1999_غشت، الخامس والعشرين.
اليوم ذكرى وفاتهما، أتساءل فعلا لما لم تدهسني الشاحنة معهما وتذهب روحي للسماء، لكن يبدو أن الشاحنة فضلت جعلي أنام سنة فقط، وأن تأخذ مني إبني، وتتركني أتلوى من ألم الفراق كل ليلة.
قبل سنة حينما إستيقظتُ أول مرة، وعرفتُ الفاجعة، وإستعلمتُ التفاصيل، علمتُ أن كلامها ظلا على سرير المشفى حتى صباح الغذ وتوفيا، لكنني أنا فضلتُ البقاء في هذه الحياة البائسة بدل مرافقتهما، حين علمتُ في اليوم الموالي أن ذاك اليوم كان ذكرى وفاتهما، وجدتُ أن أفضل شيء سأفعله هو قطع رسغي، حتى يكتب على شاهد قبري نفس تاريخهما لكن بسنة مختلفة، وأدفن بجانبهما، ذاك اليوم لم أنجح، لأن أمي وصلت قبل أن يتمكن الموت مني.
اليوم حرصتُ على إنتظار إنتهاء زيارتها ثم إعادة المحاولة كما رجوت، وها أنا أجلس فوق الكرسي وأراقب ظهرها، ثم إختفاء هيئتها بعد إغلاقها باب الغرفة.
حالما إختفت أمي إرتجف قلبي، توترا وخوفا مما سأقدم عليه، وربما حماسة أيضا، أعتذر للغاية يا أمي.
أدرت عجلات الكرسي بسرعة وإتجهت للمنضدة، أخذت مذكرة ناسكيرد وحملتُ قلما، شققتُ ورقة وبدأت الكتابة عليها، أعليها أن تكون رسالتي الأخيرة؟ أم فقط صرختي النهائية بكم أن الكون ظالم.
باشرتُ الكتابة سريعا خوفا من أن يأتي شخص ما ويفسد علي ما أريده :
_ أيا كان من يقرأ ما خطته أناملي حاليا، أرجوه أن يوصل الورقة لأمي.
أحب أن أعتذر بشدة لما أقدمتُ عليه، أعتذر لك لكنني لا أفعل لنفسي، أجد أن ما فعلته هو ما كان علي فعله منذ وقت طويل، لا فائدة من مقاومة الغرق ولا طوق نجاة بالجوار، أفضل ما يمكن فعله هو الإستسلام للأمواج كي تلتهم جسدي كما فعلت مع روحي سابقا، فما فائدة أن أظل في الحياة وروحي قد فارقتني سابقا؟
أرجو منكِ أن تبلغي حبي لإخوتي وأبي، وأن تخبريهم أن حبي لهم لن يندثر حتى لو إندثرت جثتي في التراب، لو دفن قلبي فسيظل محملا بحبكم، أريد أن تعرفوا أن ما فعلته هو لشوقي لإبني وليس لأنكم لم تكونوا كافيين لجعلي أتخطى.
سلامي الأخير لكم، أحبكم.
توقفتُ عن كتابة الكلمات المرتجفة، أرى تصدعات روحي بين الأحرف، ثم وضعتُ الورقة المليئة بحبر القلم ودم نزف من أناملي فوق المنضدة بطريقة ملفتة للنظر حتى تُقرأ.
أخرجتُ السكينة التي سَهت عنها الممرضة بعد تقشيرها للفواكه لي قبل سويعات، وراقبتُ جزئها الحاد بحدقيتان مرتجفتين.
الخوف تسلل لأصابعي لترتعش بخفة، لما لا أقدر على فعلها؟ علي فعلها! نظرتُ لمعصمي، ثم أوردتي البارزة قليلا، وأخذتُ الحافة الحادة للسكين فوق رسغي، أثر جريمتي السابقة لا يزال واضحا، وهو ما جعلني أغير موضع السكين، أخذتها بين يدي اليسرى ووضعتُ الحافة على معصمي الأيمن.
ضغطتُ قليلا، وتذكرتُ إبني، ركضه في أرجاء المنزل، حبه المفرط للحلويات رغم تحذيري له من الإكثار لكنني أجده دوما في المطبخ يبحث بسرية عن برطمان البسكويت، ثم عشقه لكرة القدم، حبه للذهاب مع إدوارد للعمل حتى يرى الأجواء.
لم يدم هذا كثيرا، لما لم يدم كثيرا؟ كان على الوضع أن يستمر بهذه الطريقة، لما على الحياة أن تكون قاسية علي لهذه الدرجة؟ لما سلبتني إياه؟
سألحقه وهذا هو الشيء الوحيد الذي سيجعلني أجتمع معه، ربما المكان الذي سنكون فيه أنا وهو ألطف من هذا العالم المتوحش.
ضغطتُ بحافة السكين أكثر حتى تدفقت الدماء أمام ناظراي، وأستمررتُ بغرزها أكثر غير آبهة بإنفجار الألم في تلك المنطقة، إشتدت الدماء غزارة وراقبتها بإبتسامة راضية، ألاحظها وهي تلطخ ثيابي البيضاء، مررت السكينة أخيرا على طول رسغي ثم ألقيتُ السكينة على الأرض.
تدفقتْ الذكريات أمامي، ثم ظهر خيالي ناسكيرد وإدوارد أمامي، كلاهما يبتسمان نحوي بحزن، لما هما حزينان؟ سألتقي بهما بعد دقائق فلما يحزنان؟ تجاهلتُ تفكيري هذا ثم نظرتُ لهما بإبتسامة راضية، ورفعتُ يدي للأمام علّهما يأخذانني لحيثُ يتواجدان.
_________
صوتُ صفيره المزعج تردد في الرواق، كان يبدو سعيدا اليوم أكثر من بقية الأيام، ربما لأن جميع مرضاه سعداء وهذا تسبب في نقل بهجة إضافية له أيضا، تبقت له حالة أخيرة عليه التكلم معها وينهي يومه بسعادة كما يأمل.
أخذته قدماه نحو غرفتها وهو يفكر بحواره ليلة البارحة معها، هو مستاء لكونه كذب عليها، قائلا تراهات عديدة يوهمها أنها ليست مريضة كما ترغب هي أن تسمع، أحيانا التصديق بكوننا بخير يجعلنا بخير حقا، هذا ما يراه هو.
لذا لم يجد سوءً في الكذب عليها البارحة، لكن اليوم يرى نفسه منافقا بسبب ذلك، وصل لغرفتها ثم إستطرد أفكاره يعيد رسم إبتسامة لطيفة على ملامحه، بدء يومه بسعادة لذا عليه أن ينهيه بسعادة، لا يتوجب أن يلوثه بأفكاره التي لا تنتهي.
زفر نفسا صغيرا يستعد لجلسته التالية ثم طرق بابها ينتظر إذنها بالدخول، لم يصله.
عاد للطرق، لم تجبه.
عقد حاجباه وهو يتخيل كونها نائمة، ثم تلاحى لذهنه عندما رفض رشوتها وأخبرته أنها ستتجاهله حتى يسأم منها كي يتخلى عنها، زفر نفسا متضايقا وحاول عدم الإستياء منذ البداية، ثم فتح الباب ويا لسعادته أنه مفتوح.
«آنسة جايلين، لا أرى بدّا من تجاهلي، ألم نتحدث البارحة ظـ..» علقت الكلمات داخل حنجرته وهو يلاحظ جثتها فوق الكرسي بأنفاس متلاحقة، الكثير من الدماء كانت تحيط بجسدها وتغرقها، رائحة الموت تلف جدران الغرفة إضافة للمعدن الصدء الذي خنق روحه.
ظل متصنما مكانه بقلب فاق معدله الطبيعي قبل أن يخرج من حالته المنصدمة ويركض تجاهها «آنسة جايلين!» ضرب كل منطقه عرض الحائط وهو يصفع وجنتها بدلا من أن يتفقد نبضها، هيئتها الدامية جعلته يتوتر لدرجة أن شد على خصلاته بخوف، ثم يصرخ بها ناويا إيقاظها «آنسة جايلين، أتسمعينني؟» لم تستمع، لم تكن لتسمع صراخه أبدا، توقف عما يفعله ثم مد أنامله المرتجفة لعنقها كي يستشعر خفقانها، دقات ضئيلة جدا هي ما إستشعره، دقات صغيرة جعلته يزفر بأمل.
نظر لكل الدماء التي غادرت جسدها ولم يفكر للحظلت أخرى قبل أن يحملها من على الكرسي ويركض خارج الغرفة وسط الرواق الفارغ تماما من أي روح في الجوار، «أرجوكِ» توسلاته الهامسة لم تكن لتنجح في إيقاظها، راقب البسمة الطفيفة التي كانت على ملامحها الشاحبة، لا لا! نهر نفسه بشدة حينما فكر بأنها ستموت مبتسمة، ليس عليه التفكير بإحتمالية موتها حتى.
ألم يقل سابقا أن التصديق بكوننا بخير يجعلنا بخير حقا؟ ليصدق إذن أنها ستكون بخير كي تكون بخير.
وصل أخيرا لمنتصف المصحة أين توقفت كل الأجساد المتلاحقة، يراقبون الجسدين الداميين، دار هو حول نفسه في فزع، فاقدا كل إتجاهاته، إقترب العديد منه يتكلمون بتوتر ويصرخون بكلمات لم تصل لأذنيه، ثم أقبل الطبيب الذي يشرف على حالات مماثلة، وركض ماكسويل لغرفة ما يتبعه الطبيب بنفس خطواته الراكضة.
كان من المتوقع أن يقدم أحدهم على الإنتحار، لذا وجود طبيب كي يعمل على هذه الحالات لم يكن شيئا غريبا.
«ما هي حالتها؟» تساءل ماكسويل فور وضعه لها على السرير قبل أن يصلها الطبيب حتى، وأجابه هذا الأخير بعدما تحسس نبضها «قد أستطيع إنقاذها.» جوابه فارغ الكلمات لم يجعل من أنفاسه ولا حتى قلبه يهدئا، إنما زاده سوءً فحسب، فهنا الطبيب يقر بإمكانية عدم إنقاذها أيضا.
لكن الطبيب لم يبالي به كثيرا إذ توجه لإرتداء قفازاته بمساعدة من طاقم من المرضى، كانت غرفة عمليات مصغرة، هذا ما إستوعبه ماكسويل عندما أفاق من خوفه يستوعب ان قدماه من قادته للغرفة رغم شروده.
دخل بعض الممرضين ليساعدوا في العملية بعد إرتدائهم لملابسهم المعقمة وقام أحدهم بطرده بأدب إلى غاية إنتهاء ما يفعلونه.
جلس على الأرض بجانب الغرفة يضم ركبتيه بملامح شاردة، لماذا لم يذهب لها أبكر من هذا ليمنعها؟ بدأ ضميره بتأليف الكثير من الحوارات الداخلية التي مزقته، وتوقف لبرهة يتلقى الصفعة الأكبر.
هو قدم لها مذكرة إبنها.
هو قدم لها مذكرة إبنها! إستذكر حالتها بعد قرائتها لإحدى صفحات المذكرة، بكائها الشديد وهروبها دون قول كلمة، إغلاقها باب غرفتها ورفضها للتكلم مع أحد.
هو السبب، هو السبب هو السبب!
تلاحقت أنفاسه للمرة التي لم يدري كم وإحترقت عيناه بفعل الدموع التي حبسها.
إقتربت منه زميلته في العمل وبعد توصله لفكرة أنها لو ماتت فهو سيكون قاتلها أخفى وجهه بكفيه المليئين بدمائها ووضع مرفقيه على ركبتيه.
«هي ستكون بخير لا تقلق» وصله صوت أديلاد البشوش رغم نبرة القلق الطفيفة التي إحتوتها كلماتها، وكأنها ليست واثقة من صحة ما تقول، هي تعلم جيدا بهلعه وإن لم يظهر كثيرا للباقين.
إكتفى ماكسويل بالصمت غير راغب في الحديث، لا يملك القدرة على فعل ذلك في خضم حربه مع ضميره الذي ينهشه.
أديلاد تفهمت هذا أيضا وجلست بجانبه أرضا تستند بظهرها على الحائط، ثم تربعت في جلستها كونها أكثر راحة من وضعية ماكسويل بالنسبة لها.
إكتفت بالصمت والطبطبة على كتفه لعلها تطمئنه قليلا، وهي تفكر بحاله هذا، لا بد أن ما رآه أثار فزعه.
لم تكن تلك أول مرة، سبقتها حالتين، وللأسف كلتا الحالتين توفيتا، كان عليه أن يصبح أكثر مناعة بعدما شهد على إنتحار مريضين له، لكنه فقط ينصدم أكثر من التي قبلها، ويركض بتيه في الرواق ككل مرة، يستحضر فيها سابقاتها.
إنتفض متلهفا حينما وثب ممرض من الداخل، وإستقام بأسرع ما لديه يقف أمام الممرض «كيف حالتها؟» أردف الممرض سريعا دون أن يبالي بسؤاله «ماهي رزمة دمك؟» إستنتج ماكسويل حالا أنها تحتاج للدماء لذا أجاب بسرعة «ألف سالب» تلاشى الضيق عن وجه الممرض ولمعت عيناه «رائع إذا تستطيع التبرع لها، هيا معي»
«أنت لا تعاني من أي مرض قد يمنعك من التبرع صحيح» وجه الممرض سؤاله له وهما يتجهان لغرفة أخرى ونفى ماكسويل سريعا.
في غضون دقائق كان الممرض قد سحب وحدتان ثم تركه في الغرفة ليستريح، طوى مرفقه يضغط على القطن وهو شارد في الفارغ، أخبره الممرض أن الطبيب قد أنهى خياطة جرحها وتحتاج للدماء فحسب، لو تأخر قليلا لكانوا فقدوها.
وهذا شيء أخرس الأفكار في رأسه، ربما شعور الإمتنان من نفسه هو ما بدد تأنيب ضميره.
إستمر على حاله الشارد لثواني، وإمتدت الثواني لدقائق، لتصبح الدقائق نصف ساعة لكنها بدت كساعات من الشرود في دواخله، قطعت أديلاد شروده وهي تهجم على الغرفة قائلة بنبرة متلهفة فيها لردة فعله «حالتها مستقرة» أفاقت كل حواسه على جملتها وعادت ألوان الحياة لوجهه ثم قفز من السرير يمسك أكتاف أديلاد قائلا ببهجة عادت له فجأة «حقا؟»
أومأت الأخيرة بإبتسامة سعيدة وكأنها راهنت في طريقها على ردة فعله هذه وأصابت الآن، لكن ردة فعله أصبحت دموعا سعيدة وهو يعانقها ليتوقف جسدها بصدمة، هذا شيء لم تتوقعه!
هي ترى زميلها في العمل منذ خمس سنوات وهذه أول مرة تشهد فيها لحظة بكائه هكذا، عهدته ذو طاقة مرحة ومتفائلة طوال الوقت وأكثر من الجميع، حتى في جنازة مريضتيه السابقتين لم يذرف دموعا إنما ظل يواسي عائلتيهما رغم أنه من يحتاج للمواساة حقا.
والآن هي تشهد على لحظة ضعف له لأول مرة.
بادلته العناق بعدما خرجت من صدمتها حتى تشاركه سعادته، بكائه ما هو إلا دليل على خوفه الشديد، وهي تتفهم كل هذا.
_________
1999_غشت، السادس والعشرون.
لما أنجح في فعلها.
راقبتُ دموع أمي ومواساة أبي لها، الطبيب ماكسويل في الزاوية، وإخوتي الأربعة متفرقون في الغرفة ويحاولون عدم البكاء بصعوبة، عدا ألبيرتو ذو العشر سنوات والذي شارك أمي النواح.
وكل هذا نظرتُ له بملامح متصلبة، مرت الذكرى ولن يكتب على شاهد قبري نفس تاريخ وفاتهما، هل سأنتظر مرور سنة؟ سحقا للطبيب ونبالته، لما لم يتركني أتخلص من هذا العالم البائس؟ على آخر أفكاري دحرجتُ نظري نحوه، وشزرته بحدة، غير أنه أعطاني إبتسامة سيئة كوجهه.
لما يحدث هذا لي؟ حتى في الموت ولا تدعمني الحياة!
أغمضتُ عيناي بغضب، ثم فتحتهما مجددا، منذ أن فتحتهما وأمي تبكي، وتمسك برسالتي وتبكي، تحتضنني وتبكي، ثم تتخذ موقفا مني وتتكئ على أبي وتبكي، ربما مرت ساعات وهي على هذه الحال.
وما كان مني سوى السماع لتأنيبها لي بصدر رحب، في النهاية لها كل الأحقية في عتابي.
شردتُ في الضمادة الملتفة حول رسغي نقطة قرمزية قد لوثت بياض الشاش، ولم يسعني سوى عتاب نفسي على عدم قطع يدي بأكملها، لكنتُ أهنأ مع صغيري في مكان آخر.
لو الموت أيضا يكرهني، فلا يسعني سوى تمني الدخول في غيبوبة أخرى، أغمضتُ عيناي بتعب حينما إختفت الضوضاء وإستوعبتُ أن وقت الزيارة قد إنتهى، لأبقى أنا والطبيب _ خسيس _ ماكسويل لوحدنا.
«ما الذي دفعكِ للإقدام على فعل هذا؟» إخترق صوته جدران أفكاري لأرفع رأسي نحوه، جلس على كرسي بجانب السرير الذي أستلقي عليه، ووجدتُ أن التحديق بجرح رسغي القديم أكثر إغرائا من النظر له، وتجاهله أيضا أكثر إثارة من إجابته.
«لما تتجاهلينني» حينما لم أجبه مجددا وضع ظهر يده فوق رسغي حيث أنظر ليشتت تركيزي، ونظرتُ لخطوط كفه بعصبية قبل أن أرفع رأسي نحوه «لماذا تحب حشر نفسك في حياة الآخرين؟ لما أنقذتني؟» أصابني التشوش على رؤية إنكسار ملامحه، مابه حساس هكذا؟
«أنتِ حتى لستِ نادمة.» همس نسبيا، وأطلقتُ نفسا مستهزئا «لما سأكون نادمة وأنا قد أقدمتُ على ذلك بإرادتي؟» إنخفضت أكتافه بيأس، ماذا يريد مني أصلا، لما سأندم؟
«من أين لكِ بالسكينة؟» تساءل مغيرا دفة الموضوع، ثم أجبتُ بغضب مكتوم « سرقتها من ممرضة أهناك مشكل؟ » لم ينظر لي بصدمة وكأنه توقع أمرا مماثلا، ثم كتف ذراعاه وإتكئ بظهره على الكرسي «سأقوم بطرد الممرضة بسبب تهاونها» عقدتُ حاجباي بضيق، ماذا؟ بحثتُ في ملامحه عن أثر مزاح لكن لم أجد، كل ما يصنعه هو ملامح مرتخية وهادئة « لن تفعل! » قلتُ بنبرة لا تقبل الإعتراض، ماذنبها هي بقراري؟
«بلى سأفعل، لولا إغفالها عنكِ لماوصلتِ لهذه الحال» أطلقتُ نفسا منصدما للمرة الثانية، لا يعقل هذا! لما سيعاقب أحد آخر على أخطاء إرتكبتها أنا؟!
«مابكِ مستنكرة للأمر؟ لو لم أفعل أنا سيفعلها الطبيب المشرف، هذا خطأ لا يمكن تجاوزه» لا يعقل أنه جاد! لكن هيئته الباردة لا توحي بالكذب، هو يتحدث بكامل هدوئه عن طرده لفتاة لاحول لها ولا قوة، أتذكر أنها ثرثرت لي ذات مرة بأنها الوحيدة التي تعيل عائلتها، والآن ستطرد بسببي وتنقطع هذه الإعالة! الطرد سيكون وصمة عار في ملفها!
«أترين ما كان سيخلفه موتك؟ ها أنتِ الآن فقط تفكرين بكم المعاناة التي ستتلقاها الفتاة لو طردت، لكن بإنقاذي لك هي لن تطرد، قد يخصم راتبها هذا الشهر لكن لن تطرد، لأنني أنقذتك» لم أستطع زفر نفس الراحة بسبب كلماته الأولى، إبتلعتُ الأشواك في حنجرتي وإستمعتُ لها بقوى خائرة وهو يقوم بتعداد مخلفات موتي.
«وليس هي فقط، حتى أنا كنتُ لأتضرر، ودعكِ مني، ماذا عن عائلتك؟ ألم تري حالة والدتك؟ هي ذرفت تلك الدموع رغم رؤيتها لكِ بخير، ماذا لو نجحت محاولتكِ فعلا؟ ما ردة الفعل التي ستنتج عنها؟ ألم تفكري في أن تتبعك هي الأخرى وتسلك نفس مسارك»
أخرجتُ نفسا متثاقلا، وصخرة ثقيلة تستوطن صدري على ذكره لأمور لم أحسب لها حسابا، الشعور داخلي يجعلني متضايقة للغاية، عاجزة جدا، والأهم من هذا شعور السذاجة، إنني خرقاء على عدم تفكيري بهذا.
«ليس هي فقط، حتى والدكِ قد بكى قبل دخوله للغرفة، لأنه لم يرد إخافتك أكثر من هذا، تكفي دموع أمك لك بالنسبة له» شعرتُ بتأنيب الضمير يتضاعف في داخلي، وقبضتُ على ملاءة السرير عتابا على نفسي، حتى تأنيب أمي لي لم يكن بهذا السوء.
«وألم تلاحظي خروج إخوتك بين الفترة والأخرى؟ هذا لأنهم يبكون خارجا حتى لا يظهروا ضعفهم لك، من وجهة نظرهم أن بؤسكِ يكفيك ولا داعي ليزيدوكِ حزنا» لما لا يتوقف؟ هو يستمر بالحديث بنبرته الهادئة وكأنه لا يلقي السكاكين علي، وإستمررتُ بالنظر لضمادتي دون تغيير مرمى بصري، حتى تباينت الرؤية أمامي بسبب دموعي، لكنني حبستها لتحرق جوف عيناي فقط أمنعها من الإنهمار.
«عليكِ التفكير في كل هؤلاء، لقد كادت وفاتك أن تتسبب في مقتل البعض حتى، والطرد لآخرين، وصدمات نفسية لأحد ما، وكل هذا تتسائلين لماذا أحشر نفسي في حياتك ولما أنقذتك، هذا لأنه واجب علي»
«توقف رجاء» همستُ بوهن حينما أحسست أن كلماته لا تمتلك حدّا، وأنه لن يتعب من عتابي.
«آنسة جايلين، أنا لا أقول هذا لأظهر لكِ أنك السيئة في قصصنا، إنما لأريك معزتك لديهم، هم لا يستحقون هذا، إستسلامك يعني سقوطهم، ومقاومتك تعني إرتفاعهم، أنتِ حتما لن تعي أن بعضا منهم يتعايشون مع آلامهم فقط من إجلك، وبعضهم الآخر يفعلون مقتدين بك، قائلين أن أختي شهدت الكثير ولا تزال صامدة، أو أن إبنتي إستطاعت التعايش مع ذاك لذا علي التعايش مع هذا» سقطتْ دموعي بعد إنتهاء حديثه وراقبتُ النقاط المبتلة من الغطاء.
ورغم أنني أخفض رأسي لكن تبين أنه لاحظ بكائي الصامت، لذا بدأ يواسيني صمتا بالتربيت على قبضة يدي الملتفة بالشاش في هدوء.
هو محق، كل كلمة قالها محق فيها، لم أفكر أبدا هكذا من قبل، لم أنظر أبدا للأمر من زاويتهم وإكتفيتُ بنظرتي فحسب، الآن فقط رأيتُ كم أنني أنانية، غارقة وسط شعور الحزن لوحدي ولم أهتم بأنني أجرح الآخرين بحالي هذه.
إستمر بكائي لفترة قبل أن تعتريني رغبة في النوم، يقال أن النوم هو موت مؤقت، ولأن الموت لم تقبل بي فعلى الأقل النوم سيفعل، لذا تعدلت في فراشي وقابلت للسيد ماكسويل بظهري ثم رفعتُ الغطاء حتى عنقي ليمدني بالدفء رغم أنه الصيف، لكن روحي باردة وتفتقر للحرارة.
وبهذا لم يبقى الطبيب طويلا إذ غادر الغرفة بعدما أسدل ستائر النافذة.
arancia__s