أعتابُ حبّ.

أعتابُ حبّ.

49 0

1999_التاسع من أكتوبر.

يصادف الإنسان في محطة حياته أناسا لم يتخيل يوما وجودهم في نفس عالمه، حينما يظن أنه إستطاع التعرف على أكبر قدر من الأشخاص وأصبح عالما بكيفية تفكير البقية، يفاجئه ظهور أحدهم يخالف كل ما تعلمه وعرفه.

من بين مئات الناس الذين نلتقي بهم، نجد نفسنا ننجذب لأكثرهم إختلافا وتعقيدا بالنسبة لنا، في كثير من الأحيان، نرى أن الشخص الذي لا يحبه أحد، هو أكثرهم إستحقاقا للحب.

هو وجد نفسه يقع ببطء في حفرة عميقة لا يدري نهايتها، لم يعلم متى بدأ هذا وكيف أتاح له الفرصة للبدء، ما يعلمه أن الفتاة التي أرادت أن تضع حدا لحياتها في يوم ما، هي أكثرهم إستحقاقا للإهتمام، الحب، والتقدير.

كم أن الحياة بائسة، إنها تسلب البريق من أعين بعض أناس كل ما تمنونه هو حياة هنيئة مليئة بالراحة، هذا ما يفكر به في كل مرة تقع فيها عيناه البنية بحدقيتاها العسلية المخضرة.

إن مظهرها الجميل بالنسبة له يسبب له التساؤل، كيف لم يستطع زوجها الإعجاب بها كما فعل هو؟ كيف قاوم هذه الفتاة أمامه لمدة ثمان سنوات؟ إنه غبي في نظره، لتجاهله فتاة كالورد وتناسيها مفكرا في حبه الأول فقط.

1

كم أن زوجها السابق غبي، لكنه ممتن لغبائه بطريقة ما، أهذا ما يسمى الغيرة؟ هو لا يعلم، لما؟ لأنه يخوض هذه المشاعر للمرة الأولى.

1

لم يسبق له أن فكر في فتاة ما طوال يومه بهذه الطريقة، إنه مستغرب، كيف لها أن تزور ذهنه مرة واحدة في اليوم، دون أن تغادر بعدها، كيف تجرؤ على تشويش تركيزه أثناء عمله حتى؟

تنهد بخفة وأعاد رأسه لسطح المكتب يحسب الدقائق في إنتظار إنتهاء إستراحته التي تمتد لنصف ساعة، أكثر شيئ يعجبه في دوامه هو فترة إستراحته، وذلك كان قبل شهرين، لكنه الآن بات يمقت هذه الدقائق الثلاثين لأنها طويلة للغاية وثقيلة على قلبه، إنه يتلوى من مرارة الشوق في إنتظار بدء جلسته معها، لكنه مجبر على الجلوس داخل مكتبه حتى لا يعتقد أحد أن الطبيب ماكسويل معجب بمريضته وينتظر فقط الوقت الذي سيستطيع فيها الذهاب إلى غرفتها للحديث معها.

وإن كان هذا الإعتقاد صحيح.

لكن لا أحد يستطيع لومه، لأنها جميلة، جميلة بطريقة لم يعهدها، كما أنها ذات شخصية ناضجة، وإن كانت مضطربة، لكنه يحب نضجها الذي يلائم عمرها.

أغمض عيناه فورما إقتحم أحدهم مكتبه، داريا بهوية الزائر المزعج بالفعل، سمع خطواته الخافتة وهي تتجه نحوه، وقلبه قد طرق في فضول مما قد يقدم عليه صاحبه من جنون، لكنه مع ذلك حافظ على جفونه مغلقة، في محاولة بائسة لجعل آيرون يعود أدراجه حينما يتأكد أنه نائم.

غير أنه قد شهق بصدمة حالما أحس بصفعة على خده الأيمن، وإستقام فزعا ممسكا بأثر الضربة، ولأن ردة فعله كانت مفاجئة لآيرون فقد هرب نحو الجهة الأخرى من المكتب جافلا على صياح ماكسويل:

«كيف تجرؤ على صفعي يا هذا!»

إبتلع آيرون ريقه مخفيا إستمتاعه، ثم نظر للمكتب حوله الذي وجده في حالة من الفوضى غير المعهودة، لكنه أجاب دون الإستفسار:

«أنت من إدعى النوم، كيف تريد مني التصرف؟ أن أغني لك تهويدة مثلا؟»

قلب ماكسويل عيناه عن حديثه، وعاد للجلوس فوق مقعد مكتبه هامسا بعصبية:

«دنيء مستفز»

«أنت الدنيء يا هذا! كيف تجرؤ على تجاهلي؟ حالما دخلت للمكتب مثلت النوم للتخلص مني، يالك من صديق سيئ»

قلب ماكسويل عيناه من درامية صديقه الشديدة، ولأنه يحاول أن يكون عاقلا في الآونة الأخيرة لم يتعب نفسه بالرد، بل أعاد رأسه للخلف مغمضا عيناه.

وهذا ما جعل آيرون متعجبا في مكانه، لكنه لم يضحي بسلامة جسده حتى يقترب ويتفحص حرارته، لذا نبس بإستنكار من مكانه:

«مابك؟ تبدو متعبا؟ هل أنت حامل؟»

إرتفع رأس ماكسويل ونظر نحو الأهوج أمامه، وتساءل مع نفسه، لما لم يأخذ وجهة نظر جايلين على محمل الجد؟ لقد أخبرته أن آيرون أولى بالبقاء في المصحة منها، ويوما عن يوم يتأكد من هذا.

لم يكد يعيد رأسه للوضعية السابقة محدقا بالسقف حتى رن منبهه فوق المكتب، وهذا جعله يستقيم بحماس، لقد إنتهت إستراحته أخيرا، وسيستطيع الذهاب لمريضته أخيرا.

مشى بخطوات متسارعة، حالما وصل لباب المكتب ليفتحه، توقف إثر قبض آيرون على مرفقه مانعا إياه من أخذ أي خطوة للخارج، وهذا جعله يلتفت نحوه بتساؤل.

«منذ متى وأنت تتحمس بهذه الطريقة؟ عهدتك تتذمر كلما رن منبهك»

كان آيرون يتحدث بنبرة عابثة بكل تأكيد، وكأنه يحاول الوصول لشيئ ما، أو يلمح لشيئ؟ هذا ما جعل ماكسويل يرفع حاجبه ويردف:

«قل ما عندك دون ألغاز آيرون، ليس لي اليوم بطوله.»

ترك آيرون مرفق ماكسويل وعقد ذراعيه أمام صدره، ليبدو جادا للغاية الآن، وهذه النظرة الجدية التي تعتلي عيناه قد دفعت ماكسويل لتعديل وقفته مستعدا لنقاش طويل.

«لقد حان موعد جلسة السيدة جايلين أليس كذلك؟»

زفر ماكسويل أنفاسه ببعض الضغط، ولا يعلم إلى أين سيصل بهما الحديث، لكنه يدرك، أن صديقه لن يسمح لهما بالخروج من المكتب حتى يفرغ كل أفكاره، وتظل حبيسة هذه الغرفة كغيرها من الحوارات المنسية التي خاضوها.

«و؟»

أجاب بشفافية وكأنه ليس منزعجا من أنه سيتحدث عنها الآن وهو غاضب، أشد ما يؤمن به، أن تلك المرأة تستحق أن تذكر في الحوارات اللطيفة، المريحة، والخفيفة على القلب، ليس الأحاديث المشحونة، المتزعزعة، والمضغوطة.

«لقد أصبحت توليها إهتماما أكثر من البقية ياماكس، أتظنني غافل؟»

منع نفسه حتى لا يقلب عيناه مما يقوله، لذا أجاب بسخرية تنافي جدية آيرون غير الإعتيادية:

«وهل تريد لعب دور الزوجة التي تشك في زوجها الآن؟ آيرون أنا حقا متعب وأريد إنهاء كل أعمالي بسرعة لأعود للمنزل، لهذا كنتُ متحمسا حينما رن منبهي، هل إرتحت؟»

بدى آيرون وكأنه قد تلقى إجابة لم تعجبه، لذا فك عقدة ذراعيه وحشر يديه في جيب بنطاله، متقدما بخطوة نحو ماكسويل حتى يظل حديثهما مسموع لهما فقط ولا يتسلل لأحد غيرهما.

«أتظن أن حيلتك هذه ستنطلي علي؟ أنا أحفظك أكثر من خطوط يدي، أعلم جيدا أنك معجب بتلك المرأة، لا بل أسوء، ربما أصبحت عاشق دون علم أحد»

لم يفت على آيرون إرتعاش فك الآخر بشكل طفيف قبل أن يقبض على أسنانه، وكأنه يمنع حديثا لن يعجب أيا منهما لو أفلته.

«لستُ معجبا بها آيرون، لا تهدي، وحتى لو كنتُ كذلك كما تدعي، ما المشكل في ذلك؟»

حقيقة أن آيرون يرى إعجابه بجايلين كخطيئة لم يرقه، وما أغضبه أكثر؟ أنه ناداها بـ تلك المرأة' عوضا عن إسمها ومرفق بلقب محترم، هو لا ينكر أنه معجب بها، ولا ينكر أنه يكاد يقع في حبها، لما؟ لأن كل شيئ فيها جذاب، بدءً من شاماتها التسعة عشر، لعيناها التي تتغير ألوانها كلما إختلفت الإضاءة.

1

«المشكل في ذلك يا حضرة الطبيب أنها مريضتك، أنك سمحت لنفسك بالنظر بشكل مختلف لها، أنك لم تفصل مشاعرك عن العمل كما تفعل دوما.»

أغمض عيناه بغضب وهو يستمع لكلمات لا يريد مناقشتها حتى، هو يعلم كل هذا ويدرك فداحة خطئه، لكن الإعجاب بها ليس خطيئة تجعله مدنسا!

فتح عيناه ليستعد للدفاع عن نفسه لكن النظرة التي يرسمها آيرون الآن قد أفزعته، هو جاد بشكل لم يسبق له رؤيته حتى، ويكاد يفيض من المشاعر.

«أنا لا أعاتبك ماكسويل، أنا أرى هل ستستطيع الإستمرار بهذا حتى مع معرفتك للخطأ الذي إرتكبته.»

وجد نفسه منفعلا، خطأ خطأ خطأ، يُعامل دوما كالطاهر الذي حرم عليه الإنحراف عن الطريق، منذ أن كان طفلا في المهد وهو يتعلم ألا يخطأ، لما الآخرين معصومين وهو لا؟

«إليك الحقيقة إذا! أنا معجب بها، وأدرك أنها مريضة لا يتوجب علي النظر لها بتلك الطريقة، وخصوصا مع وضعها النفسي المتزعزع، لكنني لم أستطع.»

حاول قدر المستطاع ألا يفرغ غضبه في صاحبه، حتى يظل حوارهما هادئا دون عراك سيجعلهما متخاصمان لفترة طويلة.

رأى تراجع آيرون بخطوة صغيرة، وإبعاده ليديه من جيبه، كانت الدهشة تغلفه بشكل يدعو للضحك، ما لم يتوقعه بتاتا، أن ماكسويل سيعترف بخطأ قام به وبهذه السرعة أيضا، لا ويدافع عن ما فعله، إعتاد على صديقه الذي لم يسبق له أن خرج عن خطته، ويسير وفقها بشكل مظبوط.

صديقه المنظبط الذي لا يعمل سوى إذا رن منبهه، كان يعترف بأنه قد حاذ عن المسار المخطط له، وبأنه قد تخطى الحدود وأصبح يخوض مشاعر لن يتفهمها أي أحد بالخارج مع إحدى مريضاته، مما يجعله يردد بصوت شبه هامس:

«كان هذا.. لا أدري كيف أصف الأمر لكن..»

تمتماته غير المفهومة قد قطعت حينما مسح على وجهه، إنه فقط لا يستطيع إستيعاب الأمر، لو كان أحد آخر مكانه كان سيراه بشكل عادي، رجل يحب، وقد إعترف لتوه بالأمر، لكنه ليس الشيئ نفسه بالنسبة لكلاهما.

«حسنا لو كنت قد أنهيت ماعندك سأذهب الآن، لقد ضيعت ما يكفي من وقتي.»

أستدار مجددا وأمسك مقبض الباب، لكن آيرون أعاد مسك مرفقه وجعله يستدير نحوه ثم قال بلطف هذه المرة:

«أنظر ماكسويل، أنا قلق عليك فقط، ماذا ستقول لوالديك؟ هما لن يقبلا على الأرجح، وأنت تدري هذا.»

أدار ماكسويل وجهه العابس وهو يأخذ كلام صديقه على محمل الجد، أكثر من سيعارض هذه العلاقة هي عائلته، لكنه فقط همس بصوت متعب:

«حتى إن وافقتُ أنا أو والداي، هي لن توافق، إنه مجرد إعجاب يا آيرون، سيختفي بعد شهر، شهرين أو حتى سنة»

كان مستوعبا لحقيقة أن جايلين لا تكن له أي مشاعر سوى الإحترام والإمتنان، لذا لم يكن يحاول الإقتراب منها حتى لا يشعرها بعدم الإرتياح، ربما يلتصق بها في الآونة الأخيرة لكنه لا يجبرها على حبه.

أبعد ذراع آيرون وفتح الباب خارجا، لكن آيرون قد صاح ببلاهة:

«أنا أدعمك في أي قرار ستتخذه، حتى لو أردت الزوا__»

لم ينهي كلامه بسبب إستدارة ماكسويل إليه ورمقه بنظرات تكاد تسلخه حيا.

مشى ماكس على خطى متسارعة راغبا في الهرب قبل أن يوقفه أحد آخر، وحالما وصل لغرفتها توقف ملتقطا أنفاسه ثم رسم إبتسامة سعيدة على شفتيه، إبتسامة كاذبة بكل تأكيد.

طرق بنغمة محددة إعتاد جعلها خافتة دون وعي وكأنه يخشى إزعاجها بصخب الصوت، ثم ولج للداخل كونه ما عاد يستطيع إنتظار إذنها بالدخول منذ الحادثة قبل شهر وبضع أسابيع، لأنه يخشى أن يتأخر بضع ثواني ويجدها غارقة في دمائها، تلك الصورة التي ظلت مطبوعة في ذهنه منذ ذلك اليوم كانت تجعل قلبه يطرق فزعا.

علا الإستغراب ملامحه حينما تسلل صوت الموسيقى المسموعة لأذنه، وإستطاع إلتقاط الراديو ببصره، الذي وضع في إحدى زوايا الغرفة، مرر نظره حول الأرجاء باحثا عن بنيتها الهزيلة التي لم تتواجد بالسرير، حتى رآها مابين العمودين المتوازيين تحاول الثبات بطريقة بدت مستنزفة لقواها، هذه المرة الأولى التي يراها تقف دون أن يمسك بساعديها وتتشبث بأكمام معطفه الطبي.

وهذا جعل شعور الفخر يكتنف صدره.

الألحان الصاخبة القادمة من جهاز الراديو جعلته يتساءل إن كان هذا هو النوع الذي يعجبها من الموسيقى؟ لكنها لم تبدو مهتمة بما يتلوه المغني حاليا بقدر تركيزها على خطواتها المرتعشة، وهذا جعله يتقدم بخطوات هادئة لم تلفت إنتباهها.

حالما صار أقرب إتكئ على الحائط بجانبه مراقبا خصلاتها الكستنائية المتبعثرة، والتي أصابها بعض البلل نتيجة تعرقها بعد كل هذا المجهود الذي بذلته، سخر كل جسده في هذه اللحظة لرؤية كل حركة تقوم بها.

قبضت يداها على العمودين بقوة أكبر حتى تسببت في إرتعاش أناملها مما جعله يعلم أنها تصارع لرفع قدمها هذه المرة وليس تمريرها فوق الأرض كما تفعل، لكن عوضا عن إرتفاع قدمها وجدت نفسها تنخفض متأوهة بسبب الألم الذي ضرب ركبتيها حتى كاد تقع ساقطة فوق الأرض.

لكن لمعرفته لما سيأتي بعد إنخفاضها، سارع بخطاه نحوها ممسكا إياها من الخلف ليجعلها تضع ثقلها فوق صدره، وحالما أحست بوجوده قد أفلتت العمودين بضعف، إن ما تفعله في نظره يعد فائقا لقدراتها، وما تفعله في نظرها يعد بسيطا أمام ما يستطيع أي شخص آخر فعله.

«سيدتي أنتِ تجهدين نفسك» أعادت رأسها للخلف قليلا حتى ترى ملامح وجهه. عيناه إلتحفت بغشاء القلق بعدما رأى إنهيارها للحظة، إنها لحظة يراها مع العديد من المرضى، لكنها لحظة تجعله يفزع في كل مرة.

إستقام قليلا مما دفع جسدها لا إراديا للإعتدال، وكحركة ألفتها، وجدت نفسها ترتفع موازاة مع تطويقها لعنقه بذراعيها، حمله لها أصبح شيئا إعتياديا لجسمها، لكن قلبها الذي ينبض بهلع في كل مرة لا يستطيع الإعتياد فعلا.

إتجه بها لسريرها ثم وضعها برفق ليدثرها بغطائها الأبيض، دون أن يسترق لها أي نظرة، لأنه يعلم أنها من هذا القرب ستجعل خدوده تتلون بالخجل، وهذا محرج له فعلا، لذا هو يتفادى أي تواصل بين أبصارهما وهما من هذا القرب، عاد لبضعة خطوات للخلف حينما إنتهى وإستغرب رؤيتها تغمض عيناها وكأنها كانت تنتظر فقط اللحظة التي يلتقي جسدها بالسرير حتى تغفو.

خصلاتها لا تزال مبعثرة ولم تقم بتسريحها منذ أيام ربما، لكنه لا يفهم، كيف لها أن تبدو أجمل بخصلاتها غير المرتبة؟ إنتقلت عيناه لجفناها، ولاحظ رفرفة أهدابها بشكل طفيف جعله يوقن أنها لم تنم بشكل كلي، وقد إرتعشت أنامله بخفة حينما فتحت عيناها بإنزعاج، تاه بصره وسط ملامحها وهو يراقب كل معالمها المبتئسة، قبل أن تنطق بنبرة غاضبة:

«سيد ماكسويل! لقد أمهلتكم شهرا، لكنه إكتمل»

إبتلع ريقه ببطء مبعدا عيناه حتى يتسنى له تحليل ماقالته بطريقة منطقية وليس أن يعد شاماتها المتناثرة حول بشرتها كالأبله، وحينما فعل وجد نفسه يتساءل عن الشهر الذي أمهلتهم إياه، ومن يكونون؟ لحظات فقط وقد وجد نفسه يستذكر قولها بأنها ستحاول المشي لشهر وإن لم تنجح ستتوقف.

وهذا جعل عيناه تتسعان بخفة وتعودان للنظر لخضراويتيها بإرتباك غير مدرك للطريقة الملائمة لجعلها تستمر في علاجها الفزيائي، وقبل أن ينبس بشيئ أوقفته قائلة:

«بمرور الأيام أفقد ثقتي، وأجدني أدور في حلقة مغلقة من الأمل، متى سأستطيع المشي سيد ماكسويل؟ أظن أن الأمر قد طال ولا فائدة ترجى»

عقدت ذراعيها بإنزعاج في نهاية كلامها تتحداه بنظراتها، وكان هو الخاسر الأول حينما توقف عن حديث بصرهما وإبعد مقلتاه جانبا ثم عاد بهما إليها مردفا بجدية:

«سيدتي! الأمر يتطلب جهدا وصبرا أكثر، أنتِ تقدمين الجهد لكنك تفتقدين للصبر. هناك مرضى لم يستطيعوا تحريك أقدامهم سوى بعد مرور سنة من العلاج، أي أن تقدمك سريع للغاية بالمقارنة مع الغير.»

قلبت بؤبؤيها في إنزعاج، هي تدرك هذا لكنها لا يسعها الصبر حتى تستطيع المشي والركض في الأرجاء.

«أشعر بالضجر وأنا على نفس الوضعية لسنتين، لا أستطيع حتى تجاوز حدود سريري لو لم يساعدني أحدهم بهذا»

زم شفتيه من صوتها الهامس، وكأنها تخشى أن تصله شكواها، وهذا جعله يجلس على الكرسي بجانب السرير ثم أردف بلطف محاولا التخفيف عنها:

«سيدتي، أنتِ تقتربين ببطء من العودة لمجرى حياتك، أنتِ تتحسنين ببطء، ليس عليك التوقف في المنتصف متحسرة على ما لم تستطيعين تحقيقه في الحاضر، كل ما أطلبه منك هو جرعة صغيرة من الصبر، وستصلين بكل تأكيد لمبتغاك.»

ربما لم يستطع أن يمحو تعابيرها المستاءة للآن، لكنه لاحظ أن عيناها تبرقان في أمل طفيف، مما جعله مرتاح البال قليلا للحظات، أبعدت وجهها للجانب تتحاشى أنظاره أثناء قولها الخافت:

«لا يعجبني الطعام الذي يتم تقديمه هنا.»

رفع حاجبه الأيمن بتعجب وأمسك إبتسامته بصعوبة، كيف تمتلك القدرة على تغيير مجرى الحديث بهذه الطريقة الجذرية؟

نظرت له أخيرا ترغب برؤية رد فعله، لكنه أخفض حاجبه ببطء وهو يتأمل ملامحها ونبضة في صدره قد إنبثقت تتسبب في جعل خفقانه يتسارع، إنه يشعر بالحب، وهذا ما لايستطيع نكرانه، إنها أول مرة يشعر بمثل هذه الدغدغة اللطيفة بصدره، وهذا يجعل من عقله يشعل إنذارات حمراء تصرخ بحقيقة واحدة، أن الفتاة أمامه، خطيرة على قلبه.

هز رأسه للأعلى والأسفل مما جعلها تستغرب أكثر، في أي مكان قد تاه فكره؟ غير مدركة أنه تاه بسبب فتاة خريف بأعين الربيع، أهذا منطقي حتى؟

«فلترتاحي الآن، وداعا.» نهظ من مقعده وتابعته بعيناها حتى غادر الغرفة، وهذا جعلها تستلقي متسائلة عن غرابته هذه الأيام، إنه لا ينفك يفاجئها بهذا.

في المقابل كان خارج الغرفة يستند على بابها ويده اليمنى تتحسس موضع قلبه ونبضه، إنه في حالة متقدمة من مرض الحب، وعليه أن يجد مهدئا لأعراضه لأنه مدرك عن عدم إمكانية العلاج.

إنه لا يدرك كيف سمح لمشاعره بتجاوز حدودها! لا بل يدري.. بدأ ذلك منذ حادثة محاولة إنتحارها، حينها أصبح يوليها إهتماما أكبر نظرا لحالتها غير المستقرة حتى يخفف من حزنها ويجعلها تسعد وتنسى، ثم بدأت مشاعر في الإنحدار والإنجراف حتى أصبحت ماعليه الآن، وهل هي تتوقف؟ لا قطعا، كلما كان بجانبها يشعر بأن قلبه يهوي بين أضلعه ويرغب في إحتضانها، ولربما نفذ تلك الرغبة لمرتين سابقا لكن في كل مرة تزداد رغبته تفاقما، أهو محموم أم مجنون؟ يرجح لكلاهما حقا.

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة