1994_الرابع والعشرين من غشت.
ضحكت بصخب عندما رششت بقوة من الجانب ، كنت أسبح في المسبح مع ناسكيرد في الحديقة الخلفية للمنزل، رغبة في الإستجمام وتوديع أواخر أيام فصل الصيف، كنا نلعب بمرح بالمياه من دون عوائق، كون اليوم كان شديد الحرارة بشكل قاتل لذا فكرت في أن أسبح مع ناسكيرد و إدوارد، إبني ناسكيرد الذي تخطى الثلاث سنوات قبل أشهر أصبح بإمكانه السباحة مع معدات الحماية من دون خوف.
على من أكذب! أنا أحس بقلبي يقرع في داخلي كلما مر علي تخيل أنه قد يغرق دون أن أراه رغم أني لا أبعد عيناي عنه.
نقلت بصري لإدوارد الذي كان جالسا في حافة المسبح خلف ناسكيرد حيث كنا نحن في المنتصف، من خلال الخمس سنوات التي تشاركتها مع إدوارد وجدت أنه شخص عملي يتحدث بالوثائق و الأوراق فقط و هذا نموذجي بالنسبة لرجل أعمال، كان الآن يغطس أقدامه في المياه و يحمل حاسوبه بينما يعمل على شيء ما، كان فندقه الذي أخبرني منذ سنتين أنه سيباشر ببنائه لذا سيأخذني في عشاء كإحتفال بإنجازه الأول الذي عمل عليه.
لكن حتى لو عاملني بلطف تبقى النغزات، في الآونة الأخيرة أصبح شبه مهووس وعقله دائما غائب و ذلك يستنزفني، إنها ليست الغيرة، هي شعور القرف، القرف من كل جزء لمسه قبل أن أعرف أن قلبه واقع لأخرى و القرف منه لأنه ترك فتاته ميشيل وتزوجني ، لما لم يحاول الوقوع لفتاة أخرى إن كانت هذه الميشيل قد رفضته فعلا، لماذا يفسد حياته بهذه الطريقة؟
أحس بالشفقة، و أنا بالعادة لا أحب أن أشعر ناحية أحدهم بالشفقة، أفعل ذلك فقط عندما يكونون أغبياء و مقرفين، كإدوارد بالذات، أعدت نظري لناسكيرد الذي كان يطفو فوق سطح الماء بسبب العوامات، إبتسمت تلقائيا عندما نظرت له، كان يقوم ببعض الحركات الطفولية اللطيفة بينما يعبث بالماء.
كان كثيرا على قلبي أن يتحمل لطافته التي تقتلني دوما، كان ككعكة إسفنجية ناعمة، بل كقطعة ناصعة من الصوف، بيضاء و نقية، ولو أمطرت تجعلها تذبل، كان رقيقا ولطيفا ومرهف الأحاسيس ويبدو أنه يشبه أمي من هذه الناحية ولكنه كان صلبا أيضا و صبورا و قد قالت لي آيسمين أخت زوجي أنه يشبه إدوارد في هذه الصفة، لكن لا أرى ذلك البتة، شخص صلب لن يهرب من مشاعره بالتزوج من فتاة لا يعرفها.
لقد رغبت سابقا أن أحادث إدوارد بشأن هذا الموضوع كوننا زوجين و أصبحنا نتشارك حياتنا لبقية العمر، لكن وجدت أنه لو كنت ملزمة كوننا زوجين لما هو ليس ملزم، لما لا يبدأ هو الموضوع، لما لا يخبرني بشأن ذلك كوني زوجته ، و لما سأقوم بجلد ذاتي أيضا، هو المخطأ في كل هذا، وإن كان يخونني معها فلعنة الله عليهما.
«ميشيل ما رأيك أن آخذ ناسكيرد للصيد ؟»تساءل الوغد ولم يبعد عيناه عن الحاسوب، جملته جعلت ملامحي تصبح مظلمة بكآبة، لو كان يخونني لعرفت منذ زمن، فالمرأة لا يصعب عليها معرفة أن جسد زوجها ملوث بلمسات فتاة غيرها هذا يعني أنه يحبها حقا، وأنني طرف دخيل في حياته.
«ماذا قلت» نبستُ بهدوء بنبرة خاملة، ورفع عيناه عن الحاسوب " هل هناك خطب ما ؟ " سأل بهدوء متزن يدتشف أني شاردة منذ زمن، ونعم هناك خطب وهو أنت وميشيل خاصتك!
نفيت بهدوء أتأمل ملامحه، أكان صعبا عليه أن يخفي عني ذلك، أكان صعب على عقلي تجاهل الأمر و محاولة عدم تحليله، أكان صعب علي أن أكون غبية لتلك الدرجة؟ أحسست بإرتخاء جسدي الماء وذبول عيناي، كلما فكرت في هذا أحس بالدواخ.
«جايلين!» صدح إدوارد يضع حاسوبه أرضا وفي لحظة غطس في المسبح يسبح نحوي ولا طاقة لي بتمالك نفسي، أحس بالخمول ينهش عظامي، أعشت ثمانية عشرَ سنة لأتزوج فيما بعد برجل لا يملك لي مكانا في قلبه؟ برجل خائن يحب غيري؟
أخذت نفسا عميقا عندما كاد إدوارد يصل إلي و قد تخطى نصف وجهي سطح الماء، رفعت جسدي قبل أن أغطس بقوة مغلقة عيناي لأحبس أنفاسي، ضممت جسدي إلي لأصبح ككومة قش كما هي عليه الأمور في عقلي، أفكار تشبه كومة القش من تشابكاتها و تجذراتها، لم أجد أي ملجأ لي في هذه اللحظة سوى أن أسكت أفكاري بغطسة خانقة و قد نجح الأمر لثواني معدودة قبل أن تنتشلني أذرع أضخم من جسدي الهزيل أعرف تماما من يكون صاحبها.. زوجي العزيز ، أم أستسمح هو فقط خائن خسيس.
ضغطت شفتاي ضد بعضهما عندما داهمتني الأفكار مجددا حينما عاد الهواء يتغلغل داخل رئتاي، كان هواء حارقا كحرقة شعور الخيانة، كلاهما ثقيل علي و على فؤادي.
أخذتُ نفسا آخر أفتح عيناي هذه المرة ليهمس إدوارد بتأنيب مباغت «ما الذي دهاك جايلين، ناسكيرد يشاهد» ظللت أناظره بهدوء ولا أملك أي طاقة لمجاراته ثم نقلت عيناي لخلف ظهره أين كان ناسكيرد جالسا على الأرض يلعب ببعض الألعاب و قد تناسيت أمره سابقا و ذلك جعلني أغضب على نفسي، أنا أم سيئة حقا! كيف أغطس أمام إبني الذي يتلقى أي صغيرة و كبيرة ويكررها كي يتعلم؟
أغمضت عيناي أشعر بحرقة تلسعني ، هل أنا مكروهة من طرف الجميع الآن؟ بلعت ريقي أحاول أن أهدأ وفتحت عيناي أشاهد زرقاويتي إدوارد التي تلمع أسفل أشعة الشمس " كما تلمع عيناك الآن أسفل الشمس ، أتمنى أن تلمع أسفل لهب الجحيم ، من دون بداية و لا نهاية" من دون بداية و لا نهاية .. قضب جبينه لا يفهم قصدي و أحسست براحة عظيمة تتأجج في صدري و أصبح الهواء ينعشني رغم سخونته بفعل الجو
تحركت خصلاتي الكاستنائية المائلة للشقار بإنسيابية مع الهواء الذي بدى لي باردا و منعشا و تغلغل في رأسي ، و لم يكن الهواء هو البارد بل أفكاري التي تضج الآن بفخر، «ماذا تقصدين ؟» كان إنقباض حاجبية لا يزال واضحا يفسد مثالية جبينه و حرقت أنا عيناه بنظراتي ، أقترب منه أكثر و أطبع قبلة على خده، كان طعم العلكة التي تناولتها سابقا لا يزال يتشبع في ثغري، ظللت بقرب خده بينما يراقبني من علو وإستنكار من تقلباتي، أردت أن أحاصره في هذه اللحظة ولا أجعله يتوقع أي شيء، أشتت إنتباهه حتى لا يتوقع ما أعرفه.
أبعدت يده التي كانت تمسكني عندما أخرجتني من القاع وضعتها فوق قلبه ، كانت دقاته متبعثرة وسريعة من دون نغمة محددة جعلتني أبتسم بجانبية، لا بد أن حديثي جعله متوترا وهذا رائع ، عش في دقيقة ما عشته في أربع سنوات عزيزي «أنت و ميشيل خاصتك فلتحترقا في قعر الجحيم» همست بلطف كما لو أن كلماتي لم تكن سامة بتاتا ، و أعدت تقبيل خده لكن هذه المرة لمدة أطول حتى أرى ردة فعله و أدرسها في الثواني المنصرمة.
صخبت دقات قلبه أسفل يدي و إتسعت عيناه بصدمة، أهو مصدوم من معرفتي؟ فصلت القبلة أبعد يداه بعنف «جايلين بخصوص هذا!» توقف مطولا يبدل نظراته بين عيناي و لا زلت محافظة على إبتسامتي نحوه «فلنتحدث» أكمل بعد أن إقتنع أني لن أباشر ، لقد أنتظرته أربع سنوات كي يبدأ هذا الحديث معي و الآن أنا أحصل على ما أريده.
إقترب مني قليلا يطفو لكني فعلت العكس أبتعد للوراء «ناسكيرد والدك يريد أن يصطحبك للصيد هيا لتتجهز» صدحتُ أتحداه بعيناي، أنا لن أكون الفتاة التي تزوجها و أرادها أن تكون ما أراد، أنا جايلين فقط ولن يكون المتحكم فيّ، لو أردت لتحدثت مسبقا، لكن لدي كرامتي ولن أظهر بمظهر الضعيفة أبدا، لذا سأتركه يعاني من صداع الرأس قليلا و سأتجاهله في الأشهر القادمة و أتركه حائرا.
فليصب ببعض الأرق مثلي !
غمزته بإبتسامة لعوبة حتى لا يعرف ما يدور في عقلي أبدا و خرجت من المياه الباردة متوجهة نحو إبني الذي نهض متحمسا بطفولية، لم أكن أحب تركه يذهب للصيد دوما إلا نادرا لذا عندما يحدث يصبح سعيدا ويتحمس جدا، جرى إلي بخطوات سريعة بالنسبة لمن في عمره و عانق أقدامي كدعوة لحمله.
فعلت فورا أنشر قبلا متفرقة على خديه الجميلان «هل حقا سأذهب مع بابا للصيد» تكلم بلدغة في بعض الحروف يجعل من قلبي ينبض على كتلة اللطافة التي أحملها و لأرضي حماسه قلت بطفولية «و لما لن يذهب صغيري؟» داهمني بعناق بيديه الصغيرتين لا يترك مجالا لأنفاسي.
توجهت للباب الزجاجي الذي يصل بين الحديقة الخلفية و المنزل و بمجرد أن فتحته حتى صاح إدوارد من خلفي «جايلين ! علينا أن نتحدث ! لقد فهمت الأمر بشكل خاطئ» لم أبالي بما يقول أو سيقول وتجاهلته أكمل الدخول.
صعدت لغرفة ناسكيرد أحممه وأغير ثياب السباحة خاصته ببذلة الصيد ذات اللون الزيتوني التي قدمناها له في عيد مولده قبل أشهر.
يا للهول أحس بالخفة، على الأقل ليس أنا فقط من سيعاني و يحاول حل الألغاز، أخذتُ نفسا أشاهد مظهر ناسكيرد النهائي برضى،«هل أذهب الآن؟» تسائل بفضول و أومأت له أراقب ملامحه اللطيفة ، كان يشبه إدوارد بشدة لكن أحيانا يملك لمحات مني تجعل الجميع يعرف أنه إبني
كشعره الأشقر الذي أخذه من إدوارد لكن الخصلة الكاستنائية في جانب شعره تجعله ينتمي لي، أو عيناه الزرقاء التي تلوثت بالعسلي المخضر في جوانب قزحيتاه ، و حتى الشامات التي كانت بارزة في ملامحه التي تشبه إدوارد كان قد ورثها مني، قد تبدو الشامات أمرا عاديا لكنها كانت تميزني لأنها كانت كثيرة للغاية و تملأ خدي كنمش فعلي أو فوق عيني أو أسفلهما و قد إنتشرت الشامات التي لم تجد مكانا لها فيّ بوجه إبني لكنها كانت أضافة جميلة تجعل من كلينا مميزين.
«هيا إذهب و تفقد والدك ، إن تجهز إذهبا» طبعت قبلة في خده بنهاية كلامي، و خرج من الغرفة بحماس يترك لي فرصة لأستجمع نفسي وأخرج أيضا.
«وداعا ماما!» صاح ناسكيرد من الأسفل
«وداعا عزيزي!» قلت أرسل له قبلة طائرة ثم أغلق إدوارد الباب من خلفه بعد أن تفحصني بنظرة لم أعرف مكنونها.
مرت دقيقة، دقيقتين، عشر، وأنا لا أزل أقف مكان أعلى الدرج أقابل الباب الذي خرجا منه وأحسست بثقل المشاعر في داخلي، تعتصر رئتاي بعنف وتمنع عنهما الحياة، رمشت الحرقة التي صعدت من أنفي تصل لعيناي وقمعت الغصة داخلي، نزلت درجتين فخانتني قدماي لأجلس فورا.
وفي لحظة هطلت دموعي تبلل خداي، إرتعشت أناملي بشدة، ألا يحق لي أن أعيش حياة زوجية سعيدة؟ هل سأعيش الآن مع رجل لا يحبني؟ ألن أجد الحب الذي طمحت له يوما؟ ألهذه الدرجة تكرهني الحياة ؟ ماذا عن إبني؟ هل سيعيش مع أبوين لا يحبان بعضهما؟ أب خائن؟ حتى لو إتخذت أي قرار سيكون هو أول متضرر، هل سيعيش مع عائلة متفككة؟ عائلة جافة؟
أعطيت لنفسي فترة أفرغ داخلي من المشاعر التي تداهمني دوما، و بقيت أبكي على نفسي، على ذاتي التي لن تزهر يوما إذا بقيت على هذه الحالة، لما يحدث لي هذا بالذات؟ لو كان لا يحبني و لا يحب أي فتاة غيري لكان أهون، لكن أن أشارك سريري، حياتي، طفلي، نفسي ونفسيتي مع رجل أسر قلبه لأخرى فذلك يستنزفني، يجعلني أذبل.
عندما خفت الغصة في خنجرتي و لم تعد تخنقني أكثر نهضت من الدرج ، سأخصص اليوم لي وحدي و لن يشاركني فيه أحد ، سأجعله يوم نقاهتي ، و أنسى أنني زوجة و أملك مسؤوليات ، سأنسى أنني أتعرض للخيانة ، سواء كانت مجرد خيانة عاطفية أو أكثر
صعدت لغرفتي آخذ إستحماما بمياه باردة ، و مع القطرات المتسربة من الرش كانت أفكاري تتقلص أو هذا ما إعتقدته .. خرجت بعد ساعة من أسفل الرش أتوجه للمرآة و أضع أي ماسك سقطت عليه عيناي فقط حتى أهرب من عقلي ، و أحس أن هذا يجدي نفعا لأنه بعد دقائق فقط من العينات التي جربتها أحسست بشعور أفضل و كلما فكرت في حالة إدوارد الآن زاد شعوري بالرضى
بعد دقائق نزلت للمطبخ و فكرت في طبخ كعكة ما ، سأحتفظ بقطعة لناسكيرد و أتناول الباقي ، إنتهى بي الأمر بطبخ فطيرة البرتقال مع عصير من ذات الفاكهة الحلو و عدة مقبلات ، توجهت لغرفة الجلوس و وبحثت عن فيلم أصدر مؤخرا
مرت ساعات و أنا أشاهد الأفلام و المسلسلات و أتنقل بين قناة وأخرى حتى قاطع إسترخائي و إنسجامي مع الوضع صوت طرقات سريعة و صاخبة ، أدرت وجهي نحو الباب و صحت حتى يتوقف الطارق " قادمة !" قلت بتهجم ، محال أن يكون إدوارد ، إن ذهب للصيد لا يعود إلا بعد ساعات طويلة و ليس ثلاث
إذا من سيزورني و أنا لا أعرف أحدا في هذه المدينة ، نهضت بتثاقل أرتدي خفي الذي سبق و نزعته ، ثم توجهت للباب أفتحه لتقابلني صورة فتاة تشع جمالا بملابس كلاسيكية أنثوية خلابة متكونة من جينز إسود و قميص وردي يدل على قيمته الكبيرة مع نظارات شمسية تلائم شعرها الفحمي ، بدت عليها الدهشة من رؤيتي لأرفع حاجباي بتساؤل ، تبدو كعارضة أزياء إيطالية ببشرتها الصافية
و بسرعة إفتخرت أنني كنت بقدر جمالها و صفاء بشرتها ، و رغم أنني كنت أرتدي مجرد رداء نوم إلا أنه كان الأغلى في خزانتي لأنني أحببت أن أعتني بنفسي اليوم من دون الكل " أهلا ! هل أعرفك " قلت أفتتح الحديث عندما أحسست أنها لن تتحدث
" في الواقع ، أبحث عن السيد إدوارد ، هل هذا منزله " إدوارد ؟ و لما ستبحث عنه فتاة جميلة مثلك ؟ هل أنت ميشيل أخرى أم ماذا ؟ أردت أن أسألها هذه الأسئلة لكن قمعتها داخلي أتنحى للجانب قليلا " نعم تفضلي " قلت لأنني رأيت زخات العرق تلمع فوق بشرتها رغم أنها زادتها إثارة لكن يبدو أنها بذلت مجهودا ما
" شكرا لك ، كنت أحس بالتعب .. " قالت تدخل بحياء كونها ستدخل لمنزل به فتاة لا تعرفها ، و حتى أنا أحسست بالجو محشونا ، و تذكرت عندما كان يأتينا الضيوف و تتركني أمي معهم بمفردي ، أصابتني فورا القشعريرة على تلك الذكريات .. يا للهول !
كانت غرفة الجلوس لا تزال مرتبة و لحسن حضي لا تزال فطيرة البرتقال و العصير ، " خذي راحتك سأعود فورا " قلت أعلمها و ذهبت للمطبخ أحضر طبقا أضافيا و كأسا لأعود إليها
قدمت لها الفطيرة و العصير " لن يعود إدوارد في أي وقت قريب ، لقد ذهب للصيد و هو يعتاد التأخر " تمتمت بينما أسكب العصير لكلتانا و حملت هي طبقها " إذا سأجلس قليلا و أستريح ثم أذهب لأنني أتيت من المدينة المجاورة " أومأت بتفهم لها و لم أستطع قمع الرغبة في سؤالها لذا أردفت " ما نوع العلاقة بينك و بين إدوارد ؟ "
رفعت عيناها لي تجيب فورا " صداقة قديمة ، كنا نعمل في ذات الشركة حتى إنتقل قبل أربع سنوات و لم نلتق به مجددا .. أقصد الزملاء في العمل ، فقد كان صديقا مقرب ، لذا فورما علمت أين يعيش أتيت فورا ، لقد ظننته مات أو شيء من هذا القبيل "
أومأت لها ، تبدو لطيفة جدا ، سبق وأن إنتزعت نظاراتها الشمسية تفرج عن لون عيناها البحري الذي بدى جذابا جدا «ماذا عنك ؟» إقتلعتني من شرودي بسؤالها المبهم لي لأرفع حاجباي ثم همهمت بتساؤل، لتقول بعدها موضحة «ماذا تقربين لإدوارد؟»
إنفرجت ملامحي بإدراك «أنا زوجته» توقفت الشوكة التي تنقل الفطيرة لفمها في منتصف الطريق لبرهة لكن سرعان ما أدخلتها لثغرها تبلع دون مضغ، ولاحظت شحوب ملامحها التي أخفاها شعرها من الجانب
«لم أكن أعرف أنه متزوج، عندما سألناه أخبرنا أنه لا يفكر في الزواج هذه السنوات القادمة، حتى يفتتح فندقه» قالت بخفوت كما لو تخبر نفسها بذلك، ثم وضعت طبق الفطيرة، وظلت فترة تناظر كأس العصير بأنامل مرتجفة حتى حملته بهدوء و تجرعت محتواه.
حملت كأسي أيضا إلى أن إستوعبت أنني أجلس مع فتاة لا أعرف إسمها «لم نتعرف حتى أنا جايلين» رفعت عيناها لي لتقول بهدوء «ميشيل» توقف العالم في لحظة يحجب عني كل الأصوات عدا ضجيج أفكاري و دقات قلبي التي إرتفعت.
سقط الكأس من يدي يفرغ محتواه على البلاط الأبيض و تمر الشظايا فوق قدماي و تسقط عليها تجرحها، لتجفل الفتاة التي كانت السبب في جعلي أصاب بالأرق لأربع سنوات، الفتاة التي كانت السبب في ذرفي للدموع كل مرة تخنقني الأفكار، الفتاة التي كنت أحس بالإختناق بسببها، الفتاة التي قدم زوجي قلبه لها متناسيا زوجته.
إبتلعت بخفوت و لا أعلم من أين أحضرت الطاقة لقول «المعذرة» ثم نهضت أمشي فوق شظايا الزجاج حافية حتى وصلت لخفي و إنتعلته أذهب للمطبخ ، عندما خارت قوايا تشبثت بالحوض،
غسلت وجهي مرة ثم مرة ثم مرة ثم مرة .. وتملك الوجه للمجيئ إليه، هل أرادت رؤيته؟ لم تكن تعلم أنه متزوج أم تكذب علي فقط؟
فاضت دموعي مجددا.. لا لا ليس الآن مسحت عيناي بعنف أمنع دموعي و أعدت غسل وجهي، أسرعت بأخذ المكنسة وقبل أن أخرج قابلتني صورتها بالباب لتقول بلطف أغضبني «أظنني أطلت البقاء لذا سأذهب الآن»
«آنسة ميشيل ، لا أظن أن زوجي سيسعد بمجيئك مجددا لذا أريدك أن لا تأتي مرة أخرى» رمشتْ على التوالي وقالت بذات الهدوء «هل حدثك عني مسبقا؟» تمعنت النظر في ملامحها .. هي فتاة جميلة بالفعل، هادئة و عملية مثله، كما أنها تبدو لطيفة بشكل يزعجني تحديدا.
عندما إستمر صمتي خرجتُ من المطبخ و المنزل بأكمله ثم سقطت المكنسة من يدي أسقط معها دفاعاتي، و كل محاولاتي للخروج من حالتي سابقا فشلت تجعلني أجلس القرفصاء و أبكي بهدوء، لقد كنت فتاة صبورة سابقا، و نادرا ما أبكي أو أحزن، كنت أتخطى بسرعة و لا أهتم حتى في أصعب المواقف حفاظا على صحتي العقلية لكن كل شيء يفوق طاقتي الآن و لا أستطيع تجاهله.
لكنني آمنت الآن أن على الإنسان أن يعيش اللحظة كما هي، سواء كان فرحا، سواء كان حزينا فليضحك ويبكي كما يريد ، حتى لا يثقل بهموم إضافية و يحس بالندم، لذا عشت لحظتي و أعطيت لنفسي وقتا أبكي فيه، حتى لا أنفجر في اليوم الخطأ ولا أمام الشخص الخطأ ، حتى أكون مفرغة تماما.
و عندما نلت كفايتي نهظت أتوجه لغرفتي، ورغم أنها السابعة مساء فقط لكنني سقطت فوق السرير أغط في نوم عميق أتناسى جروح قدمي.
arancia__s