1999_ السابع من شتنبر.
طرقات مألوفة على الباب أيقظتني من شرودي على السقف، لألقي ببصري نحو من سيدخل اليوم ويتكرم علي ببعض الحديث، الحياة في هذا المكان مملة للغاية، ألا يدركون أن هواجسنا تلتهمنا ونحن لوحدنا؟
«مرحبا سيدة جايلين! كيف حالك اليوم؟» تحدث الطبيب ماكسويل ببهجته المعتادة متجها نحوي، أهو سعيد على الدوام هكذا؟
فضلتُ عدم إجابته أعيد بصري للسقف وألاحظ نقوشه الكئيبة البسيطة، هذا الطبيب يثير غضبي، ويلقي علي أسئلة لا أحبذها «تبدين فاترة، أ أصابكِ الملل؟» همهمتُ له بدون تعابير، أخيرا إكتشف أحدهم هذا.
«لما لا تتجولين بالحديقة؟ أغلب من بالمشفى يفعلون هذا» رفعتُ حاجبي نحوه ونظرتُ لملامحه المبتسمة لي، أهو مجنون بالفطرة أم يدعي الجنون؟ «سيد ماكسويل، أنسيت أنني لا أستطيع المشي؟» رمش نحوي، وكأنه يحاول فهم حجتي «أي؟» هذه المرة أنا من طرفتُ في وجهه، هو حتما مجنون، «أي أنني لن أقدر على التجول حتى في غرفتي»
«أستطيع مرافقتكِ» قال بإعتيادية، وكأن حله أسهل ما يكون، وهو بالفعل كذلك، تفتحت ملامحي وتبعثرت عقدة حاجباي، «حقا؟» اومأ إيجابا يحرك رأسه للأعلى والأسفل في حماس، أيعني هذا أنني سأرى الخارج؟ أوه هذا رائع «إذا هيا ماذا ننتظر؟» أبديتُ حماسا أكبر من خاصته حينما إستقمتُ بجذعي عن السرير ونظرتُ له وهو يحضر الكرسي المتحرك من زاوية الغرفة.
ترك الكرسي أمام سريري وتساءلتُ في هذا اللحظة، لما لم أطلب هذا من والدتي؟ أحب الحدائق والمروج الخضراء، تذكرني بطفولتي التي قضيتها بقرية جولوا.
أفقتُ من شرودي لإحساسي بجسدي يرتفع عاليا عن السرير، وسجنتُ شهقتي الناجمة عن جفولي، لأن الطبيب ماكسويل حملني دون إعلامي أو حتى أخذ إذني! دار حول السرير وإحسستُ بسخونة شديدة تتدفق في منطقة خصري وركبتيّ وهذا القرب الشديد جعلني أسمع نبضات قلبي بوضوح، أشعر أن رأسي سينفجر من الضغط، حينما راودتني فكرة السقوط ومن هذا الإرتفاع إمتدت يداي لا إراديا وقبضتُ على معطفه الأبيض بتوتر.
«ها أنتِ ذا» نبس مبتسما وهو يضعني فوق الكرسي بينما يقابل وجهي، وأفلتُّه ببطء شديد لألاحظ تجعد أطراف وزرته بسبب قبضتي المتعرقة.
حاولتُ إستنشاق قدر عالي من الهواء، هذه المرة الأولى التي يحملني فيها أحدهم منذ تسع سنوات..
حتى إدوارد ما حملني يوما!
طرفتُ بإجفاني عند إستيعابي أن الطبيب قد غادر الغرفة بإتجاه الحمام، وإستغربتُ وجود فرشاة شعري بين أنامله بعد عودته، ماذا ينوي أن يفعل بها؟
إتجه نحوي، وأستغربُ حقا سبب طاقته المشرقة هذه، عاد التساؤل يكسوني حالما أدار الكرسي يجعلني أقابل السرير بظهري وأحسستُ به يجلس خلفي «سيد ماكسويل؟» همستُ بخفوت، لقد جنّ حتما..
«لا أستطيع ترك مريضتي تخرج بهذه الحالة، سيظن الجميع أنني لا أهتم بك، وأفقد سمعتي بين الأطباء» نبس وهو يمرر المشط بين خصلات شعري، لتجحظ مقلتاي بخفة، أيسرح شعري!
«سيد ماكسويل، أتعاني من الحمى؟ عليك مراجعة طبيب ما، قد تستطيع إنقاذ نفسك لو إكتشفت عطبك سريعا» سمعتُ قهقهته الخافتة و هو يضع يده اليمنى فوق رأسي ويمرر المشط بين خصلاتي بالأسفل وأجاب «لا تقلقي، ليس بي خطب» همهمتُ له وكأنني صدقته، لكنني في قرارة نفسي أعلم أن شيئا ما قد إلتهم عقله، فهو يتصرف بغير صواب منذ أن دخل الغرفة..
«يبدو أنكَ صِرت مجنونا بكثرة الحالات النفسية التي تعالجها» تمتمتُ بهمس لن يسمعه لكنني أغمضتُ عيناي بخجل حينما أجاب أُدرك أن صوتي وصله «عزِيزتي ، أنتِ أيضا مريضة نفسية في المصحة .. أنسيتِ؟» الوغد، يقصد أنني مجنونة أيضا، أي أن كلانا مجانين..
مرر الفرشاة للمرة الاخيرة، ونهض عن السرير متجها للحمام من جديد، حالما عاد للغرفة نظر لي من الأعلى للأسفل، ثم مر بجانب خزانة ملابسي يفتحُ بابها الأول، ثم الثاني، كمن يبحث عن شيئ، ولأنني لا أنوي مساعدته فلم أسأله.
«الجو مضطرب في الخارج وقد تمطر، لذا عليك إرتداء معطفك» أوضح وهو يحمل معطفي البني الطويل، متقدما نحوي، هو حقا يخاف على سمعته بين الأطباء.
فتح المعطف الذي كان مطويا وأمسك بذراعه يساعدني على إرتدائه، ولم أعترض بتاتا لأنني حقا أملك مناعة سيئة أمام البرد، حالما إنتهى نظر لي بغير رضى ثم قال «عليكِ تعديل جلستك حتى لا يزعجك المعطف» نظرتُ لخلفي، كان المعطف طويلا وهو محق، لأنه يزعجني في جلستي..
إتسعت عيناي بتفاجئ حالما أحسستُ به يضع كلتا يداه أسفل ذراعاي يجعلني أقف حتى إنخفض المعطف بشكل كامل يصل لأسفل ركبتي ثم وضعني فوق الكرسي مجددا وبدأ يقود بي وكأنه لم يفعل شيئا، هذا الخسيس يفعلها عنوة!
أخذ منا الأمر بضع دقائق حتى وصلنا لحديقة المشفى الخارجية وقد إنفتحت أساريري وأنا أرى الحياة تتفاقم في الخارج، الكثير من المرضى بالخارج يتجولون متناسين همومهم، وبعض الأطفال بزي المشفى يركضون فوق العشب.
«ألا تستطيع الإسراع قليلا؟» قلتُ بحماس أرفع رأسي نحو الطبيب الذي نظر لي وإبتسامة لا تبشر بالخير قد علقت فوق شفتاه، أحسستُ بالكثير من المشاعر المضطربة تنتشر وسط معدتي من فرط السعادة، وفجأة بدأ السيد ماكسويل بالهرولة حتى صار جسدي يرتد فوق الكرسي وقهقهات سعيدة تنفلت مني.
إنها أول مرة أصبح سعيدة في هذا المكان.
توقفنا وسط عشب الحديقة الفسيحة وجلس الطبيب أمامي يعقد ركبتيه وهو يتأمل الأجواء والناس، البهجة كانت ظاهرة بشكل بارز على عيناه مما تسبب في إنتقال العدوى لي.
«الحياة لطيفة حينما نستمتع بها، السعادة لا تتطلب الكثير من المجهود كما نظن، بل فقط بعض الطمأنينة والراحة كفيلة بتلوين حياتنا، أوليس؟» توجه نظره نحوي في تساؤله الأخير وقدم لي أكثر إبتساماته إشراقا، مما أعطاني فرصة لتقليب كلامه في عقلي.
هو محق، حينما كنتُ أعيش بين عائلتي ولا أعبأ بهموم الحياة، كنتُ أكثر إشراقا، لكن مع مرور السنين أصبحتُ منطفئة وباهتة، متى بدأ كل هذا؟ أنا حتى لم أنتبه لجمع الأحداث الذين أوصلوني إلى هنا.
«أهناك من تشتاقين له آنسة جايلين؟ غير طفلكِ وزوجك؟ » قفز لسؤال آخر، مغيرا الموضوع بشكل كامل، لكن بالنسبة لي هو نفسه، إذ أجبت «أجل، أشعر بالحنين لذاتي السابقة» إنتظرتُ أن يقدم رد فعل يظهر لي لو كانت إجابتي تشفي فضوله، لكنه ظل بإبتسامته السابقة ولم يسمح لها بالتزعزع، وأغلق عيناه فجأة سامحا للنسيم بملاطفة وجهه وخصلاته البندقية.
«الجميع يفعل، الإنسان كلما تقدم في عمره، يفقد أجزاءً من روحه في إحدى عتبات الماضي» إبتلعتُ ريقي، وكونه لا يراني الآن بسبب إغماضه لعيناه حتى أثناء حديثه أعطاني فرصة للشرود.
«كيف كانت نفسك السابقة سيدة جايلين؟ ربما أساعدك في إيجادها» نظر لي هذه المرة، ووجدتُ نفسي أبحث بإستماتة عن إجابة تساعدني.
«أظن أنه سؤال معقد قليلا، لننتقل لآخر أبسط، صفي لي يوما سعيدا للذات السابقة التي تشعرين بالحنين لها» أردف حينما شعر بتوهاني الشديد، ووجدتُ نفسي أبتسم بإشتياق في المقابل، ووجهتُ نظري لبعض المرضى على الجانب الآخر.
«كانت جايلين بالماضي تستيقظ على الساعة السادسة صباحا، قبل إخوتي بكثير، وأجد أمي بالمطبخ، تحاول إعداد الفطور، كنتُ أحب مساعدتها في الساعات الأولى من الصباح، وحينما أنتهي أتجه لوالدي بالخارج، إعتاد قطع الخشب بفأسه صباحا، حتى يبيعه ليلا، بالطبع لم أكن أساعده، فهو بكل تأكيد لن يسمح، كنتُ فقط أرغب في مراقبته لساعات حتى يحين موعد الإفطار، ومشاركته كوب شاي دافئ»
لم أدرك أن إبتسامتي المليئة بالحنين قد تحولت لدموع مذرارة سوى بعد حين، لذا توقفت عن السرد حتى لا تكشفني نبرة صوتي وغصة حنجرتي، ومثلتُ إستمتاعي في مشاهدة المحيط بدل مواجهة الطبيب ماكسويل.
لم يجبرني أحد بالزواج من إدوارد، لما فعلتها إذا؟ لما ودعتُ هذه الحياة البسيطة بهذا الفعل البائس؟
«كيف وجدتِ الحديقة سيدة جايلين؟» طرفتُ بأهدابي المبلولة، أستوعب أنه قد إكتشف تأثري من السؤال السابق وهذا يفسر تغييره للموضوع كما يفعل دوما، لذا أجبتُ بكلمة واحدة تعبر عن حبي للمكان «دافئة»
حينما نجحتُ في مسح الدموع التي غادرت عيناي إلتفت نحو السيد ماكسويل الذي كان ينتظر إستجابة عيناي لنداء مقلتاه، وأردف بإمتسامة يستحيل أن تفارقه «ألا تريدين المجيئ لها يوميا؟» أومأتُ برأسي بنعم، ولكنني لا أستطيع المشي، وهذا أكبر عائق.
«تعالجي إذن، حالما تنجحين في العودة للمشي، تستطعين الذهاب لأي مكان ترغبين به» سقطت إبتسامتي ببطء وظل الصمت يلتحف كلانا بعد جملته الأخيرة، مع بعض الصراعات الداخلية التي أخوضها داخلي، يستحيل أن أفكر في مثل هذا الشيئ، لقد تقبلتُ أنني لن أستطيع الركض أو المشي أو حتى تحريك قدماي بعد الآن، لذا لا أريد التفكير في مثل هذا الشيئ المحرم.
«حضرة الطبيب، أنت تدرك أن إعطاء أمل زائف لمريض هو أسوء ما قد تفعله» تحدثتُ أخيرا، ولاحظتُ الجو المشحون الذي إنتشر بيننا فجأة، بعض المشاعر المضطربة التي لا أستطيع السيطرة عليها جعلت مني أبدو إندفاعية للغاية في هذه اللحظة.
«سيدة جايلين، أنا لا أقدم آمالا زائفة، لو لم تكن هناك أي فرصة لعودتك للمشي، لما عرضتُ عليك الأمر» أغمضتُ عيناي بنفاذ صبر، هذه هرطقة، ولا قوة لي في سماع نسبة النجاح وفشلها، تغيرت نفسيتي الآن وأظنني لا أرغب في العودة لهذه الحديقة.
«أريد الذهاب لغرفتي» قلتُ.
«أتظننين أن شللكِ ناجم عن الحادث الذي حصل؟» أجاب.
طرفتُ بأجفاني لعدة مرات لا أعلم بما أجيب، إنه يذكر الحادث المشؤوم، وهذا جعل مني أتنفس بتوتر وإرتباك.
«وماذا قد يكون غير هذا؟» نبرتي خرجت مهزوزة، ولم أنتبه حتى لتغير نظراته لأخرى قلقة بسبب طريقة تنفسي المفزعة، كنتُ فقط لا أقدر على تقبل أي حديث يضم الحادث المأساوي الذي حصل، لأنه من سلب أنفاسهما، وتركني وحيدة معلقة بين أطيافهما.
«سيدة جايلين إهدئي» إستقام السيد ماكسويل من مكانه وأصبحتُ أسمع بعض الأصوات البعيدة، كنتُ أعلم أن هذا كان نسيج مخيلتي، وأن تحطم الزجاج وإنقلاب السيارة ظل محفورا في ذهني لدرجة أنني أصبحتُ أسمع هذه الأصوات في كل مرة أتذكر الحادث.
«جايلين أتسمعينني» كان الطبيب يهز جسدي بخفة ويداه الباردتان فوق كتفي، أغمضتُ جفناي بخوف، هذا يحصل مجددا، أنا خائفة «جايلين! جايلين!» بدى صراخه بعيدا جدا عني، رغم أنني متأكدة أنه يصرخ بأعلى صوته الآن، لكن الصوت الذي كان قريبا مني للغاية، كان بعض الهمسات الخائرة، صوت ضعيف يهمس بجانب أذني، يعود لطفل صغير للغاية على أن يضعف بهذه الطريقة.
كان يناجيني، ينادي علي لآخذه لحضني، لكنني لم أستيقظ، «أمي.. أمي» نادى ونادى كالمحموم، لكنني لم أستيقظ «أمي..» حقيقة أنه إختار النداء علي وسط حطام السيارة، وأنني لم أنهظ كي أعانقه، بل فضلتُ الإستلقاء على الأرض وسط شظايا الزجاج وبرك دمائي، كان يمكنني النهوض وأخذه، تهدئته، إخباره أنني هنا، أنني معه.
«جايلين!» شهقتُ كالغريق حالما عدتُ لواقعي، وقابلني وجه الطبيب ماكسويل الذي كان جاثيا على ركبتيه أمامي، ويديه تعانق وجهي، حينها حدث ما لم أرغب به.
إنهرت.
بكيتُ بطريقة سيئة للغاية، كنتُ أشهق وأنوح، وهذا جعله يخبئني وسط ذراعيه ويعانقني، مسح علي برفق وتحمل عويلي، لما نجوت؟ كان ناسكيرد أكثر أحقية بالنجاة مني، لقد عشتُ أنا، لما لم يعش معي؟ ليت إدوارد معي على الأقل، كنتُ سأتقاسم معه حزني على فراق إبني، لكن لا أحد منهما فضل البقاء معي، كلاهما هجراني.
«لقد مر، لا بأس، أنتِ هنا الآن، أنتِ بأمان» همسه الضعيف وصل لي وتشبثتُ بعناقه أكثر، كيف أخبره أنني لستُ بأمان مع أفكاري؟ كيف أصارحه أنه لن يمر دون عائلتي التي أسستها وذهبت فجأة؟ كيف أقنعه أنني لستُ هنا الآن؟ أنني لازلتُ عالقة بذاك اليوم؟
arancia__s