زيارة.

زيارة.

48 0

«أحسنتِ آنستي هذا التقدم مبهر!»

حاولتُ عدم قلب عيناي على كلام آيرون وكلي تساؤل متى سيأتي الطبيب ماكسويل، لأن البقاء مع آيرون وحده ممل. تشبثتُ بالأعمدة الحديدية على كلا جانبي، أحاول بإستماتة جعل قدمي ترتفع حتى أخطو.

رأيتُ بطرف عيني آيرون وهو يتقدم ويقف بجانبي الأيمن متابعا تحركاتي، والممرضة جرمين تراقب من بعيد بكل شغف وفضول. لاحظتُ أنني منذ بدأت العلاج، وخطواتي تصبح أكثر خفة ورشاقة، ربما يصعب علي التحكم في قدمي، لكن الأمر يزداد سهولة مع الوقت.

تسلل لي صوت آيرون الحالم عندما أخذتُ خطوتي السابعة وهو يشابك أنامله بدرامية معتادة منه:

«يا إلهي آنستي، إنجازك هذا سيجعلني أتفاخر أمام الطاقم الطبي، أنتِ من بين المرضى الذين إستقبلوا العلاج سريعا وهذا مثير للدهشة، أنا حقا أتخيل ملامح ميخائيل المغرورة وهي تتحطم بعدما أظهر ملفك لمشرفنا! »

تجاهلتُ ثرثراته أحاول التوازن ببطء، دون الإستفسار عن من يكون ميخائيل هذا ولا حتى الإعتراض على إستغلاله لتقدمي في سبيل تفاخره، كل ما إهتممتُ به في هذه اللحظة هو الطريقة التي سأستدير بها لأحاول المشي مرة أخرى على طول العمودين لكن في الإتجاه المعاكس هذه المرة.

أفلتّ العمود الأول وأمسكت بالثاني بكلا يداي أرغم عقلي على الإقتناع بأنها مجرد حركة بسيطة، وأنني لم أقع ولم يحدث لي ضرر، أخذتُ نفسا صغيرا ثم إعتدلتُ في وقفتي حتى يكون الإلتفاف ببساطة، وأثناء ذلك وجدتني أتساءل:

«سيد آيرون، هل ستقتصر التمارين على المشي بمساعدة العمودين فقط؟»

نظرتُ لعيناه اللتان أبدتا إستمتاعا طفيفا، إنه شخص يحب الحديث حول المواضيع التي تستهويه، وهذا يبرز فقط في إنفعالاته وردوده، أعاد ذراعاه لخلف ظهره تزامنا مع إعتدالي والمشي مجددا في الإتجاه الآخر، وأردف مجيبا عن سؤالي الذي ظل معلقا لثواني:

«الأعمدة المتوازية محطة مهمة في العلاج، لكنني لن أقتصر عليها فحسب، حالما أرى أنك جاهزة لتمرين جديد سنحضر المشّاية، إنها مهمة في الترويض.»

«مشّاية؟»

«أجل، تصميمها مستطيل الشكل مع أربع أرجل بعجلات في الأطراف لدعم المرضى أثناء المشي، وتكون مزودة بمقابض للإستناد عليها، في حالتك، ستساعدك لتقليل الخوف من السقوط لتعزز ثقتك أثناء المشي»

كانت جرمين من أجاب، وهذا جعلني أرمقها بإعجاب، هي حقا تعرف الكثير، قهقه آيرون بخفة متمتما ببعض المديح في حقها عن كونها أصبحت تعرف معلومات مبهرة في هذا المجال.

تجاهلتُ الحديث بينهما والذي بدى عفويا ينمّ عن علاقة زملاء طويلة الأمد، وأخذتُ خطوة أخيرة أنهي الطريق الطويل ثم إلتفتّ مجددا وهذه المرة لم أكن مرتبكة كالأولى، ثم مجددا مشيتُ في الطريق المعاكس، وبدى الأمر كأنه تدريب للمشي جيئة وذهابا، دون نهاية أو حتى بداية.

___

جفلتُ أثناء نومي وإستيقظتُ مفزوعة على صوت فتح الباب، لم أعلم كيف إستطعتُ أن أغفو، وبالنظر للساعة المعلقة الآن، فقد إستغرقتُ في نومي نصف ساعة، وجهتُ مرمى بصري للزائر المفاجئ، وقد كان الطبيب ماكسويل يقف عند الباب وينظر نحوي بهدوء، قبل أن يدلف الغرفة سائلا:

«هل أفزعتك؟»

نفيتُ برأسي بينما أعتدل حتى صرتُ أتكئ بظهري على الجدار خلفي.

أخذ ماكسويل كرسيا من إحدى زوايا الغرفة ثم وضعه بجانب سريري وجلس عليه، سألني مجددا عن أحوالي وبعض الأحاديث العابرة مرت بيننا، في ظرف وجيز كان كلانا قد توقف عن الحديث وظل الصمت دخيلا بيننا، نظرتُ لأزهار التوليب البيضاء الموضوعة بمزهرية فوق المنضدة بجانب سريري، قبل أن يلتقفني سؤاله الذي أثار إستغرابي:

«كيف كان إفطار اليوم؟»

سافرت ذاكرتي لساعات الصباح الأولى، وإستذكرتُ الطبق الغريب الذي أدخلته جيرمين لي بعد هنيهات من إستيقاظي، ماكان الطبق بغريب بقدر محتواه، حيث كانت وجبة إفطاري لليوم مختلفة عن كل شيئ أكلته في هذا المكان، لأنه وعلى خلاف الحساء الذي يقدم في كل وجبة، قُدِّم لي صحنا مليئا بالبان كيك المزين بالفواكه الحمراء والشوكولاتة وهذا جعلني حقا مدهوشة.

ظننتُ أنه تغيير في قائمة الطعام، لكن سؤال الطبيب ماكسويل الملتوي جعلني أدرك أنه خلف هذا، وقد إستحضرتُ قولي له البارحة بأن الطعام لا يعجبني وأنا أتأمل أن يجد حلا، لم أعي أن الحل سريع.

ولأعترف، كانت وجبة إفطاري لذيذة على غرار وجبات إفطاري في الأيام الفارطة، مما يجعلني ممتنة للغاية لهذا الطبيب الشهم الذي أصلح مشكلة كانت تجعل من معدتي تتقلب، وأنا حقا أعني الأمر، فقط تخيل تناول نفس الطعام لسنتين في كل صباح يجعل من المرء راغبا في الإستفراغ، المرات الوحيدة المتفردة التي تغيرت فيها وجبتي كانت عندما تحضر لي والدتي الطعام، ولأنني لم أرغب في إتعابها فلم أخبرها بأن ما يقدمونه هنا سيئ للغاية.

«كان لذيذا، شكرا لك.»

إبتسم نحوي ثم عقد ذراعيه، وظل صامتا، وهذا جعلني أفكر، في أنني لم أطلب حتى أن يقوم بتغيير قائمة الطعام، كل ما أردته أن أشاركه بعض معاناتي البسيطة، كونه طبيبي النفسي ويستوجب علي إخباره بكل ما يزعجني، وهذا حقا ليس أول شيئ لطيف يقوم به، لأنني لو بدأتُ بعدم ما قام به لي وشكره عنها سأستغرق وقتا ليس بيسير.

أنا محظوظة بوجود الطبيب ماكسويل في هذا المكان السيئ..

رفعتُ رأسي نحوه أبعد عيناي عن أزهار التوليب، وشعرتُ ببعض التوتر الخفيف حين طرأت على بالي فكرة، أظن أن بإمكانه القيام بالأمر من أجلي.. لذا تمتمتُ على إستحياء:

«هل لي بطلب منك؟»

نظر نحوي بتشكيك عاقدا ذراعيه أمام صدره، ثم أومأ لي بـ'نعم' لذا وجدتُه تصريحا لقول:

«أريد زيارة قبرهما.»

لم أكن أعلم أن الإفصاح عن الأمر بتلك الصعوبة سوى عندما فعلت، لأن نفسي قد تثاقل فور إنتهائي من الحديث، أغمضتُ عيناي بقوة أستطرد مرارة الشعور ثم فتحتُهما مجددا لتقابلني عيناه البنية، وأفزعتني العاطفة التي إكتنفتها مقلتاه، مرت لحظات قبل أن ينهظ مجيبا:

«سأذهب لأخذ تصريح بالخروج، وأرسل ممرضتك لتجلك تستعدين.»

لم يترك لي فرصة قول شيئ آخر إذ غادر بالفعل، ولم يمضي وقتٌ طويل حتى إقتحمت جيرمين الغرفة، كانت تندن بلحن أغنية ميكسيكية، وتراقص أيديها في الهواء، ولم تلقي علي التحية حتى الآن، بل إتجهن نحو الخزانة مباشرة لتختار ما سأرتديه، وهذا جعلني أبتسم بإستغراب، ثم أردفتُ:

«عساه خيرا، تبدين في مزاج جيد.»

تجاهلتني بينما ترفع فستانين في الهواء ولم يبدو عليها الإستحسان، ثم رمت كلا القطعتين فوق الأريكة بجانبها، ثم رفعت يدها اليمنى في الهواء تجعل من تركيزي ينصب نحوها حتى لفت إنتباهي الخاتم الذي ترتديه، ومن معرفتي لها فهي لا تحب المجوهرات، إستغرق مني الأمر ثواني حتى شهقتُ بصدمة ووضعتُ كلا يداي على فاهي وأنا أصيح:

«يا للهول جيرمين! هل تقدم أحدهم لخطبتك؟ ياإلهي هذا رائع! مبارك لك يا فتاة»

في المقابل أطلقت قهقهة طريفة ثم رمت فستانا خامسا فوق الأريكة والذي يبدو أنه لم يعجبها أيضا، ثم رفعت قطعة أخرى من الخزانة، وظهرت عليها أمارات الدهشة والسعادة، قبل أن تهمس لنفسها:

«أين غاب هذا الفستان عني؟ إنه أفضل شيئ رأيته في حياتي!»

كان دوري لأن أقهقه عندما أحضرت الفستان إلي ووضعتهُ جانبي ثم إنصرفت لتحضر الباقي، وقد كانت فرصتي لرفعه في الهواء وتأمله، كان فستانا رماديا بسيطا بأزرار كبيرة الحجم، قصَّة عنق مستطيلة، وأكمام طويلة، وأستطيع الجزم أنه يعانق الجسد بمثالية ويصل لأسفل الركبة.

جاءت جيرمين وبين يديها قبعة كلاسيكية، قفازات تصل للمعصمين، وأحذية بكعب قصير، وكلها بلون أسود، مما جعلني أفكر، هل تنوي جيرمين جعلي كبطلة مسلسل إيطالي باللون الأبيض والأسود؟ لكنني أوقن أن هذه الفتاة تملك ذوقا رائعا.

__

إستمررتُ بخدش ظهر يدي المغطاة بالقفاز القماشي، وأنا أنظرُ لبوابة المقبرة من زجاج السيارة الأمامي، أتوقع أنني بقيتُ في السيارة لربع ساعة كاملة منذ وصولنا، وللآن لم أملك الجرأة الكافية لمناداة ماكسويل الذي يقف في الخارج وينتظر إشارتي حتى أخبره بأنني جاهزة للزيارة.

زفرتُ أنفاسي الساخنة وأنا أشعر بالرهبة لفكرة أنني سألتقيهما بعد لحظات قصيرة، للمرة الأولى.

لكن لا أستطيع الهرب من هذا اللقاء بعد الآن، لأنني هنا بالفعل، وعلي التشجع، وأن لا أهرب، تستطيعين فعلها جايلين، لا داعي للخوف، هيا!

طرفتُ بأهدابي، وأخفضتُ زجاج النافذة لأطل برأسي على ماكسويل الذي يتكئ على السيارة بجانب بابي، وكانت هذه إشارة كافية ليستقيم ويفتح الباب لي، ثم وضع مرفقه على سطح السيارة ونظر لي سائلا :

«مستعدة؟»

لا، «ربما.» لستُ مستعدة إطلاقا.

أبعد ذراعه التي يستند بها على سطح السيارة ليدخلها أسفل ركبتي، ويده الأخرى جعلها تتموضع على ظهري، ثم حملني كما العادة، وبحذر شديد حرص على أن لا يصطدم رأسي بهيكل السيارة أثناء إخراجي، وبعدها وضعني فوق الكرسي المتحرك الذي أحضره مسبقا.

شعرتُ بإقترابي من المقبرة كلما دفع ماكسويل الكرسي ليمر فوق أوراق الشجر المتساقطة على الأرض، هل من المعقول أنني أزورهما للمرة الأولى بعد عامين من وفاتهما؟ لأن الأمر سيئ حقا.

لم أشعر بنفسي وأنا أغرس أظافري في باطن كفي حينما توغلنا في المقبرة وأصبحت المقابر متراصفة على كلا الجانبين، إعتراني خوف شديد وأنا أفكر في أن يخطفني الموت في إحدى اللحظات وأدفن هنا، مهما رغب الإنسان بمفارقة الحياة، يبقى ذليلا خائفا مرتعبا أمام فكرة الموت، وُلدنا كلنا على هذه الفطرة المتناقضة.

زفرتُ أنفاسي المرتجفة حينما شعرتُ بنسمات الهواء الباردة تقرص خدي، ومن الجيد أن جيرمين جعلتني أرتدي هذه القبعة لأنها تخفي كل توتري عن الطبيب ماكسويل.

جف ريقي حينما توقفنا عن المسير، ورفعتُ رأسي ببطء أقرأ شاهد قبرهما:

إدوارد كايرو

1959_10_22 / 1997_8_25

نقلتُ بصري للقبر الثاني، وشعرتُ بقلبي يطرق صخبا حتى أحسستُ بنبضاتي عند طرف حنجرتي وأذني، وأنا أقرأ أسوء ما يمكن لأي إمرأة في العالم أن تقرأه، تاريخ ولادة ووفاة إبنها.

ناسكيرد كايرو

1991_2_19 / 1997_8_25

لا أدري ما أكثر ما آلمني، هل رؤية إسمه؟ أو إدراك التقارب الشديد بين سنة ولادته وسنة وفاتـ .. وفاته؟ أم أن ما آلمني هو عدم تقبلي لحقيقة أنه قد ضاع من يدي في ليلة وشقيقتها، دون أن أستطيع معانقته للمرة الأخيرة، دون أن أقدر على توديعه بطريقة لائقة، دون أن أكون الأم المثالية التي يحتاجها.

إرتجفت شفتي السفلى بقهر، كلاهما لم يستحقا ما حصل، كلاهما توفيا دون أن يريا شيئا في هذه الدنيا، لما على الحياة أن تكون قاسية بهذه الطريقة؟

لكن علي تعلم أن كل ما أحبه، معرض للفقدان.

«كان علي إحضار أزهار لهما، أليس كذلك؟»

تجاهلتُ غصتي المفضوحة أثناء حديثي ، وكل ما عبأتُ به في تلك اللحظة أن أظهر أفكاري التي ربما تبدو طفولية قليلا، لكن الطبيب وضع يده على كتفي دون أن يظهر أمامي ويقاطع خلوتي وأجاب:

«يكفي أنكِ أتيتِ، تستطيعين إحضار أي شيئ المرة القادمة»

حركتُ رأسي إيجابا بينما أنظر لقبرهما وقلبي ينقبض ويعتصر، لا أظن أنهما سيسامحانني على تأخر زيارتي لكنني أعتذر على هذا.

كم أن الحياة تحب سرقة كل ما نحبه، وهذا حقا غير عادل، الطريقة التي توهمنا بها بأن لنا المقدرة على إختيار أي شيئ نريده دون إكراه، أن نحب ونهوى من نشاء، وأن بإمكاننا التلاقي وقتما نشاء، لكن كل هذا لا يكون تحت تحكمنا فعلا، لأن ما نختاره، ما نحبه، أو ما نهواه، مهدد بالإختفاء فجأة، وكأنه لم يكن يوما.

شعرتُ بالرغبة الشدية في الإستفراغ، خليط المشاعر هذا يدعو للإضطراب، لذا رفعت يدي المتعرقة ومسحتُ بها على عنقي متمتمة: «لنذهب»

فورا سحب الطبيب ماكسويل يده عن كتفي وجر الكرسي للوراء مستعدا للمغادرة، وأشعر بأنني أترك جزءً من روحي بينهما، هذا مهلك للنفسية.

أفقتُ من شرودي عندما شعرتُ بجسدي يرتفع عن الكرسي، وللمرة الأولى نظرتُ لماكسويل عن كثب، بينما أعانق جيده بكلتا يداي، وسألته «ألا تتعب في كل مرة من حملي؟» لا أظن أنه يفعل، لأنني في السنتين الأخيرتين فقدتُ وزنا ملحوظا، لكنني أردتُ سؤاله.

نظر إلي وإبتسم، ومن هذا القرب إستطعتُ تمييز لون عيناه الغامقة، إنها كالتربة، تزهر ملايين الورود حين يبتسم، وتنبتُ آمالا في نفس المرء حين يخيب.

«أستطيع حملك طول الدهر، ولن أتعب.»

لم أدري سبب الحرارة التي إنتشرت على طول وجنتاي، لكنني قهقهتُ بخفة ورفعتُ حاجبي أتمتم: «يا لك من متبجح!» إتسعت إبتسامته أضعافا ثم وضعني في المقعد جوار السائق، ليتجه لمكانه، ثم غادرنا هذا المكان الكئيب.

أسندتُ رأسي المثقل بالأفكار على سطح زجاج النافذة، وأردتُ لو طال خروجي حقا، لأن البقاء في المصحة ممل، ولحظات الخروج النادرة هذه تطرد عني رتابة الأيام.

راقبتُ تراكض الأشجار في الإتجاه المعاكس خارجا، حتى تسللت لي ألحان معزوفة مكسيكية مألوفة، لذا وجهتُ بصري ناحية الراديو أتساءل: أين سمعتُ هذه الأغنية قبلا؟ طرفتُ بضع مرات وقد أزعجني شعور النسيان الذي لازمني، ثم نظرتُ لماكسويل لأراه يسترق بضع نظرات نحوي بين الفينة والأخرى.

«ما إسم هذه الأغنية؟»

رأيتُ تبدل ملامحه من المستمتعة للمستغربة، وتوقف عن طرق المقود بأصابعه تزامنا مع الأنغام، ثم نظر لي بشكل صريح قبل أن يرتكز نظره على الطريق مجددا، وإسترسل «ظننتُكِ تعرفينها، حتى أنني جزمتُ كونها أغنيتك المفضلة.»

عقدتُ حاجباي محاولة تذكر أنني أخبرته بتفضيلي لهذا النوع من الأغاني، ولم أجد في ذاكرتي أي حديث خضناه حول الأغاني أساسا.

«أشعر أنها مألوفة، لكنها ليست أغنيتي المفضلة حتى.»

«لقد كنتِ تستمعين لها البارحة، حينما أتيتُ ووجدتكِ تمشين بمساعدة العمودين، كانت هذه الأغنية تكاد تثقب طبلة أذن أي شخص يأتي لغرفتك.»

ضيقتُ عيناي وأعدتُ وضع رأسي على كفّ يدي أراقب الطريق من الزجاج الأمامي، ثم تذكرتُ أخيرا عن ماذا يتحدث لأضحك بصخب دون تحكم مني، أحسستُ به ينظر لي ثم يبعد بصره، قبل أن أردف وسط ضحكي: «لقد كانت تلك الأغنية من إختيار جيرمين، لا أستطيع تصديق أنك ظننتني أستمع لهكذا هراء!»

أدرك جيدا أن جيرمين ستقضي علي عندما تستمع لهذه الإهانة في حق أغانيها.

نظرتُ لماكسويل وقد كان يهز رأسه بقلة حيلة هامسا : «لا أصدق أنني بقيتُ مستيقظا طول الليل لمعرفة إسم الأغنية ثم يتضح أنكِ لا تحبينها.»

إبتسمتُ بغير تصديق ثم رأيتُ يده تتجه لأزرار الراديو، وأدار أحدها مغيرا القناة التي تبث الأغنية، لتتغير الألحان بضع مرات حتى إستقر على واحدة كنتُ أعرفها إذ إستمعتُ لها مسبقا، 'hit the road jack' ثم أمسكتُ يده حتى لا يغيرها، المعزوفة التي تبدأ بها هذه الأغنية كانت كافية لجعلي أفتح النافذة وأخرج رأسي مستمتعة بالرياح المشتدة خارجا.

1

«سيدتي، ستصابين بنزلة برد ثانية!»

فور أن أنهى جملته، حتى أحسستُ برذاذ مطر يقبل وجنتاي ويسقط تجاه الأرض، إنها تمطر للمرة الأولى بعد أشهر من الصيف الطويل، مما جعلني أغمض عيناي مستمتعة بزخات المطر التي تتساقط بوتيرة معتدلة حتى أصبحت تتزايد شيئا فشيئا، وشعرتُ بأن خصلات شعري الأمامية أصبحت مبتلة وهذا كان كافيا ليحسن نفسيتي، المطر يغسل الروح قبل الجسد، وكأن السماء تبكي لتخلصنا من الدنس.

شهقتُ بخفة حينما حاوطت ذراع ماكسويل الدافئة خصري وسحبني برفق ليصبح رأسي في الداخل، وحينما إلتفتّ نحوه كان ينظر للطريق بالفعل، لم يبعد ذراعه سوى حينما ضغط على زر بجانبه جعل نافذتي تنغلق بشكل تلقائي، وهذا ما سمح لي بالشعور بصعقات خافتة تمر في كل إنش لمسه قبل قليل.

سحبتُ نفسا عميقا ولم أتحدث مجددا لشعور الخجل الذي إعتراني، حتى أنني نسيتُ أمر الأغنية التي تغيرت فورما إنتهت، ومر الوقت ثقيلا حتى توقفت السيارة عن المسير لأرفع رأسي نحو الوجهة التي لم تكن مألوفة بتاتا.

حينما قرأتُ واجهة المطعم، أدركتُ أنها حروف إيطالية غير مفهومة، وليست بأسترالية أبدا، مما جعلني أوقن أنه مطعم خاص بالوجبات الإيطالية.

وبشكل ما ذكرني هذا بإدوارد، كونه يحب أخذنا للمطاعم الإيطالية في كل فرصة تسنح..

أفقتُ من ذكرياتي عندما فتح ماكسويل الباب بجانبي، وحملني ليضعني فوق الكرسي المتحرك الذي أخرجه من السيارة قبل لحظات، وبعدها وضع قبعتي الكلاسيكية السوداء فوق رأسي والتي قد نسيتُ أمرها تماما منذ إنتزعتها.

حينما بدأ بدفع مقعدي أردفت: «لما لم نذهب للمستشفى؟»

عدلتُ من قفازاتي القماشية أثناء إستماعي لإجابته: «لا زال الوقت مبكرا على ذلك، نستطيع أن نحظى بوجبة غذاء متأخرة.»

إبتسمتُ بخفة، لأن وقت الظهيرة قد مر منذ فترة لا بأس بها، مما يجعل وجبة الغذاء متأخرة، ووجبة العشاء مبكرة أكثر.

حالما دخلنا للمطعم، صفعتني رائحة البن ونبتة الزعتر، مما جعلني متحمسة لتجربة أكلة إيطالية كالأيام الخوالي، توقف ماكسويل عن دفعي حينما وصلنا لطاولة شاغرة بجانب النافذة، مما جعلني أكثر سعادة لأنني سأستطيع مشاهدة تقلب الجو خارجا والإستمتاع بوجبتي.

«أتريدين البقاء هنا أو الجلوس بالكرسي الآخر؟»

حولتُ بصري لحيث أشار، كراسي المطعم قد لا تكون مريحة بقدر الكرسي المتحرك خاصتي، لكن.. نظرتُ لبقية رواد المطعم، إنهم يسترقون نظرات نحوي، بشفقة. رفعتُ رأسي ناحية الطبيب ماكسويل وهمستُ له: «أريد أن أشعر بأن لا خطب بي.»

فورا حملني، وكأنه يريد تحقيق ما أردته، أو ربما يرغب بطرد شعور النقص الذي لازمني للحظات.

حينما حط جسدي فوق الكرسي، جلس أمامي. تبادلنا بعض النظرات بينما كنتُ أنزع قفازاتي ثم وضعتها على الطاولة جانبا، ولم أخفض عيناي للآن، شيئ في عيناه، يدعوني دائما للحديث بين خضراويتاي وبنيتاه، والأمر ممتع حقا.

«إذا سيدتي، ماهي وجبتكِ الإيطالية المفضلة؟»

إنزعجتُ قليلا حينما قطع حديث أعيننا، وحمل قائمة الطعام يقرأ ما كُتب بعيناه، مما دفعني لحمل قائمة الطعام جواري وقراءة الوجبات التي تقدم هنا.

«إنها ثاني مرة نخرج فيها، سيدتي.»

رفعتُ عيناي حينما تكلم، وكان لا يزال مركزا بالقائمة دون أن ينظر نحوي. تذكرتُ المرة الأخيرة التي حصلتُ فيها على إذن بالخروج، وقد كانت ليلة لا تنسى، رغم أنها إنتهت بنزلة برد كارثية، وهدية منه بمناسبة عيد مولدي، وهذا جعلني أقول:

«هل تخطط لإحضار فستان آخر؟»

كانت نبرتي الساخرة مادفعه ليرفع رأسه نحوي، وظننته سيضحك أو يمزح مثلما فعلت، لكنه فقط إستمر بالبحلقة في ملامحي، ثم نبس:

«سيكون الأمر مبتذلا، لكن لو رغبتِ بأن أحظر هدية لك تستطيعين الطلب.»

«سيد ماكسويل، هل تحضر الهدايا لكل مرضاك؟»

«لا.»

«لا؟ وما المميز بشأني؟»

«أنكِ إستثنائية بالنسبة لي، وأنا أحب أن أعامل الأشخاص الإستثنائيين بطريقة إستثنائية تليق بهم.»

حبستُ أنفاسي وإبتلعتُها دون مقدرة مني على قول شيئ آخر أو إضافي، ومن حسن الحظ أنه لم يكن ينظر لي بل يطالع القائما وللآن لم يقع إختياره على وجبة محددة كما يبدو، إستغرق مني الأمر بضع دقائق حتى أسترجع نفسي وأستفيق من الصدمة التي وضعني بها، لأنها المرة الأولى التي يراني أحدهم بهذه الطريقة.

إنه أول شخص يقول أني إستثنائية له.

إبتلعتُ ريقي حينما أقبل النادل، وأخذ طلب ماكسويل الذي تمتم بعدما ذهب:

«الأكلة التي إخترتها ستليق إعجابك بكل تأكيد.»

أومأتُ له بفهم وعقدتُ ذراعاي أنتظر، حتى ظهرت قطة سوداء اللون من اللامكان تلامس قدمي، تحتك بي من أسفل الطاولة وتدور حولي، وهذا جعلني أراقبها دون قول شيئ، هذه الكائنات اللطيفة تستدعي التأمل في جمالها، رفعت عيناها السوداء نحوي تطالبني بحملها لكنني لم أستجب لندائها، سيتطلب الأمر مني بعدما أحملها أن أغسل يداي، وكيف سأفعل هذا؟ على ماكسويل أن يأخذني لحمام الفتيات، هذا غير لائق، ولا أريد أن أطلب من فتاة أخذي.

لذا لتفادي هذا لن أحملـ.. طرفتُ بأهدابي حينما ذهبت ناحية ماكسويل، وفور ما إنتبه لها حتى لمعت مقلتاه بشيئ من السعادة والفرح والبهجة، وأصدر تمتمات لطيفة أدهشتني، لم أكن أعلم أن له هذا الجانب!

إنخفض نحوها وحمل جسدها الصغير بين يديه، وكان يلاعب فروها بإستمتاع بينما يخاطبها بنبرة طفولية جعلتني أبتسم، لم يسبق لي رؤية مشهد بهذا اللطف من قبل.

إتسعت إبتسامتي أكثر حالما قبل أرنبة أنفها وإستمر بمحادثتها وتدليلها حتى باتت تصدر خوارا بين يديه، وأدركتُ كم أن الإنسان بسيط، وإسعاده لا يتطلب الكثير، وأدركتُ أيضا أن الحياة قد أهدتنا أمورا بسيطة تشابه ضمادات للقلب، كالقطط والمطر، وحتى الطعام الإيطالي، كلها أمور تزيح الهم عن صدر الإنسان.

وأدركتُ مجددا، أن ليس علي أن أبقى عالقة في ذات النقطة، أنه لا بأس أحيانا ببعض الخسارات، لأنها الحياة في النهاية، عبارة عن فوز وهزائم، لقد سلبتني الحياة شخصا عزيزا وستظل ندبته محفورة على قلبي، لكن في المقابل أعطتني رجلا يراني إستثنائية بالنسبة له، وأراه كصديق قيّم بالنسبة لي وليس مجرد معالج نفسي.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة