تبلل

تبلل

54 0

1999_الثلاثون من شتنبر.

«سيدة جايلين أنظري لما حصلتُ عليه!» إقتحام الطبيب ماكسويل كان كافيا لجعلي أندق بعنقي نحوه بفضول، وقد تراجعت الممرضة التي إستلمت تجفيف شعري بعدما ساعدتني على الإستحمام، لألحظها تمرر عيناها ببطء بيننا كأنها تفكر في أي القرارين أفضل، البقاء أم المغادرة، ولم أجد سوى إعطائها حق الذهاب حتى خرجت تزامنا مع إقتراب ماكسويل مني.

كان سعيدا للغاية _ليس وكأنه يكون عابسا في الأيام الأخرى_ وهذا تسبب في جعلي فضولية أكثر حول فحوى الورقة التي يضربها في الهواء بفرح ويكاد يطير في السماء من فرط حماسته.

وأظن أن ملامحي المستغربة والمتسائلة التي تتأمل جوابا شافيا منه كانت كافية ليشرح ويوضح لي بنبرة مشرقة:

«لقد حصلت على إذن للخروج، نستطيع إمضاء اليوم في أنحاء المدينة، رغم أنني أملك وجهة محددة بالفعل.»

إرتفع حاجباي بخفة أقلب كلامه داخل عقلي، إذن بالخروج؟ لقد حاولت أمي فعلها طويلا حتى نخرج أنا وهي لنتجول أثناء ساعات محددة، لكنها تتلقى الرفض في كل مرة،والطبيب ماكسويل فعلها بسهولة!

«أحقا أستطيع الخروج؟»

أومأ لي بشدة وإبتسامة لطيفة تشق وجنتيه، وكأن سعادة العالم إجتمعت وسط خلده. إقترب نحوي وجثى على ركبته أمامي ممسكا بجانبيّ الكرسي ليجعل من إهتمامي يتمركز عليه هو فقط وتابع:

«نستطيع الذهاب لإي مكان تريدينه، وأستطيع أخذ إذن لك بالخروج في أي وقت تشائينه، تحسنك السريع في الشهر المنصرم كان كافيا ليقنع الجميع بأنك لستِ مريضة، كما أردنا أنا وأنتِ»

خرج نفس مرتعشا مني، أتذكر حوارنا الأول، لذا إبتسمتُ له بشكل متعرج، رغم أن إبتسامتي لا تكاد تصل لسعادته. إستقام من أمامي مناديا الممرضة التي غادرت قبل قليل بإسمها، ولحظات قصيرة من الصمت سبقت ولوجها للغرفة على خطى مهرولة، لترفع رأسها نحو ماكسويل الذي طلب منها قائلا:

«أرجو منكِ تحضيرها بشكل لائق، لديها إذن بالخروج الليلة.»

أبدت الممرضة فرحتها قبل أن تومئ له بأنها ستفعل، وكونها من بين الممرضات اللواتي رافقنني في هذا المكان المزعج، فقد كانت على دراية بعدم مغادرتي جدران هذه الغرفة سوى مرات قصيرة.

تقدمت لخزانتي حالما خرج الطبيب ماكسويل، وفتحت إحدى الحقائب التي لم يسبق لي تفتيشها منذ أحضرتها أمي، بدأت بإخراج بضع فساتين لم يسبق لي إرتدائها بتاتا، ليقع إختيارها بعد ذلك على فستان عنابي اللون ذو ثوب مخملي وأكمام واسعة، بعنق متوسط الطول وأزرار تصعد من الخصر لنهايته.

قلتُ حالما رأيتُ الإستفسار على ملامحها بلهجة لطيفة: «أحببتُه»

كانت الإجابة كافية حتى تتقدم نحوي بسعادة وتضعه جانبا لتسترسل: «سيدة جايلين، هذا الفستان سيليق بك بكل تأكيد.»

إبتسمتُ لها على نحو مؤكد..

جلستُ على المقعد فور إرتدائي للفستان بمساعدة الممرضة جرمين، وفورا جلستْ خلفي على السرير تعود لتسريح شعري ثم شكلت ضفيرة عشوائية المظهر تناسب مظهري، أحببتُ أنني كنتُ أتوهج الآن، وكأنني كنتُ أحيى ببطء.

في النهاية، هذه ليست أجمل أيامي ولا أسوأها، أشعر بالوحدة، لكنني لستُ وحيدة وأنا أدرك بهذا، أشعر بالحزن والضياع، لكنني لم أعد مضغوطة، أرغب في البقاء في النقطة التي توقفتُ فيها، دون العبور بتاتا، لكنني أجد نفسي أستمر دون وعي مني، أهذا ما يسمى بالشفاء؟ أظن أنه كذلك، لأني لستُ حزينة بخوض هذا دفعة واحدة..

تيقظتُ من شرودي على طرقات الباب المفتوح، ولاحظتُ أن جرمين قد غادرت في وقت لاحق، مررتُ حدقتاي اللامعة حول ماكسويل، في بذلة رسمية كما المعتاد، متخليا عن معطفه الطبي، وعوضا عنه كان يرتدي معطفا أسودا.

«تبدين في حلة رائعة، سيدتي»

إبتسمت بخجل، لم يسبق أن تغزل بي أحد، غير المجنون آرسين بكل تأكيد!

إتجه نحوي، بخطوات تملأها الخفة، وأحسستُ أنه يمنع نفسه للمشي قافزا كالأطفال، وقف خلفي دافعا كرسيي المتحرك وقبل أن نخرج قد عاد للغرفة حاملا المعطف الأبيض الذي وضعته جرمين فوق السرير قبل لحظات من مغادرتها للغرفة، كانت تطالبني بإرتدائه قبل خروجي وأنا قد كنتُ شاردة تماما..

دقائق قصيرة وقد وجدتُ نفسي بجانب المصعد، ولج كلانا للداخل ولاحظتُ ماكسويل الذي ضغط بضعة أزرار قبل أن يقف بجانبي محدقا بي بشكل مطول، وذلك جعلني ألقي بسؤالي:

«ما هي وجهتنا، حضرة الطبيب؟»

كان لقب حضرة الطبيب قد خرج من بين شفتاي بشكل ساخر وكأنني أحادث صديقا، لذا رفع حاجبه نحوي وخفضه بنفس السرعة مجيبا:

«ستعرفين بعد ساعة»

لم أمنع نفسي من العبوس في وجهه، كي أمارس عليه بعض الضغط حتى يفشي لي عن المكان الذي سنذهب له، لكنه في المقابل قهقه رافضا:

«إنها مفاجأة، سيدتي»

إجابته التي من المفترض أن تجعلني متحمسة زادت في رسم العبوس على ملامحي لا غير،حتى مع خروجنا من المصعد والمشفى بأكماله، لكن لم يسعني سوى تكتيف ذراعاي بتذمر، أريد أن أعرف أي مكان سيحتضنني بعد هذه المدة الطويلة من بقائي في نفس المبنى لسنتين.

لكن عبوسي إنقلب لتفاجئ حالما حملني ماكسويل جاعلا من جسدي يرتفع ليسألني بنبرة فضولية:

«المقعد الأمامي أم الخلفي؟»

مررتُ عيناي على ملامحه التي تنتظر إجابة، ثم وجهتُ نطاق بصري للأرجاء، لأرى أننا قد توقفنا أمام سيارة بنية اللون، أحدث إصدارات مرسيدس التي جعلت منها شركة متصدرة بين أسواق السيارات، هذا ما أخبرني به إدوارد قبل سنوات حينما إشترى سيارة مماثلة.

«الأمامي»

أجبته أخيرا على سؤاله، ليفتح الباب بصعوبة كونه يحمل جسدي، ثم وضعني برفق فوق المقعد المجاور للسائق.

راقبتُه من زجاج النافذة وهو يطوي الكرسي المتحرك ثم إتجه به للصندوق الخلفي للسيارة، وماهي إلا دقائق حتى جلس بجانبي، وضع حزام الأمان وشغل السيارة مستعدا لرحلتنا ذات الوجهة المجهولة.

«يا ترى أين سنذهب؟»

قلبتُ عيناي في ضيق، إنه يريد إستفزازي الآن بنبرته المستمتعة، تجاهلتُ سؤاله وإستغربتُ بقاء السيارة في مكانها دون أن يباشر القيادة، هل نفذ الوقود؟

قُطعت أنفاسي حالما إخترق مساحتي الشخصية وداعبتني خصلاته البنية على خدي الأيمن، كان قريبا بشكل خطير! طرفتُ بأهدابي حالما إبتعد وهو يجر حزام الأمان الخاص بمقعدي ثم ثبته، ليقول:

«هانحن ذا مستعدين للترحال، سيدتي»

غصبتُ نفسي على الإبتسام، ووضعتُ مرفقي على النافذة مستمتعة بالحياة في الخارج، كانت السيارة تركض بسرعة معتدلة تجعل من العالم يذهب في الإتجاه المعاكس، وهذا كان يمتعني، كنتُ أحب الجولات القصيرة بالمدينة على متن السيارة، لأن المنظر كافي لجعلي أستمتع.

لحظات من الصمت إمتدت طويلا بيننا، حتى عجزتُ عن معرفة الوقت الحالي، سوى أنني مدركة أن رحلتنا بالسيارة لم تتجاوز الربع ساعة، أخذ ماكسويل طريقا فرعيا لأغمض عيناي مستنشقة الهواء بشيئ من الخمول، كنتُ أشعر بالنعاس الشديد إلى جانب حماستي لمعرفة الوجهة التي تنتظرنا.

لفحة من الهواء البارد مرت علي مما تسبب في جعلي أقشعر، لأعانق جسدي في نية أن أتدفئ ولا أفتح عيناي حتى، مررتُ كفوفي فوق أي شبر أصل له، حتى أحسستُ بتوقف السيارة وروائح الخارج قد إختلطت علي، رائحة البحر والأمواج.

كم إشتقتُ لشواطئ أستراليا!

فتحتُ عيناي بحماسة ولاحظتُ فراغ المقعد بجانبي، ثواني وقد فتح باب مقعدي ليطل ماكسويل برأسه، إبتسم لي بلطف قبل أن يمرر يده خلف ظهري، وكفه الآخر وجد مكانه في الفراغ أسفل ركبتاي، ليحملني بخفة متفاديا سقف السيارة، ثم وضعني فوق الكرسي المتحرك برفق.

أغلق الباب ودفعني بقوة نسبية متجها لرمال الشاطئ، مر فوق الطريق المعبد بالحجارة حتى صار الكرسي يمر فوق الرمال بصعوبة.

توقف أخيرا فوق بقعة تصلها الأمواج، ثم أنحنى ليطوي بنطاله من الأسفل نازعا حزائه مسبقا، وقد لاحظتُ الآن أنه يحمل معطفي الأبيض فوق مرفقه.

إستقام بجانبي راسما أوسع إبتسامة يستطيع إعطائها لي متمتما:

«هل أحببتِ مفاجئتي؟»

بادلته الإبتسام ووجهتُ عيناي للأمواج المتلاحقة حتى صفعتْ عجلات الكرسي ثم عادت لمأواها وصرّحتُ:

«إنها أكثر ما أحتاجه حاليا»

نظرتُ للأرجاء بفضول، كان المكان خاليا سوى من بضع عوائل، كون الجو غير ملائم للسباحة، في موقع بعيد عنا، بالقدر الكافي الذي لن يسمح للريح بحمل أصوات العائلة الجالسة هناك، رأيتها، كانت تلهو وتلعب بالكرة الطائرة، تقذفها لوالدها ثم يعيدها لها، كانت فتاة بنفس عمري، أمها في الجهة الأخرى تلتقط بعض الصور بكاميرا رمادية اللون.

أظن أن هذا المشهد اللطيف، يستحق أن يتأطر ضمن ذاكرتي، سأعود للمشي، وآتي إلى الشاطئ، ألعب الكرة الطائرة أنا ووالدي، لتلتقط أمي بعض الصور التذكارية بالكاميرا التي سأحرص على أن أشتريها لها، وإخوتي الأربعة سيسبحون في أماكن متفرقة، سأحرص حتما على تحقيق هذا الحلم الصغير، ولا أظنه بالمستحيل أو صعب المنال.

«كم تبلغ سعادتك في هذه اللحظة؟ من الواحد للعشرة هيا.»

لم أبعد عيناي عن تلك العائلة السعيدة، رغم تركيزي الشديد بما قاله ماكسويل لي، لذا إبتسمت كي أظهر له إنتباهي لما يقول، وأجبته:

«فوق المئة»

لربما، كان فوق المئة هو أقصى عدد يتصوره عقلي عندما كنتُ طفلة صغيرة تظن أن القمر يسير خلفها، حينها كنتُ أحب التعبير عن أي شيئ يسعدني بحبي له بالقدر الذي يبلغ فوق المئة، هذا ما جعلني أستخدم هذا التعبير الصغير، الذي يربطني بطفولتي البعيدة.

سمعتُ قهقهة ماكسويل بجانبي، لذا أجبرتُ نفسي على إبعاد بصري والنظر لعيناه البنية، عيناه تشبه رمال الشاطئ المبللة وهي تلمع أسفل شمس الفجر، مما يجعلها مميزة، لامعة، وآسرة.

«يسعدني هذا، سيدتي»

لاحظت، أنه يحب الألقاب المحترمة بيننا، مما يجعلني، أحترمه أيضا أنا الأخرى، لذا إبتسمتُ له بإمتنان، من إحترامه لي، من إحضاري إلى هذا المكان رغم أنني لم أشكو له عن مللي وسط الجدران الأربعة للغرفة، من ثقته بي وتشجيعه المستمر لي، وأيضا، من إهتمامه غير المشروط بي.

«كانت لتكتمل الفرحة لو تمكنتُ من المشي وسط الأمواج، للمعلومة أنا لا أجيد السباحة، لكن عليك أن تحرص على جلبي مجددا للشاطئ بعدما أنتهي من الحصص الفزيائية»

لم تتغير نظرته نحوي أو تهتز، بل حافظ على إبتسامته التي علقت بين شفتيه، ثم إلتفت للبحر الأزرق، كان المكان جميلا بطريقة تجعل الصدر ينشرح، لذا حتى لو لم أتمكن من مزاولة المشي مجددا، لن أمانع المجيئ إلى هنا وتصفية أفكاري المترسبة.

إلتفتَ إليّ ثم إنحنى نازعا حذائي الأبيض، ليضعه بجانبه حذائه المناقض للونه، ووضع معطفي فوق إحدى المساند على الكرسي، وهذا جعلني أستغرب قليلا، لكنه فسّر سريعا حالما إستقام مجددا:

«من قال أنه ليس بإمكانك المشي وسط الأمواج؟ أظنها فرصة جيدة للخضوع للتمارين، ما رأيك؟»

لم أمنع تكون إبتسامة مندهشة على ثغري، وهو الآخر لم يقدم لي فرصة للإستيعاب حتى أدلي برأيي كما رغب، لأنه إنحنى مجددا وأمسك بكفاي يساعدني على الوقوف.

وهذا جعل قلبي وسط أضلعي يقفز بتوتر، لهفة، وإشتياق، آخر مرة قد لامست مياه المحيط قدمي كانت قبل أربع سنوات، وهذا يجعلني أشعر بالنشوة لمجرد التفكير بأنني سأعود للبحر، للملجئ الآمن الذي أحببت.

«هيا، خطوة تليها أخرى وسنصل للمنتصف»

رمشتُ مرات متوالية وأنا أتمسك بذراعي ماكسويل، راقبتُ قدماي التي غاصت بالرمال، ولم أعبأ بفكرة تبلل أطراف فستاني لو أخذتُ خطوة صغيرة فقط، بل وجدتُ نفسي أزحف طلبا لشعور البلل، وربما الغرق أيضا.

أظن أن زرقة المحيط كافية لغسل همومي، لإبعاد التلوث عنها، حتى أتعالج فكريا وجسديا، خطوة أخرى وقد تخطت المياه نصف سيقاني، ساعدني ماكسويل بتحمل ثقل جسدي أكثر، مما جعلني أخطو الخطوة الخامسة حتى أصبحت الأمواج تلاطف ركبتاي، لكنني لم أكتفي، هذا الشعور المنعش لم يكن كافيا، أردتُ ماهو أكثر، ماقد يشبع روحي الجائعة للبحر.

لذا خطوتُ خطوة أخرى رغم توقف ماكسويل عن الرجوع للخلف، وحينما قمتُ بذلك، إستمر بمساعدتي في المشي كون الأمر صعب للغاية حينما أقوم به بمفردي دون أن يحمل عني ثقلي، خطوة أخرى بعدها أخرى، وقد تخطيتُ العشر خطوات بالفعل، وهذه أطول مسافة قد قمتُ بها منذ بدأتُ التمارين الفيزيائية.

كنتُ أستشعر زوجا من الأعين يراقبني، لذا لم أمانع رغبتي في الإستدارة، وقد كنتُ محقة، لمحتُ العائلة التي كنتُ أراقبها قبل قليل تفعل المثل الآن، تنظر لي وتبحلق بي بفخر، وهل سأبالغ حينما أقول أن أعينهم تلمع بفعل دموع مكبوتة؟ أتأثروا؟

«ركزي معي، سيدتي.»

عدتُ لماكسويل فورا، أستشعر إنزعاجا طفيفا بين ثنايا نبرته، لكنه سرعان ما تراجع بضع خطوات لذا قمتُ بالتقدم نحوه أكثر حتى أقلص المسافة، والمياه كانت تصل لخصري بالفعل، لذا قد توقف كلانا لأستمتعَ بالبرودة التي تغلفني، النسمات العليلة وهي تقبل وجنتاي، وأيضا الرائحة المفضلة لي، رائحة البحر المنعشة.

أغمضتُ عيناي حتى أتيح لي فرصة الغوص في اللحظة، التشبع بها، حتى آخر رمق. صوت طيور النورس في الخلفية كان بارزا بجانب ضرب الأمواج لي حتى أصبحت المياه تلطخ كتفاي، ولم أبالي، كل ماكنتُ مستمتعة به، هو أن الأمواج تعانقني، ترحب بي، وتعبر عن شوقها لي.

قشعريرة مرت على طول جسدي حالما إشتدت الرياح، وبكل تأكيد ستصيبني نزلة برد حينما نعود، لكن هذه الفرصة لا تعوض لذا حتى نزلات البرد التي تلازمني لأسابيع لن تمنعني من البقاء لمدة طويلة.

«سيدة جايلين، الجو يزداد سوءً، ستمرضين»

نفيتُ له برأسي دون أن أفتح عيناي، فقط بضع دقائق، أحتاج بضع دقائق أخرى حتى أكتفي.

أحسستُ بإقتراب جسد ماكسويل مني، يقتحم مساحتي الشخصية أكثر من اللازم، ثم يحاوط جسدي المرتجف بكلتا يديه الدافئتين، وهذا ما جعلني أفرج عن أخضر مقلتاي بدهشة، كنتُ أحضى بعناق دافئ وسط الأمواج الباردة!

لم أتردد بتغليفه بكلتا يداي أنا الأخرى، لو كان هذا سيقينا قسوة البرد ويبعد عنا المرض في سبيل البقاء هنا لحظات أخرى، فلا بأس عندي.

مرت هنيهات قصيرة، قبل أن أستشعر اليد اليسرى لماكسويل وهي تغير مكانها من ظهري لأسفل ركبتاي، وقد حملني بصعوبة هذه المرة بسبب بلل جسدي مما جعلني أثقل عن العادة، لذا حاوطتُ عنقه ببعض التردد.

وداعا أيها البحر، سأحاول زيارتك في وقت أقرب!

وصلنا لرمال الشاطئ، وبدل أن يضعني على الكرسي أوقفني أرضا مما جعلني أتشبث بعنقه أكثر خوفا من السقوط.

غلفني بمعطفي الأبيض، ثم عاد لحملي وأخذني للسيارة بصمت شديد، فجأة إنتقل جسدي من برد الخارج لدفئ السيارة، وأغلق زجاج النافذة قبل الباب ثم عاد للرمال ليحضر الكرسي المتحرك، أظن أن هذه أفضل نزهة حصلتُ عليها منذ وقت طويل.

جلس ماكسويل بجانبي، وقبل أن يباشر القيادة قد حرص على إغلاق كل النوافذ، ثم شغل التدفئة الداخلية، مما جعل المكان مناسبا ليقينا من البرد المشتد خارجا.

«أتمنى أنك إستمتعي.» أردف ماكسويل وهو يعبث ببعض الأزرار قبل أن تتحرك السيارة مغادرة الشاطئ، وقد إبتسمتُ له بإمتنان مجيبة «شكرا للغاية لأنك جعلتني أعيش هذه التجربة التي لا تنسى»

إسترق النظر لي قبل أن يعود بمرمى بصره على الطريق.

ولاحظتُ هدوء الأجواء التي دفعتني للرغبة في النوم، لذا قمتُ بلف معطفي الأبيض أكثر وأغمضتُ عيناي لتستقبلني الأحلام قبل أن أعود لكنف ذلك المبنى الكئيب.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة