الفصل الثالث والستون

الفصل الثالث والستون

15 0

ترك عيونه المُبعثرة في كل زاوية من كل منزل، لا يخلو شبرٌ في دارٍ من آذانهم المتصنتة، ولا عيونِهم المفنجلة بترصّد، أشباحًا يحيقون بزناخةِ البغضاء في كل مكان كأنهم جواسيس اقتحموا أرضًا ليست بأرضهم لينقلوا أسرارًا ملحودة لا يجب عليهم أبدًا دِرايتها، غير القرين سيدُّهم الذي لديه استعداد أن يُفشي أسرار صاحبها بمجرد أن يسأله خُدام الساحر ببساطة، لأنه غيرُ ملجمٍ ويحتاج إلى هيمنةٍ قوية بقراءة القرآن الكريم والأذكار.

وما دامت منافذُ الجسد الأثيرية مفتوحة لاستقبال أي طاقات دخيلة، فهي أشدُّ عرضةً لولوج الطاقات السحرية بالجسد البشري، فتُبنى جدرانٌ راسخة كالحصون عند قراءة سورةِ البقرة وأذكار الصباح والمساء وإقامةِ الصلوات الخمس في أوقاتها، كلها بمثابة دروعٍ واقيةٍ تقوّي هالةَ الجسد فتصدّ عنه أي طاقاتٍ سحرية تناضل للاختراق.

ظلَّ الشيخ نعمان ماكثًا في دار ناجي لساعتين، يتحاور معهم عن أمور العلاج تارة، والأخرى يُخاطبهم فيما حدث لچيهان بسبب وفاة رمزي، ذلك الذي غادر مُحملًا بأفئدةِ الأحبة كأنها دُفنت معه أسفل التراب، لكن الفارق الوحيد أنها لا تزال حيّة، تشعر به، والذاكرة دومًا ما تسترجع ذكرياتهم سويًا.

الغريب هو إصرارُ الشيخ نعمان على رفض أي عملٍ خيري على روح رمزي رحمه الله، مُؤكدًا أنها تكاليف باهظة ليس لها أي جدوى، ما أثار استغرابَ ناجي. فأول ما جال في ذهنه: كيف لشيخٍ صالح مثله أن يرفض أعمال الخير مبررًا أسبابًا لا تُشفي العقل المُرتاب؟ ولربما كان مقصده الأول والوحيد أن ذنوب رمزي الثقيلة لن تُخفف، وإن قضت العائلة أعوام عمرها تفعل الخيرات وتتصدق للمحتاجين، فمن شبّ على أكمةِ السحر وترعرع متغذيًا عليها، وتوفي دون توبة، فمن الأكيد أن جهنم في انتظاره لا محالة. هذا كان المبرر الوحيد الذي اعتقده ناجي وزوجته "صبا".

وبمجرد خروج الشيخ نعمان من منزلهم، توجه ناجي لشراء جميع طلباته، بدايةً من ورقِ السدر ونهايةً إلى بخور القسط الهندي، فعاد إلى داره بعد دقائق ليجد زوجته تقرأ الآيات القرآنية على المياه.

جلست مُتربعة على الأرض، أمامها قارورة مياه متوسطة الحجم، وشفتيها متقاربتان من فوهتها بحيث أمواجها الصوتية وأنفاسها يغمران المياه، وهي تقرأ آياتِ فك السحر بتلاوةٍ خاشعة:

_﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَانَ ۖ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَٰكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ ۚ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّىٰ يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ ۖ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ ۚ وَمَا هُم بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ۚ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ ۚ وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ ۚ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنفُسَهُمْ ۚ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾ [ البقرة: ١٠٢]

بدأ "ناجي" يُوقد أقراصَ الفحم الأسود سريعة الاشتعال على إحدى عيونِ الموقد، مستخدمًا مبخرةً فاخرةً وعصًا خشبيةً صغيرة، إذ وضع الأقراصَ بعدما التهبت بالنيران داخلَ المبخرة، وأسقط عليها القِسطَ الهنديّ، وبمجرد أن التقيا ببعضهما تشعشعت روائحُ البخور بقوة، فتحرك حاملًا المبخرة بيده اليمنى، وكلما تحرّك في موضع من منزله، قال بصوتٍ عال كما أُمِر:

_﴿ ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُم بِجُنُودٍ لَّا قِبَلَ لَهُم بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُم مِّنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [ النمل: ٣٧]

شذّت روائحه في كلِّ زوايا المنزل، وكأنّه تحوّل إلى مسجد زاخرٍ بأجواءِ التقوى والإيمان، وبدأ خُدّامُ مصعب ينفرون من رائحته ويَفرّون هاربين، تاركين وراءهم فوضى نفسيّة حينما ارتجّت النوافذُ بمفردها، ولا يزال الطقسُ هادئًا، فلا رياح صحراويّة تستدعي هذا الثوران العجيب.

فبعدما أنهى ناجي مهمّتَه، ارتشف مع زوجته من الماءِ المُرقى، وبعد دقائقَ دخلت صبا المطبخ لتَشطف أوراقَ السِّدر من الأتربة، ثمّ أَسكبت عليها المياهَ الطاهرة وتركتها تغلي على النيران استعدادًا للاغتسال بها خارج المرحاض كما كُلّفت.

وفي إحدى الليالي، انشرح الفؤادُ يومًا لسماعِ الأذُنَيْن: "هنيئًا، لقد زال السِّحر!" أحسّوا مدى مصداقيّة الشيخِ نعمان وقدراتِه الروحانيّة والإيمانيّة النادرة في عصرٍ اكتظَّ بمدّعي الدين، وهم في الأساس دجّالون، ولا جدال في ذلك.

لقد أعانهم في تخطي مِحنَتِهم، لكنّ مصعب، بدورِه كلعينٍ فاسق، لم يتركهما وشأنهما، بل تابع حالتَهما ليصنع لهما سحرًا جديدًا أشدَّ وأقوى، ذاك الذي كلَّ ليلةٍ ازداد ضحاياه بأرقامٍ جنونيّة. لكن في الأول والآخر، الحفرةُ الغائرة في انتظاره هو وأعوانِه، ذاك الذي لم يَتعظْ بوفاة ابنه، بل رصَّ درجاتِ الوصول إلى جهنم بيدَيه.

انفرطت الشهورُ على أرضٍ جازعة بالحُزن، فصدر أنينُ الشوق على أقصى درجاتِه، كأن الزمن تجمّد وقبضت يد الحنين على أنفاسِ الحبيبة، عاشت مريضةً بثلاثةِ عللٍ: العصب السابع الذي شوّه ملامحَها وجعلها دومًا ما ترتدي القناع الطبيّ الأزرق لتُخفي آثار المرض، والاكتئاب الحادّ الذي جعل العالم برُمّتِه في عينيها ما هو إلا قبرٌ يضغط على ضلوعِها يومًا بعد يوم، كاد يُهشّمها بلا رحمة، ثمّ الشوقِ الذي سلبَ منها الحياة، لتَحيا على بقايا الماضي، متذكّرةً رمزي في كلّ وقتٍ وحين.

اليوم أتممتُ عامًا وستة أشهرٍ تكاد تصلُ إلى عامين، أوشكتُ على فقدانِ بصري نحيبًا على انقطاعِك عن عالمي. أيتحمل المرء دموعًا تزرف بدماء الحنين ليلًا ونهارًا؟ الحياة تسير والعالم يتحرّك، وأنا لا أزالُ عند نفس النقطة، غير مستوعبةٍ ما حدث لك. قالوا إنّ الأيام تمحو مرارة الحُبّ وتجعلُ من الفؤاد صخورًا قاسيةً لا تتأثّر بأحدّ رمح، فَلِمَ أوجاعي تزايدت أكثرَ من الأوّل، وأنا أعيش على أمل مُمزّقٍ بأنّك ستعود يومًا؟

لِمَ أوهم ذاتي وأُحاولُ إيلاجَ فكرِ العودة بذهني؟ أتحوّلتُ إلى صريعةٍ بعشقِك؟ أم أنّك سحرتَني بالحُب لأصلَ إلى أسمى معانيه، كما فعلَ والدُك مع والدتك المُستذلّةِ بسلطة الشعوذة؟

جلست چيهان على سريرها وسفّاحُ الماضي يُلاحقها بسكينِ الصبابة، تذكّرت يومًا من أيّامِ إقامتها في دار الخال فهيم، يومًا مُشعًّا بالحب والإيجابيّة على الرغم من ظروفهم القاسية وفرارهم من الساحرِ المؤذي مصعب، هروبًا من ثأره اللامبرَّر سوى أنّه اعتاد على إجحافِ البشر ليُعوّضَ نقصًا ذائعًا في سَفحه الفائضِ بلعناتِ الشرّ.

وبينما تتحرّك چيهان إلى جوار محبوبِها في الحيّ، متّجهين إلى مقابلةِ صبا وناجي على بدايةِ الطريق، هوت إحدى القاروراتِ الطينيّةِ الراقدة أمام أحد منازل جيران البدو، فسقطت على الأرض بصداح، وسرعان ما خرجَ مالكُ المنزل على صخبِ السقوط، متسائلًا عمّا حدث، وبدون أيّ تفكيرٍ اعتذر رمزي له عمّا حدث، مستعدًّا أن يتحمّلَ مسؤولية جرمٍ لم يقترفه من الأساس، وكأنّه هو من أهوى بها وليست چيهان.

أكّد لمالك المنزل أنّه أسقطَها دونَ قصد، فتقبّل المالكُ الاعتذار، وغادر رمزي وچيهان إلى وجهتِهما.

ومن يومها هذا لم تَرَ چيهان باسلًا مقدامًا غيره، ذاك الذي يستُرُ على عيوبِها ويحميها بجناحي الأمان. رغْمًا عنها هوت في عشقِه، وبينما تتذكّر، انهمرت الدموعُ من عينيها، فنهضت تُصلّي ركعتَين صلاةَ الحاجةِ كما اعتادت كل يوم.

كلّما ركعت في صلاتها انتفَضت شاجنةً بتوسُّلاتٍ من الأمل الذي جهلت مصدرَه إلى هذه اللحظة، اختنق صوتُها بالبكاء، وناظراها منصبان على سجادة الصلاةِ إزاءها، ركعةً تِلوَ أُخرى حتى أنهت صلاتها، فجلست مكانَها وكفّاها مرفوعتان للأعلى بتضرُّع، فظهر صوتُها مخنوقًا بالبكاء ووجنتاها مُحمرَّتان بحُزن، قائلةً:

_لا إلهَ إلّا الله، الحليم الكريم، سبحانَ الله ربِّ العرش العظيم، الحمدُ لله ربِّ العالمين، أسألُك مُوجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كلِّ بِرٍّ، والسلامة من كلِّ إثم، لا تدع لي ذنبًا إلّا غفرته، ولا همًّا إلّا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رِضا إلا قضيتها يا أرحم الراحمين.

بعدما تلفَّظت بدعاء صلاة الحاجة، استرسلت حاجتُها ومهجتها البائسةُ تعتصر رجاءً:

_يا رب أي أمل، أي حاجة أنا راضية والله، بقالي شهور بدعيك إنك تريحني، مش شايفة أي نتيجة ولا إجابة واحدة تطفي ناري، أي إشارة يا رب، آيه أي حاجة تأكدلي إن لسه في أمل، عارفة إنه مات خلاص عارفة والله، بس جوايا احساس بيقولي في حاجة غلط، في حاجة مش مفهومة يا رب، أنا احساسي مش بيخيب، علشان خاطري أنا وصلت لدرجة صعبة محدش يستحملها، أنا بقالي ست شهور من ساعة الخبر وأنا عايشة على المهدئات، أنا مش عارفة أعيش يا رب، والله ما عارفة ولا دماغي بتقدر تفصل ثانية، أنا هتجنن، والله هتجنن مش قادرة أصدق!

تهشَّجت بالبكاءِ المرير، فيما دلفت "ريم" إليها بعدما عادت من الخارج مُحمَّلة بحزمةٍ صغيرةٍ من الأموال، تلك التي باعت خاتم چيهان الذهبي كما أوصتها، لتشتري المصاحف والسبح الصغيرة وتوزِّعها على المارّة في الشوارع على روح رمزي، إذ أصبح الأمر عادةً مهمّة لا بدّ من تكرارها كلّ فترة، ووجدت أنّها الطريقة الوحيدة التي أطفأت وهج حزنها. فوقفت ريم على باب الغرفة، وقالت:

_چيهان! أنا بيعت الخاتم، جاب سبع آلاف ونص.

نهضت "چيهان" من موضعها ووقفت حيال أختها بشيءٍ من الهدوء النسبي، ووقتما أمدّت ريم يديها لها بحزمة المال، استلمتها چيهان ونظرت إليها بغمرةٍ من الاستياء، وقالت مُحاولةً أن تتمالك أعصابها المجذوذة:

_الحمدلله، إن شاء الله بعد ما أخلص جلسة العلاج الطبيعي، هروح أنا وإنتي نشتري المصاحف والسبح ونوزعها زي ما اتفقنا.

السؤال الأهم، لربّما ينكشف الوضع يومًا فيتساءل شوقي عن خاتم ابنته المختفي، مُستخدمًا رصانته، ما دفع "ريم" تسألها بطفيفٍ من التردّد:

_طيب يفرض بابا سألك عن الخاتم، هتقوليله إيه؟

خشيت "چيهان" الكذب خوفًا من عقاب الله، فأحنت رأسها لأسفل غرقًا في الحيرة، بدت نابشة في ثنايا ذهنها عن ردٍّ ملائمٍ يقصي عنها الوقوع في إثم الكذب، ثم أجابتها:

_هقوله إني بيعته واشتريت بيه مصاحف وسبح، أكيد مش هكدب، أنا مش هتحمل عقاب ربنا ليا على كدبي، وبابا أكيد هيفهم إنه عشان صاحبتي من غير ما أتكلم.

خَرَجت والدتُهما "أسماء" من حجرتها في تلك اللحظة، مُرتديةً عباءتها وحجابها، وقَفَت عند ريم لتجد چيهان لا تزالُ بإسدالِ الصلاة، فاتَّسعت حدقتاها في دهشةٍ، وقالت:

_إنتي لسه مجهزتيش يا چيهان؟ جلستك هتبدأ كمان نص ساعة! يلا اجهزي عشان منتأخرش على الدكتور!

زفرت "چيهان"، والحُزن ما زال يأسرها، فاستدارت نحو خزانةِ الثياب، وأصابعُها تتحرّك بين الملابس بحثًا عن عباءةٍ مُلائمة، ووقتما انهمكت في البحث، ردّت:

_حاضر.

تدلّت الشمسُ على طُرقات شهر ذي القعدة، والمسلمون يتأهّبون لأداء مناسك الحجّ. تمنّت چيهان من هاويتها العامرةِ بالإيمان لو أن يكون لها نصيبٌ في أداء الحجّ أو حتى العمرة ذات يومٍ، حتى ريم كانت تأمل بشغفٍ قوي لو أنّها تقفُ إزاء الكعبة المشرفةِ تُفصح لربِّها عن آلامها النفسية، وتدعوهُ أن يُزيح ابتلاء السحر من حياتها إلى الأبد بلا رجعةٍ.

عاشت مُعذّبةً ترى الناس من حولها ذوي عجلة حظٍّ عظيمة، كلّما استدارت ضخّت الحياة عليهم بنِعَمٍ وخيراتٍ لا حصر لها، عدا هي التي أقل أمنياتِها في الحياة تعثّرت عن الوصولِ إليها، ليس فشلًا منها، إنّما بتحكماتٍ شيطانية خسيسة لحياتِها بلا إرادةٍ منها.

ظلّت أسماء وريم ماكثتين في الخارجِ إلى أن انتهت چيهان من ارتداء ثيابها، وانضمّت إليهما، فتوجّهت الثلاثة إلى مركز العلاج الطبيعي استعدادًا لخطوة جديدة في رحلة الشفاء. ركبْن سيارة الأجرة التي توجّهت بهنّ إلى المركز، وطوال الطريق چيهان مُستندةٌ برأسها على نافذة السيارة تتابع المارّةَ بحزنٍ، لا زالت باحثةً عن رمزي بين الوجوه بحسرةٍ، ذاك الذي شطرَ قلبها دون قصدٍ، وتركها في عتمة الماضي، تُحيى بمبتغى زائفٍ، كانت تحلم فقط لتَبرُدَ اضطرامها، ومن أعماقها مُتيقنة أنها آمالٌ كاذبة لن تتحقق يومًا.

هناك، وصلت أسماء وابنتاها إلى مركز العلاج الطبيعيّ في الوقت المضبوط، فدخلن مباشرةً إلى غرفة العلاج لتجدن الطبيب في انتظارِهنّ، ألقت أسماء تحية الإسلام عليه وجلست إلى جوارِ ريم على مقاعد المرافقين، فيما چيهان جلست على المقعد الطبيّ، فارتدى الطبيبُ قفازاتهُ الطبية وجلس على مقعدٍ مقابلًا لها تكاد المسافة تتلاشى، ملتزمًا بأخلاقياته المهنية، مستخدمًا جهاز التحفيز الكهربائيّ للعصبِ والعضلات، فيما حضر اختصاصي الأعصاب هو الآخر ليتابع الحالة عن كثبٍ، وكلٌّ منهما لهُ دوره الجليُّ في رحلة شفائها.

لم يكن هناك أيُّ تحسُّن واضح خلال الستة أشهر التي من المفترض أن تُودِّعَ چيهان فيها سقمها، فلا يزال شفاءها مرتبطًا بحالتها النفسية بقوة، وبما أنّها تُعاني من الاكتئاب الحاد، تأثّرت رحلتها العلاجية بقوة، ما جعلها تنتكِس متراجعةً إلى الوراء بفشلٍط ذريع.

وبعد ساعةٍ من محاولات "الطبيب" أن يُجديَ نفعًا لحالتها، رمق والدتها بخيبةِ أمل، وقال:

_للأسف مفيش أي تحسن، تكاد تكون نسبة الشفاء معدومة واحنا أكدنا إن حالتها النفسية مهمة وهي اللي هتساعدنا في شفاءها.

ردّت "أسماء" بنبرةٍ يائسة، مُؤكدة أن جميع محاولاتها مع چيهان آبت بالإحباط، كمن انصرم محمّلًا بوعاء زاخر بالأمل، وعاد مُنحني الرأس بانهزام عويص:

_والله يا دكتور احنا ما قصرنا معاها، كذا مرة أختها تحجزلها عند الأخصائي النفسي وفي الآخر ترفض ومتروحش وتضطر تلغي الميعاد، واحنا في البيت واخدين بالنا من نفسيتها بس هي اللي مش طايقة حد يكلمها وعالطول منطوية في الأوضة بتعيط.

وجّه "الطبيب" حديثه الداعم لچيهان، فقال بابتسامة أمل:

_چيهان أنا قولتلك كام مرة لازم ناخد بالنا من صحتنا النفسية، وإنتي معملتيش أي حاجة من نصايحنا ليكي، طول ما نفسيتك سيئة يبقى عمرك ما هتخفي من مشكلتك، أرجوكي تلجأي لطبيب نفسي وأنا ممكن أوجهكم لدكتور زميلي لو حبيتوا.

اعترضت "چيهان" أيَّ تدخلٍ طبي لحالتها النفسية، فرفعت ذراعَها بشجب، وقالت بغضب:

_مش عايزة أروح لحد يا دكتور، وقولت وهفضل أقول لو ربنا أذن بشفائي فهيكون من عنده مش بمساعدة البشر.

الاستغناء عن البشر نعمةٌ لا تُدرك قيمتُها، لكن "أسماء"، على الرغم من تفهُّمها للوضع، أرادت الصلاح لابنتِها الصغيرة، متمنّيةً لو أن تنتهي رحلةُ عذابها وتذوقَ ثمار السعادة يومًا، فاعتدلت في جلوسِها، وقالت بلين:

_يا چيهان لازم تسمعي كلامنا، حرام عليكي نفسك، بقالنا شهور بنعمل جلسات والتحسن ضعيف أوي، علشان نفسك يا حبيبتي حتى.

تدخل "الطبيب" مؤيدًا حديثَ أسماء، وفي نفس الوقت راغبًا في ترك مساحةٍ شخصية واضحة لچيهان، إذ قال:

_خلاص سيبيها على راحتها لو سمحتي!

ترك الطبيبُ چيهان وشأنها لعلّها يومًا تدرك قيمةَ الشفاء، لكنها بعد كل الأحداث العسيرة التي مرّت عليها لم ترَ المستقبل بتاتًا، إذ ظلت على حالها ككل ليلة متمنّيةً لو أن تُوصَدَ عينًا ذات يومٍ لتكن ليلتَها الأخيرة في الحياة. أما عن شوقي، في هذا اليوم قد سافر برفقة أخيه الأصغر نجيب إلى مدينة بورسعيد بخصوص أعمالٍ معيّنة، وقد استغلّت چيهان فُرصة سفر والدها لتتجه برفقة والدتها وأختها بعد جلستها العلاجية إلى أحد المكتبات الشهيرة بمدينة المنصورة.

هناك اختارت عددًا كبيرًا من المصاحف الصغيرة الزاهية بألوانٍ تبثّ البهجة في النفوس، وكأنّها اختارت ما تأمله يومًا لو أن تستضاء هاويتها المظلمة بأنوارٍ وتنبت أزهارًا ذات أشكالٍ وألوانٍ متفاوتة، إلى جانب السبح الإلكترونية بألوانها المختلفة. ثم وقفت جانبًا تغلّف كلَّ مصحف وسبحة داخل كيسٍ بلاستيكي مع ورقة أعدّتها في الأمس، دونت عليها: "ادعوا لرمزي الطوخي بالرحمة والمغفرة" كما اعتادت طوال الأشهر الماضية.

ثم تحرّكت برفقة والدتها وأختها إلى شوارع المدينة توزّعن الهدايا كصدقة جارية على روح رمزي، وبينما مرّت خمس فتيات محجّبات إلى جوارها، استوقفتهم "چيهان" ومنحت كل واحدة هديةً صغيرة، وقالت بحزنٍ لامع في عينيها:

_ادعوله بالرحمة، فضلًا وليس أمرًا.

وقفَت أسماء بعيدًا، مُشاهِدةً الحدث في صمت، وابنتاها توزّعان الهدايا على كلّ من يمرّ إلى جوارهما، فيما تقابلت چيهان مع رجلٍ مُسنّ، خطاه مثقلةٌ بالألم، وثيابه ملطخةٌ بجهودِ عملٍ لا يليقُ مع عمرٍ يحتاج إلى الرعاية بدلًا من المشقة في أيامه الأخيرة. سرعان ما استخرجت "چيهان" مائة جنيهٍ من حقيبتها إلى جانبِ الهدية، وقالت برجاء:

_ادعيله بالرحمة والمغفرة يا عمو بالله عليك.

ابتهجَ "العجوز" بالهدية، فارتسمت بسمةٌ هادئة على شفتيه، ورفع نظره عنانَ السماء، وقال بدعواتٍ صادقة:

_اللهُم اجعل قبره روضة من رياض الجنة، ولا تجعله حفرة من حفر النار.

وبينما ريم تمدّ الهدية الأخيرة لإحدى النساء العابرات في الشارع، تلقت "چيهان" مكالمةً هاتفية من الشيخ نعمان. أصابَتها الدهشة، خاصة أنّه لم يتصل بها ولا مرة منذ وفاة رمزي، وكأنّه محاها عن ذهنه بقصد، أو لربما ظروف الحياة قادته إلى النسيان. رفعت هاتفها، والاستياء متضرمٌ بأنفاسها، وخفقات قلبها تتزايد، وكأنها طبولٌ صاخبة لا بدقات، ثم ردّت بتردد، قائلة:

_ألو.

جاءها صوتُ الشيخ "نعمان" على الجهة الأخرى، بهدوءٍ، وهو يقول:

_السلام عليكم، ازيك يا چيهان؟

أخفضت "چيهان" رأسها نحو الأرض بخضوعٍ أمام وطأة الفراق، وأجابته بنبرة صوتٍ مُرتجفة:

_مش بخير، لأول مرة أقول مش كويسة، بس الحمدلله على كل شيء، مقدرش أقول غير الحمدلله.

سألها الشيخ "نعمان" بفضولٍ عن موقعها، ما أوجَجَ الشكَّ بداخلها، حينما تلفظ:

_إنتي في البيت يا چيهان؟

اندهشت "چيهان" من سؤاله، ظنًا منها أنّه قرر أن يزورهم في منزلهم الجديد بالمنصورة، فبادلته بسؤالٍ شديد التعجّب، قائلة:

_لا بس أنا كنت في طريقي للبيت، في حاجة يا شيخ نعمان؟

أجابها الشيخ "نعمان"، مؤكدًا عليها موعدًا هامًّا لا يحتمل التأخير أو التهاون، فقال بأمرٍ واجب التنفيذ:

_هقابلك في المسجد اللي جنب بيتكم، أنا عارف إنك مستغربة عرفت مكان بيتكم ازاي، أنا هقولك! عرفت من والدك بيتكم فين لما كلمته أتطمن عليه من كام شهر، وبإذن الله بعد ما نصلي صلاة العصر، تنزليلي في مسجد الرجال محتاج أتكلم معاكي في موضوع ضروري.

ازداد القلق أضعافًا مضاعفة في مهجة "چيهان"، كأنما السماء أمطرت عليها مزيجًا من الهواجس والشكوك. جاهدت لإدراك سبب المقابلة، فسألته بغمرةٍ عارمةٍ من الفضول:

_في إيه طيب يا شيخ نعمان؟ فهمني، أنا مش فاهمة حاجة!

افترَّ الشيخ "نعمان" بابتسامةٍ مطمئنة، كإشراقة الشمس بعد فجر من الإحباط، وأجابها:

_خير متقلقيش، لما تيجي هتعرفي، قابليني بس ومتتأخريش!

ردّت "چيهان" وكأن إعصارًا من القلق عصف برأسها:

_حاضر.

بعد انتهاء المكالمة بينهما، أبلغت چيهان الخبرَ لوالدتها وأختها، اللتين تلقتاه باستغرابٍ. رفضت أسماء في بداية الحديث أن تمضي قدمًا بمفردها، واقترحت عليها أن تصطحب ريم معها إلى المسجد، وكأن رأسَ چيهان حجرٌ صلبٌ لا تُصيبه سهام الإقناع. رفضت وأخبرتها بأن الوضع لا يستدعي القلق، خاصّة أن الشيخ نعمان يضع مبادئه الدينية السامية كتاجٍ ثمين على رأسه، إذ يعتبرها في منزلة ابنته التي لم ينجبها، وإن تبسّم له النصيب بانجاب فتاة، فلن تقلّ چيهان عنها عزّةً، بل ربما تحظى بحيزٍ جزيل، متصدّرةً المقام الأول في قائمة الأعزاز.

وبعدما غزا الفكرَ رأسَ أسماء، وافقت وعادت برفقة ريم إلى المنزل، تاركتَان چيهان تقابل الشيخ نعمان في أمرٍ بالغ الأهمية دون أطرافٍ دخيلة.

حينما يتربّى المرء على أيادٍ السفهاء، يشبّ حقيرًا بلا هدف في الحياة، كمن وُلِدَته والدته في المصرف الصحي فتردّى برأسه على القاذورات؛ تشبيهٌ حقير لكنه واقعي، وعلى مقاس امرأة ساقطة لم تجهل دينها، بل تعلمه جيدًا وتجاهلته متعمدة. تلك التي عادت حماتها المدعوة "عجيبة" حاملة الطاج الخشبي المملوء خضروات طازجة فوق رأسها، مرتدية جلبابًا ريفيًا متدنّسًا بجهد العمل طوال اليوم في أسواق الخضروات، دخلت لتجد مدخلها الصغير متسخًا بالغبار، المدخل الذي قضت في تنظيفه ليلة الأمس ساعة ونصف، ما جعلها تثور من جهدٍ مبعثر بلا تقدير.

وفي تلك الأثناء، نزلت منى على الدرج بلا مُبالاة، فاستوقفتها حماتها لبرهةٍ من الزمن تستجوبها فيها عما وقع حولهما من فوضى، وقالت بلهجةٍ ريفية:

_إيه التراب اللي على الأرض ده يا منى؟ إنتوا دخلتوا حد الدار وآني مش موجودة ولا إيه؟

ألوت "منى" فمها بانزعاج، بدت وكأن الكلمات تخرج من أنفها، فضربت يدًا فوق الأخرى بسخطٍ، وأجابتها بحدةٍ، خالية من الاحترام:

_هو مفيش غيري ولا إيه؟ مالك يا أم محمد على المسا؟ بتقولي يا شر اشتر ليه؟

وضعت الحماة "عجيبة" الطاجَ الخشبي على أحد درجات الدرج، غير مُدركة مدى بذاءة حديثها معها، وكأنها شابة صغيرة من عمرها لا تكبرها بما يفوق العقدين، فقالت بامتعاضٍ:

_إنتي بتتكلمي معايا كده ليه يا بت إنتي ياللي ناقصة رباية؟ صحيح ابني معرفش ينقي، والنبي لو أعرف إن كل ده هيجي على دماغي في الآخر لا كنت وقفتلكم في الجوازة دي من الأول ولا كان جرا اللي جرا.

لم ينل إعجابُ "منى" خطابَها الصارم لها، وكأنها أرادت بثّ الاحترام في نفسها الخَنوعة. فمن لم يرَ جهدَ التربية من والديه، واجبٌ على الدنيا أن تُريه أعجابها، فقالت الأخيرة بأسلوبٍ متدنٍّ:

_هو إنتي هتشتغليلي في جو الحموات ولا إيه حكايتك؟ ما تخليها تعدي بالحُب عشان متزعليش!

وطأت "عجيبة" يدها على صدرها بِقَسوة، وحدقتاها مُتسعتان بدهشة من تجرُّؤها الواضح في الحديث، حينها رفعت صوتها بالصِّياح، وقالت:

_عشان متزعليش؟ إنتي بتهدديني يا بت؟ فاكرة نفسك من سني ولا إيه مصيبتك؟ هو إنتي أهلك مكلفوش نفسهم يفضوا خمس دقايق ويربوكي؟

نطقت "منى" بِصيحاتٍ عالية كأنّهما تتسابقان في من تخترق طبول آذان الناس أولًا، لتقول بغضبٍ محموم:

_أنا متربية أحسن تربية ومش مستنية واحدة زيك تيجي تطلب مني أتربى، إن كان في حد عايز يتربى فهو إنتي مش أنا، مش كفاية بيجيلك أول كل شهر يحطلك المرتب في حجرك؟ هو أنا متجوزة راجل ولا متجوزة أمه؟

تلفظت "عجيبة" عوَلًا ممزقًا للسكون، وذهنها حتى هذه اللحظة غير مُستوعب لما يحدث:

_إنتي بت قليلة الأدب ومش متربية، بس الرك مش عليكي، الرك على اللي مسافر وسايبك هنا تغلطي في أمه اللي كبرت وتعبت وشقيت، بس آني كلامي مش معاكي، كلامي مع جوزك.

انطلقت عجيبة إلى الداخل بحثًا عن هاتفها باستعجال لتتصل بابنها وتملي عليه ما حدث بينهما، ووقتما أجرت اتصالًا، اقتحمت "منى" منزلها ووقفت إزاء الباب، وقالت بعجيجٍ لافح:

_يلا يا سوقية يا بياعة البصل والتوم، مبقاش ناقص غير بياعين الفرشة هما اللي يتكلموا... الغلط مش عليا، الغلط على ابنك اللي مش عارف يدافع عني، بس أنا سايبهالكم مخضرة، بيت أبويا أولى بيا.

صعدت منى على عجل حتى دخلت شقتها، صكت بابها بعنفٍ كأنها رغبت أن تنفث عن غضبها في الجميع، حتى الباب لم يسلم من شرها، فيما صوت حماتها يرج المنزل بصَرَخاتٍ حادة عبر الهاتف المحمول، وهي تقول بشكوى لابنها:

_تعالى شوف حل مع قليلة الرباية، تعالى خلصنا منها ومن قرفها، دي وكده من أول الجواز أمال بعد كده هتعمل فينا إيه؟ مراتك غلطت فيا وشتمتني وآني بقى عايزاك تجيبلي حقي لغاية عندي يا محمد.

في الأعلى، ما لبثت "منى" أن جلست على أريكتها حتى أجرت اتصالًا عاجلًا برأس الأفعى الكبرى لتتشاور معها في أزمتها، عسى أن تنفث فيها سُمها، وتقترح عليها حلول الأبالسة. وبالفعل، سردت منى على أختها ما حدث، فقالت بطوفانٍ من الاحتدام:

_بقى هو يسافر يا هناء ويسيبني للمرار الطافح ده؟ حماتي دي ست عايزة الحرق، دي غلطت فيا وقلت أدبها عليا وأنا معملتلهاش حاجة، هو علشان أنا ساكتة تسوء فيها؟ والله لألم هدومي وأروح بيت أبويا ولما هو يسترجل إن شاء الله يبقى يشوفلنا شقة برا، أنا خلاص مبقتش حمل المشاكل ورمي البلا ده.

جاءها ردُّ "هناء" بمكرٍ وذكاء لتأمرها ألا تتركها وشأنها:

_يا عبيطة أوعي تروحي بيت أبوكي لا تحس إنها علمت عليكي وحرقتلك دمك، خليكي باردة أبرد من التلاجة، وبدل ما هي اللي تطفشك من البيت طفشيها إنتي وكرهيها في عيشتها.

لكن غيظُ "منى" من حماتها قادها في هذه اللحظات، على الرغم من أنها تحوي برودةً غريبة، كمن تشتعل النيران من حوله وهو جالسٌ يَحتسي قهوَتَه على مقعده بلا مُبالاة، فنطقت والغَضبُ يوثب من حروفها:

_لا أنا كرامتي فوق كل اعتبار يا هناء، إن كانوا مش عارفين قيمتي فانا بقى هعرفهالهم، لازم أروح بيت أبويا، هو الإنسان إيه غير كرامة؟

لا زالت "هناء"  مُصرة على رأيها، ما جعلها تقول بإلحاح:

_مش هتمشي من بيتك وهتفضلي فيه غصب عنها، وإن كان مش عاجبها خليها هي اللي تمشي، ولا أقولك خليها تبات على الفرشة في السوق، ياكش تاكلها كلاب السكك وتريحنا منها.

هكذا تسير الحياة في عالم الحيّات اللاذعة، تتبدل الأدوار فتصبح الحماةُ مرتاعةً من زوجةِ الابن، بدلًا من الشائع في مجتمعٍ جاهل لا يستطيع العيشَ بهدوءٍ بين كلا الطرفين. فلا يحقُّ للحماة أن تسيءَ لزوجةِ ابنها، ولا يحقُّ لزوجة الابن أن تتصرفَ باندفاعٍ مع سيدةٍ في منزلة والدتها، وقد تحول المنزلُ إلى ساحة صراعٍ ينقصها بعضُ الثيران لتبدأ المعركة.

اكتنَف الخشوعُ زوايا المسجد الذي تزيَّنت جدرانه بنقوشٍ هادئة اتخذت أشكالًا هندسية، كان صلبًا وناصعَ البياض مزدانًا بلمساتٍ من الصفاء وسكينة المتقين، حاويًا نوافذَ صغيرة تسمح بانسياب نور الشمس إليه، فتغمره بهدوء النفس وطمأنينتها.

جلست چيهان في مسجد السيدات بالطابق الثاني، كان شاغرًا من النساء ولا يوجد سواها فيه، وصوت الإمام مترددٌ في أنحاء المسجد بخشوعٍ وهو يتلو آياتِ القرآن الكريم بصوته العذب. كان الحائط عبارة عن نصف جدارٍ كالسور بحيث يمنح للنساء رؤية المصليين في مسجد الرجال بالأسفل، والأرضُ مبطنةٌ بالسجاد الناعم، وشذى المسك الأبيض يتغلغل في رِئات المتقين.

ظهر صوت "الإمام" مُقاربًا إلى حد كبير من صوت رمزي، وبينما چيهان متكئةٌ بظهرها للجدار، لامست تلاوته أعماق قلبها، خاصة حينما قال:

_﴿رَبِّ ٱجۡعَلۡنِي مُقِيمَ ٱلصَّلَوٰةِ وَمِن ذُرِّيَّتِيۚ رَبَّنَا وَتَقَبَّلۡ دُعَآءِ (٤٠) رَبَّنَا ٱغۡفِرۡ لِي وَلِوَٰلِدَيَّ وَلِلۡمُؤۡمِنِينَ يَوۡمَ يَقُومُ ٱلۡحِسَابُ (٤١)﴾ [ابراهيم]

تذكرت كل شيء بينهما، لا إراديًا ابتَلَّت عباءتها، كأنه فيضانٌ من الدموع لا ينتهي. ضمَّت ساقيها وذراعيها لبعضهما، ورأسها مُستند على ركبتيها، ليس بحُزن طبيعيّ، بل كأنما أحدهم غرز سكينًا باترًا في قلبها مرارًا وتكرارًا. بدأت تتهشج بكاءً، ورفعت كفيها للأعلى باستياءٍ ملحوظ، وقالت:

_يا رب ارحمه، لو كنت بتحاسب العبد بدل العبد لكنت اتحاسبت بداله ولا إنه يحس بعذاب القبر وعذاب النار، عايزاك تسامحه وتغفرله، نفسي يجيلي في المنام مرة يقولي إنه مرتاح، بس أنا متأكدة والله إنه مش مرتاح، هيرتاح ازاي بس وهو عاش حياته كلها غلط في غلط؟ اللي مشاه في الطريق ده عاش، وهو شال كل حاجة فوق دماغه، قولتله محدش هينفعك مصدقنيش، يا رب يا رحيم ارحمني، يا الله.

تمَدَّدت چيهان بجسدها لتشاهدَ من الجدارِ المصليين في الأسفل، إذ كان المسجدُ مُزدحمًا بالرجال وراءَ الإمامِ الذي أدهشهم بعذوبةِ صوتهِ. لم تفهم چيهان لماذا مال قلبها نحوه، ثم نظرت إلى أصابعها وهي تعبث فيها بحزنٍ، كأنها تخاطبه في وجدانها بلا صوتٍ لتقول: أينتهي مطافك إلى عذابٍ أليمٍ لا يُطاقه بشر؟ ماذا لو كتب لك القدرُ عمرًا جديدًا لتحل محل الإمام؟ أراك في خيالي يقف وراءك صفوفٌ من المصليين، وأنت في المُقدمة تبدع بصوتك السلسبيل في إبهارهم، نهبت مني الفرح حينما خيبت ظني فيك، وتركت القهر يقتلني بالبطيء، يا مَن ارتاح قلبي في مجاورته. فعلت الكثير لأجلك وسأظل أفعل طالما كل جوارحي تدفعني إلى الخير. أنتظر مآبك وأخشى أن يصفعني الواقع كفًّا حارًّا يعيدني إلى مرارته من جديد.

وبمجرد أن انتهى الأذان ربطت چيهان جأشها ووقفت تصلي وكأن زلزالًا من البؤس داهمها، رفعت كفيها بدموعها التي لا تجف. وبعد سبع دقائق نهضت لتجد الرجال قد بدأوا يغادرون المسجد واحدًا تلو الآخر مع أحاديثهم المُتداخلة، فيما أشار لها الشيخُ "نعمان" من الأسفل لتنزل إليه.

وبالفعل تحركت چيهان بخطى محسوبة على الدَرَج الداخلي، حتى وصلت إليه لتجده يرمقها بابتسامةٍ مُنشرحة، ويقول:

_مالك يا چيهان؟ زعلانة من إيه يا بنتي؟

ردّت "چيهان" وعيناها لا تقويان على مُواجهته، وأصابعها مُتشابكة مع بعضها بخجلٍ:

_إنت عارف يا شيخ نعمان اللي مزعلني كويس، بس أنا مش زعلانة، أنا مقهورة أوي وهموت من شدة العذاب، مش بانام الليل يا شيخ والله ما بقدر أنام، ولو نمت لازم يكون في إيدي منوم غير كده مش هقدر.

أظهر الشيخُ "نعمان" تأثرًا واضحًا بعواطفها الحزينة، فسألها وأحدُ حاجبيه مرفوعٌ بدهاء، قائلًا:

_للدرجة دي وفاة رمزي أثرت فيكي؟

انهمرت الدموع من عينيها بقوة، وتهشّجت بكاءً جعل أطرافها كأنها تتراقص على ألحان الحزن، وأجابت:

_جدًا فوق ما تتخيل، أنا بدعي على نفسي ليل نهار إن ربنا يستلم أمانته ويريحني، الحياة من غيره صعبة أوي يا شيخ والله صعبة بشكل مش طبيعي.

قلّقل الشيخُ "نعمان" رأسه بشفقةٍ على حالها الميؤوس، وسألها بوضوحٍ:

_شكلك حبيتيه يا بنتي زيادة عن اللزوم.

مررت "چيهان" أصابعها على عينيها الباكيتين، وبينما ارتجفت من برودة القهر، أجابته بصراحةٍ:

_كلمة حبيته دي قليلة في حقه، أنا بعاني نفسيًا بشكل صعب، مخنوقة أوي وعندي اكتئاب حاد، كلهم بيقولولي حاولي تتأقلمي إن الجاي هيكون من غيره بس أنا مش شايفة إن في مستقبل أصلًا، أنا شايفة كل حاجة سودة في عيني، بدعي ربنا ليل نهار إنه يريحني ومش هيأس أبدًا والله.

حاول الشيخ "نعمان" أن يضغط عليها أكثر ليخرج أقصى ما فيها من مشاعرٍ محبة على غير طبيعته المُتعارف عليها، فقال:

_خلاص يا چيهان، رمزي مات لحد ما قال بس، ده نصيبه يا بنتي ولازم تستحملي وترضي باللي مكتوبلك، وأكيد ربنا شايلك الزوج الصالح اللي هيكون أحسن من رمزي بمراحل.

رفضت "چيهان" الفكرة ذاتها، فنطقت بنحيبٍ مضاعفٍ:

_لا! أنا عاهدت نفسي قدام الكل إني هعيش وهموت لواحدي، من بعده مفيش حد تاني هيدخل حياتي مهما حصل، أنا هموت من مجرد التخيل، علشان خاطري يا شيخ نعمان متضغطش عليا، أنا بجد مش مستحملة!

تنهد الشيخ "نعمان" تنهيدةً عميقة، ثم تحرك للأمام، آمرًا إياها أن تخطو وراءه، قائلًا بحزنٍ:

_طيب يا چيهان، تعالي معايا يا بنتي نسأل إمام الجامع عن الموضوع ده، ده راجل دين وحافظ كتاب الله، واجب نسأله وناخد رأيه، يلا يا چيهان!

تحركت چيهان بخطى متمهلة وراءه، والإمام لا يزال واقفًا بظهره كأنه رمى أذنيه معهما، صاغيًا لكل حرف دار بينهما بفضولٍ، يبدو شابًّا في نهاية العقد الثاني من عمره، ذو لحية طويلة تكسي عنقه كأنها رداءٌ من التقوى، قوام جسده مضبوط. وفيما وقف الشيخ "نعمان" وچيهان وراءه، استدار الأخير ليقول الشيخُ بابتسامةٍ مشرقة:

_يرضيك يا فضيلة الشيخ إن الآنسة چيهان عاهدت نفسها إنها تعيش وحيدة؟ هل ده يرضي ربنا؟

دققت چيهان النظر في وجهه، تبدو ملامح مألوفة جدًا لديها، لكن ما الذي تغيّر؟ أيمكن أن يكون حبيبًا قد غادرها منذ عامٍ ونصف؟ من المؤكد أنها تهيؤات، وكأنها ما زالت تحيا في ذروة المرض النفسي، لكنه لم يكن حلمًا أو خيالًا بل واقعًا، خاصة حينما تابع الشيخ "نعمان" حديثه بابتسامةٍ أشد عرضة، وهو يشير إلى رمزي الذي وقف مبتسمًا أمامهما:

_الشيخ رمزي الطوخي!

وقفت "چيهان" مذهولة، غير مُصدقة ما تراه أمامها، وكأنها إحدى المعجزات السبع التي كادت أن تطير بعقلها، فتتحول إلى امرأةٍ خبلاء أشد جنونًا عما قبل. رمقته چيهانُ وكأنها تفصص ملامحه بتفاصيلها الدقيقة: أكان صوته مُنذ البداية؟ أعشت وهم الفراق وهو لا زال يتنفس على أرض الحياة؟ تشوّش عقلي، لم أستوعب شيئًا... إنه حلم؟ من المؤكد أنها أضغاث أحلامٍ لا أكثر.

تقدمت بخطواتٍ هادئةٍ منه، وحدقتاها مُتسعتان بدهشة، فيما هو الأخير ينظر لها وكأنه جذب أشواق الكون برمته لتبقى في أحضانه تجاهها. لحظات قليلة، وبدأت أنفاسها تعلو باندهاش، بدأت تحوم حوله كالسمكة القرش حول صغار الأسماك.

وفي الوراء، الشيخُ نعمان يقف كمن يشاهد مشهد اللقاء بعد الغياب في فيلم الحُب. تباعدت چيهان حينها للوراء، وحينما تأكدت أنه واقع حقًا وأنها لا تحلم كما ظنت، تفجر صراخها في المسجد، وهي تقول بشوقٍ عظيم:

_رمزي؟!

يتبع....

اكتبولي إحساسكم في الكومنتات لما عرفتوا إن رمزي لسه عايش! ♥️♥️

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة