الاهتمام عظيم، كلماته صامتة مُفسِّرة للمحبّة، يَحيى المرء ويَيفِع كنبتةٍ رقيقةٍ وسط حقول الصبّار، وتتزايد خشونته بمرور الأيام، فيزداد صلابةً على الرغم من الطبيعة التي نشأ عليها في مُستهلّ الأمر.
استقرّت علامات الدهشة على وجوه الجميع، وهم يشهدون عنايةً زائدةً من أخٍ لأخته، يهتمّ لأمرها، ويختار لها أجود الطعام، على الرغم من أنّها من المفترض أن تقوم بدورها نحوه بعدما سكن في سجنه لأسابيعَ شاغرةٍ بالأتراح.
الأرض الصلبة احتضنته بهمومه ومخاوفه، أبوابٍ صُكّت عليه، فحرمته من لذّة الحياة، حتى الطعام لم يُحضروه ليقضوا على مَسغبته، بل وكأنّهم يُهينون مقامه بالأطعمة الفاسدة التي تعفّنت من حرارة الإهمال، ليُخبروه بأنّ هذا مقامك الحقيقي، إن أردت الحياة فأَقِته، ولو رغبتَ الرحيل فاترك العلّة تنال منك.
الرّضا لا يعني القُبول في جميع الأحيان، بل أوقاتًا يعني ظروفًا مُرغِمةً حاصرت المرء، فجعلته أَخيذًا لقوّةٍ عُليا مارست خُيلاءها عليه.
لكنّ الألم الذي عاشه بين زوايا المعتقل جعل من غضبه جبالًا من القصاص تجاه كلّ من تجرّأ عليه يومًا، فقط ليُخبرهم بنفس الطريقة، لكن بالأفعال، أنّ الاضطهاد ولَظى الظلم يصنع من الضعف قوّةً لا تنكسر.
صبا التي انهمكت في تناول الطعام لاحظت نظرات رمزي لچيهان الصامتة، أبصرت قلوبًا توثب من عينيه تجاهها، ووجهه يروي حكايات الصَبو الصامتة، إذ يضع لها طعامها داخل الطبق متغافلًا عن ذاته التي اشتاقت لهذه الأصناف أكثر من أيّ شخصٍ آخر، لكنه على الرغم من ذلك اكترث بها.
مالت "صبا" برأسها نحو زوجها ناجي، ورأسها لا يقتنع بفكرة أخوين يكترثان ببعضهما، كأنّ الأمر تعدّى حدودًا خفيّة بدأت تظهر للعلن دون مقصد، وقالت:
_والله لولا إنهم خيّوت، كنت قولت إنهم اثنين عشّاق.
خشِيَ "ناجي" أن يسمعها رمزي وچيهان، وجنح بنصف جسده نحوها ليُخبرها بصوتٍ خافتٍ لا يُصغيه سواهما، قائلًا بتحذير:
_هدي شوي يا صبا، لا يسمعونا... كُلي، كُلي، أحسن!
كانت صينية الطعام مُغلّفة بأوراق الألومنيوم، مغمورةً بالأرزّ الأصفر المُتبل، يعلوه اللحم الشهيّ، وإلى جانبه طواجن الخضروات. الأغلبية في القبائل اعتادوا تناول الطعام باليد دون الحاجة إلى الملعقة، عدا رمزي الذي حبّذ استخدام الملعقة نظرًا لجوانب من شخصيته لا تزال مرتبطة بالحَضَر، ذاك الذي تعامل مع الجهتين، يعرف عاداتهم وتقاليدهم، حتى إنّه يتحدّث تارةً بلهجة الحضر، وتارةً أخرى بالبدوية التي أتقنها مع عائلته، لأنها أصوله التي شبّ عليها.
نظرت صبا لچيهان بعينٍ ارتاحت لمجاورتها، وجدت فيها ما افتقدته في غيداء، صاحبة القامة الطويلة، والملامح الجذّابة، لكنّ الكمال ليس من خواصّ البشريّة، بل إنّه لله وحده.
امتلكت غيداء شخصيةً حادّة، ساعيةً لمصالحها الشخصيّة، فلا تفتعل خيرًا إلا ويسبقه نيّة مراوغة، عكس صبا التي تُحبّ الجميع دون مصالح.
منذ قدوم چيهان إلى دار العائلة وهي مأسورةٌ بين جدران الوحدة، لا تخرج ولا تتعامل سوى مع عائلة رمزي، وبحدود أوقات الضرورة القصوى، ما جعل الملل يتملّكها ويضغط على روحها النقية، فقالت "صبا" ببسمة وِداد:
_إن شاء الله بُكرا نودّي چيهان للجنينة نلمّ الخوخ والعنب... آخر مرّة وطينا هناك كانت قبْل الدخلة بليلتين، ومكانوش لِسّه طايبين.
سألتها "چيهان" باندهاشٍ من وجود حدائق تحمل في أروقتها فواكهَ في بيئةٍ يابسة:
_هو في جناين هنا أصلًا؟
ابتلعت "صبا" الطعام، وامتدت يداها تلتقم نسايل اللحم الذائبة، مؤكّدةً بوضوح وجود حدائق في الواحات، فقالت ببشاشةٍ واسعة:
_أمال إيش يا چيهان؟ عندنا، ما شاء الله، جناين واجد، منهم جناين عمي فهيم، وجناين أبوي عاصم، بس أبوي هو الوحيد اللي جناينه فيها فواكه زي السكر، وعمي فهيم يزرع خضار، وكل موسم بنوزع على بعض، واللي عنده الخضار واللي عنده الفواكه.
خشى "رمزي" خروج چيهان من الدار، خاصةً في وجود أعداءٍ متربصين يترصدون أي لحظة تغافُّل لينتهكوا حقوقهم وينفذوا مصالحهم الإجرامية، المتباعدة كل البعد عن الإنسانية والرحمة، فتوقف عن الطعام، وقال باعتراض:
_لا يا بنت الخال، چيهان ما راح تطلع من الدار بعد اللي صار، والله أنا كنت بروح فيها.
لتستر "چيهان" خجلها من إظهاره خوفه عليها، ردّت معترضةً على احتجاجه بخروجها، قائلة:
_بس أنا عايزة أخرج، أنا زهقت من الحبسة اللي عايشة فيها ليل نهار دي....
وأردفت لصبا بموافقة:
_أنا هاجي معاكي بكرا نغير جو في الجنينة.
نهض "رمزي" بتضايق، ونظر إليها باعتراض، وكلماته الجافة توثب من شفتيه، مؤكّدًا رفضه التامّ لخروجها إلى أيّ مكان بدونه، قائلًا:
_إنتي بتكسري كلامي يا چيهان؟ ما تقدّري خوفي عليكي؟ تظنّي إني أمانعك علشان أتحكم فيكي؟ والله خايف لا حد يصيدك وإنتي لحالك.
جذبه "ناجي" من ذراعه ليجلس، فكان يقاوم وهو يلامس كتفه ويحاول إجلاسه بالإجبار، وهو ينطق بنُصح:
_اقعد يا رمزي، بلا شدّة راس! اقعد، قولتلك اقعد!
ضغط على ذراعه، وجذبه نحوه بقوةٍ أكثر من السابق، حتى جلس رمزي للمرة الثانية وهو يرمق چيهان بغضبٍ مفضوح، فاسترسل "ناجي" :
_نسيت إن الجنينة هذي قريبة من الدار؟ لو قاعد في الخيم بيكونوا قدام عينك، يا دوب خطوتين ليمّشوا.
ردّ "رمزي" موضّحًا ارتعابه عليها من أن يصيبها مكروه كالمرة الماضية، قائلًا بتعبيرٍ حازم:
_هو أنا خايف عليها من الهوا؟ ولا من اللي جرى لها وأنا مش معاها؟ يا ناجي، كان المفروض الحساب يخلص من أول مرة، وما حد يقرّب لها تاني! يا ناجي، افهم، إحنا مرصودين، ولاد الحرام يدوّروا علينا، ولو لقوا فرصة تانية، هيتشبّثوا بيها بأسنانهم وإيديهم!
انحجبت المعاني الحقيقية عن سمعِ "ناجي"، والتحيُّر يُداعب ذهنه في ذهول، فلم يفهم عمن يتحدث رمزي، ومن أي شيء يخشى؟ فسأله مُستفسرًا:
_هم منو يا رمزي؟ وإيش سالفة الحرامي اللي طق على دارنا؟ إنت في خصومة مع حد احنا ما نعرفه غير صقر؟
لم يطق "رمزي" سماع اسم <صقر>، ذاك الذي أثار سخطه كلما مرّت سيرته على أذنيه. أحسَّ بغضبٍ متقدٍ تجاهه، خاصةً أنه سبب دخوله السجن، لكنه ليس الوحيد الذي أضمر له تُراتِ الباغضين، فكان أسدًا مقدامًا يقف في ساحة عراكٍ طرفاها هو بمفرده تجاه عدة أفرادٍ آخرين. فأعرب عن تضايقه بنبرةٍ خشنة، قائلًا بوعيد:
_الاسم الخايب ذا مسمعوش ثاني يا ناجي وإلا تزعل مني زعل شديد!
خشِيَه "ناجي"، وسرعان ما صحّح قوله، متلفظًا بأسلوبٍ ودود:
_حقّك عَراسي... المهم يا رمزي لا تخاف من شيء، خلي چيهان تفضى قلبها شوي، وهتكون قصاد عيونك يعني مش هتغيب عنك، بس وافق!
تنهد "رمزي" بعمق، ووجّه سؤاله لچيهان، متسائلًا باهتمام:
_إنتي تبغي تروحي وياها؟
أجابته چيهان بلا نطق، فأومأت برأسها بمعنى: "نعم، أرغب"، فما منعها عن النطق انقباضُها من أسلوبه الفظ، مستشعرةً حرارة الشجن في صدرها، وكأن الكلمات انحجزت في حلقها، منعتها عن الحديث. ثم أدارت وجهها بنفورٍ مؤقت لا يعني أبدًا الكراهية. حينها اعتدل "رمزي" في جلسته، ورفع السبابة لأعلى، وقال بحزم:
_ما أقدر أمنعك، أنا ما شتريتك، بس خليكي قصاد عيوني ومتغيبيش عني ثانية!
ظلت چيهان على حالها مستاءة، فلاحظ رمزي تغيّرها. ظلّ مُترقّبًا جلاء ردّها، لكنها برأسها المستدير نحو آخر، فتحت مجالًا لصبا للحديث لتقول بالنيابة عنها:
_لا تخاف يا رمزي، وبعدين هي صبية صِغيرة؟ دي آنسة وست البنات... والله قلبي طمأن لها من أول يوم شوفتها فيه، بنت ناس ومترَبة، وطيبة، وجميلة.
التفتت "چيهان" بابتسامة، مُنشرحةَ الفؤاد من مدحها لها، وعانقتها بيدها بسرورٍ من معرفتها البخيتة، مكتسبةً أختًا ودودةً لها في غُربتها، وقالت:
_تسلميلي يا صبا، أنا بجد اللي ارتاحتلك أوي وحاسة كأنك أختي.
بادلتها "صبا" عناق اليد بغمرةٍ من الحب، وقالت ببسمة:
_ربي يديم المحبة يا رب.
استكمل الجميع تناول الطعام بانشغال، فنكهات الطعام المُتمايِزة جذبتهم دون إرادة إلى إنهاء الطعام حتى آخر ملعقة فيه. لكن رمزي، كان كل دقيقة وأخرى يتابع چيهان في صمت، إذ كانت تُمثّل حياله امرأة ساخطة منه، لا تقبل حتى نظراته اللّهجة لها. فصمتها هذا لا يعني أبدًا انتهاء الحوار بينهما، بل تأجيله إلى وقتٍ مناسب، بعيدًا عن مسامع الآخرين.
كانت سهرة ممتعة بين الأربعة، يتناولون طعامهم بانهماك ويتبادلون الأحاديث بطريقة جعلت چيهان تخرج من محيطها الصامت، الخجول، إلى تصرفات أكثر تحررًا.
قبل أن تنغمس چيهان في حياةٍ مغايرة خاضتها مع رمزي في عالمه، كانت أكثر أفراد عائلتها مرحًا ولطفًا، جريئة بحدود العفّة، لا تهاب أجلّ جليل، ردودها دائمًا في رونق الاستعداد، ذات عقلٍ رصين، وشخصية واثقة تشابهت مع رمزي في كثيرٍ من ملامح شخصيته. لكن الظروف أغمستها في خوفٍ وحزنٍ دائم، لوّنت شخصيتها بصفاتٍ باهتة؛ فالفهد يظل جسورًا على يابسه، إلى أن تغمره المياه في بيئةٍ لم تعتد أطرافه الغوص فيها.
تلاشى الأمل في عودتها إلى عائلتها، وهي كل ليلة تناشد ذاتها: "إلى متى ستظل الظروف قاتمة؟ هل كُتب في قدري لقائي بأسرتي من جديد؟ أم أنها أوهامٌ صُوَرِيّة في ذهني لا أكثر؟" لكن ربما لحظات الفرح باتت على الأبواب، ليجتمع الشمل وتلتحم زُلفاته من جديد.
خرج ناجي حاملًا الصينية المُشكّلة وزنًا أثقل من وزنه، فهو يُعدّ صغير البُنيان، شابًا في ريعان الشباب، من يراه يظنه في بداية مراهقته. اختفى لمدة وصلت إلى عشر دقائق، ثم عاد حاملًا صينيةً صغيرة تحوي مشروبات البدو المُبجّلة، وهي "شاي الكركديه" مع بعض اللقيمات الذهبية المُنغمسة في الشربات، ليواصلوا سهرتهم قبل أن يذوب كلٌّ منهم في نومه.
على نحوٍ آخر، في منزل ريم، أمواجُ الغموض في بحر الأشباح. من المفترض أن أول ليالي امتحانات الدور الثاني في الغد، وقد أفرغت ريم رأسها من أي أفكار، حتى أجّلت حديثها مع عمرو لتمنح ذاتها مساحةً أكثر اتساعًا.
في حجرةٍ مستضاءة بأنوار العلم، وتعويض الرسوب بفرصةٍ جديدة للنجاح والتخطي، كانت ريم جالسة أمام مكتبها الأبيض، حولها مذكرات المراجعة النهائية، وكتب علمية تقتبس منها المراجع الخاصة بالمادة. كانت تذاكر مادتها "الزراعة الحيوية"، بعدما اختصّت بقسم "الوراثة والتقنيات الحيوية" من كلية الزراعة، الفرقة الرابعة.
حيالها كشكول مائة ورقة، وعلبة أقلام متعددة الألوان، اختصّت اللون الأزرق بقلمها المفضل، والأبخرة تتطاير من جوف مشروب النسكافيه الساخن بنكهة البندق السائغة، فالأجواء لا تزال باردة، والملحفة تحيقها فتمنحها دفئًا مُريحًا.
كلما ازداد تمعنها في سطورها، أحسّت بنظرٍ مشوَّش، وألم في رأسها يثقلها، ونوبة تثاؤب مصحوبة بدموع العين دون سببٍ واضح. كأن النعاس قد سيطر عليها وقت المذاكرة فقط، وترك سراحها في بقية الأوقات. فنهضت متثائبة وجلست على سريرها بكسل، لم تَقوَ أبدًا على المذاكرة وسط الغفيان. وفي تلك اللحظة، رفعت الغطاء على جسدها، ورأسها مستند إلى الوراء بتكاسلٍ غريب. وضعت نفسها في خانة صعبة منعتها من مواصلة المذاكرة، فإن تُركت بدونها لن تضمن المرور بسلام في مادتها، وفي نفس الوقت لم تتحمّل الجهد الذهني نظرًا لحالتها، ما جعلها تستسلم في أحضان النوم.
مرّت ساعتان، والكوابيس العنيفة تراودها. قد تزوجت رجلًا طالحًا تسري دماء الشر في عروقه، لم تكن في مظهرها المألوف، بل وكأنها امرأة أخرى تجهلها. كانا يتشاجران بأصواتٍ عالية، كلٌّ منهما يعاتب الآخر بطريقة قاسية تفتقر إلى الرحمة. وبينما يتعالى الجدال بصخبٍ بينهما، حمل السكين وخرج يطاردها خارج الدار، وهي تهرول مفزوعة وتَعُول، منادية الناس باستغاثة ليلًا، حتى وصلت إلى مكان عمل والدها شوقي "المحجر"، لتحتمي أسفل جناحيه من دُجنة الفاجرين.
كان أخوها يوسف على هيئته الحقيقية، يقف ببسالة ليدفع عنها الأذى. بدأت تشكو له مخاوفها، وتسرد ما حدث بينها وبين زوجها، لكن فجأة اقتحم الزوج المكان بسكينه الباتر، وانتهى الحلم عند هذه النقطة.
استيقظت مفزوعة من نومها بأنفاسٍ متقطعة، وكأنها في سباقٍ طويل. وضعت يدها على صدرها بارتعاب، ونفثت على يسارها ثلاث مرات، وفي كل مرة تقول:
_اللهم إني أعوذ بك من شر ما أجد وأحاذر.
وعادت إلى نومها، ظهرُها ملاصقٌ للجدار، احتراسًا من هجمات الجان على ظهرها كلما غفَت عيناها. تشعر بحرقةٍ في القدم اليسرى، وآلامٍ لا تهدأ فيها، حتى حركاتهم في شرايينها كانت محسوسة، بنفس إحساس من يلامسَ محركًا فيشعر بذبذباته المتواصلة.
انتهت السهرة، فخرجت "صبا" وراء زوجها المُحمّل بأكواب الشاي الفارغة، تُعانق چيهان عناق الوداع، وتُقبّل وجنتيها بلُطف، قائلة:
_أشوفك بكرا عخير يا چيهان.
ردّت "چيهان" بابتسامةٍ بسيطة، قائلة:
_إن شاء الله.
نطق "ناجي" بصوتٍ عالٍ، وهو يحمل الصينية فوق رأسه، مُثبّتًا إياها بذراعيه بإحكام، قائلًا:
_الله يصبحكم عالخير يا رمزي.
ردّ "رمزي"، مشيرًا بكفّه الأيمن نحوه:
_وإنت من هله يا غالي.
دخلت چيهان الصالة، فيما كان رمزي يتمكّث حيال الباب، ينتظر ركوب ناجي وزوجته المصعد الكهربائي ونزولهما سويًا إلى دارهما الذي يسبقه بطابقٍ واحد فقط. وبينما تمر چيهان، لاحظت ورقة صغيرة مكشوفة في طريقها، فأنزلت جسدها قليلًا والتقطت الورقة بهدف معرفة مالكها لا أكثر. لكن الصدمة خيّمت على وجهها، وهي ترى نفسها مرسومة على الورقة، وكأن فنانًا ماهرًا نسخها من الواقع إلى كَبِد الفنون.
حدّقت بها بذهول، وبداخلها بُغيةٌ سحيقة لمعرفة من الذي توغّلت إلى خلايا ذهنه لدرجة أنه يرسمها؟ فيما صك "رمزي" الباب، ودلف إلى الداخل، ليجدها مندهشة، ترمقه بعدم استيعاب. فتغيّرت نبرته وهو يتلجلج في حديثه، يقول بمكابرة:
_الورقة دي مش بتاعتي عشان تبقي عارفة!
اهتزّ كتفا "چيهان" مع تعابيرها المتعجبة في آنٍ واحد، وهي تسأله بشك:
_أمال بتاعة مين؟
ارتبك "رمزي"، وصمت لبرهة، يبحث عن ردٍ ملائم في حنايا ذهنه. وبعدما وجد المنطق المبرر، أجاب:
_هتلاقيها تخص واحدة من بنات خالي، لكن دي مش تبعي لا تفهميني غلط!
ردّت "چيهان" ردًا مُسهبًا، الحروف تفسر أنه لا موطن لشكوكها سوى هذه الورقة التي أكدت مشاعرها:
_آه مش تبعك قولتلي....
تنهدت بعمق، ومدّت الورقة إليه، واسترسلت بدهاء:
_خدها طيب اديها لنفسك، قصدي لبنات خالك، وأبقى اعرف مين فيهم اللي أنا شاغلاها لدرجة إنها ترسمني!
قبض على الورقة بغضب، وعيناه في حضرة الصمت. فتحركت هي نحو الغرفة، وختمت حديثها، متابعة:
_تصبح على خير.
سارت چيهان إلى حجرتها، وصكت بابها برفق، تاركة فؤاده يتراقص بين ضلوعه من هول الارتباك. لأول مرة يشعر وكأنه أرعن لا يجيد الردود أمام عيناها، على الرغم من أنه والٍ فنون الردود القاضية.
منصتًا لخطواتها داخل الحجرة، غاضبًا من هزيمته وانكشاف أمره حيالها، ظهرت كإمرأة صعبة لا تنهزم بالأقاويل الأفَّاكة، ما جعله يقول لنفسه بانزعاج:
_انكشفت قصادها ولا إيه حكايتي؟ وبعدين أنا مكنش قصدي أرسمها، إيدي لا إراديًا هي اللي رسمتها، يعني الغلط عليها مش عليا....
تغيرت تعبيراته في الحال إلى الهزال، يبدو معتوهًا يحدث ذاته في حديثٍ لا يحضره سواه، فرفع يده على خصره بضحكة هادئة، وتابع بلهجة بدوية:
_يخيبك يا رمزي، عليك كلام يضحك عنجد، بقى ليك نفس تضحك وسط كل اللي صاير؟
ثم اتجه إلى مكابس النور وأطفأها، واستلقى على الأريكة استعدادًا ليومٍ جديد، مواصلًا:
_رقّد رقّد، بلا كلام فاضي، قال يعني شكلك هيتهز من صورة راحت ولا جات... أنا ما يهزني شي.
استخرج عبوة العلاج التي منحتها چيهان إليه منذ خمسةٍ وعشرين يومًا، فهي ما زالت سليمة، خاليةً من الجروحات، تبدو وكأنها في رونق شرائها. ثم رفعها على صدره ليخلد إلى رُقاده، هادئ الصفو بعد ليالٍ لم يغمض فيها جفنٌ له. لم تكن حياةً، بل معركة عنيفة بين أربع جدران دنستها حكايات الظالمين.
غفت عيناه واستسلم للنوم، كما فعلت چيهان، فتحوّل الدار إلى سكونٍ بعد زحام يومٍ طويلٍ كان بمنزلة فرحة أبهجت قلوب الجميع بعودة رمزي إليهم.
ساد الصمت، واستدار الكون معانقًا الشمس التي أعلنت يومًا جديدًا وهي تنير أرجاءه بحماس. وفي تمام الساعة السابعة صباحًا، استيقظت ريم من نومها بألمٍ غريبٍ في عظامها، وأطرافٍ ثقيلة تعجز عن المرونة لكنها ــ رغم كل ظرف ــ قررت مواصلة يومها؛ فدخلت إلى المرحاض بخطًى متوجّعة، تغسل وجهها بالماء والصابون، وفي الخارج كانت والدتها "أسماء" قد استيقظت بنعاسٍ على رنين المنبّه، وهي تنادي:
_يا ريم... فاضل أربع ساعات على الامتحان، خلصي بسرعة، لسه الطريق هياخد وقت!
أجابتها "ريم" من الداخل، وهي تُسارع إلى إنهاء مهامها الأساسيّة، تنضح المياه الباردة على وجهها قائلةً:
_هغسل وشي بس وهلبس علطول.
انخرطت أسماء في المطبخ تغسل الأواني، منشغلةً في مهامها اليوميّة. وبعد دقائق خرجت "ريم" من المرحاض ودلفت إلى حجرتها لترتدي ثيابها وتضع قليلًا من المكياج. وبينما كانت تقف أمام المرآة تضع لمساتها الأخيرة من ملمّع الشفاه، تلقّت مكالمةً من عمرو يُخبرها أنّه في انتظارها بالأسفل، بعدما اتفقا سويًّا أن يُقلّها إلى الجامعة كي لا تتأخّر عن موعد الامتحان وسط زحام الطرق وتكدّسها بالناس؛ إذ لم يتبقَّ سوى أربع ساعات.
الوقت يداهمها كأنّه سباقٌ مع الزمن. وضعت حجابها فوق رأسها بأنامل مرتجفةٍ من وطأة الخوف، وثبّتت الدبابيس وقلبها ينبض رهبةً. وبعدما فرغت، رفعت حقيبتها وتحقّقت من هاتفها وكارنيه الجامعة وبقيّة متعلّقاتها الشخصيّة المهمّة، ثم خرجت على عجل نحو باب الشقّة، قائلةً لوالدتها بلهجةٍ متسارعةٍ:
_أنا نازلة يا ماما.
خرجت "أسماء" من المطبخ، ويداها مغمورتان برغوة الصابون، وهدير الماء المتدفّق من الصنبور يتردّد في أذنيها، فتكلّمت بلهجة الحنان الأمومي، قائلةً:
_خدي بالك من نفسك، وقبل ما تبدأي الامتحان قولي "ربّ اشرح لي صدري ويسّر لي أمري واحلل عقدة من لساني يفقهوا قولي."
كان القلق جليًّا على وجه "ريم"، خاصّةً وهي تقول برهبة:
_حاضر.
خطت ريم مُسرعةً إلى الأسفل كمن يفرّ من وحشٍ كاسرٍ يلاحقها، بينما بقيت أسماء في الأعلى تدعو لها وهي تُنظّف مطبخها، متمنّيةً أن تعود قابضةً على الأمل بين يديها، تاركةً الفرح ينير حياتهم التي ابتُذِلت بالأحزان مؤخرًا؛ فكما ذاقوا نصيبهم من التعاسة، لا بدّ أن يعيشوا لذة السرور.
في الأسفل كان "عمرو" في انتظارها داخل سيّارته، وقد ارتسمت ابتسامةٌ واسعةٌ على شفتيه حين أبصرها، كأنّه رأى ملاكًا بشريًّا يسير على الأرض ناشرًا البهجة في كل خطوة. ما إن جلست إلى جواره حتى صافحته برجفة يدٍ، فسألها بتعجّبٍ:
_خايفة ليه؟ الموضوع بسيط إن شاء الله والإمتحان هيجي سهل.
ردّت "ريم" بقلقٍ فاضحٍ، نبضاتها تضرب صدرها كطبولٍ صاخبة، وبطنها تعصف بها وخزاتٌ موجعة، تلسعها برودة الصباح فتغزو حواسها جميعًا وتزرع فيها ارتجافاتٍ عنيفة، قائلةً:
_ربنا يستر وتعدي على خير.
ابتسم "عمرو"، كأنه يرى التفاؤل يُشار إليه من بعيد، فبثّ الأمل في قلبها قائلًا:
_خير متقلقيش، هتعدي!
شغّل عمرو محرّك السيارة وتحرك متجهًا على الطريق المؤدّي إلى الجامعة، أزقّة واسعة شُغِرَت بسياراتٍ عدّة أشكالًا وأنواعًا، والشمس وزّعت أشعتها على وجوه الجميع داخل سياراتهم تمنحهم دفئًا لطيفًا بين برودة الأجواء وكأنّها الأمل الوحيد في يومٍ احتشد بمشاعر الارتعاب، تلك كان لريم نصيبٌ فيها، وهي تدعو الله مرارًا وتكرارًا، لكن عمرو بدوره كشريكٍ داعمٍ كان يطمئنها بكلماته الظريفة، فيمزح معها ليحرّرها من عواطفها المتقلّبة، الطريق يحتاج إلى أربع ساعات للوصول إلى جامعة قناة السويس التي تتباعد عن جنوب سيناء ثلاثمائة وخمسون كيلومترًا، وهذا ما أنار الرعب في قلبها من أن تتعرقل الأمور وتتخذ منحًى أكثر وعورة.
في موقعٍ آخر بعد أربع ساعات، معاني التجدد السامية كمنت في مُهجة رمزي الذي استيقظ من نومه على الهدوء المخيّم على الحيّ، الشمس كعادتها أهدته تحية الصباح، وأذناه تُصغيان لزقزقة العصافير على الأشجار، وحرارة الطقس تغمره بضيق فيحها، نهض من موضعه وعيناه في حالة تباين، إحداهما مفتوحة والأخرى لم تستفق بعد، يسير بخطواتٍ متعرّجة نحو الطاولة ليلتقط زجاجة المياه ويطفئ نيران الأجواء الراقدة في صدره المتعطّش، ثم خطا إلى المرحاض، وأوصد بابه بهدوء حتى لا يُزعج چيهان في حجرتها، فظهر حرصه واحترامه لاسترخائها.
نظر إلى ذاته في المرآة بدهشة، يرى نفسه رجلًا أربعينيًا بلحية طويلة يكره وجودها على وجهه، نبتت شعراته بتروية الانطواء وشجى الظُلم، فرفع ماكينة الحلاقة اليدوية والكريم الذي وزّعه على لحيته بالتساوي عدا شاربه البني، اختار أن يتركه كما اعتاد، مع بعض الشعرات الخفيفة في لحيته، فتحرّكت الماكينة بمهارة على وجهه تزيل الشعرات الزائدة بقعةً تلو الأخرى، فظهرت ملامحه التي اعتاد رؤيتها، وكأنّما حنّ إلى موطنه الحقيقي.
انتزع ثيابه ووقف تحت المنضحة يزيل آثار الأسى والغبار العالق بجسده، كان أشبه بمتسوّلي الشوارع في هيئته حينما رقد بين براثن السجن ومخالبها الباتكة، حتى فاح في المنزل عطر الصابون بعبير الفراولة، متسلّلًا إلى رئتي چيهان، تلك التي استيقظت على هدير المياه المنبجس من عمق المرحاض، فاسترخت بجلسةٍ هادئة على حافة السرير، تدلّك عينيها بأنفاسٍ متقطّعة.
فانجلت عيناها بصدمةٍ فجأةً حين تذكّرت أنّها تركت ثيابه داخل خزانتها، وهذا يعني أنّه سيخرج بعد قليل ليبحث عنها في أرجاء المنزل، لكنها ارتعبت من فكرة خروجه لحظة وضعها ثيابه على الأريكة، كانت مهمّةً عسيرةً تطلّبت سرعةً حتى لا يلتقيا معًا، فهي لا تزال وستظل تتعامل وفقًا لمبادئها.
وضعت حجابها سريعًا على رأسها، وفتحت الخزانة وكأنّها تتشاجر مع بابها بعنف، حتى حملت حقيبة ثيابه، وفتحت الباب وصخب المياه ما زال متردّدًا إلى مسامعها، فخرجت بخطواتٍ سريعةٍ، ووضعتها على الأريكة، ثم التفتت واضعةً يدها على عينيها منعًا لرؤيته إن خرج على غير المتوقّع، ودخلت الحجرة وصكت الباب بالمزلاق، ثم جلست على السرير واضعةً يدها على صدرها بأنفاسٍ رابيةٍ، تثني الرحمن على مرور المهمّة بسلام.
خرج رمزي بعد عشر دقائق ملتفًّا بالمنشفة، وقبل أن يخطو خارج المرحاض صفع جبينه بيده حين أتته الفكرة التي تناساها ذهنه — ثيابه! — لم يستطع التصرّف: هل يناديها من الخارج ويزعج سباتها؟ أم يظلّ ماكثًا في المرحاض وسط الأبالسة؟
تحرّك إلى الصالة بتردّد ليجد حقيبة ثيابه قبالة عينيه، فابتسم ابتسامةً هادئةً، ثم توغّلت أصابعه للبحث عن ثيابه كما ينبش الأرنب عن صغاره، والتقط الجلباب وبقيّة متعلّقاته الشخصيّة وعاد إلى المرحاض.
ما انفكّت "چيهان" مُرتبكةً في الداخل حتى سمعت رتجة الباب، فتأكّدت حينها من خروجه، فخرجت ببطءٍ وفتحت باب حجرتها شيئًا فشيئًا تنظر في كل صوبٍ بقلبٍ مرتعدٍ، حتى خرجت وتحقّقت من رحيله عن الدار، فبسطت كفّها على صدرها بارتياح، وقالت:
_الحمدلله خرج....
لم يكن وجوده عبئًا عليها أو عائقًا لراحتها، لكنها، بمبادئها التي رفضت اجتماعهما تحت سقفٍ واحد، خشت أن تخطئ ولو بنظرة غير مقصودة. تشعر بطمأنينة طالما هي في كنفه، لكن في الوقت نفسه لا تفضل الاختلاط، حتى تعود الحياة كما كانت حين كانا يجهلان بعضهما من قبل. حينها، دخلت المرحاض وأوصدت الباب، والأفكار تتراود في ذهنها بهاجس.
هناك، داخل قاعة الامتحانات، استقرّت ريم على مقعدها في لجنة لا يتخطى عددها خمسة طلاب يحملون نفس المادة. المراقبون الثلاثة يتجولون بينهم، يوزعون أوراق الأسئلة والإجابة بالتساوي على الطلاب. استلمت ورقتها بخوفٍ، ونظرت فيها لتجد الأسئلة أصعب من امتحان دور مايو.
وفي هذه الأجواء المكتظّة برهبة التخييب، فتحت غطاء القلم الجاف، ودونت بياناتها كاسمها والفرقة والمادة وغيرها... لكن! كلما نظرت إلى الورقة، أصابها دوارٌ قوي، واجتاحتها عاصفة صائفة، حتى ذراعاها انتابهما ألمٌ مصحوب بحرارةٍ تُشبه أعراض ما قبل الشلل. دلكت ذراعيها وهي تتمتم بآياتٍ قرآنية لا يسمعها سواها، لكن المراقبة، التي لاحظت الشَدَه المخيم على تعبيراتها، سألتها:
_إنتي كويسة؟
هزّت "ريم" رأسها، وكأن يدًا خفيةً قبضت على كلماتها، لكنها، وبصعوبة، قالت:
_أه.
تُعافر لعلّ الأعصاب المجرورة تتراخى، كأنها مُقيّدة بفعلِ فاعلٍ علِمَ خطّ سيرها وزرع في طريقها أشواك التعطيل، ليُعرقلها عن أداء امتحانها. لكن القدر منحها حلًا إلهيًّا أعاق ما يُعيقها، وهي تُردّد المعوذتين دون توقّف، كأنّ قيدًا تبدّدت قوّته، فتراخت أعصابها، وتمكّنت من الحل. فالقرآن هو سلاح المؤمنين، غريمُ الكافرين، فلا سندٌ يحرس، ولا جدارٌ يُسند، سوى الله، والبشر ما هم إلا أسبابٌ مُسخّرة.
مرّت نصف ساعة، فطرقت صبا باب چيهان، وألقت عليها تحية الصباح، وخرجتا سويًا كما اتفقتا بالأمس أن تنصرما إلى حديقة الفواكه، وفي يد صبا وعاءٌ بلاستيكيّ واسع، لتجمعان فيه الفاكهة المُستطابة من الأشجار. وبينما تمرّان في طريقهما، كان رجال البدو قد اجتمعوا في الخيمة الأخيرة المقابلة للحديقة بأمرٍ من رمزي، ذاك الذي أصرّ على التمكّث فيها، لتبقى چيهان حيال عينيه ولا تغيب لحظة.
رجالٌ أعمارهم تبدأ من سنّ الأربعين فما فوق، يُشكّلون رابطة نَسَبٍ لرمزي، حضروا لرؤيته بعد إطلاق سراحه من دار الشيخ ضرغام. يجتمعون على الفرش المُبسّط، وتخرج من بينهم روائح شاي الزردة المختلطة بعبق الصحراء ورياحها الجائرة.
ابتهجوا بلقائه، وفيما كانوا يتبادلون الأحاديث، كان "رمزي" يقول بانسجامٍ للرجال، ويداه تتفحّصان البرّاد القائظ بلهب الحطب:
_ما يشغل ولا شي يا رجالة، أنا بخير وزين، واللي يقول غير ذا يكون كذّاب كذب الإبل، ولجل بعد تكونوا...
بمجرد أن مرّت چيهان بجوار صبا، تلاقت أنظارهما دون قصد، كما لو كانت فرسةً أغوت فارسها واستلبت منه كلماته الهامّة بين الرجال. ضحكت چيهان بخفّة منذ اللحظة الأولى، الحاوية في مضمونها غرامًا فصيحًا لاحظه الجميع، الذين انتظروه أن يُكمل حديثه، فضحك هو الآخر ضحكةً هادئة، ورفع ذراعه وراء ظهره، وكأنه... يعتق الصبابة من أعماق فؤاده الهَيّمان.
خجلت چيهان، وأدارت وجهها ناحيةً أخرى، وواصلت خطاها وراء صبا، ذاهبتين إلى الحديقة التي ظهرت قريبة جدًا من الخيام. وبينما رمزي يبتسم ابتسامةً واسعة، تائهًا في عالمٍ ناءٍ عن صخب الأقاويل وهمسات الرجال، سأله أحدهم بفضول:
_يا رمزي! يا رمزي! ليش سكت؟ ليش بلعت لسانك لما النسوان عدوا من قدامنا؟
انفجر "رمزي" فيه، بعدما انكشفت مشاعره أمام الجميع، هبّ كزوبعةٍ عنيدة، قائلًا باستنكارٍ وبصوتٍ جاف:
_شو جرا إلّك؟ إنت هتلبسني مصايب ما عملتها؟ نسوان إيش هذولي اللي ياكلوا دماغي ويخلوني أنسى أقول إيش؟ ذا كان في ديب يلف بين الخيام هناك، لما أسيبه ياكلنا لا تزعل.
امتزجت قهقهات الرجال سويًا، وكأنهم أجهروا مشاعره بضحكاتهم المتعالية. لم تطل كثيرًا حتى رمقهم بحدة استحوذت عليهم بالصمت، فيما داخل الحديقة فتحت صبا الباب الحديدي، وولجت إلى الداخل حاملةً وعاءها بيد واحدة، وراءها چيهان تتحرك بين الأشجار الكثيفة، منظرًا مهيبًا وخلابًا في آنٍ واحد. العصافير تحلق فوق الأغصان وتسكن في أعشاشها بتناغم، وكأنّه عالمهم الصغير المتغلف بقشور الأمان.
الفواكه متنوعة ما بين الخوخ والعنب والتين الشوكي، حبات البلح تتراقص بفعل الرياح على النخل السامق، والهواء يشرح الصدور ويجدد الطاقات، لكن مع الارتفاعات الشاهقة لن تتمكن چيهان وصبا من جمع حبات الخوخ من الأشجار، وكأنّها تحتاج إلى من يحظون بقاماتٍ طويلة. نظرت "صبا" وچيهان للأعلى بتردد، ووشاحهما يتطايران على كتفيهما، فنطقت صبا باعتياص:
_اللي باين إن حد لمْ الخوخ اللي في الواطي، وخلّى العالي، دي تبغى رجال طويل يشبّلها....
ثم استدارت حولها تبحث عن سلمٍ لكنها لم تجده، فتابعت:
_رمزي أطول واحد من اللي هني، ننخاه يجي يلمّلنا الخوخ والعنب.
ارتعدت چيهان حين علمت برغبة صبا في استجلاب رمزي لمساعدتهما، لا تعرف ما الذي أصابها، فلا تفسير سوى أنه غشيان الخجل الذي هاجمها.
في تلك الأثناء، مدت صبا يديها لأعلى محاولةً النشب في الشجرة العالية، لكن قامتها القصيرة شكلت عائقًا للوصول. فتذكرت جدتها منيفة التي عاشت تحت ظلال هذه الشجرة، وحبذت أكل ثمارها ليلًا ونهارًا، مفضلة إياها على تناول اللحوم، فتجد فيها نفعًا.
تنهدت "صبا" باشتياق بالغ، وقالت بحنين للجدة:
_يا ستي منيفة يا غالية، الله يرحمك يا حبيبة....
أصابت چيهان صدمة عارمة وهي تنصت إلى ذكر اسم منيفة المتوفاة، لتجدها تردف ببسمة هادئة تتخللها غمرة الأشواق:
_ستي منيفة كانت دايمًا تحب تقعد تحت شجرة الخوخ هذي، تملي صحن كبير منها وتاكل لين تشبع، أصل الخوخ هنا مسكّر ومرّحب، الشجرة دي فيها بركة والله.
تساءلت "چيهان" بملامح مبهوتة، كادت ردعة الاندهاش تفتك برأسها، قائلة:
_الله يرحمها؟ هي ماتت؟ وماتت امتى أصلًا؟!
أجابتها "صبا" بعفوية، دون أن تعلم بخطة رمزي الكاذبة، تلك التي رسمها على چيهان طوال الحقبة التي عاشاها في دار الجدة، وقالت:
_ستي منيفة ماتت من سبع سنين، بس والله كانت طيبة مرة، والناس كلها في البلد تحبها.
يا للهول! متوفاة منذ سبع سنوات؟ هذا يعني أن روحها قد غادرت منذ زمن بعيد، لم تعرف فيه رمزي أصلًا. أهي امرأة أخرى تحمل الاسم ذاته؟ لكن كيف، وهي التي كانت جدة لصبا وناجي وغيداء... وهي نفسها جدة رمزي؟ أيمكن أن يكون رمزي قد تلاعب بعقلها، ليغرس أكاذيب لا تليق بها؟
عاشت في منزل خالٍ من البشر، لا يحوي غيرهما... بمفردهما؟ لم يكن ذنبًا عابرًا، بل جرمٌ لا يُغتفر. تهاوت مكانته في عينيها، فبعد أن لمحت فيه بصيص الأمل ليصبح إنسانًا نقيًا من العيوب، أدركت أن الطبع أعمق من الادّعاء، وأن الأفعى السامّة لا تتبدل طبيعتها ولو سُقيت عسلًا.
إذًا، استجلب روحها بكتب السحر اللعينة، ليُظهرها في ظلال الأشباح المُريعة... يا لقسوة الخداع!
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة