حينما تتلاقى التناقضات الدينيّة والأخلاقيّة العجيبة ببعضها، يشتعل الفتيل من مجرّد شرارة هادئة إلى انفجارٍ عظيم بين جميع الأطراف، التهبت الصدور ببغضها المدفون وكأنّ كُلًّا منهما لمس جرحه النازف بدماء العداوة الواضحة. مَن أفنى حياته في دسّ الأذى على الطُرقات، ومَن ضحّى بعمره في سبيل إماطة الأذى عن حيوات الضحايا، كانا مثالين متباينين للجنّة والنار.
فلم يتوقّع أبدًا الشيخ نعمان أن يتقابل مع هذا الوغد يومًا، بعد أسرار صـُنعت من وهج العداء براكين فائضة بلهيبها المحموم. الشيطان اللعين "مصعب" أبرز دهشة عجيبة لتواجده في ذلك المكان في تلك الأثناء، بعدما احتجزوه في سجن العمدة ضرغام، ذاك الذي بمجرّد تبصّره للشيخ نعمان، استدار له وكلاهما ينظران لبعضهما بسخط، والخطوات تتضاءل فيما بينهما، والأعين تشع أشعة من الغضب الصريح، حتى تلاقيا كقطيعين من الذكور تخبطت رؤوسهما في بعضها بغيظ، يصدران مواء الوعيد.
إذ وقفا متواجهين لبعضهما، وبدون أيّ مقدمات للحديث، انقضّ مصعب على الشيخ "نعمان" بضربات فاتكة على رأسه وصدره، إذ كان الأخير في حالة دفاع عن الذات وهو يصرخ متوعّدًا له بقوته الإيمانية، قائلًا بثقة رهيبة في قوة البارئ:
_لعنة الله عليك في الدنيا والآخرة يا مُفسد، حسبي الله ونعم الوكيل فيك يا ظالم يا مؤذي لعباد الله.
تشبثَ "مصعب" بكِلتا كفَّيه في عنق الشيخ نعمان، وهو يزيحهُ بقسوةٍ نحو الجدار، ويطأ بقبضتِه العنيفة على رأسه بشراسة، قائلًا بصيحةٍ عالية:
_راح أسحقك يا نعمان، ما بخليك لحالك، واللي سويته فيك قبل، الحين بسوي أزيد منه بكثير!
حينما يتسابق الشر مع الخير يفوز الخير لا مَحالَة، واليقين بالله يصنع المعجزات، فالمؤمن الموحِّد بالله لا يخشى أجلّ جليلًا، قلبه محصَّن بقوى الإيمان، مثل الشيخ "نعمان" الذي تفادى ضرباته وأزاحه بقوته، ضاغطًا على أسنانه التي كادت أن تُطحن من هول المقاومة العنيفة، ليقول بصَخب عالٍ بكلمات متفرقة:
_مش هتقدر تعمل معايا حاجة، المؤمن اللي زيي قوة إبليس ذات نفسه ولا تأثر معاه، ما بالك لو جند من جنوده يا ملعون، لعنك الله يا مصعب وجعل كيدك في نحرك، ربنا يجعل تدبيرك في تدميرك، ويسلط عليك بدنك وشيطانك أكتر ما هما متسلطين عليك.
أهوى مصعب بالشيخ نعمان أرضًا وكلاهما يطآن بعضهما بغيظ، الأيادي تتخبّطُ الرؤوس والوجوه، حتى الأبدان لم تسلم من ركلاتهم الحادّة في البطون والظهور، يتدحرجان على الأرض، تارةً الخير يعلو الشر، وتارةً الشر يسحق الخير بضرباته الفاتكة.
لكن في الداخل أحسّت چيهان بحركةٍ غير عاديّة، ردعت فضولها أن يقودَها، لكن برغبةٍ شديدة توقت أن ترى ما يحدث خارج الغرفة، خشية أن يكون رمزي تصادم مع الشيخ نعمان في معركةٍ قتالية بين أواصرِ الفندقِ التالد. فتحرّكت من موضعها ببطء، وفتحت الباب فتحةً صغيرة ترى من خلالها ما يحدث، فوقعت عليها صدمةٌ عنيفة، وهي ترى "مصعب" يطأ الشيخ نعمان بعنفٍ مَرضي، ويقول متوعدًا له بأسلوبٍ مُبهم مثير للتساؤلات:
_أقدر أسوي أي شي، ولا نسيت فطيمة واللي صار قبل؟ إن كنت نسيت، آني أذكرك، وأعرفك إن مصعب يوم يبغى شي يسويه غصب عن الدنيا كلها.
خطّت چيهان خطوات بسيطة خارج الحجرة، وكفّاها مضمومان على فمها بفزعٍ، وصدح صفعاتهم لبعض يتردّد في أذنيها محدثًا ارتياعًا نفسيًا هدد أمانها.
لكن فجأة وجدت رمزي قد أتى في الوقت الضائع، يهرول من بعيد بطلّته المهيبة، كأنه يسابق الزمان للوصول إلى المعركة، إذ باعد بين والده والشيخ نعمان، وكأن "مصعب" استغل الفرصة ليتشبّث فيه هو الأخير، ليقول بصَرخاتٍ عالية:
_تتفق مع الغريب على أبوك يا رمزي؟ حسابك عندي كل يوم يثقل عن اللي قبله، وما بخليك لحالك لا إنت ولا كلبة الشوارع ولا نعمان، كلكم براسي وبهدّكم الهدّ اللي تستحقوه، وبتشوفوا!
ارتفعت صرخات چيهان في الهواء وهي تشاهد مشهدًا مُرعِبًا أبطاله رمزي ووالده اللذان تشبّثا في بعضهما البعض. مصعب يقهر ابنه، و"رمزي" يتفادى وطآت والده بدفاعه المستميت عن چيهان قبل ذاته، قائلًا بأعينٍ ملتهبة بنيران السخط:
_سب مثل ما بدك وسبّ اللي تسبّه، أما چيهان ما أسمعك تمسها بمسبة لو وش صار! چيهان تخصني، واللي يمسها بمسبة ما يلوم غير نفسه!
صفعه مصعب بكفّ حار على رأسه، والأخير قابض على ذراعيه كمصدرًا للأذى برمّته. وبينما الساحة تتّسع عراكًا، نهض الشيخ "نعمان" سريعًا من مكانه كمن رغب بتر رأس الأفعى، بجذبه لچيهان وخطوهما بخطى واسعة عبر الطُرقة الممتدّة، ثم قال بتوجيهٍ تحذيري:
_يلا يا بنتي بسرعة من هنا!
فَرّت چيهان هاربةً وراء الشيخ نعمان، جسدُها في تقدّمٍ للأمام، ورأسها مستديرة نحو رمزي بأعينٍ فاضت بالدموع، خشيةً عليه من أن تتركه وتغادر فيعيش الحرب مع والده بمفرده. لكنها هزيلة لا تملك في قبضتها رباطةَ الحل، فظلّت على حالها إلى أن خرجت سريعًا مع الشيخ نعمان من المبنى برمّته، فركبا السيارة الخاصة به، إذ قادها بها الشيخ نعمان وخرجا إلى الطُرق الرئيسية على عَجل.
والغريب أنّه بين جدرانِ مبنى يحوي بعض النُزلاء، لم يلحظ أحدٌ الشجار العنيف بين الأب وابنه، كأنّهما في صحراءَ لا تغمرها أنفاسٌ بشرية تتدخّل لحلّ النزاع.
وعلى الرغم من قوّة مصعب الروحانية التي لا يماثلها مثيل، إلّا أنّ قوّته الجسدية أنهكت وهو يُجاهد لوطأ شاب قوتُه أضعافٌ مضاعفة لقوّته. لكن رمزي بدوره الرصين لم يُحب أن يقابل أذى والده بفسادٍ أخلاقي يتيح له الفرصة لردّ الضربات، فلا يزال محتفظًا بمكانةِ والده، ما جعله يفرّ سريعًا داخل الحجرة ويصكّ الباب بإحكام، وبدأ يغلق حقائبه ويحملها على ظهره استعدادًا لمغادرة المكان.
وفي هذا الوقت المليء بالتحديات الأسرية، طرق "مصعب" الباب وهو يصرخ بعلوّ صوته، قائلًا بإرهاب:
_شوف مين بينفعك بالنهاية، چيهان ما بتنفعك وبتخسرك كل شي بنيته، وأولهم أبوك اللي ضيعته عشانها، بس ورحمة أمك فطيمة يا رمزي ما بسيبكم لحالكم، وحقي باخذه من حباب عيونكم، وإن كنت تحسب إني سايبك سالم طول هالسنة اللي راحت هذي، فهاذا لأني معطيك فرصة أخيرة! ويوم تخلص هالفرصة ما أرحمك، وبكون سويت اللي علي وزيادة، وما حد بيزعل آخر شي غيرك إنت!
تمكَّثَ رمزي وراء الباب، مترقِّبًا أن ينقطع شريطُ مصعب المُزعج، ويكف عن أذاه السمعي والنفسي والبدني؛ ذاك الذي بات وجوده تهديدًا لحياته كلّها.
استمرَّ مصعب في طرق الباب بعنفٍ لدقائق، ثم غادر المكان مُتأهبًا للقصاص من الثلاثيّ في الوقت المناسب. فتح رمزي الباب أخيرًا، وانضوى إلى حجرة چيهان، وحمل حقيبتها بجسدٍ مال استياءًا، ثم خرج مسرعًا خارج المبنى، لا يدري أيّ درب سيسلك، مستسلمًا لما كتبه القدر له. كان صدره يعلو ويهبط بقهرٍ، وعقله عاجز عن استيعاب انفصال روحه عن روحها بعد عامٍ كامل من مغامرتهما سويًّا، ومن مشاعر الهوى المُتبادلة بينهما.
داخل السيارة المُتحركة في طريقها إلى جنوب سيناء، في رحلةٍ طويلة ستستغرق ساعاتٍ للعودة إلى عائلة چيهان، تكدَّس صدرها بالخوف حتى خُيِّل إليها أنّ الأصوات من حولها قد تلاشت، وتحولت إلى أفكارٍ صاخبة تدور في رأسها. مئات الأسئلة كانت تطوف في ذهنها، وهي متيقنة أنّ ردّ فعل عائلتها سيكون قاسيًا إلى حدٍّ بعيد بعد غيابها عن أنظارهم عامًا كاملًا. فوالدها متحجّر المشاعر سيحوِّل غيابها إلى جنازة تتفجّر فيها الوجوه لطامًا.
كان الرعب يحاصرها كسكاكين حادة من كل صوب، حتى خوفها من انتهاء علاقتها برمزي كان شعورًا وكأنه اقتلع قلبها من مكانه ليبقى بين يديه. لقد أحبّته بعمقٍ لم تعرفه من قبل، على الرغم من اختلاف ظروف حياتهما والمسار الذي سار فيه منذ مجيئه إلى هذا العالم؛ هي التي تميّزت بتديّنها وخشيتها من الرحمن، وهو الذي عاش طويلًا تحت ظلال الشيطان مصعب الذي جاهد لسلب إرادته وتحريكه وفقًا لميوله السوداء.
كانت الطرق تمتد أمامهم والصحراء على جانبي الطريق، برمالها المتوهجة كالكريستال تحت أشعة الشمس الذهبية. كان الطقس حارًّا، والحرارة تتضاعف في سيارة بسيطة بمحركٍ يدوي ونوافذ مفتوحة على مصراعيها حتى كادت تلامس آخرها.
الهواء المتجدد لفح وجوههم بحرارته، بينما "چيهان" تنتحب بخوفٍ منذ ربع ساعةٍ كاملة على الطريق، حتى رمقها الشيخ نعمان بنظراتٍ متأثرة، قبل أن يسمعها تقول بصوتٍ مرتجف برهبةٍ:
_أنا خايفة أوي يا شيخ نعمان، أنا مش عارفة أهلي هيعملوا معايا إيه لما يشوفوني، بابا مش بعيد يموتني فيها، أكيد وصلهم عني كلام محصلش، بس والله العظيم أنا عمري ما سمحت لحد يتعدى حدوده معايا حتى ولو بالكلام بس!
بثَّ الشيخ "نعمان" الطمأنينة في نفسها، فقال بلمسات صوتيّة يتخللها الهدوء:
_متخافيش، أنا رايح معاكي وهتكلم مع والدك وهفهمه كل اللي حصل، وإن شاء الله يتفهم الأمر.
تنهدت "چيهان" بحزنٍ، وأبدت ارتعابها من تفاقم الأمور، وقالت برجفة وهي تعبث في أصابعها بخوفٍ:
_خايفة ومش قادرة أتخيل إنه ممكن يصدقني، أنا نفسي الأرض تتشق وتبلعني ولا إني أواجههم، أنا كنت طول الوقت بتمنى إني أرجعلهم وبقول اللي يحصل يحصل مش مهم، متخيلتش إني هكون مرعوبة أوي كده منهم....
وتابعت بدموع منصبّة من عينيها بغزارة:
_أنا نفسي أرجع وأنا متطمنة يا شيخ نعمان، خايفة أرجع وبابا يعمل فيا حاجة، بس والله العظيم أنا مظلومة.
كان الشيخ "نعمان" واثقًا كل الثقة في أخلاق چيهان الحميدة، التي جعلتها طوال هذه الحقبة كالجوهرة المُصانة في رداء العفّة، إذِ التفَّ نحوها قليلًا وأجابها بيقينٍ ثابت:
_عارف يا چيهان يا بنتي، وده اللي مخليني عايز أرجعك لأهلك... يا بنتي مهما كان عمرك ما هتلاقي الأمان إلا وسط أبوكي وأمك وأخواتك، محدش هيستجرأ يضايقك طول مانتي في حمايتهم، إنما إيه اللي رماكي هناك في الواحات وسط ناس لا تعرفيها ولا يعرفوكي؟ مهما كان محدش هيخاف عليكي قد أهلك، وعشان كده لازم ترجعيلهم قبل ما يحصل أي حاجة جديدة تصعب عليكي الرجوع!
الإيابُ لا بدّ من وقوعه، شاءت أو اعترضت، رغم أيّ ظرف. الإطالة في وجودها بهذا العالم تزيد من المخاطر المُحتملة، لكنّ الرحمن أهداها عبدًا صالحًا من عباده، رجلًا أشيب، تقيًّا، دومًا ما يتوق بشخصيته المعاونة أن ينتشل الناس من أزماتهم، خصوصًا چيهان كفتاة طاهرة. خشي أن تتدهور الأوضاع وتنقلب رأسًا على عقب، فانتهز الفرصة ليقطع دابر الظُلم والطُغيان بسلاحِهِ الفتّاك.
فيما على الجهة الأخرى، بعدما مَضى رمزي إلى المغارة في الجبال بعيدًا عن البشر، وضع الحقائب جانبًا ووقف قبالة بوابتها التي بلا أبواب من الأساس. من بعيد، الصحراء مُنبسطة والجبال مهيبة من حوله، المنظر الذي طالما ارتاح لرؤيته.
كان هاتفه في قبضته، يجري اتصالًا بچيهان مرارًا وتكرارًا، لكن ضعف الشبكة كان حاجزًا للتواصل فيما بينهما. تخبّط بكفّه الأيمن على جبينه بغضبٍ، واستدار حوله كالأخرق، يجول بعينيه وكأنه يستجمع الأفكار من سكون الطبيعة، حتى جلس مُستربعًا على الأرضِ الصلبة داخل الكهف بين حقائبه، مُتذكرًا چيهان في وحدته الشديدة بعيدًا عن العالم الخارجي.
فتحَ كتابَه الأحمر واسترسل بحماية چيهان عن بُعد. أغلق جفنيه وبدأ يراها وهي جالسة إلى جوار الشيخ نعمان تبكي على مقعدها في السيارة، تخبره بخوفِها من والدها، والأخير يطمئنها بأن ما تخشاه لا وجود له.
تمتم رمزي بحروفه الصامتة بغموضٍ، تعاويذ غريبة لا تنفك رموزها إلا على يد ساحر محترف. حرّك يداه في الهواء وكأنه يُحرّك شيئًا في اتجاه آخر، وفي اللحظة نفسها تحرّكت علبة المناديل في السيارة باتجاه آخر. التفتت چيهان للوراء بخوف، فنظر الشيخ "نعمان" في الموضع ذاته، وأيقن أنه رمزي، فحدّثه بغضبٍ دون أن يراه:
_اتقي الله يا رمزي، فكرك إني مش عارف إنك إنت اللي بتعمل كده عشان تعرفني إنك موجود؟ إيه أبوك لعب في دماغك تاني ورجعك لنفس الطريق؟ مش كده، صح؟
ثُمَّ تنهد، وأردف بلا مُبالاة:
_على العموم، ربنا يهديك.
كلما أزاد رمزي تحصينه لها، أحسَّت چيهان وكأن هناك جدارًا خفيًّا يحيق بجسدها بأكمله لثوانٍ بسيطة ثم يختفي الإحساس، ويعود بعد دقائق من جديد مرة أخرى. فلم يتوقف رمزي عن حمايتها حتى وهو ناءٍ عنها، لن تفرّق بينهما المسافات والبلاد القاصية، فما عاشه القلب لفترات طويلة لن يُنسى وإن مرَّ الدهر كاملًا. ظنَّ أن الحب سيقلّ في الغياب، لكنه اندهش حينما أعلن فؤاده حبًّا عظيمًا يزداد يومًا بعد يوم، وكأنَّ الشوق كان له دورٌ واضح في زيادة التعلُّق بينهما.
تسرّبت الساعات واحدة تلو الأخرى، بلغت العشر ساعات وبضع دقائق، إذ شهد الشيخ نعمان وچيهان تقلّبات النهار والليل، والخوف تارةً يختفي وتارةً يزداد فيطفح على ملامح وجهها وحركاتها المُرتبكة.
أَيستقبلها والدها بشوقٍ عارم بعدما قضى من عمره أشهرًا في البحث عنها؟ أم أنّه سيطردها من داره ويَلقبها بالعاهرة التي غرزت رؤوسهم في خزيٍ كبير؟ أسماءُ والدتها، أَتحتضنها وتفتح لها ذراعيها بحنانٍ أم ستتحد مع والدها في نفس الفكر الخاطئ؟ ريم، الأخت الوحيدة لها، أَقَتلها الشوق حزنًا أم أنّها سلكت دربها السعيد متلاهيةً عن غيابها؟
كل هذه التساؤلات كادت أن تفتك برأسها تحت ضيّ القمر المشعّ بنور الأمل في أن تستقبلها العائلة باشتياق وفرحٍ عارم، لكن لا شيء مضمون في هذا العالم. وبينما عقارب الساعة تشير إلى منتصف الليل والطرق مُظلمة، كلما اقتربت من دار عائلتها ارتجف بدنها خوفًا وازدادت دقات قلبها، حتى وصلا أخيرًا إلى جنوب سيناء، بالتحديد في طور سيناء.
انكتمت أنفاس چيهان في هذه اللحظة، وددت لو أن تلقي مصرعها ولا أن تدخل مُواجهة شنيعة مع عائلتها. ضغطت بأظافرها على كفّيها بعنفٍ، فلا تحسّ بمدى الألم بقدر ما معدتها تؤلمها ارتعابًا، وكلما اقتربت منهم تفاقم الخوف في وجدانها حتى وصلوا إلى دار العائلة ليلًا.
كل شيء كما هو، كأنه الأمس: الأشجار مكانها، المنازل بنفس الألوان، حتى الزهرية الكبيرة لا زالت أمام البوابة بلا تغيير، وكأنّ أهل الدار استخسروا سقيها. الحياة قاتمة في غيابها، والحيّ ساكنٌ فلا صوت يكسر هذا الصمت. نزلت چيهان برفقة الشيخ نُعمان من السيارة، متّجهان إلى البوابة بخطى متخوفة، خاصةً چيهان التي قدّمت ساقًا وأخّرت الأخرى، والخوف ينهش روحها، وكأنّ الأكسجين انسحب من المكان ليحلّ محلّه رعبٌ شديد.
ضغط الشيخ نعمان على زر الجرس، وچيهان بجواره واضعة كفّها على صدرها وكأنها تتحكم في خوفها، كل ثانية تمرّ عليها تقتلها بالبطيء؛ إذْ وقوع البلاء أهون من انتظاره. وبعد المرّة الرابعة من تفشّي أصداء الجرس في المنزل، خرجت "أسماء" من شرفة البلكونة، تنظر للأسفل بعدم وضوح، وآثار النوم لم تُخفَ عنها بعد.
ظنّته دخيلًا على البلدة يطلب المُساعدة، لكنها بمجرد أن جالت بعينها لمحت فتاة تقف إلى جواره بذعرٍ واضح. وبمجرد أن دقّقت النظر فيها وهي تُشَبِّه على ملامحها، وجدتها ابنتها التي ضاعت منذ عام! قد عادت أخيرًا بعد دعواتها المتوسلة لربّها ليلًا ونهارًا بلا انقطاع. صرخت صراخًا حارًّا كالمجنونة، ورفعت ذراعيها الاثنتين لأعلى وهي تقول بلهفةٍ فرح:
_چيهان بنتي! الحقوني بنتي! چيهان بنتي رجعت!
ما لبثت تصرخ بفرح وهي تتحرك إلى الداخل إلى أن استيقظ شوقي من نومه بعدم استيعاب وخرج وراءها من باب الشقة في الحال، وهي لا تزال تصيح بفرحٍ غامر:
_يا رب، اللهم لك الحمد والشكر يا رب، بنتي رجعتلي يا شوقي، بنتنا رجعت بالسلامة!
استفاقت ريم من نومها على صرخات والدتها في مدخل المنزل، اعتقدت أنّه جزءٌ من كوابيسها التي لا تترك لها حيزًا للفِراق، فنهضت على عجل، وارتدت حجابها بيدٍ مرتعشة، وفرّت إلى الأسفل. هناك فتحت "أسماء" البوابة وانقضّت على چيهان بأحضانٍ عنيفة جدًا وهي تصرخ بحزن، وتقبّل رأسها ويديها، حتى قدميها، كادت أن تنحني لأسفل فتقبّلهما، مرددةً بنواحٍ يغمره بَهجة عظيمة:
_بنتي حبيبتي، بنتي! كنت هموت عليكي يا قلب أمك! اللهم لك الحمد والشكر، بنتي عايشة، عايشة الحمدلله! مش مصدقة نفسي، والله ما مصدقة!
فيما تُطلق أسماء الزغاريد، ضمّتْها "چيهان" إلى حضنها، وكلتاهما تبكيان، فقالت بشوقٍ عارم لوالدتها الحنونة:
_وحشتيني أوي يا ماما، وحشني حضنك وكلامك وكل حاجة فيكي، وحشتيني يا ماما أوي أوي أوي!
قبّلت أسماء رأسها بقوة وهي تغمرها بحنانها الدافئ، وفي تلك اللحظة وصلت "ريم" إليهما، وعلى عَقِبها باقي أفراد العائلة، بما فيهم العم الأكبر عصام. إذْ عانقتها ريم بصراخٍ هيستيري، وكلتاهما تنوحان، ووالدتهما تحتضنهما بقوة، فقالت:
_چيهان! چيهان! إنتي كويسة؟
باعدهن "شوقي" عن بعضهن باحتدامٍ مُرعب، ونيران الغضب تتطاير من عينيه، إذ وقف حيال چيهان بوجهٍ عابس، وقال بصَرخةٍ مزّقت هدوء الحي:
_كنتي فين يا فاجرة؟ قسمًا بالله العظيم أطلع بروحك في إيدي دلوقتي حالًا، كنتي فين طول الفترة دي؟ ده أنا هطلع عينك، ورب الكون لأوريكي يا چيهان التربية على أصولها بتقول إيه!
وقف الشيخ "نعمان" مُواجهًا له، كأنّه يتصدّى لأيّ ضربات عنيفة بدلًا منها، قائلًا له بمُحاماة:
_استهدى بالله يا أستاذ شوقي! بنتك معملتش أي حاجة غلط، بنتك كانت مخطوفة وأنا شاهد بعينيا على كل حاجة حصلت، أنا شيخ جامع وراجل دين وأي كلمة غلط أقولها هتحاسب عليها حساب عسير!
تحرّك عمّها "عصام" بخطى سريعة نحوها، وهو يعجّ بصوته الحاد في وجهها، مُتسائلًا بنفس السخط:
_كنتي فين؟ ها كنتي فين؟
ارتجفت چيهان خوفًا، وهي تبكي بكاءً حارًّا، فاختبأت وراء أختها ووالدتها الباكيتين، لتجد الشيخ "نعمان" يُجيب بدلًا منها، جاهدًا لتسوية النزاع، قائلًا:
_يا جماعة الخير صلوا على رسول الله، واهدوا! أنا مش طالب منكم غير الهدوء، أقسملكم بالله العلي العظيم إن أي حاجة وصلتلكم عن چيهان وصلت بالكدب وملهاش أي أساس من الصحة!
قفز "شوقي" قفزاتٍ متتالية بازدراء، ضامًّا يديه الاثنتين إلى صدره بغضبٍ محموم، مجلجلًا المنزل برمّته بصوته الصاخب، وهو يقول بنواحٍ عنيف:
_بنتي تختفي داخلة في مقام سنة كاملة ويطلع عينينا واحنا بنجري عليها زي المجانين في المستشفيات وأقسام الشرطة، وعايزنا نهدى؟ إنت مين إنت وإيه علاقتك بچيهان؟ رد عليا!
وواصل لچيهان بصرخاتٍ عنيفة زلزلت كيانها:
_جايباه يدافع عنك يا قليلة الرباية يا فاجرة؟ كنتي فين يا بت ومع مين؟ قسمًا بالله لأربيكي بحق وحقيقي!
نطقت "چيهان" بإعْوال، مدافعةً عن ذاتها ضد أيّ اتهاماتٍ باطلة في حقها:
_والله العظيم أنا مظلومة وما عملت أي حاجة، والله كنت مخطوفة، إنتوا متعرفوش أي حاجة عن اللي حصلي، والله كنت مخطوفة والله!
مال عصام بالقُرب من "شوقي"، كأنّه يبثّ سمومه في أذنيه، هامسًا بكلماتٍ أزادت من الطين بَلّة. وشوقي، بطبعه المنصت لتدخلات الأغراب في حياة أسرته، استجاب له في التوّ والحال، ظنًّا منه أنه يُدافع عن عرض ابنته بهذه الطريقة، تلك التي غابت وظهرت في ظروفٍ غامضة زرعت الهواجس في الرؤوس. فرفع صوته عاليًا، وقال بحزم:
_أنا الحالة الوحيدة اللي تخليني أصدق إنك مظلومة إننا ناخدك دلوقتي حالًا ونروح لأقرب دكتورة في أقرب مستشفى، غير كده لو تحلفولي على الماية تجمد ما هصدق حد فيكم!
صفعت "أسماء" وجهها بكلتا كفيها، واتسعت عيناها باستنكار، وقالت، وهي تتقارب منه بصراخٍ:
_إنت اتجننت يا شوقي؟ بتشك في بنتك؟ بنتك دي أشرف من الشرف، دي تربيتك وتربيتي! إنت بتقول إيه؟ أنا مش موافقاك في اللي بتقوله ده!
تفوّهت "ريم" بخوفٍ، ونفت أن تكون أختها بهذه الدرجة من الانحطاط، فتقدمت مدافعةً عنها، قائلةً ببكاءٍ:
_لا يا بابا لا! مستحيل ده يحصل، أنا واثقة في چيهان وعارفة كويس إنها عمرها ما تعمل أي حاجة غلط!
انفجر "شوقي" بصيحاتٍ عالية، معترضًا أي تدخلات من النساء، فقال بثوران، كمن لا يطيق زعزعة سيطرته:
_مسمعش صوت واحدة فيكم! واللي بقوله هو اللي هيحصل، لا كلامي ولا كلامكم اللي هيثبت إنها عفيفة، كلام الدكتور هو اللي هيحدد!
خرجت الجدة روحية من شقتها متساندةً على الجدار، صاغيةً إلى حواراتهم، فسعى الشيخ "نعمان" جاهدًا بكل طاقته أن يمحو الفكر الخاطئ عن عقولهم، ليقول بنُصح:
_يا أستاذ شوقي حضرتك راجل محترم ومتعلم، ميصحش تكسر نفس بنتك بشكك فيها، بقولك بنتك كانت مخطوفة يعني ملهاش ذنب، وأنا شاهد إنها متربية أحسن تربية، يا أستاذ شـ.....
قطع "عصام" حديثه في الحال بصياحٍ متأجج، ليتدخل في الحوار ويفرض سيطرته على الجميع، قائلًا:
_چيهان مش هتعتب عتبة البيت إلا لما نتطمن، ولما هي معندهاش مشاكل، خايفين ليه؟ أنا أعرف إن اللي ماشي سليم مبيخافش من حاجة، إصراركم إنكم متاخدوهاش للدكتور يقول إن الكلام اللي وصلنا صح.
نطقت "روحية" بغضبٍ، مانعةً الفوضى التي تحدث من حولها، إذ تقدمت نحوهم، وقالت:
_عيب اللي بتقوله ده يا عصام إنت وشوقي، احنا معندناش بنات قليلة الرباية، كل بناتنا محترمين ومتربيين أحسن تربية، عيب يابني، الكلام ده ميصحش!
انغمس الشيخ "نعمان" في الحوار، مناضلًا هو الأخير لصدّهم عن قرارهم المُعيب لحقّ فتاةٍ مصونة، فخرًا للعزة أن تُنسب لها، فقال بنبرة مُناصرة لها:
_يا أخوانا، أنا شاهد على اللي حصل لبنتكم، لكن أحلفلكم بالله العلي العظيم إنها شريفة وعفيفة، وكل اللي بتقولوه ده غلط في حقها لا يُغتفر!
بذَخ "شوقي" أحد حاجبيه بعدم اقتناع، وخاطبه بلهجةٍ حادة، فقال بجلبةٍ حارة:
_أخرج إنت منها! أنا مش هرتاح غير لما أعرف اللي فيها، وچيهان إن ما اتاخدت على أقرب دكتور دلوقتي ما هي معتبة عتبة البيت، وهعتبر إن عيالي الاتنين ماتوا، واللي هيسألني چيهان فين هقوله ماتت وخدت عزاها من بدري!
صرخت "أسماء" فيه، ممانعةً فِكره العقيم الذي خيّل له أحداثًا لا وجود لها بينهم، فتقدمت بخطى سريعة، وقالت بإعْوَال، والدموع تنهمر على وجنتيها بغزارة:
_جرا إيه يا شوقي؟ بعد الشر على بنتي! دي في الأول والآخر بنتنا من لحمنا ودمنا، هتبيع بنتك يا شوقي وهتسيبها لكلاب السكك يخوضوا في عرضها؟ أنا موافقة إننا نروح بيها للدكتور بس لما يجيلك خبر براءتها ساعتها أنا مليش قعاد في البيت ده تاني، وهاخد البنات وهنمشي من هنا ومش هتعرفلنا طريق جرة!
تقدّم "شوقي" سريعًا نحوها ليصفعها كفوفًا حارة، هي وچيهان، على وجهيهما بغضبٍ متفجّر، أصبح كالثور الهائج وهو يصيح بأعلى ما فيه، قائلًا:
_غوري في ستين داهية تاخدك إنتي وبناتك يا أسماء، كله من ربايتك ليهم، عاملالي فيها شيخة وأهي النتيجة، بنت ستنا الشيخة هربانة ويا عيل صايـ* وفي الآخر يتضحك علينا بكلام ميدخلش دماغ عيل صغير، أقسم بالله العظيم إن ما جات بمزاجها لآخدها غصب عنها، فاهمين ولا لا؟
كلما رفع "شوقي" يداه ليصفع زوجته وابنته، أحسّ بثقل رهيب في ذراعيه كأنهما على شفةِ الشلل، كأنّ النيران تأكل أعصابه بآلامٍ لا تُطاق، إذ أخفض ذراعيه وتراجع إلى الوراء، فاختفى الألم تمامًا وعاد إلى طبيعته، لكنه كلما عاود التقدّم نحوهما لينهال عليهما بالضرب، انشَلّت أصابعه لدرجة أنّه صرخ من هول الألم، فقال:
_آه إيدي، مش قادر أرفعها!
أزاحه عصام للأمام باتجاه السيارة، ثم قبضا الاثنانِ على چيهان بقسوة، وهي تقاومُ بصراخ، والنساء من حولها تحاولن جاهدات لفضّ النزاع والفصل بينها وبين والدها وعمها، لكنهما أصرا على الذهاب بها إلى أقرب مستشفى.
وبينما تنوح چيهان بقوة، أجبرها عمّها على الجلوس في المقعد الخلفي بجوار والدتها أسماء، وأختاها اللتان احتضنها وهي تنتحب بمرارةٍ معهم، كأنه حفلٌ تعيسٌ يتبادلن فيه أنغام الحزن.
قاد شوقي السيارة، فركب مع أخيه عصام على المقعد المجاور له، وبينما تتهشّج چيهان بالبكاء في عتمة الليل، أغمست أسماء ابنتها في أحضانها، وذراعيها يطوقان جسدها بشفقةٍ، حتى ريم عانقت أختها بنفس البكاء الممْتزج بالحنينِ والشجن ذاته، فقالت "أسماء" باستياءٍ:
_اهدي يا حبيبتي، ربنا ينصر الحق، هينصره والله، أنا واثقة فيكي.
انزلقت الدموع من عيني "چيهان" على ثوب والدتها، وخرج صوتها مكتومًا في عباءتها، وهي تقولُ برجفةِ قهر:
_مظلومة والله يا ماما، أنا اتظلمت جامد!
ركب الشيخ نُعمان سيارته، واتبع سيرهم على الرغم من آلام بدنه المستكينة على طُرقات ممتدة استنزفت طاقته، لكنه بدوره الداعم قرر ألا يترك چيهان فريسةً لاتهاماتهم الباطلة لها.
بدأت السيارات تتحرك على الطُرق الحالكة حتى خرجت إلى الطُرق الرئيسية باتجاه المستشفى، لكن، وبينما السيارة تتحرك بشوقي والعائلة في أجواء مُكتظة بالمشاحنات والصياح العاتي بين أفرادها، وبعدما قطعت السيارة مسافاتٍ طويلة، تعطلت بهم على الطريق دون سببٍ واضح.
نزل عصام من السيارة ووقف يتفحّص تاراتها، أحسّ بيدٍ خفية تطوق سيقانه في الظلام، فخرج صوته مفزوعًا وجسده متراجعًا للوراء بخوفٍ غريب.
استدار حوله باعتقاده أنّه قطّ أو حشرة كبيرة، لكنه، وكأن شيئًا ما صفعه على رأسه في الظلام، جعله يهوى على الأرض بصرخةٍ مدوية. وسرعان ما خرج له شوقي، وعلى وجهه علامات الاستفهام، لم تمضِ خمس ثوانٍ إلا واصطدمت رأس شوقي في جدار صلب لم يكن موجودًا من الأساس، حتى أسلاك السيارة بدأت تذوب والدخان يخرج من غطاء المُحرك بشكلٍ يشيب شعر الرؤوس.
ما لبثت چيهان إلى أن وجدت رسالةً من "رمزي" في التو واللحظة، يقول لها فيها بتوعدٍ ناري:
_ما بخلي أحد ينال منك، وإن كان فيها موته!
أخفت چيهان الهاتف بين ثنايا عباءتها بيدٍ مرتجفة، ووالدتها وأختها متعجبتان من امتلاكها الهاتف، إذ تساءلتا عن وجوده، لكن چيهان أجلت أي إجابة إلى لحظتها المُناسبة.
توقف الشيخ "نُعمان" بسيارته جانبًا، وتحرك نحو شوقي وعصام، وقال عارضًا لهما خدماته:
_يا أستاذ شوقي لو تكرمت، العربية بتطلع دخان، يا ريت لو تخلي الجماعة يجوا في عربيتي ونروح نشوف عربيتك مالها عند أي ميكانيكي!
أشار له "شوقي" بغضبٍ جليّ على معالمه، وقال بتسلُّط:
_خدهم وصلهم لأقرب مستشفى، وأنا هبعت الحاج عصام يشوفلنا حد يجي يشوف العربية مالها.
من جديد حاول الشيخ "نعمان" أن يبتر حبل أفكاره المريضة، ويدس الثقة في روحه تجاه ابنته العفيفة، وفي تلك الأثناء التي خرجت فيها أسماء وبناتها من السيارة، والأدخنة تغمر المكان بمهابةٍ، قال مُتوسلًا:
_على عيني وعلى راسي يا أستاذ شوقي، أنا بس عايزك تطلع الأفكار دي من دماغك، بنتك أنا مشوفتش في تربيتها وأخلاقها العالية، والمفروض مش أنا اللي أقولك الكلام ده، المفروض إنت....
بتر "شوقي" حديثه بقوله الفظّ، المُعترض لأي جدالات:
_بقولك إيه أنا مش فايقلك! وفر الكلمتين بتوعك دول عشان مش هيجوا معايا سكة واللي أنا عايزه هعمله، أنا اللي أبوها وأنا اللي أقول إيه يتعمل وإيه ميتعملش! يلا يا تاخدهم معاك يإما هنتصل بناس من عندنا يجوا ياخدوهم!
حينما وجد الشيخ "نعمان" أن الحديث معه ما هو إلا سكبُ ماءٍ في الغربال، قرر أن يأخذه على قدر عقله، فأبدى استسلامه، وأحنى رأسه لأسفل بطاعةٍ، وقال:
_ماشي أنا هاخدهم معايا ونروح المستشفى زي مانت عايز، بس متنساش إنك بتكسر بنتك بطريقتك دي! وخد بالك دي حاجة هي مش هتنساهالك طول عمرها!
استهزأ شوقي بحديثه وقرر ألا يصغَ إليه من الأساس، ظل يعجُّ بصوته كما ترعرع واعتاد طوال حياته، فغادره الشيخ نعمان وذهب بالنساء إلى سيارته، وتحرك بأسماء وابنتيها نحو أقرب مستشفى كما أُمر تمامًا.
كان قادرًا ألا يذهب بهن إلى وجهتهن ويغير المسار ويقنع والدها بأنهن ذهبن، لكن الحقيقة أن أخلاقه السامية وأمانته منعتاه من أن يختلق فيلمًا وهميًا من إنتاجه الشخصي. وبالفعل، انصرم بهن إلى المستشفى، إذ دخلوا جميعًا إلى صالة الاستقبال، وچيهان، إلى هذه اللحظة، رافضة ألا تنكسر كرامتها ولو كانت الضريبة بتر عنقها.
وبينما يسأل الشيخ نُعمان عن طبيبة مختصة بحالتها، استشعرت چيهان ملامسةً تطوقها في الخفاء كأنه عناق دافئ يطمئنها، فاستدارت وعيناها مرغرغتان بالدموع، وجدت والدتها وأختها على مسافة منها، ووجهيهما متجهمين يحملان مشاعر الظُلم، وكأنهما تعرضا لنفس ما تعرضت له، ما يوحي بأواصرهن المتينة.
تحرّك الشيخ نعمان برفقة النساء وصولًا إلى حجرة الكشف، فجلست چيهان باكية، وعلى يسارها والدتها تقبّل رأسها بفيض من الدموع، وعلى يمينها ريم تربّت على كتفها بنفسِ الشجن، كنت تنتظر دورها بين جُدران المستشفى البيضاء الناعمة، وأهالي المرضى بعضهم مُتراص على الكراسِ، والآخرون يجولون في طُرقات المبنى المُمتدة.
هناك، حيث تكتمل صورة من مظاهر الظُلم، استدعى عصام ابنه الأكبر أسعد ليتجه بهما إلى المستشفى بواسطة سيارته. بالفعل، في خلال ربع ساعة حضر متأهبًا للانطلاق بهما إلى المستشفى.
ما لبثت چيهان إلى أن جاء دورها في حجرة الكشف، حتى دخلت برفقة ريم بخطوات ترتعد خوفًا، وكأنهما تنقشان الرهبة على الأرضِ في كل خطوة. حتى انغلق الباب فجاء "شوقي" برفقة أخيه وابنه، ووقفوا حيال أسماء، فسألها شوقي مُتسائلًا:
_بنتك دخلت للدكتور جوا؟
أومأت أسماء له برأسها دون أن تُجيبه بلسانها، بدت مختنقةً من سلوكياته الخاضعة، لكنها مجبورة على التخطي وإلا سينهار كل شيء.
أما "چيهان" في الداخل، ارتعدت خوفًا حينما رأت الطبيبة أمامها على مكتبها، مرتديةً المعطف الأبيض، وحيالها علبة قفازات طبية ناصعة البياض. إذ تقدمت چيهان منها برهبةٍ، والدموع تهوى على ثيابها، وقالت بتوسُّل:
_أرجوكي ساعديني يا دكتورة! والله العظيم والله أنا مظلومة، أنا مش محتاجة منك أي حاجة غير مساعدتك ليا بس مش أكتر!
نهضت الطبيبة من مقعدها، وتحركت على مسافةِ قريبة من چيهان وريم، فابتسمت ابتسامةً لطيفة، وسألتها بإنسانيةٍ رؤوفة لحالتها الحرجة:
_اهدي بس وفهميني إنتي عايزة إيه!
بدأت ريم تشرح الأمر للطبيبة بوضوحٍ، مؤكدةً بكل جوارحها أن أختها العزيزة مظلومة، وأن كل ما ألقيّ عليها من اتهامات باطلة مجرد شكٍّ ليس بأكيد من قبل والدها وعمها. لكن الطبيبة، بدورها المهني والأخلاقي، رفضت ألا تُبدِ أي تشخيص بدون إجراء الكشف، إذ ستتحمّل وزر أمانتها الأخلاقية وتعد مخالفةً للقسم الذي تعهدت ألا تُخلفه.
ظلت چيهان تتوسّل إليها، موضحةً براءتها من أي ذنبٍ. الحجرة لم تكن تحوي ثلاثة نساء في هذه اللحظة فحسب، بل أربعة، ورابعهن يراقبهن في الخفاء. لم تنوِ الطبيبة الموافقة، لكنها وافقت بقوى مكنونةٍ لا تراها الأعين، إذ اندست الموافقة في رأسها بلا إرادةٍ منها.
فكانت العائلة تنتظر الإجابة على أحرّ من نار الجمر، محاولين التشبّث بأعصابهم الفالتة، حتى خرجت چيهان مرفوعة الرأس برفقة ريم والطبيبة من حجرة الكشف بعد عشرة دقائق لا أكثر. فتقدّم "شوقي" وعصام نحوهن سريعًا، وسألها شوقي باهتمامٍ شديد:
_إيه يا دكتورة؟ بنتي كويسة؟
ابتسمت الطبيبة ابتسامةً هادئة، وأجابته بتأكيدٍ:
_بنتك كويسة ومفيهاش أي حاجة، يا ريت حضرتك تثق في بنتك أكتر من كده.
وقفت "أسماء" وأسعد إلى جوارهم، فعجّت في زوجها، وقالت بصرخةٍ عالية:
_عرفت إن بنتي مظلومة؟ دي بنتي أنا وأنا اللي مربياها وعارفة أخلاقها كويس، وأي حد هيجيب سيرتها بكلمة زفت من الكلام اللي اتقال ده أنا هطلع على راسه القديم والجديد كله!
ثم عانقت ابنتها وقبّلت رأسها وهي تنتحب بدموع الفرح، وانحنت ساجدةً على الأرض تثني الرحمن على رد اعتبار ابنتها، التي طالما عاشت قهرًا في غيابها كلما أصغت أذناها للخوض في أعراضها ممن يستحق ومن لا يستحق: الأغراب، والأقارب الذين فتحوا عليهم أبوابًا من الاتهامات الكاذبة.
نهضت من جديد، وضمتها إلى صدرها بقوة، وقالت بفرحٍ لا يضاهيه شيء:
_اللهم لك الحمد والشكر يا رب، كنت عارفة ومتأكدة إنك مظلومة يا چيهان، أنا دلوقتي النار اللي في قلبي بردت لما شوفتك ورجعتي لحضني من تاني يا قلب أمك....
ثم قبّلت رأسها ووجنتيها بغمرةٍ من التهلّل، وتابعت:
_مفيش منك إنتي وأختك تاني يا چيهان، إنتوا تربيتي والحمدلله ألف مرة على تربيتي ليكم، اللهم لك الحمد والشكر، اللهم لك الحمد والشكر كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك.
لم يجد شوقي ما سيقوله، ظلّ مستقيمًا على سيف أخيه عصام وكأنهما ابتلعا أحجارًا حجزت الكلمات في حلقهما، اكتفيا بنظراتهما لبعضهما في صمت.
في حين نظرت چيهان بغضبٍ مشحون إلى والدها وعمها اللذَين اتهماها في أخلاقها دون وجه حق، وكأن عينيها تحكيان الكثير من العتاب الصامت. لكن والدتها أسماء التي لم تعطيها الفُرصة للانفراد لحظةً، ليستحوذ عليها الحزن من جديد، ظلت محتضناها بفيضٍ من الحنان حتى خرج الجميع من المستشفى، وأسماء تصيب شوقي بنظرات الغضب القاتلة، وكأنها تقول له: نحن من كنا على حق مُنذ البداية.
تحركت السيارات على نفس الطريق إيابًا إلى المنزل، وچيهان مرفوعة الرأس، فتحوّلت من مظلومة إلى مُنتصرة، استردّت كرامتها لكن بشكل جزئي، ينقصها أن تكمل الصورة المنقوصة أمام كل وجهٍ شكّ في براءتها يومًا، كأن رمزي معها في كل خطوة وإن كان يفصل بينهما بلادٌ قاصية.
لأول مرة ارتاح قلب أسماء وهي ترى ابنتها في حضنها، كأنها دعوة تحققت على أرض الواقع برجوعها سالمة إليهم.
وبينما وصلوا إلى سيارة شوقي، وجدوا النيران تلتهمها من كل صوب، كأن لهب القصاص لم تهدأ بعد، حتى وإن أثبت للجميع عِفتها. كانت لحظاتٍ مُفزعة، وشوقي يرى سيارته تكاد أن تتحوّل إلى خردةٍ رديئة بلا ثمن، عقابًا له على فكرٍ جال في ذهنه بالسوء لحظةً.
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة