1999_ غشت، الرابع والعشرون
لقد مرت سنتين منذ أن فارق إبني الحياة ، منذ ذلك اليوم ما عادت حياتي كما كانت ، فأنا منذ وفاته أشعر بفجوة في قلبي تؤلمني كثيرا ، كلما أردت أن أفرح فرحة لا يمتلئ قلبي بها ، و لا بد أن يتسرب ذلك الفرح من ذات الثقب الذي أحدثه الفقد بقلبي
فكيف تحلو الحياة بدونه؟ و كيف يطاوعني قلبي على الفرح و هو تحت التراب ؟!.
أخذت نفسا أشاهد سرب الطيور من خلف النافذة ، و فكرت كيف توالت الأحداث منذ كنت في سن الثامنة عشرة ، من المؤسف أن يعيش الانسان حياته منتقلا بين حزن و آخر ، أن يكون منطفئ القلب لا يعنيه كل من حوله ، أن يرى جميع الوجوه مضيئة عدا وجهه ، من المؤسف أن يعيش الإنسان فاقدا لشغفه
طرق باب الغرفة بخفة ، و ألقيت نظرة من خلفي ، كانت تلك أمي في زيارتها الدائمة اليومية ، كنت في مصحة عقلية.
تقدمت أمي بخطاها تبتسم في وجهي قائلة « مابها إبنتي جالسة تتأمل النافذة ؟» حاولت رسم إبتسامة لطيفة لكن لم أقدر ، أتوقع أن عضلات وجهي ما عادت تعرف الإبتسام ، أو تدري معاني الفرح .
جلست والدتي بجانبي على الأريكة و نظرت لي بحنية ، ثم أمسكت يداي برفق و قبلتهما ، يداي اللتان كان عليهما آثار الشيفرة عندما حاولت قطع رسغي أول مرة .
« كيف حالك إبنتي ؟ » رفعت نظري من كفي إلى وجهها المستدير و أرغمت نفسي على إخراج بعض الإجابات « أحس أنني افضل الآن » كاذبة ، كاذبة كاذبة كاذبة ، يالي من كاذبة ، متى كنت أفضل؟ أحسست أن كذبتي إنطلت عليها عندما أشرق وجهها فجأة .
قالت بإبتسامة جميلة مرتاحة « سعيدة لسماع هذا ، مرتاحة لأني لم أجدك كما كل مرة » أتقصد إنهياراتي اليومية؟ بكائي الدائم؟ لا تقلقي أمي قررت تأجيلها لـ الليل ، ذلك سيكون مريح أكثر لكلتانا .
كسرت خيط الصمت الذي مر و أردفت « كيف حال اخوتي ؟ » أردت فقط تغيير الحديث عني ، لأنه يخنقني ، يحسسني بالضعف ، أدركت أنها فهمت ما أردته حينما أجابتني « إنهم بأفضل حال ، ينتظرون فقط حضوركِ » غصبت إبتسامة على الظهور لكن لم يجدي الأمر نفعا .
ضغطت أسناني أمنع لساني من نطق الجملة التي يصرخ بها عقلي لكن لم أستطع عندما همست بصوت خافت «إني أشتاق له» ، أحسست بنظرات أمي علي و خفضت رأسي أمنع دموعي من التكون على جفناي .
« أنا متعبة يا أمي ، متعبة من كل هذا ، أحاول الصمود أمامك لكن الأمر ينفلت من بين اصابعي ، مشاعري أصبحت تخنقني ، إن حزني يقتلني ببطء ، أنا لم أخبرك عن ألمي و لا الليالي التي لا ترى فيها عيناي نوما و لا راحة ، قدري أن أمتلك ذاكرة لا تمحى ، قدري أن أظل في الشقاء طول العمر » سالت دموعي بصمت ، و أحسست بالأشواك تلتحف حول حنجرتي ببطء شديد كعرض سينيمائي بطيء ، أحسست برئتاي تختنقان و عروقي توقف عملية ضخ الدم لجسدي
يا لي من مثيرة للشفقة .. ألم أقرر ترك كل شيئ لظلام الدجى؟
نهظت والدتي من كرسيها تعانقني و مسحت على شعري بحنان تصرح لي « أنا آسفة لك إبنتي ، لقد واجهتي الكثير ، فقدان إبنك ليس بالشيئ الهين ، ولا احد يعرف شيئا عن جهادك في مواجهة الحزن ، أو معاناتك مع الأرق الدائم ، الجميع يرون منك الوجه الهادئ المسالم و يجهلون روحك المنهكة ، لا احد يعرف شيئا عما خفي منك ، لكن أنا أعرف ، لأنني أمك »
لم أدري كيف إنتهى بي الامر أشهق في حضنها كفتاة بلهاء ، لكنني فقط فعلت ، ألقي بكل شيئ خلفي
طُرق الباب دقات خفيفة ، لتطل ممرضة بإبتسامة دمثة، تُخبرني بحلول موعد جلستي، أصابني الإحباط لأنني سأودع أمي لكنني فعلت، وتقدمت نحوي الممرضة تجر كرسيَّ المتحرك نحو مكتب الطبيب، كنتُ أكره أن يأتي أحد لغرفتي لذا كنتُ أتجه أنا إلى الأطباء.
أطباء، مضحك، هم جمع من الأطباء لأنني أرشيهم كي لا يعالجونني، لطيف كيف أنهم يقبلون الرشاوي التي أعطيها لهم، لكنهم يفعلون وأستفيد أنا، لا أريد أن أتعالج، لا أرى أن علي التعالج، ليس بي خطب لأتعالج، وهذا لم يفهمه أحد!
توقفت أفكاري عندما توقفت الممرضة عن المشي وإقتربت من الباب تطرقه بتتالي وفتحته دون إنتظار أي إذن لتتجه لي سريعا كي تدفع الكرسي مجددا، غير أنها توقفت على الضوضاء الصادرة من داخل المكتب، ونظرتُ للمشهد أمامي بإستنكار، كنا نقف أنا والممرضة ببلاهة وتوقف الرجلان عن العراك ينظران لنا ببلاهة أيضا.
لأصف المشهد الغريب، رجلين في أواخر عشرينياتهما، أحدهما يلف مرفقه على عنق الآخر، وهذا الأخير قد همس ب ' يا إلهي ' بنبرة مرتفعة على عكس ما عليها أن تكون، كانت نبرته منصدمة وهو يحدث بنا بسذاجة.
طرفتُ بإستنكار على ما يحدث، ونظرتُ للأول وهو يبعد ذراعه عن الرجل الثاني ويعدل ياقة قميصه ثم وزرته البيضاء، هل من المفترض أن يكون طبيبي؟ أتوقع أنه علي أن أخاف، فمن الممكن أن يغتالني.
ولما أخاف؟ ألست أخطط لمفارقة الحياة غذا؟
سمعتُ الممرضة تستأذن غريبي الأطوار وتقفل الباب خلفها لأبقى وحدي معهما، لا! تعالي وخذيني معك!
« شمس » تمتم الثاني بين أنفاسه، فليخبره أحد أن همسه مرتفع! إعتدل في وقفته بعدما وعى على نفسه، ثم نظر للرجل الذي يفترض منه أن يكون طبيبي وقال بنبرة مبتهجة تنافي الموقف السابق « لم تخبرني يا ماكسويل أن لك مريضة جميلة! » عقدتُ حاجباي بصدمة ونظرتُ له ببلاهة، ثم أطلقتُ نفسا مستنكرا لم أدري أنني أحبسه.
أناداني بالمريضة الجميلة؟ مريضة؟ بعيدا عن وقاحته لكن أقال مريضة؟؟
لما لا يفهمون أن لا خطب بي!
نظرتُ للطبيب بغضب مكبوت والذي كان يبدو غير مستنكر لأفعال صديقه، أو عدوه؟ لا يهمني، حك مدمعيه بإنهاك وهو يوجه حديثه لي « آنسة جايلين، أعتذر بدلا عنه » جيد لأنه لو لم يعتذر أحد عن تلقيبه لي بالمريضة لإفتعلتُ مجزرة ومثلتُ دور المريضة فعلا.
جزرتُ الآخر بنظراتي الحارقة ونبست « لا بأس » أفاق من سهوته وهو يثقبني بأنظاره ثم عدل هندامه وهو يتجه نحوي « آسف حقا، لم أقصد ما قلته، أعذريني على عدم لباقتي، آنا آيرون » نظرتُ ليده الممدودة أمامي، ثم لوجهه، فيده، ووجهه، ووجدتُ أنه ليس من اللباقة تركه دون مبادلته المصافحة.
لكن هل بادلته المصافحة؟ لا.
حينما طال صمتي أبعد يده بحرج وحك مؤخرة رأسه البني وتمتم « أتوقع أنك تكرهينني »
« من أنت حتى أفعل؟ » بنبرة باردة أجبته، ونظر لي بغباوة تناسب تصرفاته أُكمل « لقد عرفتك منذ دقيقتين بالفعل فلما سأهدر عليك مشاعري؟ » ضحك كالأبله يتجه نحو الطبيب ويلف يده حول كتفه « يا إلهي ماكسويل إنها شرسة، ويبدو أنك ستحتاج وقتا لتتأقلم مع تصرفاتها » ما الـ... توقفت الكلمات في دماغي، ليس عليك الإنجراف خلف غضبك، تجاهليه.
« تعقل آيرون، والآن إذهب لا وقت لك عندي، كما ترى إنني مشغول » تحدث الطبيب ماكسويل بنفاذ صبر، وبهذا خرج المدعو آيرون يقدم لي غمزة بعينه الزرقاء، هل جن؟ على الطبيب النفسي أن يتكفل به هو قبل أن يحاول علاجي كما يزعم.
تقدم لي الطبيب ودفع كرسيي ليغدو مواجها لمكتبهثم جلس مقابلا لي وشابك أنامله فوق المكتب يباشر الحديث « آسف لو أزعجكِ صديقي آنسة جايلين.. آه! لم أعرفكِ بنفسي حتى، أنا الطبيب ماكسويل وسأشرف على حالتك من اليوم » رفعت حاجبي على آخر جملة، وقلتُ « بما أننا وصلنا لهذه النقطة، لا أريدك أن تشرف على حالتي »
تجاهلتُ نظراته المنصدمة وفكه لأنامل المشبوكة على الطاولة وإعتداله في جلسته، ورفعتُ المكعب من على المكتب وبدأتُ أديره بملل، أحاول تعديله وجعل الألوان المبعثرة تصبح منظمة.
« لم أفهم قصدك آنسة جايلين، لما لا تريدين مني الإشراف على حالتك؟ أبسبب الموقف السابق؟ » تساءل بإستغراب يشير لما حصل بينه وبين صديقه وشهدت عليه، ولم أرفع عيناي عن المكعب أو اتوقف عن ما أفعله إنما أردفتُ بهدوء « لا ليس لهذا السبب »
« إذا؟ »
« كم تريد؟ »
رفعتُ بصري هذه المرة نحوه ولاحظتُ تشوش ملامح أكثر من السابق « سأعطيك المبلغ الذي تريده حتى لا تشرف على حالتي » ضيق عيناه بإنزعاج طفيف، يبدو غير داعم لفكرة الرشوة، ولا قابل لها.
« تستطيع قول المبلغ الذي تريده ولن أعترض عليه، في المقابل تتخلى عني وترفض علاجي »
« هذا محض جنون » تمتم تحت أنفاسه يجعل الغضب يتصاعد داخلي، أيقصد أنني مجنونة؟ لست كذلك!
« سيد ماكسويل، أنا جادة » إزداد غيضي حينما بدأ بالضحك، لما يضحك؟ ما المضحك في كلامي؟ « آنسة جايلين، هل أستنتج الآن أنك تنفقين إرث زوجك في رشوة الأطباء؟ هذا إسراف » رفعتُ حاجبي بإستنكار، من أين له بالمعرفة؟
« حسنا سيد ماكسويل شكرا لإستنتاجك هذا والآن أعرض رقمك »
« هذا ينافي مبادئي آنسة جايلين، أستطيع التخمين أنك ترشين الأطباء لأنك رافضة للعلاج، أوليس؟ » لم يعطني فرصة الإجابة إذ أكمل ثرثرته غير المفيدة « لقد كنتُ أتساءل منذ تقديم ملفك لي، لما الجميع يتراجع عن علاج هذه المرأة؟ ما الخطب فيها؟ أهي سيئة لهذا الحد؟ هل حالها ميؤوس منه لهذه الدرجة؟ لكنهم لايمضون معك جلسة واحد حتى يقدمون بلاغ إستسلامهم بشأن حالتك، فعلى ما يبدو أن المشكلة منهم وليس منك، لكن الآن أستطيع رؤية الإغراءات التي قدمت لهم حتى يتخلون عنك »
كانت هذه لحظتي في الضحك بإستنكار، ثم قلتُ بثقة « حتى لو لم تقبل رشوة مني، فإنت لن تستطيع علاجي كما يتهيئ لك، سأرفض لقائك، لذا من الأفضلأن تستغل الفرصة الآن وتطلب مالا يكفي متطلباتك »
تجاهلني كليا وأخرج مذكرة ما من درج مكتبه، ثم قلما من جيب معطفه الأبيض، وبدأ يدون شيئا ما وإبتسامة لا زال يحافظ عليها، هذا مزعج.
« هلا أعرتني إنتباهك سيد ماكسويل؟ » قلتُ بلهجة غاضبة، ثم رفع بصره نحوي وعاد للتدوين، دقيقة تليها أخرى حتى توقف عما يفعل ووضع المذكرة جانبا وأعاد القلم لمكانه.
« لما لا تريدين التعالج آنسة جايلين؟ » زفرتُ بضيق وأنا أدعو في خاطري أن ينتهي هذا سريعا « لستُ مريضة لأفعل! » لم أستطع تمالك نبرتي التي علت في آخر حديثي جزئيا، وهو نظر لي بهدوء غير مستنكر لحالتي.
« ولا أنا أرى أنك مريضة » فجأة تبدد غضبي على إثر كلماته وفتحتُ عيناي بشكل طفيف أبتلع صدمتي، ولم أعِ على الإبتسامة الصغيرة التي تكونت على فمي حينما نبستُ بنبرة مبتهجة « حقا؟ لقد حاولتُ إقناع الجميع بهذا ولا أحد إستمع لي، لاأحد يصدق »
حقيقة أن أحدا الآن لا يراني مريضة على خلاف الجميع جعلت مني أسعد، وكأن صدى صوتي بات مسموعا لأحد فجأة بعد دهر من الصراخ الصامت.
« لما لا تثبتين للجميع إذن أنكِ لستِ مريضة؟ » رفعتُ حاجباي، وسؤال يدور عقلي لم أقدر على كبته « كيف؟ » لقد حاولت حقا أن أخبرهم أنني لستُ بمريضة نفسية كما يحسبون، لكنهم يلقون علي نظرات شفقة ويدحضون أفكاري.
« عليكِ في البداية التوقف عن جعل كل طبيب يتنازل عن الإشراف على حالتك، أنظري من منظور عائلتك، كلما وصلها خبر أن لا طبيب يقبل بك، ماذا سيفكرون؟ » بدأ في التلاعب بكلماته أحاول الإستيعاب وإيجاد إجابة لسؤاله، غير أنه أجاب مغيرا من نبرة صوته وكأن شخصا آخر يتحدث بحزن « أوه يا إلهي، لا أحد يرغب في معالجتها، أليس هذا دليل على كون حالة إبنتنا ميؤوس منها؟ » رمشتُ مرتين أستوعب انه يقلد أمي، ثم غير مجددا نبرته لتغدو أخشن وأضخم من سابقتها « لا يا عزيزتي، كوني مؤمنة بأن إبنتنا ستتعالج، وسيأتي طبيب قادر على إذهاب الحزن عنها، لا تفقدي الأمل » رمشتُ مجددا وأنا أتخيل الحوار بين أمي وأبي.
أهذا حقا ما عليه الحال؟
بهتت ملامحي وأنا أتخيل هذا، وإختفى إبتهاجي السابق، لستُ حزينة، ولستُ سعيدة بهذا أيضا.
« إذا آنسة جايلين؟ ما رأيك؟ ألا ترين أنني على حق؟ » حركتُ رأسي إيجابا كالمنومة بسبب الصفعة التي تلقيتها لتوي، بالتأكيد سيعتقدون أنني مريضة لظنهم أن لا أحد يقبل بي كمريضته، ولظنهم أن حالي مستعصي أمام الجميع.
« لنغير جهة الدفة الآن، بدل رشوتي، دعيني أكون طبيبك، ونوهمهم بأنكِ وجدت أخيرا شخصا يرى أملا من حالتك، ما رأيك؟ » عدتُ للواقع على حديثه، ثم تضاربت أفكاري، أيحاول إقناعي بالتعافي؟ أيتلاعب بي؟ « أنت تكذب » همست.. « أنت أيضا تراني مريضة عكس ما تقول الآن » إرتخت ملامحه على نبرتي الجافة، ثم نبس بثقة « آنسة جايلين، الأمر ليس كما ترينه، أنتِ حقا لستِ مريضة » بدأتُ أحرك رأسي ذات اليمين والشمال، هو يكذب.
« لا! لا تحاول الكذب علي! » أردتُ النهوض والهرب من الغرفة لكن شللي النصفي لن يجعلني أفعل، لذا حركت العجلتين للخلف كدفاع ورغبة في الهرب « آنسة جايلين، هل ترين نفسك مريضة؟ » توقفت، إلى ماذا يريد الوصول؟ « لا. » أجبتُ بنبرة قاطعة ترفض الشك.
« وهذا هو الصحيح، المرضى النفسيون غير موثوقين، وتصرفاتهم غير واضحة أيضا، كما أنهم لا يتحدثون بنضج كما تفعلين أنتِ الآن، أنتِ هنا تتكلمين معي كشخص طبيعي وتبادلينني الحديث، تتحكمين في إنفعالاتك ولم يصدر منك شيء يخبرني أنك مريضة وتحتاجين العلاج، فلما سأراك مريضة؟ »
لا أعرف هل هو يحاول إقناع نفسه بحديثه أم يقنعني أنا، لكن أيا كان ما يحاول الوصول له فقد نجح بجعلي أزفر نفس راحة، لأن كلامه هو ما أردتُ سماعه منذ سنة.
« أنت لا تكذب؟ » سألتُ برغبة في أن يثبت لي كلامه أكثر « لا » توقف عن الحديث لبرهة قبل أن يسترسل « آنسة جايلين، ألا تريدين الخروج من هنا؟ » أفعل، أريد حقا، لكن إحتفظتُ بالإجابة لنفسي أنتظر منه أن يكمل كلامه « ألا تريدين مشاركة عائلتك طاولة الطعام ذاتها؟ والأحاديث نفسها؟ بدل أن يزورونك في فترات محددة فقط؟ » إنخفضت أكتافي بيأس، أردتُ هذا حقا، قبل شهر فقط بكيتُ لأنني إشتقتُ لتذمرات إخوتي على مائدة الغذاء، وغضب والدي من الجرائد على طاولة الفطور، وتذمرات أمي على تأخر أحد إخوتي لطاولة العشاء، بكيتُ طويلا إشتياقا.
« لما لا تحاولين إذا فعلها؟ سأحاول أن أري العالم أنك لستِ مريضة كما أرى أنا، وهكذا ستخرجين وتحققي ما أردته » طرفتُ بعيناي، هل أقبل؟ لا حجة لي للرفض، لكن فقط لا أريد القبول.
« لم أقتنع بعد » زفر بحنق وكأنه يئسٌ مني، عليه أن ييأس حقا، ويبتعد عني.
« تذكرتُ شيئا » قال بإبتهاج، وهو يفتح أحد أدراجه « أتوقع أنه سيجعلكِ تغيرين رأيكِ بشأن هذا » عقدتُ حاجباي بخفة، ولم أفهم ما يقصده لغاية ما أخرج مذكرة متوسطة الحجم، لم أحتج التدقيق كثيرا في المذكرة حتى تسحب جل أنفاسي، وكل ذرة هواء في الغرفة أصبحت خانقة بشكل مخيف.
أردت الهرب، علي أن أهرب!
راقبت الغلاف الأزرق للمذكرة، السحب البيضاء فوق اللون السماوي، وإسم محفور فوق الغلاف، كتبته بيداي.
قدم لي السيد ماكسويل المذكرة وبقيتُ أراقبها بجحوظ، لم أستطع زعزعة عيناي عنها، تجذبني لفتحها لكن يداي تستمر بالقبض على العجلات رغبة في تحريكها والخروج.
إضطربت أنفاسي على وضع السيد ماكسويل للمذكرة فوق حجري، ولم أقدر على تجاهلها أكثر إذ تلمستُ الحروف السوداء على الغلاف ورجفة تمر على أناملي، ' ناكسيرد ' أذكر جيدا اليوم الذي إشترى فيه إدوارد هذه المذكرة، وقد نقشتُ فيها حروف إسم ناسكيرد حتى نقدمها له كهدية بمناسبة لا شيء.
إعتدنا تقديم الهدايا له من دون سبب ودافع، لكن اليوم من إعتاد تحضير الهدايا معي غائب، كما هو الحال مع مستقبل الهدايا.
« لقد كانت المذكرة في بيتكم القديم، قدمتها عائلتك للمشفى حتى تقرئينه يوما، وأرى أن هذا اليوم مناسب بالفعل لذلك » وصلني صوته من بعيد، وكأنه يصرخ من دولة مجاورة وليس يتحدث بجانبي، لهذه الدرجة كان صوته لا يخترق عقلي.
فتحتُ أول صفحة من المذكرة وأصابعي ترتجف، وأول جملة قابلتني قد جعلت مني أبكي.
” رسائل لأمي “
أخفضتُ رأسي حتى تساقطت خصلاتي تخفي ملامحي ودموعي المتساقطة، وقلبتُ صفحات عديدة حتى توقفتُ أباشر في القراءة رغم إنفطار قلبي.
”أهلا أمي ،
إنه عيد مولدي الخامس و أنا سعيد جدا بهذا، لطالما أردت أن أكبر و أستطيع كتابة الرسائل و الإحتفاظ بها من أجلك، أردت دوما كتابة كل ما أرغب بفعله كقائمة أهداف و أحققها، و قد وقفت محتارا اليوم بين كتابة رسالة لك أو قائمة أهدافي ، و أتوقع أنني سأجمع بين كلا الأمرين و ربما سأجعل الرسالة هدية لك و لوالدي بمناسبة عيد زواجكما السادس لذا سأحتفظ بها ثم أرسلها لكما في الوقت المناسب ، و أتمنى أن تقرأي الرسالة و تقنعي بابا بتنفيذ متطلباتي رجاءً.
أرغب في البداية بالذهاب معكما للملاهي لأنني أتوقع أن طولي أصبح مناسبا.
و أريد الذهاب للبحر كي يعلمني بابا ركوب الأمواج و أتفاخر بذلك على زملائي _حسنا ربما هذا أمر سيء لذا يمكنك نسيان الجزء الأخير_
و أحب لو إصطحبتني لركوب الخيول ، فأنا أراها حيوانات تناسبك للغاية ، لأنها جميلة جدا مثلك و إيجابية للغاية كما أنت.
و أريد أن أتعلم كرة السلة حتى أستطيع اللعب مع صديقي ويليام.
و أتمنى أن تطبخي الكثير و الكثير من الكوكيز لأنك أفضل طباخة في العالم.
أريد أيضا أن أحقق حلمك و أصبح أفضل رجل أعمال في الدولة و أعدك أن الجميع سيصبح ممتنا لك على ولادتي بسبب إنجازاتي.
أتمنى أيضا لو ترافقينني للمطعم الأمريكي بالشارع المقابل و تشتري لي الكثير من الوجبات السريعة.
كما أريد أن نذهب أنا و أنت و أبي للصيد في الغابة لأن الأمر ممتع للغاية و متأكد أنه سيعجبك.
و أرغب بإصطحابك عندما أكبر إلى شركتي الأولى التي سؤأسسها رفقة أبي و أقدم لك نصف أرباحها.
و أيضا عندما أكبر سأشتري الكثير من المنازل و أقدمها لك.
و سأبني قصر أحلامك الذي لطالما تمنيتيه عندما كنت صغيرة و أجعلك تعيشين به رفقة والدي و جداي و جدتاي، و عماتي و خالي الأصغر لأن إخوانك الآخرين مزعجين جدا.
يا للهول لقد إمتلئت الورقة إلى حدها بالأهداف ! إذا وداعا أمي.
ملاحظة : لو لم أستطع تحقيق كل القائمة حققي بعضها، ملاحظة ثانية : أحبك بحجم ذراع أبي. „
لم أستطع.. دفنتُ وجهي بين صفحات المذكرة وأطلقتُ سراح شهقاتي، بدأتُ أبكي في نسيج مسموع وقلبي يتصدع من كثرة وجعي، لقد فارق الحياة دون أن نحقق له شيئا من قائمة أهدافه..
_________
مرحبا جميعا!
7 أشهر من الغياب أو ربما 8 حتى، جدا جدا مشتاقة للرواية، ما تتصورون كم زعلت لما لقيت أنه آخر فصل كتبته كان بيناير
قبل ساعتين جاني تأنيب ضمير فضيع لأنني تجاهلت الرواية لوقت طويل، وصراحة كنت أتماطل في كتابتها بحجة أني أريد أبحث في جانب نفسي محدد قبل ما أكتب البارت، لكن قبل شوي رميت كل الحجج عرض الحائط وكتبت الفصل بدون أي أبحاث 🤭😭
أردتُ القول أن هذا آخر فصل سيكون عبارة عن قفزة من اليوم الرابع والعشرن من أغسطس بين السنة والثانية، الفصل الجاي بيكون اليوم اللي بعده إن شاء الله، وبكمل كتابة كل الفصول على هذه الطريقة إلى غاية ما تخلص إن شاء الله.
يعني الرواية الفعلية بدأت الآن، وكل ما سبق تمهيد لهذه النقطة.
أتمنى تكونون مستمتعين بالقراءة.
لو لقيتو مشهد متناقض فهذا لكوني ما راجعت الفصل ولا أنوي فعل ذلك لأني لو راجعته رح أؤجل الفصل إلى يوم آخر، وهذا سيجعلني أدخل في دوامة جديدة من المماطلة.
بالنسبة للبارت الجاي لا أعرف متى، لكنني أحاول إنهاء الرواية هذه بالظبط حتى أبدأ رواية أخرى بتصنيف نفسي أيضا لكنها أطول من هذه، وأعقد من هذه.
المهم، أتمنى أن تكونوا بخير يا رفاق، أحبكم 🤍🩰
arancia__s