1996_الرابع والعشرون من أغسطس
«هل إنتهيت؟» سأل ناسكيرد بضجر للمرة التي لا أعلم عددها " لا لكن إقتربت " غمست الفرشاة في اللون البرتقالي أمزجه مع الأصفر و الكثير من الأبيض حتى أحصل على أقرب درجة من بشرة ناسكيرد القريبة للشحوب ، و عندما إنتهيت غسلت الفرشاة أعوضها بلون أصفر براق لشعره الأشقر " هل إنتهيت ماما ، أحس بالتعب " سأل مرة أخرى أنفي برأسي " ليس بعد عزيزي ، لكن تستطيع الذهاب وصلت لمرحلة التلوين الآن "
" لا.. أحب مراقبتك ، تبدين مستمتعة " إبتسمت له " أنا مستمتعة بالفعل " وصلت لعيناه التي كانت صعبة بسبب لونها المميز لكن فعلت بعد مدة من التركيز ، " إنتهيت ! " نزل من الكرسي ركضا إلي ليرى النتيجة النهائية
و ما لبث ثانية يتأملها حتى وضع يده يخفي بها ثغره بإعجاب هامسا " واو ! " تأملته هو عوض الرسمة " أحببتها ؟"
" عشقتها ! أنت رسامة رائعة " قال و بطريقة ما إزداد شغفي للرسم يحثني على إكمال عشر لوحات لم أنهيها ، حضنته بغثة و قمت بدغدغته لتخترق ضحكاته هدوء الغرفة " لماذا أنت لطيف هكذا ؟ همم " سألته و أنا أستمر بدغدغته " توقفي ! توقفي ! " صدح من بين ضحكاته لكني توقفت عندما سمعت صوت مقبض الباب يفتح ، كنا في ورشة الرسم الخاصة بناسكيرد ، رأيت أنه شغوف ناحية الرسم و قد ورث هذه الصفة مني لذا جعلته ينفرد بهذه الغرفة و يبدع فيها لكن حدث العكس عندما دخلت أنا اليوم و أردت رسمه
إلتفت نحو إدوارد الذي قدم العمل ، أخبرني صباح هذا اليوم أن أتمنى له حظا موفقا عندما كنت أرتب ربطة عنقه لأنه سيجري صفقة مهمة و لو لم ينجح بها لن يستطيع إفتتاح فندقه أبدا ، كان يبدو مرهقا للغاية من مشيته فقط و أكتافه الذابلة ، ألم ينجح؟ هل يخونني !
إستنتجت هذا فورا لأنني في الصباح دعوت بيني و بين نفسي أن تفسد الصفقة لو كان يخونني ، و الآن يبدو أن الصفقة فسدت ، إذا هو يخونني مع ميشيل بالفعل
" بابا ! " أخرجني صوت ناسكيرد المتحمس من افكاري التي جعلت الغضب يتأجج في أواصلي ، رفع رأسه نحو ناسكيرد و بدا لي أكثر من متعب ، بدا حزينا جدا و يحمل هموم العالم فوق كتفيه ، و قد فاق الأمر مجرد صفقة ، أيعقل أنه قد حدث مكروه ما ؟
نهضت من مقعدي أتوجه نحوه ، و عندما وضع حقيبة عمله حمل ناسكيرد يداعبه ، " ما بك بابا تبدو مرهقا " سأل بإهتمام يلاحظ ما لاحظته قبلا ، لكنه إكتفى بتقبيل جبينه " هل نجحت الصفقة ؟ " سألت أنا ، الآن تأكدت هو يخونني بلا شك ! .. أشرق وجهه فجأة و صار مليئا بالحياة و أومأ إيجابا " أجل نجحت " قال بتبسم يناظرني كأني آخر ما تبقى في الكون
عانق ناسكيرد و إقترب يضمني لهما بلطف قبّل خدي كما فعل لناسكيرد قائلا بسعادة " لقد تمت الصفقة بشكل جيد ، لكنها كانت مرهقة للغاية ، إستمر الإجتماع لخمس ساعات بدت فيها كإستجواب " إذا لا يخونني .. أم أن نجاح الصفقة سبيل لمعرفة أنه يخونني .. كيف ؟ لا أعرف لكن ربما فقط
" مبارك ! إذا يتوجب علينا الإحتفال .. " صدحت أزيح الأفكار و أظهر سروري بجانب ناسكيرد ، لأنني لا أزال غاضبة من إدوارد ، و قد كانت السنتين السابقتين أكثر غرابة ، قاطعته لسنة ، لا أحادثه أبدا إلا أمام ناسكيرد ، و لا أجيبه إلا نادرا ، و في السنة التي تليها ضللت 6 أشهر أتجاهله عندما يحاول إقناعي بعلاقة سلمية و ودية من أجل إبننا ، لكن بعدها لم أستطع الإستمرار في مقاطعته لأن ناسكيرد بدأ يلاحظ جفاف علاقتنا لذا حاولت الكذب حتى أمام نفسي ، حتى لا أجعل إبني يعيش مع عائلة متفككة تحت سقف واحد
هو يحتاج الحب ، الأمان ، التعاطف ، أن ينام مرتاح البال لا أن يفكر كل ليلة في أنه قد ينفصل والديه مستقبلا ، و عليه أن يتعلم أساس الحب و الطمأنينة ، المودة و اللطف .. و ذلك بأن يرى تصرفات والديه ، و ليس أن يعيش متوترا خائفا قلقا دوما ..
" أنا بالفعل خططت للإحتفال .. سأريكما الفندق و ستكونان أول الزائرين " أجابني إدوارد على إقتراحي يترك خصري و يضع ناسكيرد أرضا " تجهزا أنتما و سأجري إتصالا و نذهب " قال يفك عقدة ربطة عنقه بيد بينما يبعثر خصلات ناسكيرد باليد الأخرى
تجهزنا كما طلب و بذلك إرتدى ناسكيرد قميصا صيفيا بطابع أسترالي و شورت أزرق يصل لركبتيه مع نظارات شمسية أصر كثيرا على إرتدائها بينما إرتديت أنا فستانا صيفيا منعشا بلون نيلي متناسق مع سروال ناسكيرد ، و قد إرتدى إدوارد بدوره بذلة رجالية زرقاء متماشيا معنا و بدى الأمر طفوليا للغاية لكنه أسعد ناسكيرد جدا
" لما النظارات إنها الثامنة مساء و قد غربت الشمس مسبقا " سأل إدوارد بينما يقود للفندق " لقد أصر على إرتدائها " قلت أبعثر شعره ، و قد كذبت ، هو لم يصر لقد سألني مرة واحدة و قبلت فورا لأنني لا أستطيع رفض شيئ لإبني اللطيف ، و يبدو أن إدوارد كشف كذبتي البيضاء لأنه ضيق عيناه بينما يركز بالطريق المظلم " أممم ! هل يفترض بي تصديق هذا ؟ "
" هيا بابا لا تكن مفسدا للبهجة ، أنا فقط أردت أن أبدو واثقا من نفسي " أدرت رأسي نحو ناسكيرد الذي يجلس في المقعد الخلفي بناء على طلبه حتى يبدو كالملك و نحن حارساه الشخصيان كما قال سابقا ، قهقهت بخفة على ملامحه المتعجرفة ، أحيانا يكون لطيفا جدا و مطيعا ، لكنه يملك هذا الجانب الذي يبدو كفيلم مراهقين متنمرين من مسلسلات بوليود
" أتراني أمانع ؟ أنا فقط أجد أن كذبة أمك الجميلة لا داعي لها "
" من تنعت بالجميلة ؟ " أدار رأسه نحوي أخيرا و قال بلعوب " بالطبع أنتِ " رفعت طرف شفاهي بسخرية و أمسكت لساني بصعوبة حتى لا أقول ' و ماذا عن ميشيل خاصتك ؟ أم أنك تنعت كل فتاة بالجميلة !؟ '
" وصلنا " قال بعد مدة
" جيد لقد بدأت إشعر بالحر ، أين السجادة الحمراء " قال ناسكيرد مجددا ، و أظن أن روحا متنمرة تلبسته الآن ، آااه إنها النظارات ، كدت أنسى ! " إنه ليس الميت قالا عزيزي ، أو عرض أزياء ديور !" قلت أكسر نبرته المتعجرفة ، و رمش ببراءة يتذكر من يكون و من نكون و أنه يتوجب عليه إحترامنا
إنتصفنا إدوارد و بحركة سريعة جعلني ألف ذراعي حول يده ثم أمسك يد ناسكيرد من الجهة الأخرى " أتركي الولد يتصرف على راحته " قال بينما يقودنا لبوابة الفندق الشاهق ، دخلنا للداخل و قد كان التصميم مبهر للغاية و تتراوح ألوانه بين الأبيض و الأحمر " يا إلهي لوني المفضل " صاح ناسكيرد يقفز في مكانه
وبعد أن تشاركنا الكثير من الأحاديث أنا و إدوارد حول التصاميم و قد كان إدوارد هو المتحدث الوحيد .. قال ناسكيرد بملل " أنتما مملان !" وجدت كلامه منطقيا .. في الواقع أنا أيضا أحسست بالملل ، لكن رغبت فقط بتمثيل أننا بعلاقة جيدة أمامه .
" و ما هو الغير ممل ؟ " تساءل إدوارد في وجه ناسكيرد الذي بدى متحمسا لوهلة " سأذهب للتجول مع العم ديفيد ، إنه يلقي نكاتا مضحة أفضل من نكاتكم ، و هو غير ممل مثلكما " ديفيد كان سيكرتير إدوارد و صديق مقرب له ، لطالما تناول العشاء لمرات معنا بدعوة من زوجي الخائن ..
" حسنا إذهب إذن " أشر له إدوارد على مكانه ، حيث كان بالخلف بعيدا يتحدث مع أحد العمال ، و حالما رأى ناسكيرد إستقبله بالقبلات و الأحضان ..
قطع علي إدوارد مراقبة إبني عندما وضع يده فوق مرفقي " تعالي ! علي أن أريد الطابق الذي خصصته لنا ، كلما أردنا المبيت هنا .. به غرفتنا ، و غرفة ناسكيرد ، و غرفة الطعام ، و ملعب البولينغ ، و معرض للرسم و الكثير من الأشياء التي ستبهرك لا محالة "
أكملت الطريق بينما أنصت له ، و وصلنا للمصعد ضغط على زر ما و إستأنف الحديث بكل حماس عن كيفية تسييره للأعمال و كيف جرت السفقة اليوم ، و كيف إستطاع إقناعهم و عن أن الأمر كان صعبا بالبداية حتى تطرق لموضوع جعلهم يغيرون رأيهم ، و الكثير من الأمور التي لا أفقه فيها شيئا ، إنفتح المصعد و أراني كل ما أخبرني به صابقا ، و ما ظننته معرضا للرسم كان أشبه بمتحف للوحات ، و أخبرني أنه متحف مصغر فقط أما المتحف الحقيقي و الأكبر موجود بالطابق الثالث ، و في الزاوية كانت هناك لوحة فارغة معلقة مخبرا أياي أنها تخصني و سأرسم بها ما أشاء و عندما أنتهي سيعلقها بالمعرض في الأسفل
بعدها بلحظات أخذني لغرفة ناسكيرد التي كنت متأكدة أنها ستنال إعجابه ، ثم توجهنا لغرفتنا ، التي كانت أكبر غرفة رأيتها ، مع جدار زجاجي كامل يتيح رؤية معالم المدينة ، توجهت إلى هناك مع كأس نبيذ أحمر أتأمل المباني المجاورة و النجوم المنتشرة بالسماء ، كنت مرهقة للغاية .. كانت نفسيتي مرهقة من التمثيل أن كل شيء بخير .. ربما في النهاية كان يستوجب علي تقبل أن لا شيء بخير و أنه كل البأس
وجهت مرمى بصري لمدخل الفندق .. و قد رأيت ما أدهشني فعلا .. كانت ميشيل ! أدرت وجهي لباب الحمام ، لا زال صوت رش الماء صادرا من الداخل ، أي أن إدوارد لا زال يستحم .. أعدت أنظاري للفتاة بالأسفل ، و قد رفعت هي رأسها نحو الطابق الذي أتواجد به .. كانت نظراتها شاردة و مجددا ترتدي نظارات شمسية تخفي بها عيناها ، لكن لم تخفى علي دموعها التي تبلل خدها ، رفعت يدها اليمنى التي تحمل قنينة النبيذ ببطء نسبي و إرتشفت منها الكثير لدرجة أن البعض إنسكب من الجوانب
بدت حالتها مزرية بالفعل ، كانت تستند على سيارة سوداء كلون ثوبها .. أدارت رأسها في الطابق بأكمله حتى إستقرت علي ، و بهدوء شديد رفعت نظاراتها الشمسية تثبتها فوق شعرها و أرسلت لي إبتسامة حزينة ، قبل أن تعيد فوهة الزجاجة و ترتشف منها ..
إبتعدت عن الجدار الزجاجي و نبضات قلبي إزدادت بعنف ، لما أتت ؟ سمعت رنين الهاتف من داخل الحمام و قد أدخله بحجة ان الكثيرين سيتصلون به لتهنئته بعدما رفضت أن أجيبهم رفضا قاطعا ، و الآن أحس بالشماتة لأني رفضت ، كان علي القبول حتى يترك هاتفه معي و أعلم من سيتصل .. آلمني قلبي على فكرة أنها قد تكون ميشيل و إزدادت وتيرة تنفسي ..
" ألو ! " أجاب إدوارد بعد دقائق و لأني كنت قريبة من الحمام إستطعت سماعه ، و فعلت أول شيء خطر على بالي ، تركت كأس النبيذ من بين أصابعي يتهشم فوق الأرضية الملساء " ما الذي حدث جايلين ! "
" لا شيء، سقط الكأس سأذهب لإحضار المكنسة و أتفقد ناسكيرد في طريقي " توجهت للباب بسرعة و فتحته ثم أغلقته ، لكني لم أخرج من الغرفة ، قمت بذلك حتى يظن أنني خرجت من الغرفة و يأخذ راحته في الحديث .. حتى لا يتحدث بالألغاز في حضوري .. توجهت للكرسي بجانب الحمام .. إحساس داخلي يخبرني أن المتصل ميشيل
" من معي ! " عاد إدوارد للمكالمة متساءلا و أظنه فعل مكبر الصوت .. إنه يقوم بهذا كلما يأتيه إتصال و هو بالحمام .. " أصمت و لا تسمعني لعنة صوتك " صوت مرهق جاء من الجهة الأخرى ، و هذا الصوت المؤلوف لم يكن غريبا و لم يكن ينسى و كم هو سيء أن يكون حدسي دوما صحيحا ، لأنها ميشيل بالفعل
" ميشيل ؟" تساءل إدوارد بخفوت و أغلق صنبور المياه لكنها صاحت به بعنف " أصمت ! ألا تفهم ! " كانت نبرتها ثملة و مرهقة للغاية ، أخفضت نبرتها قائلة بهمس و غصة " الآن فقط تذكرت أنك تعرف شخصا بإسم ميشيل ؟"
صمتت لثواني .. لدقائق .. و ترقبت ما ستقوله بشدة .. لماذا إتصلت اليوم؟ و لماذا أتت ؟ و ما الذي تعنيه بكلماتها؟
" ألم تفكر بي يوما ؟ " قالت بهدوء هذه المرة ، و إغرورقت عيناي بالدموع فورا ، لأنني تذكرت كل مرة فكر بها و ناداني فيها بإسمها ، " لقد عرفت أنك تزوجت .. و إلتقيت بزوجتك " رفعت رأسي نحو الباب .. أنا لم أخبره بهذا بتاتا " ماذا ؟ " جاءتني النبرة المصدومة لإدوارد من الداخل ، و أطلقت هي قهقهة خافتة محمولة بالتعب
" إنها جميلة جدا .. و لطيفة أيضا .. و تناسبك أيضا " إنكسرت نبرتها في النهاية .. و لم أحبذ أبدا ما قالته .. عن أنني أناسبه ،إنه نقيض لتصرفاتي كلها .. أنا لا أناسب جبانا مثله ..
" لقد إنتظرتك لأربع سنوات ، و أنا على أمل ظهورك ، لقد جاءتني الكثير من الإحتمالات اللعينة على أنك قد توفيت .. لقد _ لقد ظننت أن مكروها أصابك .. بحثت عنك كثيرا .. لكن ماذا كنت تفعل أنت؟ كنت سعيدا .." كسرت نبرتها بشهقاتها لكنها أكملت كلامها بصراخ " كنت سعيدا بحياتك الزوجية أيها الوغد! " هذه المرة لم تحافظ على نفسها و شهقت ببكاء ثم وصلني صوت تهشم الزجاج ، يبدو أنها كسرت زجاجة النبيذ التي كانت تحملها " ميشيل إسمعي .. "
" أصمت ! لقد وعدتني انني سأكون اول زائر لفندقك الأول ! لقد خلفت بوعدك كما خلفت بوعد أنك ستتزوجني ! " صاحت بكلامتها تصدمني .. لقد__ لقد وعدها بالزواج .. سقطت دموعي بصدمة .. هل أنا الطرف الدخيل في القصة؟
" ألا زلت تحبني حتى ! " إرتفعت نبرتها أكثر و خفت من الإجابة ، لأنني بالفعل أعرفها
" نعم ! لا زلت أفعل! و بطريقة مؤلمة أيضا! " إنقبض فكي كما أعتصر فؤادي على كلماته المنفعلة ، أحسست بالإختناق .. بروحي تسجن داخلي و لا أستطيع فعل شيء
توقف الضجيج و صوت الرياح الآتي من الهاتف و علمت أنه قد فُصل الخط و ما لبث دقائق حتى خرج محني الرأس و بملامح غير مقروءة .. أدرت رأسي نحوه بهدوء ، و بعد ثواني شعر بوجودي .. رفع رأسه نحوي كانت ملامحه طبيعية حتى إلتقت عيناه بعيناي و إمتلئت بفيض من الدموع التي لم يستطع حصرها و رأيته يبكي لأول مرة ، ذرف دموعه بهدوء شديد ، و نهضت أنا و في قلبي سيل من الشتائم أردت صفعه أردت ضربه أردت شتمه و فعل الكثير ، لكن حالما إقتربت داهمني بعناق " عالمي بأكمله ينهار .. أنا لا أستطيع التحمل بعد الآن "
حشر رأسه في عنقي و أحسست بدموعه تبلل كتفي .. " و ما دخلي .. ألا تحبها هي .. ماذا سأفعل إذا لعالمك ! "
" حتى لو لم أحبك جايلين ، لكنك جزء من عالمي .. و لازلت أريد الحفاظ عليك .. "
داهمني بقوله و لم يفصل العناق حتى الآن ، لكنني أنا فعلت " لا تلمسني ! لا تجرأ حتى ! " صحت في وجهه و إنهمرت دموعه أكثر ، لكن أنا لا .. قد تخلصت بالفعل من بقايا دموعي السابقة و لن أبكي أمامه أبدا
إبتعدت للوراء و إقترب خطوتين ممسكا براحة يدي " جايلين .. " أبعدت يده بعنف و أمسكت رأسي " لاااا ! أنا لست لعبة بين يديك أتفهم؟! لن تخبر فتاتك أنك تحبها ثم تأتي إلي و تخبرني أنني جزء من عالمك ! ماذا تحسبني ؟! هااا! أتراني غبية حتى تنسيني ما تفعله بكلماتك ؟! اللعنة عليك ! " صرخت بآخر كلمة أمسك المزهرية و ألقيها نحوه ، لكنها تهشمت بجانبه على الحائط فقط بينما هو ظل واقفا يناظرني بأعين مبلولة
" لقد تعبت منك ! ست سنوات .." ضربت ظهر يدي براحة يدي اليمنى بإنفعال أكمل كلامي " ست سنوات و أنا أعيش بعذاب .. أفكر في مصير إبني مع أبوين لا يحبان بعضهما .. ماذا لو تطلقت يا جايلين ؟ ماذا سيحصل؟ لا يا جايلين أبعدي الفكرة عن دماغك ! إبنك هو الوحيد الذي سيتضرر ! ماذا لو كان يخونك جايلين ؟! إبنك سيعيش صدمة حرفيا! ماذا لو شُوِّهَت صورة مثله الأعلى وقدوته عندما يعرف أنه يحب فتاة أخرى؟ لا يا جايلين لا تسمحي بحدوث ذلك ! إبنك سيحزن كثيرا ! " علا صوتي مع كل جملة أنطقها .. و لم أكتفي ..
" لقد كنت أعيش وسواسا حرفيا !. في حين أنت كنت تنام بسلام و تهلوس بإسم فتاتك ! كنت أنا أسهر بقهر و أحاول معرفة كيف ستؤول له الأوضاع لو ظهرت ميشيل يوما أمامه ! لقد كنت أحس بإحتراق فؤادي كلما فكرت أنك ستأخذ إبني مني ! أسوء الإحتمالات أتت لدماغي ! لكن أنت ! كنت مشغولا فقط بالهلوسة بإسمها ليل نهار ! و أنا أعاني مع إحتمالات أن يسمعك ناسكيرد و يسألني .. من ميشيل يا أمي ؟ ماذا سأخبره ؟ بماذا سأجيبه ؟ تحدث ! أم أنك تعرف فقط أن تعترف بحبك ثم تأتي إلي و تخبرني أنني عالمك ؟! "
" جايلين .. أنا أعتذر! "
" أصمت!!! لا تحاول الإقتراب حتى " صرخت عندما رأيته يعيد الإقتراب و إحتضاني .. نفيت برأسي بقوة و تبعثر شعري المنسدل حولي .. " أنا أكرهك ! " كلمتي جعلته يتوقف فورا و نفى ببطأ يجعل قطرات الماء التي تقطر من شعره تتبعثر في الأرجاء " أشعر بالقرف منك كلما رأيتك .. أحس بالشفقة عليك .. لأنك غبي جدا ! أنت غبي و تافه للغاية .. و مقزز أيضا " قلت كلماتي بكل حقد أرى ملامحه تسقط بحزن شديد " أتمنى أن تتعذب كل يوم كما يحدث لي .. " تنفست بحدة و إعياء
" أنا أتعذب أساسا ! " صرخ يجعل جسدي ينتفض .. " أنا أتعذب كل يوم ! أعيش بين ذنب جعلك تعانين معي ! و بين ذنب إيهام فتاة بالزواج منها ثم تركها كما لو أنني لم أكن يوما في هذه الحياة اللعينة ! "
" و ما دخلي أنا ؟!! من أخبرك أن تتركها و تأتي لتتزوجني ثم تدمر حياة كلتانا ؟!! "
" إذا أنا الشرير الآن ! " سأل بغضب و لأول مرة أرى هذا الجانب منه " نعم ! "
" أنا أيضا مظلوم مثلكما ! " قهقهت بسخرية و غضب " أوه حقا ! كيف ذلك ؟! " نظر لي بخيبة و إنخفضت نبرة صوته عندما قال بحزن خالص " لقد كنت مجبرا .. " عقدت حاجباي لا أفهم ما يرمي إليه ، لكنه فجأة إستدار نحو شظايا المزهرية المهشمة خلفه و أخذ شظية متوسطة الحجم بين يده يمسكها بقوة حتى سالت دماءه بغزارة
أتى إلي و وقف أمامي ، و بسبب فرق الطول بيننا رفعت رأسي أحملق بعيناه في إستغراب و غضب حتى قال ما ألجمني " أنا لا أنفع لهذا العالم .. لذا أقتليني فحسب .. " عقدت حاجباي بعدم فهم .. أهو أحمق .. ماذا يحسبني؟ دفعت يده الممدودة نحوي بعنف لأتسبب في إسقاط الشضية من بين يديه ، لكنه لم يتزحزح و بقي يقف و يناظري بعيناه المبلولة .. و هنا لاحظت شيئا .. شيئا لم أنتبه له قبلا .. شيئا كان دوما يستوطن عيناه البحريتان
الإنكسار و الخيبة و الإنطفاء .. لطالما حملت عيناه هذه المشاعر الثلاث .. و لكنني لم أولي إهتماما لها قبلا .. و من دون وعي مني همست له " من أجبرك؟ و لما أنا بالضبط ؟ كان بإمكانها أن تكون أي فتاة غيري .. كان بإمكانك تزوج أي فتاة غيري .. لكنك فقط فضلت تدمير شبابي و حياتي "
كلماتي جعلت شلالات من الدموع تنهمر على خديه .. و أكملت بسخط و صراخ " لقد خفت دوما من الحصول على زوج لا يهمه أمري ، و يعتبرني مجرد جدار في منزله ، لا يعطيني قيمتي و لا يحبني ، متبلد المشاعر و بارد معي ، لكن المضحك أن الرجل الذي تزوجته ينافي كل هذا و مع ذلك جرحني أكثر مما توقعت أن يقوم به النوع الأول ، إن الأمر بائس بشكل يجعلني أرغب بالضحك و البكاء على نفسي فقط "
حصرت دموعي بشدة ، لطالما رغبت بمواجهته و إفراغ قلبي ، لقد ظننت أنه بمواجهته سأرتاح ، و لن أشعر بذات الثقل ، لكن فقط كان الأمر أسوء مما هو عليه ، فبذلك أنا أعترف حتى بالأمور التي قاومت بشدة التفكير بها ، و الآن فقط أنتبه للجروح التي تكونت بروحي بخلاف كل ما ظننته ، ليجعلني الأمر حزينة بشكل أسوء فقط لأنني لتوي علمت أن ما يحدث لي أكثر بكثير مما أعلم
في مرات عديدة أتساءل ، ما الذي فعلته حتى حدث الأمر؟ لما إستوجب عليه أن يحدث لي أنا بالضبط ؟ للآن لم أجد الإجابة ، لأنه كلما إقتربت من الحل يصادفني أمر ما ، هل الخطأ بي هذه المرة؟ هل أنا العنصر المفسد هذه المرة ؟ كيف يمكنني تفادي كل هذا ؟ ربما لو لم أكن لما حدث ، لأنه لن يحدث ، لكنني أحس بالثقل في صدري ، و رئتاي بالكاد تستنشق الهواء الذي يبقيني حية ، لكن رغم ذلك أحس بالإختناق ، كما لو أكسجين العالم كله لن يكفيني ، هل مجددا أنا المخطأة في هذا ؟ هل أبالغ؟ لكن لما أبالغ؟ أنا لا أبالغ بالطبع ، لأني إمرأة يخونها زوجها ، و هي محتارة بين الوقوف و الإنصياع حتى لا تتدمر حياة إبنها ، و بين الترك و المضي قدما ثم يبقى إبنها في المنتصف ، هل أنا مجددا المخطأة ؟ لو إنصعت سأعاني أنا ، و لو تطلقت سيعاني إبني .. لكن لما دوما ألوم نفسي؟ لما لا ألوم إدوارد و لو لمرة ؟
لكن هذه المرة سمحت لنفسي بلومه ، و إنفجرت أكثر مما ينبغي عندما أفصحت له بما يخالجني " ليتني لم أقابلك يوما ، ليتني ذاك اليوم ترفعت عن الذهاب للسوق مع والدي كي لا أقابل والدتك و لا أساعدها ، ليتني رفضت عرض زواجك مباشرة ، ليتني فسخت الخطبة قبل أن أربط حياتي بأكملها بك ، ليتني أجهضت إبني حتى لا أضعه حجة كلما فكرت بالطلاق! " صرخت بالجملة الأخيرة غضبا ، و عندما إتسعت عيناه إستوعبت ماقلته
كيف أجرأ على ذلك؟ ألهذه الدرجة أنا لا أحب إبني؟ أنا سيئة!
" ما الذي قلتيه جايلين ؟ أتعين ما قلتيه ؟! أعلم أني المخطأ في كل ما يحدث لكن ما قلتيه.." لم يكمل كلامه لأني وضعت يداي حول رأسي أصرخ ، إن صوته مزعج ، بت أكرهه ، ولا أتحمل سماع كلمة واحدة منه ، و عندما فتح فمه كي يقول شيئ نهرته بصراخ " أصمت! "
إقترب خطوتين يفصل المسافة التي تفرقنا و قبل أن أستوعب أخذني في عناق بشكل قاسي كما لو نفذ صبره ، و لأنه كان أطول مني فقد إنخفض رأسه لمستوى أذني حتى يهمس لي برجاء " إسمعيني فقط .. " كرهت الأمر ، كرهت كيف أن أنفاسه تضرب عنقي ، كرهت كيف يهمس بأذني ، كرهت لطفه البالغ ، كرهت كل شيء حوله ، أحس بالغثيان .. أريد حك جلد رقبتي حاليا بسبب تعرضها لأنفاسه ، و سلخ جلد كل مكان يلمسه حاليا
حالما رغبت بإبعاده شد على ذراعيه حولي بشكل لن أستطيع مواكبته و إبعاده ، و بعد دقائق من محاولة الإفلات من قبضته و الفشل لم أستطع المقاومة أكثر ، و إنهمرت دموعي بغير إذن ، و لأنني كنت أحبس دموعي منذ نصف ساعة فخرجت الغصة بطريقة صاخبة ، و إرتفعت اصوات شهقاتي
و لأني لم أحتمل أكثر تركت ثقل جسدي كله على إدوارد و عندما بدأت بالإنزلاق سقوطا هبط معي و هو لا يزال يعانقني ، " إبتعد عني " قلت وسط شهقاتي و أنا أدفع صدره بقبضتاي لكن جسده المتصلب يصعب الأمر ، ثم إرتخى جسدي بأكمله عندما عرفت أنني لن أستطيع صده ، و أخذ بكائي يزداد و شهقاتي ترتفع
بدأ يمسح على شعري بيد و بالأخرى يربت على ظهري و هو يتمتم بأعتذر بين الفنية و شقيقتها ، و لم أملك الجهد لأمتنع أو أبعده
مرت دقائق و إنقضت شهقاتي لكن دموعي لا تزال تنهمر بشدة ، لدرجة بللت قميصه ، و توقف عن التربيت على ضهري لكنه ظل يمسح على شعري بخفة ، و بقينا صامتين لا يسمع سوى صوت شهقتي التي تخرج من دون إرادتي بين دقائق و دقائق
و في لحظت قطع هو خيط الصمت عندما قال بهدوء و صوت متحشرج " قبل سبع سنوات كنت على علاقة مع ميشيل ، كنت أعشقها للغاية .. و مع كل يوم كان يزيد حبي لها ، كنت أحس بأن العالم كله بين كفوفي عندما قبلت مواعدتي ، تعمقت علاقتنا أكثر و وعدتها بالزواج عندما أخبرت أمي عن رغبتي هذه أرادت لقائها ، فقبلت و دبرت لها موعدا مع ميشيل ، قابلتها و أخبرتني أن الفتاة ملائمة جدا لي ، و حالما يوافق والدي سنذهب لخطبتها ، لذا فورما أخبرت والدي و سمع عنها من أمي و بعض من أخواتي اللواتي قابلنها وافق هو الآخر ، و بدأت بتدبير كل شيء يلزم كي أذهب لخطبتها و جعل علاقتنا رسمية ، كنت في ذروة سعادتي آنذاك ، لكن فجأة تدمر كل شيء .. عندما أخبرتني أمي أنها لم تعد موافقة و لن أقوم بخطبتها، و أنها وجدت عروسا أفضل و أجمل ، و ستكون مناسبة أكثر ، لم أعلم ما الذي جرى حتى غيرت رأيها بتلك السهولة ، ولا حتى من قابلت لتقول ذلك .. أحسست بأن العالم الذي كان بين كفوفي أصبح ثقله بأكمله فوق صدري ، دارت بي الدنيا ، وإختلط بي كل شيء ، أردت أن يساندني شخص واحد فقط .. شخص واحد يقف معي في كربتي ، لكن بحكم أن والدي كان لا يرفض لأمي طلبا وقف ضددي ، و لأن أخواتي لا يستطعن معارضة كلام والدي لم تبقى و لو واحدة بجانبي .. كنت دوما أشك أن والدتي تعاني من بعض الأمراض النفسية ، كانت تقوم بأفعال لا يقوم بها العاقل و تأكدت من ذلك في تلك الفترة .."
أخذ نفسا و وقتا معتبرا ثم أكمل " عندما أخبرت ميشيل بكل ما حدث خاصمتني ، أخبرتني أنني كاذب و مخادع ، و أنه لا يمكن لأمي أن تغير رأيها في ليلة و ضحاها إلا لو أقنعتها أنا ، إجتمع كل هذا ضدي ، حتى الحياة قلبت وجهها ، و أجبرتني امي بالعدول عن فكرة الزواج من ميشيل ، و نسيانها للأبد .. هددتني أنها ستكرهني للأبد لو لم أقبل بذلك ، و تلك كانت أكبر مخاوفي منذ الصغر .. لم أملك خيارا، و حتى ميشيل هجرتني و لم أجد شخصا كي أقاتل من أجله أو يقاتل من أجلي .. لذا وافقت ، و بعد أسبوع أخبرتني أمي أنه علي الإستعداد كي نذهب لخطبة الفتاة التي أخبرتني عنها .. كانت تلك الفتاة هي أنت .. " ثم أنهى بذلك كلامه و عاد الصمت من جديد
هذا ما كان يقصده عندما قال أنه مجبر ، لم أعلق بتاتا على ما قاله حاليا بل إلتزمت الصمت و دموعي قد توقفت.. عند النظر فأنا لم أكن الضحية الوحيدة ، هو قد أجبر على التخلي عن الفتاة التي يحبها، و الفتاة التي تحبه إكتشفت أنه تزوج و أسس عائلته و لا تملك فرصة أخرى معه ، و الفتاة التي تزوجته تعاني من حقيقة أن زوجها يحب غيرها.. كانت المعاناة ثلاثية و لا نهائية، متجدرة لأبعد حد و لا يمكن حلها في ذات اللحظة.
"أتعرفين ما الذي حدث صباحا؟ عندما نجحت الصفقة و وافق الجميع على إفتتاح الفندق الليلة، كنت سعيدا للغاية، لذا أول شخص إتصلت به كان أمي، و بدل أن تبارك لي بنجاحي قامت توبخني و تقول أنه كل نجاحاتي الحالية لأنني لم أتزوج ميشيل و لو تزوجتها لما نجحت بأي شيء و الكثير من الأشياء التي لم تكن ستتوقف لو لم أفصل المكالمة، آلمني ما قالته كثيرا."
لهذا كان يبدو حزينا صباحا، بسبب هذا..
عندما أحسست بيداه ترتخي أبعدته عني و بسرعة إستدرت لأتوجه للحمام، نظرت للشظايا المنكسرة على الأرض و بعض الدماء التي تلوث الأرضية، الكرسي الذي ليس في مكانه و الأزهار المتناثرة على الأرض بعدما أفرغت من المزهرية عندما رميتها على الجدار، كانت الغرفة في فوضى عارمة، فوضى قليلة مقارنة بالبعثرة داخل قلبي و عقلي.
أخذت نفسا و و دخلت، و مجرد أن أغلقت الباب إستندت على الحوض أراقب ملامح وجهي التي باتت تبهت مع السنين ، كانت تخبرني أمي أنني أجمل فتاة في القرية و أنه لا توجد فتاة بمثل إشعاعي ، كان وجهي نيّرا على الدوام و مشعا في كل مكان ، لكن في الخمس سنوات الأخيرة أصبحت باهتة ، منطفئة ، و حتى بريق عيناي يكاد يرى في المناسبات التي تستوجب الفرح ، الفتاة إما تجد رجلا يزيد لمعان وجهها بريقا ، أو يطفئ ضوء وجهها و روحها معا ، و أنا كنت النوع الثاني.
arancia__s