الفصل الثاني عشر
[ نبضة قلب ]
أيمكن للإنسان أن يتغير في يوم وليلة؟ أم أن حدسه قد أنبأهُ أن هناك أمرًا ما يدعوه للريبة، مازال حاجباه مرفوعان دهشًة منها و هو يدير مقبض باب مكتبه ليدلفه بخطوات بطيئة، حمد الله في نفسه أنه لم يجد أيمن به حتي لا يلفت نظره بحالته تلك و ينهال عليه بالأسئلة التي لم يجد لها إجابات، وضع الأوراق أمامه و هو يزم شفتيه و يحدث نفسه:
- يا ترى ناوية تعمل ايه ؟
وضع يده أسفل صدغه وهو ينظر بشرود لنقطة ما في الفراغ ويتابع:
- تكونش دي خطة جديدة منها ؟ تعاملني كويس كتمويه وهي بتخطط لحاجة ؟
شهق بفزع عندما أخترق ذاك الصوت أفكاره السابح بها و شق سكون الغرفة قائلا:
- مالك يا أنس ؟ متنح كدة ليه ؟
إستعاد رباطة جأشة و حمحم و هو يفتح زر قميصه العلوي مرددًا:
- ايه مفيش كنت بفكر في حاجة في الشغل، خير في حاجة يا أيمن ؟
رد عليه أيمن مفسرًا:
- اه بشمهندس ناجي عايزك في مكتبه
رد عليه و هو يهم بالنهوض متوجهًا للخارج:
- حاضر هروحله.
___________________________
إبتسامة واسعة شقت طريقها على ثغرها و هي تخرج من باب المصعد بعد أن فُتح على مصرعيه، دُهشت لحالتها تلك و ما لبثت إلا أن أكتسب وجهها ملامح الجدية من جديد وهي تنبس بتعجب:
- أنا مالي في ايه ؟
لم تكن تعلم بإي حجة سوف تفسر تواجدها في الشركة و لكن سطعت لها تلك الفكرة بعد أن ساقتها قدماها نحو مكتب والدها و هى طمئنته علي سير أول أمتحان لها على خير.
عبرت ذاك الرواق الطويل بخطوات واثقه إلى ان وصلت لمكتب السكرتارية فأومأت لها بغير إبتسام مستعدة للطرق على الباب ولكن أوقفتها الموظفة بإحترام مقاطعة إياها بنبرة رسمية:
- انسه فيروز
إستدارت لتواجهها و هي ترمقها بنظرات مستفهمه فإستطردت:
- سليم بيه معاه ناس جوا و قالي مدخلش حد
عبس وجهها و ضيقت بين حاجبيها و هي تقول بنبرة متعالية لا تخلو من الصرامة:
- شوفي شغلك
لم تنتظر تعليقها و دقت بخفة لتدير مقبض الباب و تدلف للداخل.
- أنكل أشرف !
قالتها بترحاب وتلك البسمة تعلو ثغرها عندما وقعت عيناها على الجالس أمام مكتب والدها، تجولت عيناها حتي وقعت على ذاك الشخص الجالس بمقابله و هي تقول بدهشة:
- لا لا ياسر بيه كمان موجود
نهض ياسر من مكانه و عقد طرفي سترته و هو يمد يده ليصافحها مبادلًا إيها المزاح:
- فيروز هانم كمان موجودة و أنا أقول الشركة منورة ليه
بادلته المصافحة بإبتسامتها التي لم تفتر ثم توجهت أنظارها نحو سليم الذي تحدث قائلا:
- تعالي يا فيرو، خير في حاجة ؟
إنتابتها موجة من التوتر لكنها سيطرت عليها و هي تردد بهدوء:
- أبدًا كنت جاية أطمنك علي الامتحان و كده الحمد لله عدى علي خير
رد عليها بإقتضاب قائلا:
- كويس، بس أنتي شايفه أنا ورايا شغل.
شعرت فيروز بالإحراج من رد والدها الجاف و أعتذرت لمقاطعته عن مقابلة العمل الهامة لتلقي عليهم السلام وتستأذن بالإنصراف ووجهها يعلوه حمره الحرج من موقف والدها الخالي من المشاعر معها، بينما تشعر بتلك الوخزات الحارقة في عينيها نتيجة لتجمع الدموع على مقدمة أهدابها تأبي الهطول.
لفحت تلك النسمات الخفيفة وجهها عند خروجها بخطوات يائسة من بوابة الشركة، شعرت به يخفف من حرارة دموعها المنسابة على وجنتيها، لكن هل له سبيل في تخفيف أوجاع قلبها؟ لم تشعر بنفسها إلا و هي ترتمي على ذاك المقعد الخشبي الموجود على الأرضية العشبية التي تطل عليها الشركة، ألقت حقيبتها بإهمال و أخذت تجوب بعينيها تتابع المارة بأعين دامعه و قلب مفطور.
الوحدة، ذاك الشعور المميت الذي أصبح ملازمًا لها كظلها، يفترس قلبها بلا رحمة، شعور يثقل النفس و كأنه صقيعًا باردًا يزحف إلى داخل الروح و يلتف حولها مثل غيمة قاتمة، لم تكن تعاني من غياب الأشخاص فمن يراها من الخارج يري العائلة و الإصدقاء و المال والجاه ولكن ما خفى كان أعظم، كانت مشكلتها الحقيقة في غياب شعور الإنتماء و دفء التواصل و كأنها تركض بلا نهاية، تبحر في محيط بلا شواطئ و تبحدث عن ضوء لا تجده بين ثنايا روحها المظلمة متمنية أن يسمعها أحد و يخترق أعماق صمتها.
___________________
على الجانب الأخر مط أنس ذراعيه في الهواء ثم أخفضهما و هو يفرك رقبته محاولًا فك تشنجها بعدما رفع رأسه من على تلك الأوراق التي أنكب عليها محاولًا إنهاء عمله و قد تم ذلك على خير، أدار رأسه لأيمن الجالس على مكتبه يقلب بعض الأوراق بين يديه و هو يقرأهم بتركيز و نطق قائلًا بعدما لمح الوقت في ساعة الحائط المعلقة أمامه:
- أستراحة الغدا جت أخيرًا، أنا خلاص مش قادر أنا هقوم أتمشي و أجيب لي أي حاجة أكلها تحب تيجي معايا؟
رد عليه أيمن و هو يضبط الأوراق معًا ليساويها ثم دسهم في ذلك الملف مستفهمًا:
- أنت مش هتاكل في كافيتريا الشركة ولا ايه؟
أجابه مفسرًا و هو ينهض من مكانه:
- لا عايز اتمشي جسمي و جعني من القعدة دي
أغلق الملف و ألتقط هاتفه و هو ينهض قائلا:
- أنا محتاج أمضي الورق ده و في كام حاجة هعملها روح أنت وأنا هبقي أطلب اي حاجة من الكافيتريا و خلاص.
____________________________
سعلت بشدة و هي تدلف من باب المنزل بعد أن فتحته للتو و أخذت تبعد بيدها تلك الذرات الترابية التي هجمت عليها، أغلقت الباب و هي تفرك عينيها و تسأل و هي مقطبة الجبين:
- في ايه يا ماما ايه التراب ده كله!
قوست نادية شفتيها وقالت بحنق:
- ايه بنفض السجاجيد منفضهاش!
نظرت أبرار حولها لتري صالة منزلها و التي قلبتها والدتها رأسًا على عقب بتعجب و هي تقول:
- ما أحنا لسه منضفينها إمبارح يا ماما!
أحكمت قبضتها على السجاد الملفوف بيدها و هي تتجه نحو الشرفة مغمغمة بنزق:
- أنا حرة أنضف أن شالله مليون مرة
رفعت أبرار كتفيها في قله حيله و هي تقوس فمها للأسفل بدهشة، وجدت أن الحل السليم الآن هو العزوف عنها لحين عودتها لحالتها الطبيعية فتوجهت نحو غرفة جدتها.
- أزيك يا تيته
قالتها أبرار بعد ما أغلقت الباب من خلفها و ألتفت حول الفراش لتجلس بمقابلها، لتقابلها جدتها بالحبور الدائم الذي يظهر علي محياها و هي تربت على كفها قائلة:
- الحمد لله يا حبيبتي طمنيني عليكي شغلك ماشي كويس
أخفضت بصرها بخجل و حمحمت مردفة:
- بصراحة كان فيه موضوع عايزة أحكيلك عليه
وجدت علامات الإنصات و التركيز تكسو ملامح وجه جدتها فتشجعت و هي تخبرها:
- في واحدة والدة طفل عندي من اللي بحفظهم يعني، أنهاردة لاقيتها بتقولي أنها يعني طلباني لأخوها
أبتسمت جدتها ببشاشة و ذلك عندما ظهرت حمرة الخجل على وجه حفيدتها فنطقت بتساؤل:
- و أنتي رأيك ايه؟
تنهدت بحرج و هي تحكي ما حدث:
- يعني مش عارفة، أنا ملحقتش أرد عليها هي قعدت تشكر فيه وتقولي أنه أخلاق ومتدين وشبهي، حسيت أني اتوترت ومعرفتش أرد عليها، في الأخر قالتلي هتستني منى رد بكرة لما تيجي تاخد ابنها
نظرت جدتها في عينيها و هي تقول بإبتسامة:
- يبقي تصلي إستخارة و تاخدي وقتك في التفكير و اللي يريحك أعمليه و أتاكدي إني معاكي في أي قرار هتاخديه
شعرت أبرار بموجه من الراحه والسلام النفسي تجتاحها، حقًا حديثها مع جدتها يجلي الهموم عنها و يرد لها بهجتها و طمأنينتها، عانقتها بلطف و هي تعقب:
- ربنا يخليكي ليا يا تيته
ربتت على ظهرها و هي تتابع بتحذير:
- بس أوعي تجيبي لأمك سيرة قبل ما تاخدي قرارك، عشان لو رفضتي يبقى قصرنا الشر
أومات لها أبرار بإنصياع و قد كانت منتوية على ذلك من قبل، التطرق لسيرة والدتها جعلها تنطق مستفهمة بإستغراب:
- صحيح يا تيتة هي ماما مالها شكلها مش طبيعي في حاجة مضايقاها؟
تنهدت جدتها و عقبت بإيجاز حتي لا تتطرق لمواضيع تصيبها بالإحباط و الحزن:
- مفيش دي اتخانقت مع واحدة كده في السوق فجت متعكننة
فهمت ما ترمي له جدتها فتابعت و لمحة حزن بسيطة برقت بعينيها:
- بسببي صح؟ هي نفس الست اللي بتقعد تعايرها أني متجوزتش صح؟
وضعت يدها على كتفها و واستها بنبرة حازمة بعض الشئ:
- سيبي اللي يقول يقول، ركزي في نفسك و في حياتك، و ربنا ييسرلك كل اللي فيه الخير يا بنتي.
_____________________________
- كنتي فين كل ده يا ضحي !
قالتها فردوس و هي تصوب نظراتها الغاضبة نحو إبنتها التي دلفت للتو متسللة، مما جعل ضحي تشهق بفزع ليسقط منها مفتاحها على الأرض، تابعتها فردوس بنظراتها و هي تلتقط المفتاح و ترد بصوت متلعثم:
- ك...كنت في الدرس
أشارت لساعة الحائط المعلقة أمامها و هي تتابع بجمود:
- الدرس معاده خلص من نص ساعة و أنتي كبيرك عشر دقايق و تبقي في البيت، كنتي فين؟
أبتلعت ريقها بصعوبة فقد جف حلقها وشعرت بمرارته من الخوف، حاولت الحفاظ على ثبات نبرتها و هي تتحدث حتى لا تشك بها والدتها:
- أتمشيت شوية مع صحابي يا ماما، بفك شوية عن نفسي أنتي عارفة الامتحانات قربت
ظلت على جمودها و هى ترمقها بنظرات ثاقبة كأنها تحاول سبر أغوارها، لتكمل قائلة بحزم:
- خشي غيري هدومك و شوفي مذاكرتك مش عايزة دلع، و تأخيرك ميتكررش تاني
تنهدت براحه و أغلقت الباب ثم سارت بخطوات متعجلة لتتواري خلف باب غرفتها و هي واضعة يدها على صدرها الذي أخذ يعلو و يهبط من فرط خوفه و هي تقول بصوت لاهث:
- الحمد لله عدت على خير!
______________________________
خطت قدميه خارج بوابة الشركة فشعر بنسمات الهواء الخفيفة تضرب وجهه فأنعشته، أبتسم برضا و قال في نفسه:
- الشتا داخله و الجو بقى حلو أوي
سار بمحاذاه المساحة العشبية الخضراء التي أضفت لمسة جمالية مريحة للنفس، فتسلل داخله الشعور بالراحه و الهدوء و كأنه زفر جميع أحزانه، ألتفاته بسيطة منه جعلته يلمح تلك الجالسة على المقعد الخشبي، دقق النظر ليتأكد من هويتها فوجدها جالسة بجمود لا تتحرك، إنتابه القلق و نطق لنفسه:
- هي مالها! لا تكون تعبانه
هم أن يتجه نحوها لكنه تراجع و هتف معنفًا نفسه:
- و أنا مالي بيها هي كانت من بقية أهلي
سار بضع خطوات لكنه توقف فجأه شاعرًا بتأنيب الضمير، فربما تكون فاقدة لوعيها أو ربما يمر أحد الأشخاص فيتسبب بمضايقتها، صاحت نزعته الرجولية و حثته شهامته على تفقدها لعل بها شيئًا يتمكن من لحاقه.
بخطوات بطيئه أقترب منها وهو يختلس النظرات ليرى إن كانت على ما يرام أم لا، أبصر دموعها المنهمرة على وجنتيها في دهشة فلأول مرة يراها في تلك الحالة، دائمًا ما يعهدها قوية متعجرفة و غليظة عكس تلك الواهنة و كأنما سلبت منها روحها.
حمحم ليجلي حشرجة أحباله الصوتية و نادى بنبرة عادية:
- آنسة فيروز
لم تنتبه له فرفع صوته محاولا نيل أنتباهها:
- آنسة فيروز أنتي كويسة ؟
خرجت من جمودها و هي تلتفت بخضة للواقف جانبها، رفعت رأسها لتبصر ملامحة التي أستشفت منها بعض القلق، فردت بنبرة مهزوزة يشوبها البكاء وهي تومئ في تأكيد:
- اه كويسه
شعر بالحرج منها فأخفض بصره و سألها:
- أنتي تعبانة أو حاجة؟ محتاجة أى مساعدة؟
تسللت بسمة صغيرة على ثغرها وتمنت لو رآها و هي تجاوبه:
- لا، شكرًا على سؤالك
أومأ لها ثم أستدار ليمضي في طريقه لكنه وجد نفسه يتوقف فجأة ويتفوه بما لم تتوقعه، حتي هو نفسه لم يتوقع ذلك:
- أنا رايح أجيب أكل من مطعم قريب من هنا تحبي أجيبلك حاجة؟ ممكن تكوني تعبانه عشان مكلتيش!
أسمعت ضربة خفيفة في تلك العضلة النابضة داخلها والمسؤولة عن ضخ الدم أم أنه يتخيل لها ذلك؟ أتسعت بسمتها أكتر و ظلت تتأمله بأعين لامعه و هي تشعر بإحساس غريب بدأ يتسلل دخلها.
قبض على ذاك الكيس الملئ ببعض الشطائر والمشروبات الغازية ثم مد يده ليعطي للبائع نقوده، لم يمهلها فرصة للرد عليه فقد أدرك أنه من الغباء سؤالها إن كانت تريد الطعام أم لا فحتمًا سوف ترفض حياءً منه حتى و إن كانت معدتها تزمجر من فرط جوعها.
سار بخطوات منتظمة عائدًا لمكانها مرة أخرى متوقعًا أنها قد تكون غادرت بعد فعلته الحمقاء لكنه وجدها ما زالت تجلس مكانها بل و تبدلت تعبيرات وجهها الجامدة لأخرى مرتخية بينما جفت دموعها و أرتسمت البسمة على محياها، أقترب منها و أخرج الشطائر والمشروب و وضعهم جانبها مما أسترعى أنتباهها فرفعت بصرها تلقائيًا تنظر له و هو يقول:
- أنا عارف أن المحل بسيط و ممكن تكوني مبتاكليش الأكل الرخيص ده بس ....
بتر عبارته عندما وجدها تمسك بالشطيرة و تأكلها بنهم و علامات الإستمتاع جلية عليها، نظرت له و قالت ببسمة صغيرة:
- الكفتة طعمها حلو أوي
أومأ لها بإبتسامه بسيطة ثم تركها ليتوجه لمكتبه ويتناول وجبة غداؤه لكنها أستوقفته و هي تقول بنبرة ممتنة أصابته بالدهشة:
- أنس، شكرًا ليك
نبرتها تلك عندما سمعها تنطق بإسمه أشعرته بالتوتر فما كان منه إلا أنه أومأ لها بدون تعقيب و سار بسرعة البرق متجهًا لمكتبه بينما ظلت فيروز تنظر للشطيرة و المشروب بأعين لامعة تنبض بالسعادة و كأنهم أغلى ما أهدوا لها.
____________________________
إشرأب بعنقه لإعلي محاولًا إلتقاط طيفها بعينيه عندما أستأذنت لتقف بالشرفة قليلًا لتحادث صديقتها عبر الهاتف، مازال ذاك الصوت البعيد بداخله يصرخ بريبة و قلق، يأكد له شعوره أنها واقعة في ورطة ما و هناك ما يشغل عقلها.
تحجج بأنه يريد إستنشاق بعض الهواء فستأذن خالته ليتوجه للشرفه، وقف على عتبتها ليراها جالسه على الأريكة المبطنه الموجودة في ركن من أركان الشرفة و التي تحيطها تلك الزرعات الخضراء الصناعيه، دلف للداخل و أقترب منها وهو يجلي صوته قائلًا ببسمة:
- ممكن أضايقك و أقعد معاكي شوية؟
أنتشلها من دوامة تفكيرها فأنتبهت له و هي تقول مرحبة بحبور ممزوج بالمزاح:
- أتفضل طبعًا، لازم أستحملك هعمل أيه
أنفلتت منه ضحكة بسيطة ثم جلس على طرف الآريكة مراعيًا ترك مسافة كافية بينهما و إستطرد قائلًا:
- أيه الأخبار أنتي كويسة؟
أومأت برأسها وهي تنطق بإستفاضة:
- الحمد لله اهو الامتحانات قربت و خلاص هانت و هخلص من السنه دي، و أدخل الجامعة بقي
أظهرت شفتاه بسمة صغيرة و هو يدعو لها:
- ربنا يوفقك و تدخلي الكلية اللي نفسك فيها إن شاء الله
منحته نظرة إمتنان و هي تومئ له بدون أن تعقب، تردد في بادئ الأمر لكنه حسم قراره و سألها بدون مراوغة:
- علياء أنتي في حاجة مضيقاكي؟ لو فيه أي مشكلة قوليلي صدقيني مش هتردد في مساعدتك
إعتدلت قليلًا في جلستها و ظهر على قسماتها التوتر ثم ردت بإيجاز:
- لا مفيش أي مشكلة
رفع رأسه لينظر لها و كأنه يريد سبر أغوارها قبل أن يتحدث:
- متأكدة ؟
أكدت له و هي تومئ برأسها:
- أيوة متقلقش يا كريم أنا تمام
قطع حديثهم صوت أحلام الواقفة على عتبة باب الشرفة و هي تخاطب علياء قائلة:
- علياء تعالي هاتي الحلويات اللي انا عملتها من المطبخ، أنتي عارفة أنا اديت الخدم إنهاردة أجازة
إستأذت علياء من إبن خالتها بلطف لتأتي بالحلوي بينما دعته خالته لينضم لهم ويشاركهم في تناولها و و عدها باللحاق بهم بعد بضع دقائق.
نظر كريم للآفق الممتد أمامه وهو يتنهد بحيرة، فقد مرت السنوات عليه و هو يحاول وأد حبه لإبنة خالته قبل ولادته لكنه كان يحاول عبثًا فقد توغلت بين ثنايا قلبه و تربعت على عرشه فأصبح لا يرى من النساء سواها.
مسح وجهه بيده عله ينفض تفكيره الدائم فيها، و قرر النهوض و الإنضمام لهم ليشتت أفكاره ويلهي عقله ولكن أوقفه صوت هاتفٍ ما، إستدار لتقع عيناه على هاتف علياء المستقر على الآريكة فعلى ما يبدو أنها قد نسيته، أقترب منه بتردد فوجد أن رسالة نصية قد وصلتها للتو، نقل بصره بين الهاتف و باب الشرفة في توتر ثم حسم أمره و ألتقط الهاتف بالرغم من تحذير ضميره له و لكن لهفة قلبه قلقًا عليها كانت هي الأقوى.
تجمد في مكانه للحظات عندما وقعت عيناه علي المكتوب، أتسعت عيناه تدريجيًا و هو يمررها على تلك الكلمات المكتوبه ليغلق شاشة الهاتف سريعًا و يلقيه كما كان وهو يخرج من الشرفة بخطوات متثاقلة و كأنما يجر قدميه جرًا، منتويًا على تنفيذ ما أهداه إليه عقله.
_____________________________
كالأسد الجريح الذى ينزف دمًا ذرع المساحة الواسعة لسطح بنايته جيئة و ذهابًا و هو يشعر بتخبط مشاعره، كان عقله أشبه بساحة معركةٍ مشتعلة، كل فكرة تقاتل الأخرى، تصارعها و تصرخ بها، حتى غرق في فوضى عارمة أفقدته صوابه.
نار محرقة أخذت تؤجج قلبه حتى أنه ظن أنها لن تخمد قط، توقف في سيره العنيف وإستدار برأسه ليلقى نظرة على نافذتها و التي كانت مغلقة و هو يلومها و كأنما يعتابها بكل ذرة في كيانه:
- ليه كده يا ضحى؟ حتى لو مش حاسة بيا وبحبي وحتى لو بتحبيه ده ميديكش الحق ترخصي نفسك كده و تخرجي مع شاب غريب من ورا أهلك
زفر بحده محاولًا إخراج ذاك الغضب المستعر بداخله و هو يتابع:
- إنتي عمرك ما كنتي رخيصة، بالعكس أنا طول عمري شايفك غالية، غالية أوى عليا و حلم بعيد نفسي أوصله، ليه تقللي من نفسك و تخلي أي حد يقدر يوصلك ويقعد معاكي بالسهوله دى!
سار بخطوات يائسة حتى وصل لأريكته ثم هوى بجسده عليها و سلط نظراته الجامدة على المارة يتابعهم وهو متسربل بحزنه الذي كان ينهش قلبه كما تفعل النار بالهشيم، يحرق كل أثر للفرح ويدفن روحه في رماده، خرج صوته متحشرجًا و هو يتسأل بألم:
- يا ترى لو أنس عرف أيه اللي ممكن يحصلك!
في تلك اللحظه بالتحديد لمحت عيناه أنس وهو يدلف من باب بنايته فأنتفض كالملسوع و هو يقول:
- أنس لو عرف ممكن يموتها فيها، أستر يارب ونجيها
صمت قليلًا و هو ينظر لنقطة واهيه في الفراع و كأنه يتشكل بداخل عقله فكرةً ما، أخذ نفسًا عمقيًا ثم زفره بتمهل و بتنهيدة حارقة إستطرد:
- مقدميش حل غير ده !
Basant Atef