1999_ غشت، الواحد والثلاثون
العدل الدنيوي، عبارة آمنتُ بها منذ الصغر، لكن اليوم أنفيها من بين قاموسي اللغوي، ما عدتُ أرى عدلا في دنياي كي أقر بالأمر، لذا ما عدتُ أصدق بوجود مثل هذه الكلمة.
إلتفتّ للجهة الأخرى من السرير، وزفرتُ نفسا ثقيلا من بين أضلعي، لربما علي الإنتظار قليلا في هذه الحياة كي يتحقق عدلي؟ أو أن الإنتظار ما عاد ينفع؟ لا أدري، حقا لا أدري.
لاصقتُ أجفاني حالما إستمعتُ لصرير الباب معلنا عن دخول أحد، لا قدرة لي على ملاقاة أمي، مر يوم بالفعل على آخر مرة شهدتُ فيها إنهيارها، ولا أظن أنني سأستطيع مواجهتها بعد كلمات الطبيب.
« آنسة جايلين » ثانية، ثانيتين، ثلاث، هذا الوقت المعدوم كان كافيا لأتعرف على الصوت وأفتح عيناي بتعجب شديد، طرفتُ في الفراغ أحاول الإستيعاب قبل أن أستقيم بجذعي وألتفت ناحية الباب، قدّمت لي إبتسامة دمثة مرهقة، وواجهتها بملامح حائرة.
ظللنا على ذلك الحال لدقائق قبل أن تقطع اللحظة وتتقدم نحو الكرسي بجانب السرير الذي ظل على حاله منذ خروج الطبيب ماكسويل من غرفتي البارحة، مررتُ عيناي عليها من الأعلى إلى أمخص قدميها، هيئتها لم تتغير على آخر لقاء، ثيابها كلاسيكية كالعادة، وقبعة سوداء تلائم فستانها الأحمر تستقر فوق خصلاتها الليلية.
« إلتقينا مجددا » همست بعد جلوسها وهي تتهرب بأعينها، وبعدما خرجتُ من صدمتي قليلا إعتدلتُ في جلستي.
طافت عيناها الزرقاء على أرجاء الغرفة وإستقرت في النهاية على الضمادة التي تلف رسغي، وجحظت مقلتيها بخفة قبل أن تتهرب بأنظارها بعيدا كما لو تبتلع الصدمة، « هل لي أن أعرف سبب الزيارة آنسة ميشيل؟ »
أعادت أنظارها لي بعدما نجحت في إخفاء دهشتها قليلا، هل هي مندهشة من محاولة إنتحاري؟ الجميع فعل أساسا، لا أعرف ما الذي كانوا يتوقعونه مني، لقد أدخلوني إلى مصحة لذا كان على الجميع توقع هذا، ففي النهاية كل شخص بالمصحة يحمل بؤسه وسينتظر أجله، أنا قررتُ تسريع أجلي.
حمحمت ميشيل بخفة قبل أن تستقر يمناها على يدي السليمة، ليست بسليمة حقا فأثر شفرة السنة الماضية لا يزال مرسوما على وريدي، رفعتُ عيناي نحوها أستمع لها « عرفتُ بخبر تواجدكِ هنا مؤخرا »
همهمتُ لها قبل أن أنبس « أتشعرين بالشفقة نحوي؟ أم بالسعادة لتواجد المرأة التي سرقت رجلا كان من المفترض أن يصير زوجك في مثل هذا المكان؟ » إنخفضت إبتسامتها السخيفة تباعا لكلماتي ثم سحبت يدها عن يدي ولاحظتُ تقلص المسافة بين حاجبيها بإنزعاج.
« ماذا؟ هل أخطأتُ التقدير؟ » سألتُ بفكاهة فارغة، ما ألطف نكاتي!
« هل أنتِ جادة؟ لقد جئتُ للإطمئنان عليكِ.» رفعتُ حاجباي وأطلقتُ تأوها أجاريها في كلامها « آسفة، فما قلتُه سابقا سيستنتجه أي أحد غيري » كان ظاهرا جدا من نبرة صوتي أنني لستُ بآسفة، لذا كان من الطبيعي أن يستولي الضيق على ملامحها الجميلة.
بالنظر، هي لطيفة، جميلة، ومراعية، لن ألوم إدوارد على حبها، لكن ما ذنبي أنا لدفع ضريبة شيئ لم أقترفه؟
« جايلين، أيا كان ما يدور في عقلكِ فهو غير صحيح، أنا لا أمتلك أي ضغينة ضدك » همهمتُ ثانية بلا مبالاة، لستُ أكذبها، لكنه أمر غير قابل للتصديق، وليس عليها لومي على ذلك.
« هل زرته؟ » سألتني بهمس، وقابلتها بملامح متسائلة، قبل أن تكمل بذات الهمس « أقصد قبره » إنفرجت عقدة حاجباي وأطلقتُ نفسا أوجه بصري نحو الأمام، إجتاحتني رغبة في الضحك، أعدتُ بصري نحوها وأطلقتُ كلماتي بغير إهتمام « أنا حتى لم اذهب لقبر إبني فلما سأذهب لقبر معشوقك؟ »
سجنت شفتها السفلى بين أسنانها وكأنها تمنع نفسها من سؤالي شيئا غبيا كالسابق، وكأنها تؤنب نفسها على بلاهة كلامها، عليها أن تفعل.
« أنا حقا حزينة لما جرى، لم تستحقي ما حدث » همست مجددا، تخشى أن يصلني صوتها، ورسمتُ إبتسامة هازئة أراقبها وهي تخدش ذراعها بغير راحة، لم أستحق ما حدث؟ لكنه حدث.
« ميشيل، قوليها فقط، تكرهينني صحيح؟ أنا سأكون صادقة وأقول أنني أفعل، أنني أكرهك » غيرتُ مسير الحديث وأوجه الدفة لشيئ مثير أكثر مما تثرثر هي به، أتريد ان تظهر لي أنها حمامة سلام لطيفة الآن؟
« فعلتُ سابقا، لكن الآن لا أكرهكِ بتاتا » أطلقتُ ضحكة مستفزة وأنا أتحدث « يالكِ من لطيفة » كادت أن تتحدث مجددا لولا إقتحام الغرفة فجأة، لما الجميع يقتحم غرفتي اليوم دون طرق بحق؟
نظرتُ لصديق الطبيب ماكسويل، وهذا الأخير كان خلفه يفرك جسر أنفه بسبابته وإبهامه، « أوه يا إلهي، لقد أخبرني هذا الأخرق قبل قليل أن شمسي الغالية كادت تقتل نفسها » عقدتُ حاجباي بغير فهم على كلمات السيد آيرون، قبل أن أدير رأسي نحو ميشيل التي رمقتني بذات الإستغراب.
أهو مجنون؟
« آيرون، ليس من اللباقة إقتحام الغرفة هكذا! » أنبه الطبيب بهمس وصل لنا بالفعل، ونهظت بعدها ميشيل من مقعدها وهمست لي « سأغادر الآن » لا! من غير المعقول أن تتركني لوحدي مع هاذان لو كانت بالفعل لا تكرهني، لم أظهر هذا على ملامحي بل راقبتُ خروجها وأنا أكاد أرفع يدي نحوها حتى أتمسك بفستانها البعيد.
إختفى خيالها الأحمر عن مرمى بصري أنا وآيرون، لأنه كاد يلتهمها بأنظاره بعدما لاحظها، هذا اللعوب الخسيس! خرج من تحديقه بها عندما إلتفت نحوي وإبتسامة بلهاء تستقر على وجهه « لديكِ صديقة تشبه الليل، وأنتِ تشبهين النهار، هذا رائع» لا، أنا تأكدتُ من كونه مجنون، إنكمشتُ حول نفسي عندما تقدم نحو الكرسي الذي جلست عليه ميشيل قبلا، وإنتفضتُ بذعر حينما تمسك بيداي الإثنتين.
« لقد خفتُ كثيرا بعد سماعي لذاك الخبر التعيس، كيف تحرمين العالم من جمالك؟ وكأن الدنيا ممتلئة بشبيهاتك، لما تقررين المغادرة؟! » تشوشتُ بعد المدح الذي ألقاه علي، ألا يستحي؟ هل لو عرف أنني أرملة سيبتعد عني؟ أتوقع أنه سيفعل.
« سيد آيرون، هلا أبعدت يداك عني » نفى ببساطة ورسم نحوي إبتسامة غبية، قبل أن يتقدم الطبيب ماكسويل ويصفع يده بعنف كافٍ ليبتعد عني، نظرتُ له بحدة كما فعل آيرون « أتوقع أن معلومات المرضى تكون سرية حضرة الطبيب، فكيف وصل لصديقك خبري؟ » مررتُ عيناي بينهما بعد حديثي وقد إرتسم الإنزعاج على وجه الطبيب ماكسويل وهو يجيب « لقد إختلس السمع وأنا أحادث مشرف الأطباء »
همم، عذر مقنع، إنقشع إنزعاجي منه وأعدتُ نظراتي الحادة نحو آيرون، وقد كان يتفحصني بقلق واضح « سيد آيرون، أتمنى أن تبتعد عني وأن لا أراك أمامي، لأنه لو وصلني خيالك قد أقوم بقتلك » لم أكن جادة، فكيف لي قتل أحد؟ لكن أردتُ لعب دور المريضة نفسيا حتى يحذف من ذهنه أي أفكار لا تنفع موقفنا.
« سيكون هذا عصيا علي آنسة جايلين، أنا إنسان يحب تأمل جمالية المخلوقات » أغمضتُ عيناي بيأس من هذا الأخرق، من أين لي بالجمال؟ وجهي بأكمله شاحب منذ سنة! وشفتاي تكاد تتحول لصحراء من شدة تشققهما، ولا داعي للتحدث عن الضلال التي تستوطن أسفل عيناي، وهو يحدثني عن تأمل جمال المخلوقات!
« أنا جادة سيد آيرون، لستُ من النوع الذي يميل لكلامك المعسول هذا » إلتمعت عيناه بسعادة وثرثر « وما هو النوع الذي تميلين له؟ أستطيع أن أكونه! » زفرتُ بحنق، ما الهراء الذي يقوله؟
« آيرون، عليك الخروج حالا، وإلا إستدعيتُ الشرطة » بدا التقزز على ملامح آيرون من حديث ماكسويل إذ أجابه « إياك وإحضار ذاك العجوز الهرم من أمام باب المصحة، دعه يتحول لشجرة كما يرجو »
« سيد ماكسويل، ألا ترى أن هناك خطأ؟ » وجه إهتمامه نحوي ثم نظرتُ لآيرون وأكملتُ كلامي « أتوقع أن السيد آيرون أولى بالوجود هنا مني » كنتُ ألمح بشكل مباشر أن آيرون مكانه الصحيح هو المصحة، هو فعليا يعد مجنونا وأكثر إحتياجا للعلاج مني!
« أوافقكِ آنسة جايلين » تمتم الطبيب بنبرة جادة، وهو يحدق بآيرون، وهذا الأخير قد كان ذا إستيعاب بطيئ لذا لم يفهم ما يقال، « سأتجاهل الغموض الذي تتداولونه هنا، وأعود لحديثنا آنستي، عرفيني عنك، أنا حقا فضولي نحوك » حدقتُ به بهدوء وهو يثرثر بلا فائدة، عليه ان يحجز غرفة بكل تأكيد، لكن سأحرص على أن لا تكون غرفته في ذات طابقي، لستُ مولعة بإزعاجه هذا.
لاحظتُ الترقب على ملامحه، وإبتسمتُ بشر وأنا أجيبه « أنا متزوجة ولدي إبن » إحتفظ بإبتسامته البلهاء ولم يسقطها، وتمتم « ما المشكلة في ذلك؟ » إختفت إبتسامتي الشريرة لتستوطن ملامحي نظرة باردة، وإستوعبتُ أن الطبيب يراقبنا بشيء من التشوق ليعرف إلى أين سيأخذنا الحديث، أهو فضول فحسب؟ أم ملاحظته تلك مهمة لمهنته؟
« هلا خرجت سيد آيرون؟ » بعد لحظات قليلة فقط نهض من مكانه وألقى بضع عبارات لم تصلني، ثم خرج من الغرفة لأظل وحدي مع الطبيب، والذي جلس على الكرسي بجانبي.
« أرجو أن لا يعود سيد ماكسويل » لم يكن رجاءً فعلي إنما أمر مباشر، « أرجو ذلك أيضا! »
أعدتُ نظري للأمام، أحاول إستيعاب سرعة اليوم، زيارة ميشيل المفاجئة وملاقاة آيرون الساذج هذا، ثم الآن جلستي مع الطبيب، وللآن لا زلنا في الساعة الواحدة ظهرا.
« إذا، من كانت الزائرة؟ » بدأ حديثه بودية وإبتسامة لطيفة وهو يطوي أكمام معطفه الطبي، عقدتُ حاجباي بإستفهام، أهو مثل آيرون؟ هل أعجبته ميشيل؟ كتمتُ ضحكتي بصعوبة وحينما طال صمتي رفع أعينه نحوي وقرأ تساؤلي من ملامحي المستفهمة « أقصد، من اللطيف التكلم عن الناس بدل الجروح »
أخرجتُ تأوها مستدركا، هو محق، أن نتكلم عن الآخرين بدل أن أتكلم عن صدماتي النفسية لهو أهون، لكن هل لو حدثته عن ميشيل سيكون الأمر نفسه؟ هي نفسها السكينة التي ساهمت في تلويث جرحي الذي سببه إدوارد، أطلقتُ ضحكة ساخرة على هذا وأجبته بإنسيابية « حسنا إذن، لك هذا، ميشيل هي الفتاة التي رغب زوجي في جعلها زوجة له، لكن للأسف الشديد خربتُ تخطيطهم هذا »
إنخفضت إبتسامته مع كل حرف أنبسه، حتى إنتهى به الحال بملامح متضايقة، « ماذا يا حضرة الطبيب؟ أتشعر بالشفقة عليهما؟ » سألته بسخرية تامة، أبتلع معها غصة الذكريات، لقد توفى إدوارد لكنني لا زلتُ أعاني من هذا.
« وما هو موقفك من الأمر؟ » تجاهل سؤالي كليا، لكنني في المقابل فكرتُ في إجابة سؤاله، حقا ما هو موقفي؟ أنا لا أعرف.
« تستطيعين التحدث عما يخالجك، لن يصل الأمر لأحد وسيظل سريا بيننا، حتى أنني سأحذف كل شيء من ذاكرتي بمجرد أن أتخطى عتبة الباب » همهمتُ بتفهم زائف، « بالطبع سيظل سريا، كما كان خبر محاولة إنتحاري سريا » تنهد بيأس وتمتم « أنا حقا آسف آنسة جايلين، لم يكن بخاطري وصول الخبر له، هو من إسترق السمع »
همهمتُ مجددا وشردتُ في الفراغ، قبل أن يصلني صوته مجددا « بناءً على كلامك السابق فقد ظهرتِ كالمذنبة في القصة، لكن هل أنتِ متأكدة من هذا؟ » إرتسمت إبتسامة ساخرة على ثغري ولم أحرك مرمى بصري من على الأرض حين أجبته « لنقل أن الظروف هي الشرير في قصة ثلاثتنا » ليس علي التوضيح كثيرا ليفهم أنني أقصد ميشيل وإدوارد، وعلى ما يبدو أنه تدارك كلامي إذ إستمر في طرح الأسئلة « تكلمي إذن عن جريمة الظروف في قصتك، تجاهليهما »
جريمة الظروف في قصتي؟ تقلصت المسافة بين حاجباي، أحاول البحث عن أقرب جواب لسؤاله، جريمة الظروف في قصتي كانت أكثر شناعة ربما، أو ربما هي بذات السوء عند كلينا؟
إبتلعتُ ريقي أشعر بالعجز عند هذا السؤال، هو صعب، الحديث عن جريمة حصلت لي أنا صعب للغاية، وعليه أن يتفهم هذا « آنسة جايلين، لا أقصد الضغط عليكِ، لو لم تقدري على الإجابة فقط تراجعي، ليس عليكِ إجبار ذاتكِ على شيء لا تريدينه» طرفتُ بعيناي مرارا أخرج من حالة التشوش التي أصابتني، أجل لستُ بمجبرة على الإجابة.
« هل كنتِ تشعرين بالخيانة؟ » غير السؤال مجددا، والآن فقط فهمتُ أنه يغير سؤاله كلما أحس بترددي، ربما ليجعلني أكثر راحة.
« لم أكن أحبه لأشعر بمثل هذا الشعور، لكن يخالجني شعور الإنتهاك » أفصحت عن مكنون صدري، وأحسستُ بالضيق لمشاركة كل هذا مع شخص غير عقلي، الأمر مرهق، وكأنني أبعد قشرتي الخارجية حتى أصبح عارية أمامه، لذا تكلمتُ «أيمكننا إنهاء هذا؟ اتوقع أن حديثنا يكفي لليوم»
أومأ لي بخفة مجيبا «كما تريدين إذا» إنتظرتُ إستقامته من الكرسي ليذهب ثم أغلق الباب خلفه حتى بقيتُ وحدي في الغرفة، أخذتُ نفسا صغيرا أكنس به غبار فؤادي، أشعر بالضياع، بالتوهان، لا أجد ذاتي الحقيقية وسط كل هذا الخراب حولي، إشتقتُ لنفسي السابقة، أكاد أنسى هويتها حتى.
arancia__s