- وانتى يا هانم اتأخرتى على درسك

نظرت ضحى لساعه الحائط المعلقة امامها وضربت على جبينها قائلة بذهول:

- اووف ده المستر هيموتنى

ثم سحبت حقيبتها وهرولت مسرعة للخارج لتلتقى بعمرو الذى ما إن رآها حتى هب واقفا بتوتر وعلى ثغره ابتسامه واسعه، اخذ يمسح حبات العرق التى تلألأت على جبينه وهو يقول:

- ضحى ازيك ؟

ردت على عجلة من أمرها دون أن تلتفت له:

- الحمد لله انت ايه اخبارك

قال بسعاده وإن لم تلاحظها ضحى:

- الحمد لله بخير، بخير

قالت مسرعه وهى ترتدى حذائها وتفتح الباب:

- معلش يا عمرو متأخرة على الدرس يلا سلام

رفع عمرو يده ليشير لها ولكنها اسرعت واغلقت الباب خلفها فقال بصوت خفيض:

- سلام

- مالك يابنى واقف كده ليه ؟

انتبه عمرو لصوت انس قفال بتوتر وهو يمسح جبينه بمنديله الورقي:

- مفيش حسيت انى حران شوية، المهم تعال اقعد عايزك فى موضوع مهم

جلس انس امامه ونظر له باهتمام فأسترسل عمرو حديثه:

- فاكر الواد سيد ؟

عقد انس حاجبيه بتذكر وهو يقول:

- سيد مين مش فاكر ؟

- اللى كان شغال معايا ايام ما كنت شغال فى البنزينة

تابع بتذكر:

- اااه افتكرته هو لسه شغال فيها ولا ايه ؟

قال عمرو بحماس:

- لا ده ربنا كرمه واشتغل فى شركة كبيرة بس سابها عشان جاله عقد عمل برا وهيسافر كمان اسبوعين

رد عليه انس قائلا:

- ربنا يكرمه الواد ده جدع

- المهم قابلنى امبارح عشان يقولى انه مسافر ويسلم عليا، وعرفت منه ان الشركة اللى كان شغال فيها طالبه مهندسين فقولتله عليك قالى خليه ياخد السي في ويروح من بكرة يقدم وانا مستنتش وجيتلك من بدرى اقولك

اتسعت عينى انس بغير تصديق و هتف بتساؤل:

- انت بتتكلم جد يا عمرو ؟

اجابه عمرو وهو يضربه بخفه على مؤخرة رأسه ممازحًا:

- امال بهزر معاك يجحش انت

ابتسم برضا قائلا:

- الحمد لله ربنا كريم

ثم عانقه متابعًا حديثه وهو يشكره بصدق:

- تسلم يا صاحبى مش عارف من غيرك كنت هعمل ايه

رجع عمرو بظهره للخلف ووضع قدم فوق الاخرى قائلا:

- كنت هتقوم تعمل كوباية شاى ولا انتوا ناس بخلة ولا ايه ؟

ضحك انس ونهض ليعد له كأسا من الشاى ويستعد للذهاب لتلك الشركة ولكنه توقف قائلا باستفهام:

- عمرو هى الشركة دى اسمها ايه ؟

اجابه قائلا:

- شركة الجندى للمعمار.

_____________________

امام مركز صغير للدروس الخصوصية، خرجت ضحى وهى تنظر بعينيها باحثة عن أميمة فمنذ ان هاتفتها يوم امس وهى لم تكلمها وخشيت ان تكون غاضبة منها، استوقفها صوت سارة وهى تقترب منها قائلة بابتسامه صافية:

- ضحى عاملة ايه؟

اجابت ضحى بإقتضاب وهى مازالت تجوب المكان بعينيها:

- كويسه

اخذت سارة تنظر حولها ثم تسائلت:

- مالك انتى بتدورى على حد ؟

- اه مشوفتيش اميمة ؟

تنهدت سارة وقالت بصوت يشوبه الحزن:

- اه هى لسه جوا المركز

ثم قطعت عبارتها ونظرت خلف ضحى وهى تشير قائلة:

- اهى خرجت

نظرت ضحى نحو المكان التى تشير اليه سارة وأتفرجت شفتاها مردفة:

- شكرا يا سارة يلا سلام

استوقفتها قائلة:

- كنت عايزة اقولك حاجه يا ضحى

وقفت ثم نظرت لها مستفهمه فتابعت بحماس:

- كنت رايحه دلوقتى زى ندوه دينية كده عاملينها فى الجامع اللى قريب من البيت وكنت عايزة حد يروح معايا ايه رايك تيجى؟

قالت ضحى متحججة:

- معلش يا سارة انا متأخرة نتكلم بعدين

ثم تركتها وذهبت دون ان تسمع ردها حتى، فوضعت سارة رأسها ارضا وتنهدت بحزن ثم ذهبت متوجهه نحو الجامع.

- اميمة يا اميمة

توقفت اميمة التى كانت تسير مع زملائها لترى ضحى مقبله عليها من بعيد فتتأفف قائلة:

- طب امشوا انتوا يا جماعة

اقتربت ضحى منها فقالت اميمة باقتضاب:

- نعم عايزة ايه ؟

تسألت:

- انتى زعلانه منى ؟

- والمفروض مزعلش

حاولت إرضائها متابعة:

- خلاص بقى حقك عليا متزعليش ده انا حتى جيبالك خبر حلو

- ايه خير ؟

قالت ضحى بحماس:

- اخويا وافق انى اخرج معاكى هو اينعم اشترط انه يوصلنى ويجبنى بس مش مشكلة

لانت ملامحها قليلًا و هتفت:

- بتتكلمى جد ؟

جاوبتها بسعاده وعيون لامعة:

- اه والله مش قولتلك خبر حلو

ردت عليها اميمة وهى تضحك:

- حيث كده بقى اكلم الشلة ونظبط خروجه معتبرة.

______________________

ترجل أنس من سيارة الاجرة ووقف ممسكا بملف سيرته الذاتية بيده بتوتر، رفع رأسه للاعلى واخذ ينظر لهذا الصرح الكبير بنظرات اعجاب فقد كان مبنى ضخم يأخذ مساحه كبيرة ، وواجهته من الزجاج اللامع مع سقوط اشعه الشمس عليه، يحوى حوالى خمسة عشر طابقا واستقرت فى منتصفه لوحه كبيرة خُط عليها ( شركة الجندى للانشاء والمعمار )، امام ذلك المبنى الضخم توجد حديقه واسعه تحتوى على بعض الكراسى الخشبية واعمده الاناره متوسطه الطول، ويمر بمنتصفها ممر حجرى طويل يصل نهايته لبوابة الشركة.

سحب نفسا عميقا و زفرة على مهل قائلا:

- يلا توكلنا على الله.

سار بهدوء على ذلك الممر ليدلف لداخل الشركة، اخذ ينظر حوله فقد كان تصميمها من الداخل لا يقل روعة وجمال عن خارجها، استوقفه صوت يأتى من خلفة:

- تحب اساعد حضرتك فى حاجه ؟

انتبه لتلك الموظفه التى تحادثة وقال بصوت حاول جعله ثابتا:

- اه انا كنت جاى اقدم على الوظيفه

ابتسمت بعملية وقالت:

- اه حضرتك جاى عشان الانترفيو

- اه بالظبط

تابعت موضحة بنبرة رسمية:

- حضرتك هتمشي على طول وهتلاقى الاسانسير على ايدك اليمين هتطلع الدور السابع وتسأل على مكتب الاستاذ سالم الاتش الار

اومأ لها أنس فتركته وذهبت، ثم مضى انس فى طريقه واخذ ينظر حوله عله يجد ذلك المصعد التى وصفته له، وجد امامه رجل يحمل صينيه عليها بعض فناجين القهوة ففهم من هيئته انه عامل البوفيه، اقترب منه مستفهمًا:

- لوسمحت هو الاسانسير فين ؟

رد عليه العامل باحترام:

- اتفضل معايا انا كمان طالع فوق.

فى تلك الاثناء كان المصعد يهبط ليعلن وصوله للطابق الارضى، رفعت يدها لتعيد خصله شعرها الهاربة خلف اذنها مره اخرى وبيدها الاخرى كانت مثبته الهاتف على اذنها وتتحدث مع احد الاشخاص عبره ، خرجت مسرعه بعدما فُتح باب المصعد وهى تلتقط نظارتها الشمسية من اعلى راسها لترتديها غير منتبهه لذلك العامل الذى كان يقترب ليضغط على زر المصعد وانس الذى كان يقف بجواره، لتصطدم به بقوه فيفقد توازنه وتنزلق منه الصينيه لتراق جميع فناجين القهوه على قميص انس بينما يسقط منها هاتفها على الارض لتتحطم شاشته فور سقوطه.

صرخ انس متألما من حرارة القهوة التى سقطت عليه والقى بالملف على الارض وهو يقول بغضب:

- ايه ده يا انسه فى حد يخرج من الاسانسير وهو باصص فى الارض ما تبصى قدامك ؟

كانت لاتزال متجمده بمكانها تحاول استيعاب ما حدث، همت ان ترد عليه ولكن وقع نظرها على هاتفتها الملقى على الارض فانحنت لتلتقطه لتشهق عندما رأت شاشته المحطمه لتقول بغضب:

- موبايلي اتكسر بسببك، غبى!

قال بغضب أكبر وهو ينفض بقايا القهوه المراقة على قميصه:

- ده أنتي بجحه! انا اللي غبي ولا أنتي اللي عامية مبتشوفيش مكفهاش انها حرقتني بالقهوه لا وكمان بتطول لسانها!

تنحنح العامل قائلا:

- ا .. انا اسف يا استاذ " ثم نظر لها قائلا

" انا بعتذرلك يا ف.....

قاطعته قائلة بحده وهي تأمره:

- روح نادي لحد ينضف الارض اللى اتبهدلت دى

اومأ لها فى خوف وذهب مسرعا، نظرت لانس نظره غضب وقالت:

- اووف اليوم اتفقل عالصبح

تركته وذهبت لياخذ انس يسبها فى نفسه قائلا:

- انا مشوفتش واحده متخلفه كده اعمل ايه انا دلوقتى ادخل الانترفيو كده ازاى ؟

انتبه انس لملفه الواقع على الارض فاسرع نحوه وفتحه:

- الحمد لله الورق محصلوش حاجه

نظر لقميصه وتنهد قائلا:

- هروح الحمام اغسله الحمد لله انه غامق والقهوه مش باينه اوى.

____________________

دلفت من بوابة الجامعة وحيت رجل الامن الذى فتح لها البوابة ثم صفت سيارتها بجانب كليتها (كلية التجارة)، ترجلت من السيارة واغلقت بابها لتزفر بحده عندما تسمع رنين هاتفها المتواصل، اخرجته لتجيب عليه:

- انا خلاص جيت انتى فين ؟

- تمام جيالك عند الكافيتريا

اغلقت الهاتف واخذت تنظر لشاشته المحطمة مرة اخرى وقالت"

- غبى !

اقتربت من تلك الجالسة امامها وقالت بضيق:

- صباح الخير يا يسر

نظرت صديقتها لها وقالت بتعجب:

- صباح النور مالك قالبه وشك كده ليه ؟

جلست امامها وهى ترفز بحده والقت بهاتفها على الطاولة لتشهق يسر بصدمة:

- ايه ده ايه اللى عمل فى موبايلك كده ؟

بعبارت موجزة قصت عليها كل ما حدث لتعلق:

- بس بصراحه انتى اللى غلطانه

نظرت لها بحده فتابعت قائلة:

- ايوه متبصليش كده كان مفروض تبصى قدامك وانتى خارجه من الاسانسير، وبعدين ده انتى سلختى الراجل كان على اقل تعتذريله

صاحت بغضب:

- اعتذر !! اعتذر لمين ان شاء الله للغبى ده ؟

قالت يسر وهى تحاول كتم ضحكتها:

- طب خلاص اهدى، بس مقولتليش مين الغلبان ده اللى عملتى فيه كده ؟

___________________________

___

- أنس !!

قالتها فرودس بذهول وهى تنظر لابنها الواقف على أعتاب الباب امامها فتابعت:

- ايه اللى انت عامله فى نفسك ده قميصك متبهدل كده ليه ؟

دلف انس وجلس وهو يقول بحده:

- المتخلفة بوظلتى المقابلة خلاص مفيش احتمال يقبلونى بعد ما الاتش ار شافنى بالمنظر ده انهاردة

اغلقت الباب و أتجهت لتجلس جانبه وهى تقول:

- انت بتقول ايه يا ابنى انا مش فاهمه حاجه ؟

قص انس عليها كل ماحدث ولم يخلو حديثه من بعض السباب لتلك الفتاه (المتخلفة) من وجهه نظره، فردت فردوس عليه قائلة بابتسامه:

- ولا يهمك يا حبيبى لو نصيبك فى الشغلانه دى ربنا هيرزقك بيها كله بايد ربنا

هدأ انس قليلا و صدق على كلامها:

- ونعم بالله يا امى

مسحت على راسه وهى تقول برجاء:

- ربنا يرزقك يابنى ويفتحها عليك من وسع.

_______________________________

خرج عمرو من باب غرفته ليستنشق هواء السطح العليل وهو يحمل بيده كأسا من الشاى، وضعها على سور السطح ووقف ينظر الى شارع حارته يتأمل المارة، دقائق و لمح ضحى على أول الحارة وهى تمشي برفقة زملائها متجهه نحو بنايتها، ظل ينظر لها بابتسامه حزينه واخرج تنهيده حاره من صدره قائلا:

- ياااه يا ضحى انتى حلم بعيد بالنسبالى، نفسي اقولك على كل مشاعري ناحيتك ونفسي ربنا يجمعنا فى بيت واحد

ثم القى نظره على الغرفه التى يسكن بها وتابع بمرارة:

- بس هو فين البيت ده ولا فين الشغلانه اللى هتقدر تفتح البيت ده، اه انس صاحبى واخويا، بس مفيش اخ هيقبل لاخته واحد زيى عاطل ومعندوش بيت

ثم نظر الى السماء وقال والدموع تتلألأ فى عينيه:

- يارب ارزقنى واجعلها من نصيبى، يارب ابعد عنى الحرام وارزقنى بيها فى الحلال.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

لعلنا نلتقي

المؤلف Basant Atef
2025/10/21 مستمرة
قائمة الفصول (20)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة