خُطوة.

خُطوة.

54 0

1999_الثامن من شتنبر

«سيدة جايلين، شللكِ ناجم عن إضطراب التحويل»

أمم مثير للإهتمام، هذا النقش اللطيف على الأرض جميل حقا، رفعتُ عيناي عن البلاط ووجهتهما للحائط، لم أقم بالتمعن في تصميم الغرفة بتاتا، والآن هذا يبدو ممتعا.

«سيدة جايلين أتسمعينني؟» طرفتُ بأهدابي أخرج من سهوتي، ووجهتُ نظري نحو الطبيب ماكسويل و.. آيرون الذي كان معه دون سبب منطقي.

«سيد ماكسويل، ما فائدة آيرون؟ لما هو موجود معنا؟» هذا الأخير كان يتأمل الحائط الذي نظرتُ له قبل قليل ببعض الإستغراب قبل أن يوجه مقلتاه نحوي بحزن زائف ورفع كفه نحو قبله كمن أصيب بطلقة «أوتش! هذا الكلام كان مؤلما وخاصة أنه كان منكِ آنستي!» قلبتُ عيناي بملل، درامي للغاية.

«تعقَّل آيرون!» تحدث ماكسويل بجانبه ثم إتجه حديثه نحوي «آنسة جايلين، لو أشرفنا عليكِ أنا وطبيبكِ الفيزيائي، تستطيعين العودة للمشي، لقد أجلنا هذا طويلا، وأظن أنه وقت مناسب لنباشر الترويض، مارأيك؟»

هراء.

قررتُ تجاهله وإعادة نظري للحائط، عساه يفهم أنني لم أحب هذه الفكرة، وفي المقابل هو تكلم بإستنكار وغير تصديق:

«سيدة جايلين، هل تظنين أن لا حق لكِ في العودة للمشي؟» عقدتُ حاجبي بتساؤل، متى قلتُ مثل هذا؟

إندق عنقي نحوه ومررتُ عيني عليه من أعلاه لأسفله، يبدو جادًّا للغاية فيما قاله قبل قليل، كيف يستنتج شيئا بهذا الغباء؟ تقدم لي وجلس على السرير ثم نظر لي وعليه أمارات القلق ليسترسل في حديثه الجاد:

«أترين أن شللكِ هو تكلفة عدم موتك؟» سقطت ملامحي ببطء ورأيتُ آيرون بطرف عيني يتحرك في مكانه بغير راحة.

لقد راودتني فكرة سيئة للغاية قبل سنة، أن ما حدث لي هو عادل، هم ماتوا، فلما سأحيى دون دفع ثمن؟ يستحيل أن تقدم الحياة لنا فرصة ثانية للعيش، دون تراتبات ونتائج، كرم الحياة علي للعيش، كان ثمنه أن أفقد قدرتي في المشي.

إبتلعتُ ريقي ببطء، وبقائي صامتة لفترة طويلة جعله يستنتج الإجابة ربما، إرتفعت يداه وضم خاصتاي بينهما وصار ينظر لي بطريقة أكثر عمقا من ذي قبل، أحسستُ بالتوتر الشديد من هذا، وخصوصا أن آيرون يشاهد، لما يمسك يداي؟

«هذا خطأ بكل تأكيد، تعلمين، أنتِ عانيتِ طويلا، بدءً من زواجك برجل يحب غيرك، ثم موت طفلك، بقاءكِ وحيدة كافي للغاية، لا أرى أن على الحياة سلبك المزيد، عليكِ الإستمرار الآن» كان حديثه مغلف بجدية شديدة أرهبتني، ولم يفلت يداي بتاتا أثناء خطابه التوعوي هذا.

«أنا لم أقل أنني أرفض تلقي العلاج، لكن.. »

«لكن؟» طرفتُ بأهدابي وهو ظل ينظر لي بأمل شديد، لكنني قطعتُ تواصلنا البصري وأبعدتُ يداي من بين كفوفه قبل أن أردف: «لو لم أستطع المشي في غضون شهر سأتوقف»

كان هذا كافيا لجعله ينهض بسعادة لم أستوعبها وكأنه يكاد يفقد وعيه، بل وحتى قد عانق آيرون ببهجة وبدآ في القفز كالأحمقان ويتمتمان بكلمات لم أهتم لها، أهذه السعادة فقط لأنني وافقت حينما إنتهى الإثنان مما يفعلانه حمحم ماكسويل يعود لجديته وأوضح:

«إذا سنباشر حصص الترويض اليوم، وآيرون هو طبيبكِ الفيزيائي»

أومأتُ برأسي عدة مرات بمعنى فهمت، وإنتظرتُ أن يباشر آيرون بأيٍّ مما سيفعله، حتى توقفتُ قليلا.. إتسعت مقلتاي بقوة ونظرتُ لكلاهما بصدمة وسألتُ بنبرة عالية مستنكرة:

«من هو طبيبي الفزيائي؟»

كان السؤال موجها لماكسويل بالخصوص، والآخر قد قهقه بطرافة وكأنه توقع ردة فعلي هذه، ولم أمنع نفسي من النظر له بجانبية لجعله يصمت.

وقد نجح هذا بالفعل.

أجاب الطبيب ماكسويل بهدوء: «آيرون»

«أتعني أن هذا الرجل يملك عملا بالفعل؟ لا بل وقد أصبح طبيبي ابتداءً من اليوم؟» حركا رأسهما بتوازي إيجابي، وقد فغر فاهي من شدة الصدمة، آيرون يعمل؟ كيف نجح في دراسته حتى؟ لا بد أنه قام برشوة أحدهم ليعطيه شهادة مزاولة المهنة!

رمشتُ عدة مرات أخرج من دهشتي، ثم عدلتُ جلستي حين إقترب آيرون مني، والآن فقط لاحظتُ أنه يحمل معطفا أبيضا فوق مرفقه، ولا يرتديه، ظننته في البداية معطف ماكسويل، لأن هذا الأخير لم يرتده اليوم على غير العادة.

«لنبدأ بتمرين صغير آنستي» قلبتُ عيناي عليه، وإبتسامته المتهورة لازلت تعتلي شفتيه،كيف يقوم بعلاج الأشخاص حتى؟

«ماهو؟» سألتُ، وقد أشار لماكسويل ليذهب للجهة الأخرى حتى أستطيع رؤية كلاهما والتفاعل معهما، لكنني شهقتُ بصدمة حالما أبعد غطاء السرير على غفلة، وجحظت مقلتاي، أهو مجنون؟؟ قبل أن أنهره على ما فعله تولى ماكسويل ذلك صارخا في وجهه بغضب:

«ماهذا آيرون؟ كان عليك قول شيئ قبل أن تقوم بهذا التصرف غير اللائق!»

وجهتُ حدقتاي نحو آيرون أعاتبه بنظري ليدرف بتوتر :

«أعتذر آنستي، سأحاول أن أكون أكثر حرصا المرة القادمة»

أبعدتُ عيناي عنه بغضب مظهرة له أنني لم أقبل إعتذاره حتى، هذا الأخرق يفتقر لأسلوب التعامل اللبق مع الآخرين، نظرتُ لماكسويل بإستنكار وهو يربت على كتفي لأهدأ ويكاد يحرق آيرون بنظراته، ما به هذا أيضا؟

«حسنا لنبدأ، حاولي تحريك أصابع قدمك»

رفعتُ حاجباي بسخرية، لكن ملامحه جادة، وهذا مخيف، آيرون والجدية لا يمكن أن يجتمعا في غرفة واحدة، حاولتُ أن أكون مريضة لطيفة متساهلة، لذا وجهتُ تركيزي لقدماي، وراقبتُ أصابعي، أحاول التحكم في حركتهم، حتى أنني حبستُ أنفاسي دون وعي مني، وشعور العجز يكاد يلتهمني.. نظرتُ لماكسويل الذي وضع دفتره على المنضدة وسأل بتهذيب:

«أتسمحين؟»

لم أفهم ما يعنيه لكنني أومأتُ إيجابا ليقوم بما يرغب، وقد إتجه لقدمي ممسكا بإصبعي الأكبر، وشعور خفيف للغاية بالدغدغة قد راودني، أتذكر أنني كنتُ سابقا أكاد أختنق من الضحك حينما يلمس أحدا قدمي، لكن الآن.. لا أكاد أشعر بهما حتى.

أبعدتُ هذه المشاعر عن ذهني حالما بدأ الطبيب ماكسويل بتحريك أصابعي للأمام والخلو واحدا تلو الآخر بخفة، لم أستشعر حتى حرارة أصابعه، وأنا متأكدة أن يديه دافئة لإمساكه لي سابقا والشعور بهما.

«حاولي التفاعل معي، أقنعي عيناك أن أصابعك تتحرك دون مساعدتي، هيا»

طرفتُ بأهدابي أحاول التفاعل كما قال، لذا أغلقتُ عيناي وإستشعرتُ التحرك الطفيف الذي يطرأ على أصابعي، أستذكر أيامي السابقة والبعيدة، عندما كنتُ أستطيع الركض في أنحاء المنزل دون إهتمام، لم أكن أستشعر النعمة التي كنتُ بها آنذاك، كنتُ أظن أنه ليس بالشيئ الكثير، لكن إتضح الآن أن المشي والركض بالأرجاء لنعمة قدمت لنا بالمجان، وهناك من لا يمتلك هذه النعم حتى!

صراخ آيرون وماكسويل معا جعلني أجفل وأفتح عيناي، كانت صيحاتهم سعيدة ومتداخلة وحاولتُ الإستيعاب حتى أتى عقلي بسؤال مستنكر:

«هل حركتُ أصابعي؟»

كان الإثنان لا يزلان يقفزان في كل مكان كمن فاز باليانصيب، وهذا غمرني بالساعة والإبتسامة شقت وجهي على مظهرهما، قبل أن يأتي الإثنان إلي في نفس الوقت ويعانقاني، هذا جعلني أشعر بالحرج وأحسستُ بالحرارة ترتفع حتى رأسي الثقيل، كانا يعانقاني بدفء ويتمايلان بسعادة وهما يردفان ببعض التهنيئات والتشجيعات التي جعلتني أعانقهما بدوري.

«أحسنتي أنا فخور بك» قطع ماكسويل كل هذا بجملته الأخيرة وتربيته فوق رأسي، ثم إستقام هو وصديقه مهنئا إياي أيضا: «بهذا التقدم ستستطيعين المشي في غضون أسبوعين!»

عاد الإثنان للشجار حينما صفع ماكسويل مؤخرة رأس آيرون ناهرا إياه: «أجننت؟ لما تقدم آمالا زائفة للمرضى؟ ذلك سيجعلهم يفقدون الأمل أيها الأهوج»

طرفتُ ببلاهة، ألم يكونا سعيدين قبل لحظات، لما إذا هما يتشجاران الآن؟ غضب آيرون من نعته له بالأهوج ودفع ماكسويل حتى كاد يفقد توازنه، هذا الأخير شعر بالإهانة أيضا وقطع المسافة التي تفصلها مستديرا حول السرير ليصل لآيرون الواقف بالجهة الأخرى، أيريدان الشجار الآن وفي غرفتي؟ على هذه الفكرة وجدتُ نفسي آمرهما بغضب:

«توقفا حالا!»

تجمد جسديهما ولم يكد يقطع ماكسويل خطواته المتبقية حتى توقف، ثم عدلا وقفتيهما معا وإعتذرا بصوت خافت، هذان الإثنان مجنونان بكل تأكيد! حركتُ رأسي بقلة حيلة منهما وأنا أراقبهما يغادران الغرفة وصوتهما المتذمر من الخارج يصلني حتى مع إبتعادهما!

أهوجان وإلتقيا!

1999_الثاني عشر من شتنبر.

«تمسكي بي جيدا سيدة جايلين»

أحسستُ بالإنهاك الشديد بينما أراقب يداي المتمسكة بأكمام معطف السيد ماكسويل، في إحدى زوايا الغرفة يقف آيرون ويراقبني منذ دقائق، إعتنق الصمت أثناء وقوفي لمدة قصيرة من الزمن بينما تلقى الطبيب ماكسويل دفة الحديث، أو بالإحرى التشجيع وهو يلقي على مسامعي جملا من قُبيل أنني أستطيع فعلها وأنه ليس بالشيئ الصعب، مرت دقائق أخرى حتى إستطعتُ التوازن دون الإرتعاش، لكنني لم أتخلص من تعرق كفاي.

رفعتُ بصري نحو آيرون برجاء وأردفتُ بقلة حيلة:

«ألا تظن أن هذا كافي؟ لقد وقفتُ لقرابة العشر دقائق»

أغمض عيناه معتذرا ووجهتُ بصري لماكسويل لعله يرأف بحالي، أنا حقا أقوم بمجهود يفوق طاقتي بالبقاء واقفة كل هذه المدة بهذه الطريقة، هذه جلستي الرابعة هذا الأسبوع لكنها الأصعب من بينهم جميعا، ظننتُ أن تحريك أصابعي هو ما سيكون صعبا ثم يسهل الباقي.. لكن آمالي تحطمت بهذا التمرين! ورغم أن ماكسويل يساعدني وحتى أنه يتحمل ثقلي بأكمله لكن الأمر متعب.

نفى ماكسويل برأسه وتراجع خطوة كي يبتعد عني، لكنني تشبثتُ به أكثر من السابق، لا يمكنني الوقوف لوحدي دون مساعدته!

«حاولي تتبع خطاي، دعينا نحرز تقدما هذا الأسبوع سيدة جايلين»

عاد خطوة أخرى للخلف ولو قام بذلك مجددا فجسدي سيهوي في الفراغ، وعلى ذلك تواثبت دقات قلبي أرغم نفسي على إتخاذ خطوة، لكن عقلي يأبى التحكم بقدماي وكأنه ينفي وجودهما.

يداي إرتعشت بطريقة أكبر والعرق قد تساقط من جبيني، أشعر بالعجز الشديد، ما الصعب في إتخاذ خطوة واحدة جايلين؟ هيا هيا!

توقفتُ عن المحاولة حينما عاد ماكسويل الخطوتين التي إبتعدهما، وتشبت بيداي هذه المرة عوضا عن مرفقاي، ليقترب من أذني هامسا بلطف:

«لو لم تفعليها اليوم ستفعلينها غذا، لا داعي لتقسي على نفسك، إسترخي»

وجدتُ نفسي أحاول التنفس بشكل سليم حينما إبتعد وإبتسم لي بتشجيع، ليقترب آيرون بدوره ووقف على جانبي الأيمن وكأنه يريد توجيه مساري أو إمساكي عند السقوط.

إبتعد ماكسويل مجددا بخطوة للخلف، وأردف آيرون بتنبيه:

«ليس عليك رفع قدمك، فقط مرريها فوق الأرض»

أخذتُ نفسا عميق وحاولتُ جر قدمي لكن لم يتحرك أي شيئ من جسدي، مما جعلني أصاب بالخيبة، لكن ماكسويل أردف مجددا برقة:

«أحسنتِ، سنكمل غذا، وقوفك طوال هذه المدة بحد ذاته إنجاز»

1999_التاسع والعشرون من شتنبر.

تصفيق آيرون المتحمس جعلني أجر قدمي اليسرى أيضا، كانت أمي في الجانب تراقب بأعين ممتلئة بالدمع، وكأنها عصفور يشاهد إبنه يرفرف بجناحيه للمرة الأولى، الفرق أنها تشاهدني أخطو خطوتين منذ أكثر من سنتين، وحقيقة أنه بعد محاولتي للإنتحار بشهر أصبحت تجدني أحاول المشي كانت تسعدها أكثر من غيرها.

«رائع سيدة جايلين، خطوة واحدة لليوم ستكفي، هيا.»

كلام ماكسويل جعلني أزحف بقدمي الأخرى فوق الأرض، وتمسكتُ به بشدة ؤانا أستشعر المسافة التي خطوتها، ذلك جعلني أخرج نفسا مرتعشا ورفعتُ رأسي لأنظر لوالدي الذي يقف بأعين تشع فخرا، كانا سعيدين وهذا كان كافيا لأخطو خطوة رابعة، لكنه كان قرارا خاطئا لأنني أجهدتُ أكثر من اللازم لأفقد القدرة على الوقوف أكثر، وقبل أن أسقط كان ماكسويل قد أدار يديه حولي بخوف.

«قمتِ بعمل رائع، سيدتي»

بادلته الإبتسام بسعادة عندما رفعني عن الأرض كالمرة السابقة قبل شهر ليأخذني للحديقة، لكن هذه المرة قد أخذني للسرير، وحالما وضعني كان والداي على كلا الجانبين يمسكان بيداي، ويتمتمان بكلمات الفخر والتشجيع، ولم أجد سوى مبادلتهما للإبتسام بصدق، مر وقت طويل منذ إبتسمتُ بهذه الطريقة، وهذا كان كافيا لجعلهما أكثر سعادة.

____________

*إضطراب التحويل: آلية دفاعية يتخدها الجسد كدفاع ضد الألم العاطفي، قد يظهر في صورة شلل نصفي أو كامل*

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة