حقيقة مُرّة.

حقيقة مُرّة.

51 0

1999،_الأول من أكتوبر.

عطسة أخرى قد إخترقت سكون الغرفة، والممرضة جرمين متوترة بجانبي تمشي جيئة وذهابا، لا أدري ما الذي يقلقها في نزلة بردي؟ أنا قد توقعتُ هذا البارحة، حسنا ما لم أتوقعه أن أجلس وسط السرير وتحيطني أكوام لا متناهية من المناديل التي لم تعد متاحة الاستعمال.

عطستُ للمرة التي لا أدري عددها منذُ إستيقظت هذا الصباح، ولم أجد حتى الفرصة كي أتشدق أنفاسي حتى عطستُ مرة أخرى، يدي اليمنى وجدت طريقها لعلبة المناديل الورقية في حضني وأخذتُ ما يكفيني لدقائق حتى تفسد كسابقاتها وآخذ منديلا آخر.

إقشعر بدني إثر تلامس أنامل جرمين لخدي ثم جبهتي، كانت يدها باردة، بل متجمدة! في المقابل قد شهقت بدرامية شديدة وتتلو على مسامعي للمرة المئة:

«سيدة جايلين، حرارتك مرتفعة للغاية!»

قلبتُ عيناي ولم أرغب في تكرار نفس الجملة مرة أخرى بدوري، 'لا داعي لإخبار الطبيب يا جرمين إنها مجرد نزلة برد بسيطة وأنا معتادة عليها كلما يشرف الخريف، هيا إجلسي'.

حينما كررتها على مسامعها للمرة السادسة، علمتُ أن توترها وخوفها لن يقل، وبالها لن يهنأ حتى تقدم لي الأدوية التي عارضتها مسبقا، متحججة بأن الأدوية لا تنفعني بشيئ، ما لا تعلمه جرمين أنني أكره الأدوية فقط، وهذا سبب إعتراضي لإخبار أي شخص.

ما كان يريحني، أن اليوم السبت، أي عطلة الطبيب ماكسويل وآيرون معا، لذا لن يزورني أي منهما، مما يعني أنني لن أشرب تلك الأدوية ذات المذاق اللاذع الكريه.

إن كان هناك شيئ أرغب في إنقراضه من هذا العالم بجانب الفئران والصراصير، فالأدوية ستكون في رأس القائمة بالفعل، بحق خالق السماء من العاقل الذي سيرغب في تذوق هذه الأشياء؟

«لا هذا لا ينفع، سيدتي أنا حقا لا أريد أن أنتهك رغبتك في عدم إحضار أي طبيب، لكن لا يعقل أن تظلي على هذا الحال دون فحص!»

حسنا أنا أتفهم جرمين، هي ممرضة ترغب في حماية أكبر قدر من المرضى، ومساعدتهم. والسبب الذي يجعلها لا تركض الآن لجلب أول طبيب يقع بصرها عليه في الرواق، هو أن كل من يعمل بهذا المكان يحرصون على إعطاء أكبر قدر من الإهتمام للمرضى النفسيين، لمعرفتهم أن أبسط معارضة لأقوالهم ستجعلهم يحزنون حزنا شديدا، لدرجة أن يعودوا أميالا للخلف فقط لقول كلمة لا لهم.

وأنا أستغل هذا الدلال في صالحي، لذا من الرابح في النهاية؟ بالطبع أنـ.. عطستُ مجددا حتى تسببتُ في تناثر بعض المناديل بجانبي، وصارت كالبساط الأبيض على البلاط الأرضي.

توقفت جرمين عن عض إصبعها بتوتر حالما سمعت بعض الطرقات الخفيفة على الباب، توجهت سريعا لتعرف كينونة الطارق وهذه المرة أنا من توترت، أيكون طبيبا يحمل أدوية مُرّة المذاق بين يديه ثم يجبرني على شربها؟

إييو مقزز، مجرد التفكير في شرب تلك الأشياء يجعلني أرغب بالإستفراغ.

إستفقتُ من شرودي على خطى جرمين نحوي، تحمل  بين يديها صندوقا أسود اللون يخص الهدايا بكل تأكيد، وعلى أطرافه قد لُفّ شريط أحمر.

كانت جرمين ترسم نفس قدر إستغرابي وفضولي، ثم وضعته بحجري لتحمل علبة المناديل، ونبست:

«إنه يخصك.»

هذا ما إستنتجه أيضا من البطاقة الزهرية أسفل الشريط، والتي قد حفر عليها إسمي، من أحضر لي هذه الهدية؟

أخذتُ البطاقة الزهرية وقلبتها، لم يكن هناك أي إسم مرفق يدل على هوية المرسل، مما جعلني أفك عقدة الشريط الأحمر في حيرة شديدة، وكأنني أرى هدية لأول مرة.

رفعتُ غطاء العلبة لتتسع عيناي بإندهاش من قماش الشيفون المطوي بالداخل، كان فستانا نبيذي اللون، بنصف أكمام، مما جعلني أمسكه من ياقتيه وأرفعه، حتى تتضح معالم الفستان بشكل أوضح، أستطيع الجزم أنه يتجاوز الركبتين بقليل، كما أنه يبدو ضيقا من منطقة الصدر، وزينت أهداب الفستان بزهور باللونين الإبيض والوردي، كان وبشكل صريح، أروع فستان قد رأيته يوما.

وضعتُ الفستان جانبا، ونظرتُ لداخل الصندوق، حيث وجدتُ قصاصة بيضاء، كُتب عليها بخط منمق، وتفوح منها رائحة معطرة، فباشرتُ القراءة بفضول.

{مرحبا سيدتي، أتمنى أنكِ تبلين حسنا في هذا اليوم اللطيف.

أظن أن الشك يساورك الآن، وأنك فضولية للغاية بشأن سبب الهدية، لذا سأكون صريحا، لقد إخترتُ الفستان البارحة بعد عودتنا من نزهتنا على الشاطئ، لأن الأحمر يليق بك، ولأنني أعلم، أن اليوم عيد مولدك، حيث تتممين الثامنة والعشرين من عمرك، أريد أن أخبرك وجها لوجه، أنكِ تبدين يافعة على هذا الرقم الكبير، لكن للأسف، لستُ بتلك الجرأة سوى خلف الحبر والورق.

أتمنى منكِ الإحتفاظ بهذا الفستان، حتى يحين غشت القادم، ونعيد إحياء الذكرى بزيارة البحر والأمواج، أستطيع تخيل ذاك اليوم وكأنه سيكون الغذ، حيث سنمشي على الرمال وتغوص أقدامنا، وحينما يبلغ الحر أقصاه ندخل المياه ونتبلل.

ماكسويل ميندرو}

في نهاية الرسالة، وجدتُ نفسي أبتسم بعمق وشدة، ونظرتي نحو الفستان تتغير شيئا فشيئا وكأنه أعظم كنوزي، أن يتذكر أحدهم عيد مولدي الذي لم أتذكره أنا لشيئ مبهر، وأن يرى أحدهم أن فستانا ما قد لاق بي بشدة حتى يشتري لي فستانا بلون مماثل.

بل الأفضل، أن يمتلك أحدهم أحلاما مستقبلية، وأكون من ضمنها، كل هذه الأشياء، تجعل من هذه الهدية أفضل شيئ حصلتُ عليه في حياتي.

«من المرسل، سيدة جايلين؟»

إلتفت نحو جرمين التي ظلت تمنحني مساحة حتى ذاق بها الدرع مني، ولم أزح تلك الإبتسامة الواسعة من على شفتاي، وكادت تقول شيئا حتى إقتحم أحدهم الغرفة فجأة.

إندق عنقي نحو الزائر المفاجئ، حتى رأيتُ أمي وهي تبدل بصرها بيني وبين جرمين، قبل أن تتبادل هذه الأخيرة التحية مع أمي ووالدي الذي دخل وبين يديه صندوق كرتوني زهري، حالما غادرت جرمين الغرفة وجدتُ أمي تجلس على الكرسي بجانبي وتردف بقلق بينما يدي تقبع في حضنها:

«ماهذه الحالة يا إبنتي؟ هل أصابك المرض؟ تبدين منهكة للغاية! ما الذي حصل في غيابنا؟ علي إخبار طبيبك، إنه لا يرعاك بشكل كاف!»

وجدتُ نفسي مشوشة بين الحديث السريع الذي تلقيه على مسامعي وإيماءات والدي الذي يوافقها الرأي في كل كلمة تقولها، طافت عيناه العسليتان فوق جسدي بتمعن وكأنه يمسح وجود أي أعراض تستدعي صفع أحدهم وقتله لأنه قد أصابني الأذى، لكن حينما لم يجد شيئا أردف بعصبية :

«لقد كنتِ سليمة قبل يومين فقط، وحينما جئنا نجدك بهذه الحالة! علينا التكلم مع الطبيب بكل تأكيد.»

لا أدري حتى كيف يبدو منظري الآن لدرجة أن يظهر المرض علي بشكل بارز، لكنني فقط إبتسمتُ بدفئ، لأن والداي بجانبي بالفعل، أنا حقا حمقاء مستهترة لأنني رغبتُ في الموت ومفارقة الحياة وتركهما خلفي.

في النهاية إخوتي لن يحصلوا على حبهما لوحدهم!

إتسعت إبتسامتي أكثر وقطعتُ التذمرات التي يصدرها كلاهما في حق ماكسويل:

«إنها مجرد نزلة برد ولا دخل لأحد في هذا، علي أن أخبركما بما حصل البارحة!»

توقف كلاهما يوليان إنتباههما لي، قبل أن تلحظ أمي الفستان الملقى بعشوائية فوق قدماي المغطيتان بالملاءة البيضاء، ثم صندوق الهدايا في حضني، ليبرز التساؤل جليا على محياها، لكنني لم أعطها الفرصة حتى تسأل لأنني قد باشرتُ الحديث بسعادة غامرة وحماس شديد:

«لقد أخذني الطبيب ماكسويل لنزهة البارحة، حصل على إذن للخروج وإتجه بي للشاطئ، لقد قضيتُ وقتا ممتعا للغاية، كما أنني مشيتُ أكثر من عشر خطوات، لذا سأكون شبه سبحتُ برفقة السيد ماكسويل.»

لانت نظراتهم نحوي، حتى الغضب السابق قد أستبدل ببريق من السعادة والحب، في نهاية كلامي همستُ ببعض الندم:

«أصبتُ بنزلة برد لأنني سبحتُ البارحة، لذلك أنا التي تتحمل مسؤولية هذا وليس أحد غيري.»

إقترب والدي مني حتى جلس على طرف السرير، ثم إحتضن وجهي بين كفوفه وعدل من خصلاتي ليقبل جبهتي بعمق ولطف قائلا:

«لا بأس ببعض نزلات البرد لو ستكونين بهذه السعادة دائما، فليحفظ الرب إبتسامتك.»

أووه! إمتلأت عيناي بالمشاعر التي لم أجد ترجمتها وتشكيلها على شكل حروف، بل إستمررتُ بالإبتسام له كتعبير عن.. قُطعت اللحظة بإبعادي لوجهي للأمام ثم عطستُ، آه كم أكره الزكام.

«هيا توقف عن تدليلها أنسيت أن لك زوجة بالفعل، إنها تستمر بخطفك مني!»

نظرتُ لأمي بإستفزاز طفولي وأخرج لساني لها، لكنها قلبت عيناها متمتمة بكلمات كـ 'غيورة' و 'شقية'، توقفتْ عن ذلك حالما عادت بتركيزها للفستان فوق السرير لتنهض عن الكرسي رافعة الفستان كما فعلتُ قبل قليل، ثم إسترسلت بفضول:

«هل أوصيتي أحدا لإحضار هذا الفستان لك؟ إنه رائع لكنه غير ملائم لهذا الجو يا بنيتي، ستمرضين مجددا لو فكرتِ فقط في إرتدائه»

رُسمت البهجة على ثغري مجددا وكأن مشاعر الرسالة عادت لتغرق وتطفو داخل جسدي. الفستان صيفي ولا يناسب هذا الجو بالفعل، رأيتُ والدتي تضع الفستان جانبا، فحملت العلبة الكرتونية التي أحضرتها معها لتفتحها أمامي قائلة:

«عيد مولد سعيد!»

كانت فطيرة برتقال، ورفعتُ حاجباي بتفاجئ، بعد كل هذه السنوات كانت أمي تتذكر كوني أحب فطائر البرتقال بالذات، وبعد كل هذه السنوات لا تزال متأكدة من كوني إذا أحببتُ شيئا يستحيل أن أغيره من قائمة مفضلاتي.

«أخبرتكِ أن تحضري كعكة شوكولاتة، هاهي لم تحب فطيرتك!»

تحدث والدي لأمي بإنزعاج طفيف وكأن رد فعلي يعني الرفض من طرفي، مما أوحى لي أنهما خاضا نقاشات لا تحصى عن هذا الموضوع، وقبل أن ترد أمي بدفاع عن نفسها أردفتُ:

«لا! من قال أنني لم أحببها، فطيرة البرتقال هي المفضلة لي!»

أحسّ والدي بأنه محشور في الزاوية مايعني أن أمي أخبرته نفس الشيئ في السابق، وهذا ظاهر من ملامحها المتفاخرة التي تصرخ بـ: لقد قلت لك ولم تصدقني! وهنا أجاب والدي بإستياء واضح:

«لكن كعكة الشوكولاتة هي ما يناسب أعياد الميلاد، وليس الفطائر!»

ضيقتُ عيناي وأنا أحدق به، حجج واهية يا أبي، كنتُ أعلم أنه يحب كعكة الشوكولاتة أكثر من غيرها، لذا بكل تأكيد كان يريد أن تحضرها أمي لي حتى يأكل نصفها معي، قهقهتُ وأنا أسرق قطعة من الفطيرة المقسمة مسبقا وقضمتُ قطعة، أممم ما ألذها!

إنهرتُ في مكاني من الطعم الخيالي المختلط بين الحلو والحامض، وقبل أن أعض جزءً آخر سرقت أمي القطعة مني نابسة:

«إنتظري لأحضر صحنا وشوكة أيتها الشرهة»

هربت بفطيرتي راكضة خارج الغرفة ولم تتح لي أي فرصة للإعتراض، لذا جلستُ كالمطيعة أنتظر مجيئها.

«إنها في تحسن جيد سيدي وسيدتي، لا داعي للقلق»

هل أهلوس الآن؟ إنه يوم عطلة الطبيب ماكسويل فكيف أسمع صوته أثناء حلمي إذا؟ فتحتُ عيناي بإنزعاج من الضوء المنبعث من المصباح فوق رأسي، هل غفوت؟ كم إستغرقتُ في النوم؟ بل متى وجدتُ الفرصة لأنام حتى؟ إلتفتّ برأسي ونظرتُ للساعة التي تشير للرابعة عصرا، أمي وأبي أتيا لغرفتي بتمام الثانية.

إعتدلتُ في جلستي قبل أن أسمع صوتا خافتا أدركه جيدا يتسلل لي من الرواق عبر فتحة باب الغرفة، ذاك الشق الصغير كان يسمح لي بسماع الحوار الذي يجري بالخارج:

«ماذا لو عرفت؟ ستنهار بكل تأكيد! أرجوك يا حضرة الطبيب لا تخبرها.»

«لكن ياسيدتي هي ستغضب لو أخفيتم عنها هذا!»

أمي والطبيب ماكسويل يتكلمان؟ لا أدري لما راودني شعور سيئ حيال هذا، وأحسستُ أن الحوار يدور حولي بكل تأكيد، إنضم صوتُ أبي إليهم حينما أردف بهدوء غاضب:

«بماذا سنخبرها؟ ماذا سنقول حتى؟ أوه يا إبنتي لقد فقدتِ قدرتك على الإنجاب بعد ذلك الحادث؟ ستنهار لو عرفت! وبالأخص أنها كانت متشبثة بإبنها للغاية في الماضي، لو أخبرناها قد تتراجع صحتها أميالا للخلف، من الأفضل ألا نرفع الستار عن هذه الحقيقة وأن تظل مخفية، ظهورها أسوء مما تتوقع. وسأكون ممتنا لو قبلت رغبتنا.»

نظرتُ ليدي التي ترتجف، وأنفاسي التي تثاقلت، لكنني لم أكن حزينة بالطريقة التي ظنها والدي، وكأنك تخبر جنديا فقد كل ما يملك في المعركة أن حربا أخرى قد إندلعت، لأن هذه المرة سيخوضها وحده دون صديق سيخاف خسرانه.

أخذتُ نفسا مرتعشا أنظم به أنفاسي وإستلقيتُ مجددا على السرير أدعي نومي، وتابعتُ الحوار الذي بدى وكأنه على مشارف الإنتهاء:

«لكن ماذا لو عرفت فجأة؟ قد تتزعزع ثقتها بكما!»

إنها المرة الأولى التي أسمع فيها الطبيب ماكسويل منفعلا، عدا عن تلك المشاجرات الصغيرة التي يخوضها مع آيرون.

لكنني حقا لا أعلم، لما لم يؤثر بي الخبر بالطريقة التي تصوروها؟ إستدرتُ بجسدي للجهة الأخرى حينما شعرتُ بالتنميل، ورأيتُ قطعة من فطيرة البرتقال على الصحن وبجانبه شوكة، لم أتناول فطيرتي!

إستقمت بجذعي أضم الصحن لحضني كي أتنعّم بهذه القطعة اللذيذة، لا أدري لو كانت الفطيرة تخطئ بطريقها في كل مرة، لكنها فعليا بدل أن تذهب لبطني تسلك المسار لقلبي.

فُتح باب الغرفة بينما أحشر قطعة أخرى بفمي، وتوقف ثلاثتهم على الباب مندهشون، علا التوتر ملامحهم، قبل أن يتقدموا أكثر لحيث أنام، لا بد أنهم يتساؤلون الآن: متى إستيقضت؟ وهل إستمعت لما قلناه؟

«مساء الخير، إستيقظتُ لتوي، لم أكن أعلم أنكم هنا.»

تنفسوا براحة عدا الطبيب ماكسويل الذي إزداد توتره، وهذا جعلني أنظر له بتساؤل، لما هو متوتر أكثر الآن؟ أبعدتُ نظري عنه حينما أحسستُ بقبلة على رأسي، ثم تليها أخرى، لقد كانا والداي وهما يودعانني لأن وقت الزيارة يوشك على الإنتهاء.

غادرا الغرفة على عجل، وحالما بقيتُ لوحدي مع الطبيب ماكسويل عدتُ لتناول الفطيرة دون أن أزيح عيناي عن بندقيتاه، للمرة الثانية، لما لا يزال متوترا؟ ولما يقف مكانه دون أن يتزحزح؟

رفعتُ صحني الفارغ وقلتُ مقترحة:

«أتريد قطعة؟»

تقدم نحوي بخطوات ثابتة تنافي قلقه المطبوع بملامحه، ولم يجبني حتى أصبح على مقربة من سريري:

«لقد إسترقت السمع، أليس كذلك؟»

سقطت ملامحي المبتسمة ببطء، وهذا جعله يدرك حقيقة أني فعلت، ظننتُ أنني أجدتُ تمثيل دور الجاهلة، لكن نسيتُ أنني أتعامل مع طبيب نفسي يستطيع كشفي من حركة أصابعي حتى.

«ما الذي سمعتِه بالضبط، سيدتي؟»

أغمضتُ عيناي بخفة قبل أن آخذ قطعة أخرى من فطيرة البرتقال لأباشر تناولها دون رفع عيناي عنه، أحببتُ شعور جعله أكثر توترا.

«أمم، ليس بالشيئ الكثير، فقط حقيقة أن أبواي يخفيان عني أنني لن أستطيع الإنجاب مجددا؟»

إدعيتُ البراءة، وكأن ماقلته ليس بشيئ كبير، جلس على الكرسي الذي جلست عليه أمي سابقا، وأردف بجدية مألوفة منه:

«لقد تضرر رحمك أثناء الحادث، لكن هذا لا يعني أنكِ لا تستطيعين فعلا، إنه شبه مستحيل وسيعود بالضرر على حياتك لو فكرتِ في الحمل»

أومأتُ له بأنني فهمت الآن، وحقا بدا مستغربا في هذه اللحظة، أكان ينتظر مني رد فعل آخر؟ حسنا أنا لا أنوي الزواج مجددا لذا لا بأس عندي بعدم الإنجاب.

لا أعلم لما هم قلقون حتى.

«لقد رأيتُ هديتك، أشكرك»

غيرتُ الموضوع، حتى لا ينهشني التفكير، أعلم أن خبرا كهذا كان عليه أن يكون مدمرا لنفسيتي، لكنني أخذته كشيئ عابر، وأدرك جيدا أنني في المستقبل القريب، سأستوعب هذه الحقيقة بشكل آخر وأنهار كما ظن أبي، أو ربما لن أفعل.

نظرتُ للطبيب الذي ظل صامتا، وقد كان ينظر لأي شيئ في الغرفة عداي، وخديه يصطبغان بحمرة طفيفة. إبتسمتُ بتعجب وإرتفع حاجباي، أهو خجول بسبب ذكري للهدية؟ يا للهول هذا لطيف!

«سأحتفظ بالفستان كما أخبرتني، في إنتظار حلول الصيف، لأنني متشوقة بالفعل للذهاب!»

أردتُ أن أشير للرسالة أيضا، وهذا ما جعله ينظر لي، مرر لسانه على شفته السفلى يبللها، وتعجبتُ صمته، ألا يزال عالقا في حوارنا السابق حول حقيقة عدم قدرتي على الإنجاب؟

فتح فمه وأغلقه، بدا مترددا في قول شيئ ما، شابك أصابعه في حجره ونظر لأنامله، ثم نظر لي مجددا، مما هو متردد؟ إتسعت مقلتاي بخفة حينما بعثر خصلاته بعنف لينهظ عن الكرسي مغادرا الغرفة، مابه؟

طرفتُ بأهدابي في تعجب ووضعتُ قطعة أخرى من فطيرة البرتقال بصحني، أحتاج عصيرا فقط وستكون أفضل تحلية حصلتُ عليها في هذا المكان، نظرتُ للأرض وقد كانت العلبة السوداء هناك، مما جعلني أعلم أن أمي قد طوت الفستان ووضعته بداخله، رفعتُ وسادتي التي أنام عليها أتأكد من أن الرسالة المعطرة لا تزال هناك. وحالما تأكدت عدتُ للإستلقاء أتناول فطيرتي.

فجأة دخل الطبيب ماكسويل مما تسبب في أفزاعي، ظننته قد ذهب! لكن ما أخافني أكثر، هو أنه يتحدث غاضبا الآن:

«أخبرتني ممرضتك أنكِ قد أصبتِ بنزلة برد وترفضين شرب الأدوية، يالك من مستهترة سيدتي!»

أظهرتُ الإستياء على ملامحي حينما رأيتُ علبة أدوية بين يديه، وتأففتُ بإنزعاج، جلس على الكرسي مجددا وأخذ صحن الفطيرة مني ثم إستبدله بكأس فارغ، حمل قنينة الماء فوق المنضدة وأفرغ محتواها بكأسي ليسكب الدواء ويخلطه بالملعقة، ثم دفعه نحوي يأمرني بطريقة لا تقبل الرفض أو الدحض:

«أشربي»

صنعتُ تعابير وجه باكية قبل أن أخبره بأسوء أسراري:

«أرجوك مذاقه سيئ»

«أتحججتي بأنها لا تنفعك بشيئ للممرضة فقط لأن طعمها سيئ؟ أشربيه كاملا أيتها الكاذبة هيا.»

أغمضتُ عيناي بإستياء أكبر وقربتُ الكأس من فمي، ليتضح لون الدواء البرتقالي، وهذا جعل معدتي تنقلب، رائحته مزيج بين البرتقال وبعض الروائح التي تتواجد في الأدوية فقط، إيو إيو إيو!

«أتعلمين أن اليوم عطلتي؟ لكنها فسدت بسبب سيدة طفولية لا تريد شرب دوائها! »

تجاهلتُ حديثه وتأنيبه ثم أخذتُ رشفة صغيرة للغاية قبل أن أبعده من فمي، ولأن ماكسويل الآن يكاد يثقب رأسي بحدقيتاه إبتسمتُ بزيف وأردفت:

«إنه لذيذ!»

رفع حاجبا على كلامي وكأنه يقول: إذا أكمليه ما الذي تنتظرينه؟

إرتفع كفي الأيسر وأمسكتُ أنفي بسبابتي وإبهامي حتى لا تتسلل الرائحة إلي وعدتُ بالكأس قرب فمي، هيا جايلين تستطيعين فعلها، واحد إثنان، ثلاثة. في لحظة واحدة كان الكأس قد فرغ، ووضعتُه بقوة على المنضدة أحاول عدم التحرك حتى يبتعد مذاقه السيئ من فمي، إنه ليس العصير الذي أردته قبل قليل!

أخذتُ نفسا صغيرا يليه آخر، ثم إستلقيت بجسدي على السرير وتفاديتُ النظر لماكسويل، هذا الشرير كيف يجرؤ على إجباري لشرب هذا الشيئ؟

«أحسنتِ.» ربت على رأسي قبل أن ينهض، ولازلتُ أنظر للنافذة بإستياء، لقد كان محقا في رسالته، إنني يافعة على هذا الرقم الكبير، بل إن تصرفاتي تشابه الأطفال!

________________

السلام عليكم!

1

كيف أخباركم؟

كيف كان الفصل؟

مرض جايلين؟

المهم نجي نتلحطم سوى على جملة : لأن الأحمر يليق بك.

أاااااااااا، كنت رح أفقد الوعي من خجلي بسبب هالجملة اللطيفة، لكن فعليا! أاااااااااا مش قادرة مش قادرة.

1

أبنائي صاروا متقدمين! أوف عالرومانسية أوف.

أصلا ماكسويل جنتلمان بزيادة، وأنا بحبه، فرح تشوفون ألطف نسخة رجولية من بين أبطال رواياتي.

1

بالنسبة للقطة شرب الدواء؟ لحظة صمت__ أنا أكبر كارهة للدواء لذا حسيت بالغضب فالجزئية ذي، لكن حقيقة أنها عُطلته، بس أول ما سمع أنها مريضة وما تريد تشرب الدواء إجا حتى يجبرها تشربه، كلها أشياء تخليني أصيييح 🦋🦋🦋🦋🦋

المهم الآن مع السلامة،وأيا كان اليوم اللي بتقرون فيه الفصل فأنا أتمنى لكم يوم سعيد مشرق ولطيف مليئ بالهدايا والرسائل المبهجة.

1

في أمان الله.

1
الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

الرابع والعشرين من غشت

المؤلف arancia__s
2025/07/20 مكتملة
قائمة الفصول (19)

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة