رفضٌ قاطع.

رفضٌ قاطع.

51 0

1999، الواحد والثلاثين من دجنبر.

مر الزمان وطال، والشهور توالت حتى إستقرت في دجنبر البديع، تبقى يوم واحد حتى نودع هذه السنة ونستقبل الشتاء، كنتُ أجلسُ على الكرسي الهزاز أمام نافذة الغرفة أراقب الخارج بنظرات متأملة هادئة، تناثرت أوراق الأشجار الصفراء في الهواء بشكل ناعم لتجعل من المدينة تبدو كئيبة بأشجارها العارية.

ولم أمنع الإبتسامة من التسلل لوجهي بينما أشاهد المرضى يلعبون في الخارج، كنتُ أستمتع في مراقبة السعادة البسيطة التي ترتسم على وجوه أولائك بالخارج.

شعرتُ بيدي ترتفع وبعض القبلات تطبع على باطن كفي، حينها إلتفتّ لوالدتي وإتسعت إبتسامتي أكثر، لتنبس لي بحماس لم تقدر على إخفائه:

«مستعدة؟»

«أظن ذلك.»

قهقهتْ بخفة تستقيم من مقعدها بجواري، ثم مددت أطرافها كمن تعب من الجلوس لفترة طويلة، وإتجهت ناحية خزانتي مخاطبة:

«عليكِ إرتداء ملابسك في الحال، الوقت يمر بسرعة بالفعل.»

حركتُ رأسي بقلة حيلة ولم يسعني سوى العودة لتأمل الخارج، كنتُ متحمسة أيضا ولن أنكر، لكن أمي قد فاقتني في شعورها بالحماس والفرح، أظنها من فرط المشاعر سيطير جسدها في السماء بجانب الطيور التي تهاجر البلاد.

إلتفت للوراء حين تم فتح الباب فجأة، كان آيرون رفقة جرمين، يبتسمان بوسع نحوي، وحينها طرق قلبي بخفة أنتظر ظهور ماكسويل، لكن آمالي تحطمت حين أغلقت جرمين الباب خلفها.

«سيدتي، لقد إنتهت الإجراءات قبل لحظات.»

إجراءات ذهابي، كنتُ سعيدة، لكن في الآن ذاته مستاءة، لقد إعتدتُ المكان كثيرا، والتفكير بأنني لن أرى جرمين، آيرون، وماكسويل مجددا يجعل من الدموع تصعد لمقلتاي، لم يكن هذا تعبيرا مجازيا بل فعلا بدأت أبكي.

«يا للهول جايلين! لما البكاء؟»

هرولت جرمين ناحيتي وعبارتها جعلت والدتها تسرع نحوي هي الأخرى بقلق، لكنني إستمررتُ بذرف الدموع لفترة من الزمن، أكثر ما كنتُ أكرهه هو اللقاء الأخير ولحظات الوداع التي تكون مصحوبة بوعود اللقاء الآتي، لكنني أعلم، أن لقائنا القادم سيكون صعب الحصول، كل سيذهب لأشغاله، ومحال أن نرى بعضنا البعض مجددا.

«أنا فقط.. سأشتاق لكم.»

«أوه سيدتي! من كان يعلم أنكِ حساسة لهذه الدرجة؟ ظننتكِ تكرهينني بالفعل والآن تبكين من أجلي!»

كلمات آيرون جعلتني أفلت بعض الضحكات وسط عبراتي، لكن في النهاية سيمضي كل هذا، وداع واحد وأذهب لمزاولة حياتي، لا يمكنني العيش طول العمر في هذا المكان البائس، لقد أضعت سنتين من عمري وأنا هنا، لا يمكنني إضاعة المزيد أيضا.

«أين الطبيب ماكسويل؟ أريد توديعه أيضا.»

سألتُ أثناء مسح دموعي، وشعرتُ بوالدتي تمرر يديها فوق شعري الذي قد جدلته قبل ساعة، نظرت لي جرمين ببعض التوتر ثم تبادلت النظرات مع آيرون الذي بدى مسترخيا، هذا جعلني أعقد حاجباي بإستغراب.

«في الواقع، ماكسويل في رحلة عمل، لن يعود اليوم.»

إرتخت ملامحي بإستياء بعد إجابة آيرون التي بدت غريبة، لما طبيب نفسي لديه رحلة عمل؟ لكنني طردتُ الأمر من رأسي حين طلبتُ من والدتي قلما ورقة وقدمتهما لي بتعجب.

لم أكن سأرغب بالذهاب دون توديعه، لأنه أكثر شخص ساعدني في الآونة الأخيرة، على الأقل رسالة شكر لطيفة ستكون كافية وتعوض لقائنا الأخير.

حينما فرغتُ من طبع بعض الحروف على الورقة المصفرة مددتُها لآيرون، وحذرته من فتحها قبل ذلك، بعد فترة وجيزة من تبادل العناقات، غادر الإثنان المكان لآخذها فرصة لتغيير ملابسي.

تفحصتُ مظهري لآخر مرة أمام المرآة، فستان كراميلي اللون كان يعانق جسدي فوقه معطفي البني، مرفقا بقبعة وقفازات تقيني برد الشتاء، وحذائين بكعب عالي بلون المعطف.

«هيا بنا عزيزتي.»

رفعتُ نظري لوالدتي التي تجر خلفها حقيبتي الكحلية، وإبتسمتُ نحوها، تبعتُها بعد ذلك بواسطة العكازين الذي قال آيرون أنهما سيرافقانني لفترة لن تطول عن الشهر، وبعدها سأقدر على المشي بمفردي ولن أحتاج أي مساعدة.

«والدك متحمس للغاية حتى تأتي، هو لا يعلم بأنك قادمة اليوم بالذات.»

كنتُ أجاورها بينما نمشي سويا بخطوات متباطئة، أخرج من باب المشفى، هذه المرة كانت مختلفة، لأنها مرتي الأخيرة في الخروج ودون عودة، يبدو الأمر كأنني سجين حصل على حريته أخيرا.

«سيكون من الممتع مفاجئته، ماذا عن إخوتي؟»

«لا يعلمون أيضا.»

إبتسمت نحوي عندما توقفنا أمام الرصيف، ثم إستقلينا أول سيارة أجرة توقفت أمامنا بإتجاه المنزل، الذي لم يسبق لي رؤيته أبدا، لأن عائلتي قد أخذت قرار الإستقرار بسيدني منذ إنتهى بي الأمر بدخول المصحة.

______________

تسللت المعزوفات الهادئة في المطعم، أطياف النوادل

تمر هنا وهناك، والصداع إنتشر في رإسه لكثرة التملق والضحكات الزائفة، كان يشعر بالبرودة تتغلف روحه وتنتشر بين عظامه، ليس بسبب الجو بل بسبب المشاعر التي تصرخ به أن عليه الهرب فورا.

لكن كيف يقدر المرء على الهرب من عائلته؟ إنه متجذر فيها وهي متشعبة فيه.

«عزيزي ماكسويل، المكان رائع بالفعل.»

صنع إبتسامة صفراء ناحية والدته، كان مجبرا على إختيار مطعم يلتقون به، وهذا وحده يعد عذابا، فعليه إرضاء ذوق أبويه معا دون أن يغفل على شيئ.

«كيف تجري الأعمال في المشفى؟»

نظر ناحية والده ذو الملامح الفاترة، لم يسبق له أن رأى أباه يبتسم ولو بالخطأ، حمحم بخفة بينما يستند بمرفقه على الكرسي الفارغ بجواره مجيبا:

«كل شيئ يسري بشكل جيد، شكرا لإهتمامك.»

إبتسمت والدته ناحيته، ورمقت النادل الذي وضع الأطباق أمامهم بنظرات لبقة متشكرة تليق بإمرأة راقية مثلها، بعد مغادرته محت عنها تلك البسمة الزائفة ونبست:

«عزيزي، الوقت يجري بسرعة، أنت تعلم أنني متشوقة لرؤية أبنائك بأسرع وقت، لمن السيئ أن تبقى عازبا حتى هذا السن!»

رفع حاجبا دون أن يدرك، كانت نفس العبارات التي ترددها في كل لقاء كالترانيم التي يستحيل لها التخلي عنها، لكنه يعي جيدا إلى ما تلمح له، هي تريد إختيار زوجة له بنفسها.

«هل أنتِ خائفة من أن أصبح عانسا؟»

لم يمنع عبارته الساخرة وألقاها دون إهتمام بينما يقوم بتقطيع اللحم في صحنه بحركات بطيئة، وتوقف فورما صفع والده الطاولة بحزم يجعل من نظرات الآخرين تعلق بهم لثواني قبل أن تبتعد.

«كيف تجرؤ على محادثة أمك بهذه الطريقة!»

طرف بأهذابه بخفة دون أن يرفع رأسه ناحية والده وألقى الشوكة بفمه، كان في الثلاثين من عمره بالفعل، أي أنه بالغ كفاية وقادر على الإعتراض على القرارات التي يراها والديه مفيدة له، لكنهما لا يفهمان هذا، لأنهما إعتادا التحكم بحياته وكأنه دمية.

منذ أن كان صبيا كانت عبارة واحدة تتردد على أذنه، إفعل ولا تفعل، ماكسويل لا تقم بهذا، ماكسويل عليك القيام بهذا، وكأنه خُلق لتنفيذ أوامر أهله فحسب، لم يحق له يوما أن يختار ماسيناسبه، حتى مهنته التي ستظل ملتصقة به طول حياته فرضت عليه، وهو كالعادة نفذ ما أرادوه منتظرا اليوم الذي سيكون حرا به ويستطيع إختيار ما يشاؤه.

لكن والديه يبدوان غير مرحبين بهذه الفكرة بتاتا.

«آسف، لكن موضوع الزواج لا أسمح لكما بالتدخل به، حينما أرغب بذلك سأفعل.»

ظلت نبرته محترمة، لأنه لا ينسى مقامهما، يستحقان الإحترام حتى لو كانت أفعالهما لا تروقه، لكن والدته بدت غير متفهمة لما قاله، بل عارضته بشراسة معهودة:

«ومتى سيحين هذا الوقت؟ متى ستتزوج ومتى ستنجب أطفالك ومتى ستربيهم؟ إنك تكبر يامكسويل إلى متى ستستمر بتأخير هذا الموضوع؟»

أغمض جفنيه بقلة صبر، كان يرغب في إنهاء النقاش المحتدم، لكنهما لا يريدان هذا على ما يبدو، نبس والده يوافق زوجته:

«والدتك محقة، وقد وجدنا الزوجة المناسبة لك بالفعل.»

رفع رأسه بشكل سريع حالما ترددت تلك الجملة بين ثنايا مسامعه، ووزع نظراته المستفهمة بينهما يرفع إحدى حاجبيه، وعقله يردد كلمة 'لا يعقل!' ، إبتسمت والدته نحوه وأكدت:

«إنها أوراسيا، إبنة مارك، أنا متأكدة من أنك قابلتها مسبقا في إحدى الحفلات التي أقامها والدك.»

تذكر فورا تلك الشابة التي تحدثت عنها، لكنه أظهر وجها ممتعضا، ليس من فكرة أنها أوراسيا، بل من فكرة الزواج نفسها، وأردف معارضا بشكل مباشر:

«تمزحان صحيح؟ أنا لن أتزوج هذه الفتاة!»

«لما ما الخطب بها! إنها جميلة كما أنها في مقتبل العمر، أي أحد سيرغب بالزواج بها.»

عقد حاجبيه بإستياء لكل الكلمات التي ألقتها والدته وكأنها لا تضع أي مجال للرفض.

«وأنا لست ذلك الأحدهم، لا أريد أن أتزوج بها، كما أنني معجب بإحداهن بالفعل.»

رفع كلا والديه حاجبيهما بعد جملته الأخيرة التي أفلتها خطأ، وهذا جعله يرتبك، لقد إعترف بسر لن يرغب أي أحد بقوله لو كان مكانه، خرج والده سريعا من صدمته وتساءل:

«معجب بإحداهن؟ ومن تكون؟»

«أهي إحدى زميلاتك بالعمل؟»

زفر أنفاسه بعد الإبتسامة الغريبة التي ألقتها والدته في وجهه، ومسح على جبينه كون صداعه قد تفاقم شيئا فشيئا بعد هذا الحوار المشحون، وأجاب بينما يتوارى بأنظاره عنهما:

«ليست كذلك، إنها إحدى مرضاي…»

توقف فورا حينما سمع شهقة والدته ورأى أعين أباه المتسعة، لقد ظل يتخيل ردود أفعالهما لمدة أربعة أشهر دون أن يتوقف عن ذلك، وردة الفعل هذه كانت إحدى الردود التي تصورها.

«أتعني أنها مجنونة؟ هل أعجبت بمريضة نفسية؟!»

إرتفع صوت والدته في النهاية وإتسعت أعينه دون أن يعي بإرتجاف أنامله أسفل الطاولة غضبا سوى حينما رفعها صافعا الطاولة وأردف بإعتراض كبير:

«هي ليست مجنونة! أي هراء هذا؟ هي أنضج مما تتصورينه! لقد تلقت صدمة فقط وهذا سبب وجودها في ذلك المكان!»

كان منفعلا للغاية وشعر أن ما قالته أمه خادش بالفعل للصورة المثالية التي يراها حول جايلين، الفتاة التي أعجب بها لم تكن مجنونة أو حتى مريضة نفسية، بل فقط تحتاج حبا وأذنا صاغية.

«وماهي هذه الصدمة إذن؟»

صرخ والده في المقابل دون أن يهتم بالهمسات التي تحيطهم. إبتلع ماكسويل ريقه بتوتر، لكنه لم يرى أن عليه أن يكذب، ليس عليه أن يخجل من إخبارهما بما جرى معها، لذا نبس بعدها بثقة:

«فقدت إبنها وزوجها في حادث سير.»

رفعت والدته يديه تجاه فاهها وشهقت للمرة الثانية، من وجهة نظرها كانت ترى أن إبنها قد وقع في الخطيئة، وأن مشاعره تلك محرمة بالتأكيد.

«أتعني أنك معجب بأرملة؟ أتعي ما تقوله!»

نظر ناحية والده بحدة، أرملة؟ هو غير مهتم لكل تلك الحقائق التي ستجعلها غير مرغوبة نظر أي شخص، كل مايدركه، أنه لن يتزوج أي فتاة غيرها، إستقام أباه بغضب ورفع سبابته بتهديد مكملا:

«عليك نسيان أمرها أتسمع يا ماكسويل؟ الزواج بها شيئ لن تحققه البتة.»

أمسك والده بمرفق زوجته وجعلها تنهض بسرعة ثم أخذها معه للخارج وبذلك أنهى لقائهم العائلي المروع.

مرت دقائق وظل ماكسويل على حاله يراقب مقاعدهم الفارغة بقلب ينبض بضيق، كان لقائا ثقيلا على فؤاده وإنتهى بمأساوية غريبة، لم يكن يعي أن هذا قد يحدث أبدا، لكنه فقط أراد أن يعارض للمرة الأولى ويدافع عن رغباته، أن يصرخ ويخبرهم أنها حياته وليست حياتهم.

أغلق جفنيه بتعب ثم وضع جبهته على الطاولة بوهن، وبقى لربع ساعة يصفي ذهنه، ثم إستقام مغادرا هو الآخر بعدما دفع تكلفة الغذاء الذي لم يكمله أساسا، وإتجه لمقر عمله سريعا.

ركن سيارته بجانب المصحة وإتجه بخطواته للطابق الثاني حيث يقبع مكتب آيرون، ربما الشيئ الوحيد الذي سيساعده هو تفريغ مشاعره، وصديقه هو أحسن مستمع في مثل هذه الحالات.

خرج من المصعد بخطوات سريعة، وقبل أن يتجه لمكتب آيرون رأى هيأته تقف بعيدا عند مكتب الإستقبال، لذا لم يضيع الثواني وأقبل نحوه.

«آيرون.»

ناداه فورما وصل وهذا الأخير قد إلتفت إليه وعلى وجهه ملامح التعجب والإستغراب، لكنه سرعان ما رسم إبتسامة سعيدة برؤيته وأوضح:

«لم أتوقع عودتك بشكل سريع، ظننتك ستأتي غدا!»

«حدثت بعض الأمور، وعدت سريعا.»

ضيق آيرون عيناه ناحية ماكسويل، رفيقه هذا لم يبدو بخير وعيناه ترسم كل عبارات الحزن والغضب، وهذا جعله يترك القلم من يده قبل أن يوقع على أوراق مغادرة جايلين للمرة الأخيرة، وهذا وحده كان كفيلا بتذكيره بالشيئ الذي قد يجعل ماكسويل يغضب أكثر.

«من الجيد حضورك، هناك بعض الأوراق التي تنتظر توقيعك.»

أشار للأوراق فوق مكتب الإستقبال، ونظر لها ماكس بتساؤل قبل أن ينحني لقراءة الصفحة وتتسلل عيناه لنهاية الورقة حيث عليه أن يوقع بجانب إسمه كما فعل آيرون ورئيس الأطباء.

«هل غادر أحدهم؟»

كانت السعادة تتخلل صوته في البداية لأن شفاء أحدهم وموافقة رئيس الأطباء على مغادرته يعني أنه نجح في عمله، ثم إنخفضت إبتسامته ببطء وهو يرى إسمها الذي كان كفيلا ليجعل قلبه يطرق بسرعة شديدة.

«جايلين كايرو؟»

لقب زوجها كان لازال ملتصقا بها، لكن ليس هذا ماجعله ينبس كلماته بإستياء، بل حقيقة أنها ستغادر للأبد ولن يلتقيها مجددا!

«نعم، السيدة جايلين غادرت هذا الصباح.»

إندق عنق ماكسويل نحوه سريعا وإتسعت عيناه، فرق ثغره بصدمة وإهتز بؤبؤيه وعبارة آيرون قد غزت قلبه قبل أذنيه.

غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح، غادرت هذا الصباح!

«ما الذي تعنيه بغادرت؟ لم أودعها لتغادر!»

لم يعي على إنفعالاته، وإبتسم آيرون ببعض الحزن نابسا:

«ماكس، أنت تعلم أنها لن تبقى للأبد، وهي قد رغبت بتوديعك بالفعل لكنك لم تكن، لذا كتبت هذه الرسالة وأوصتني بأن أقدمها لك.»

نظر للرسالة التي أخرجها آيرون من جيب معطفه الطبي، ومد يده التي ترتجف نحوه يمسكها، كانت ورقة صفراء تميل للون شعرها، وقد كتبت بلون حبر أسود يماثل لون مشاعره في هذه اللحظة بعدما إستوعب أنها غادرت بالفعل.

{مرحبا حضرة الطبيب.

إن اللقب يناسبك بالفعل! أتعلم أنني لم يسبق لي إرسال رسالة ورقية لأحدهم؟.. غير رسالة الإنتحار التي كتبتها مسبقا. لكنك أول شخص أقرر الكتابة له بشكل شخصي، لذا أنا أجد صعوبة حاليا في التعبير ولا تلمني، المرة الأولى تكون صعبة قليلا.

أردتُ شكرك عما فعلته من أجلي، أتذكر أول لقاء حين كذبت علي وقلت أنني بخير وليس بي شيئ، الآن أصبحت تلك الكذبة-البيضاء- التي ألقيتها علي حقيقة، وأنا ممتنة لهذا، لولاك لما إستطعتُ المغادرة حقا.

لكنني مستاءة منك كون وداعنا الأخير لم يلق بالرابط الذي جمعنا، رغبتُ حقا في رؤيتك للمرة الأخيرة، ورغم هذا لا بأس، أظن أننا لو إلتقينا ما كنتُ لأصبح صريحة للغاية أمامك.

وداعا، من مريضتك التي لم تعد مريضة، جايلين.}

تشدق نفسه ورفع عينه التي إمتلئت بدموعه، كان رافضا لحقيقة أنه لم يودعها بالشكل اللائق على الأقل، لذا إتجه للأوراق فوق مكتب الإستقبال وتفحصها بشكل سريع ومتعثر، قلب الصفحات ببعض العنف حتى وجد ما يريده، وحفظ تلك العبارة ثم حمل القلم ووقع سريعا ونبس:

«سأذهب الآن، لنتحدث عندما أعود»

«إلى أين؟»

ظل سؤال آيرون معلقا في الهواء لأن ماكسويل غادر بالفعل مهرولا وكأن حياته تعتمد على ذلك، وفي ذلك الحين حرك آيرون رأسه بقلة حيلة متمتما بجمل متضايقة من تجاهل صديقه له ثم عاد لعمله.

على الجهة الأخرى، كان ماكسويل يقود سيارته بإتجاه الموقع الذي إطلع عليه من تلك الأوراق، موقع منزلها الذي يبعد بنصف ساعة عن المصحة، لأنه يرفض أن لا يودعها!

مر الوقت بطيئا بالنسبة له، وإمتدت تلك الدقائق حتى بدت وكأنها خمس ساعات وليس ثلاثين دقيقة فقط، لكنه في النهاية وصل أمام المنزل وقد غربت الشمس بالفعل، ليطل برأسه من النافذة يرى أضواء الشارع الصفراء المشتعلة، ركن سيارته في الجانب ثم نزل ببطء يراقب البيت ذو الحديقة الأمامية، أشجار البرتقال التي غرست في الجوانب وأزهار الياسمين التي عبقت رائحتها في الأرجاء.

طرق قلبه وهو يتخطى باب السياج الخشبي الذي يصل لجذعه، ويرى هيئتها على مقعد الحديقة، كانت إمرأة راقية ناضجة تبعثر روحه وتوتره، أعلن _سرا_ عن إعجابه لمظهرها، شعرها الكستنائي المائل للشقار تموج بطريقة كلاسيكية إستثنائية جذابة، لكن أكثر ما سبب له الدوخة كان اللون الأحمر الذي يسبح بين جنبات شفتيها، لون حمرتها الذي لم تستعمله قط، وبين حضنها تقبع زهور ثلجية تنافس بياض ثوبها الحريري الذي يعانق خصرها.

رفعت رأسها بإستغراب حينما شعرت بمراقبة أحدهم لها، وإتسعت عينيها بخفة عندما رأته،ظنت لوهلة أنها تتخيل، لكنه بدى واقعيا للغاية، لذا إبتسمت بإتساع تستقيم من مقعدها بغير ثبات كون والدتها قد أخذت عكازيها للداخل.

إقترب نحوها بأعين تلمع وهمس بـ"سيدتي" أثناء إقترابه منها، ظن لوهلة أنه لن يراها للأبد، لكنها الآن أمامه، وهي إعتقدت أنها لن تودعه بتاتا، وهاهي توقعاتها خاطئة.

«سيد ماكسويل! لمن الرائع حضورك!»

تدخل صوت جديد للساحة عندما خرج والدها لرغبته في مساعدتها على الدخول، لكنه تفاجئ بوجود طبيب إبنته برفقتها.

«هذا لطف منك سيدي، آسف على الظهور المفاجئ.»

لم يبعد عيناه عنها بعد، ظن أنه لو فعل قد تندثر، ورغب بحفظ هيأتها في ذاكرته لمدة طويلة، ليت له كاميرا، لكان قد إلتقط لها صورا بشكل خفي دون أن تعلم.

«ما رأيك بالإحتفال معنا، حضرة الطبيب؟»

تحدثت جايلين أخيرا، وبدون أن يستفسر حول الإحتفال أومأ إيجابا، البقاء يعني قضاء المزيد من الوقت معها وهذا شيئ يقبل به بكل تأكيد.

إبتسمت نحوه بلطف ثم أبعدت أنظارها عنه نحو والدها وكأنها تأخذ رأيه هو الآخر، إذ قال بموافقة وسعادة:

«فكرة رائعة عزيزتي، إذا هيا للداخل.»

«حسنا أبي، سنأتي، فلتسبقنا.»

غادر والدها في نهاية الأمر، تاركا إياهما لوحدهما، وحينها إقترب بالشكل الكافي ناحيتها ثم قال:

«أتظنين أنك ستغادرين حقا دون توديعي؟»

«آخبرني آيرون أنك لن تأتي اليوم، وأنك في رحلة عمل.»

عقد حاجبيه وقهقه دون تحكم منه، يشعر بالكثير من الخفة والسعادة في هذه الأثناء لذا لا يهتم حقا لمظهره الذي يبدو كأهوج أمامها، يكفي أنه معها للكثير من الوقت.

«لم تكن رحلة عمل، مجرد لقاء عائلي.»

إبتسمت دون أن تعلم ما الذي ستضيفه، يبدو سعيدا وهذا قد أسعدها، كما أنها تشعر بالكثير من المشاعر اللطيفة كونه قد أتى بنفسه ليلتقيها، وهذا يثبت حقا أنها إستثنائية بالنسبة له كما أخبرها ذات يوم.

«نحن سنحتفل بالكريسماس بالمناسبة.»

نبست بعدما أدركت أنها لم تخبره بعد بماهية الإحتفال، لقد وافق فقط دون إستفسار، ولاحظت كيف إختفت إبتسامته وتساءل:

«الكريسماس؟ هل اليوم هو الأخير من السنة؟»

«ومن القرن العشرين أيضا.»

إرتفع حاجبيه بخفة مستدركا ومستوعبا، هذا يعني أنه سيحتفل معها بحلول قرن جديد حتى!

«لندخل، الجو بارد»

وافقها القول وشعر بأنفاسه تسلب حينما حشرت يدها بمرفقها حتى تمشي بمساعدته، لم تلاحظ تغيره أبدا، بل ظلت تمشي برفقته حتى وصلت لباب المنزل وفتحته، ثم أمسكت عكازيها الذان ينتظراها عند الباب وأكملت مشيها تسبقه للداخل، أغلق الباب وتنفس ببطء حتى لا يظهر بمظهر الأبله أمام عائلته فقط لأنها أمسكته.

هذا الطبيب النفسي يحتاج علاجا من حمى الحب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة