الفصل الخمسون

الفصل الخمسون

18 0

في انكشاف الأسرار لعنةٌ جديدة، لكن هذه المرة من قبل عائلة رمزي، الذين اتخذوا قرارًا صارمًا بشأن ثنائي عاش بينهما فترة طويلة، وفي أعماقهما المدهمة أسرارٌ دفينة. قررّ رمزي هو الآخر أن يسعى جاهدًا لإعادة رباط چيهان بأواصر أسرتها في أيامٍ قليلة؛ وجودها هنا أصبح خطرًا عليها إن علمت بزواجه من دليلة، ابنة شيخ البلدة. ما كان عليه سوى أن يضغط نفسه ليستعيد خُدامه خلال أيامٍ قليلة، فالهدف الأعظم والرئيسي: "حمايتُها" من مخاطر مصعب، في عالمٍ تلطخت فيه ألوان الحياة على يداه القاسيتان.

هو الأمان والسند الراسخ، الملجأ الأول والأخير لها في غياهب الغربة، العالم المستضاء وسط عتمة الظلمات وقسوتها. فلا يحتاج الفؤاد سوى إحساس الأمان في المقامِ الأول، فإن حضر لزمه الحب لا مَحال، وإن غاب الأمان اندسر الحب في آبار النسيان القاصية.

الخال فهيم، رجلٌ سخي بطبعه، مُحبٌّ لرمزي ومعتزٌ به أكثر من باقي أبناء أخواته، باعتباره وصية أخته فطيمة قبل وفاتها؛ تلك التي أوصت جميع أفراد العائلة بألا يتركوه تائهًا في غابة الحياة فتفترسه الأسود الشرسة. اعتبرّ الجميع رمزي ابنًا لهم، يحتضنوه بجناحي الأمان ويقصّوا عنه أذى البشرية بما فيهم والده مصعب، الذي كان زعيمًا للأبالسة بشروره.

لكن المكانة تزعزعت بعدما انكشفَ السِّرُّ للجميع. استشعرَ فهيم وكأنَّه مغفلٌ لا يُبادله ابن أخته الاحترام والتقدير اللذانِ يستحقهما منه، ما جعله في ذروة غضبه، معترضًا كلَّ ما حدث بعينِ الاعتبارِ للدين والمجتمع، الذين يرفضان الخلوةَ بأيّ شكلٍ من أشكالها، فالموقف الوحيد الذي يسمح باجتماعهما سويًّا تحت سقفٍ واحد: "عقد الزواجِ الشرعي".

وعلى الرغم من أن چيهان صانت روحها طوال هذه الأشهر، وكانت طوال الوقت مختفية بين جدرانِ حجرتها، موصدةَ بابها بإحكام ولا تخرج إلا للضرورةِ القصوى وبحدودٍ شرعيةٍ حازمة، إلا أن ذلك لا يُحلِّل تواجدهما سويًّا.

وما زادَ من وطأة المشكلة أن رمزي لعب بعقولِ رجالٍ ذو قيمةٍ ومقام، وأوهمهم أنها أخته من الأب، مستغلًا الخلاف الشنيع بين مصعب وعائلة والدته. لم يكن يعلم أن الذئاب لها مخالب حادة تجرح بها أبدان ضحاياها إن شاءت، كمصعب الذي أفشى السر مضيفًا إليه لمساته البارعة في تكوين تمثيليةٍ كاذبةٍ بلا أساسٍ من الصحة.

وقبل أن يصعدَ رمزي برفقة چيهان إلى الأعلى، وجد خاله "فهيم" مرتقبًا له حيال الباب، إذ ناداه بصوتٍ صاخب، دسَّ في رأسِ چيهان فكرَ الطرد من الدار. وبينما وقف رمزي صاغيًا لما سيقولهُ خاله، قال الأخير:

_تعال وراي، في كلام وايد لازم نحطله حد!

تراجعت "چيهان" للوراء، ورمقت رمزي بخوفٍ، وقالت له بنبرةٍ مرتجفة تسعى إلى الاستسلام:

_أنا همشي، هروح بيت الشيخ نعمان!

اعترض "رمزي" خروجَها من المنزل، وظلَّ ثابتًا في قراره، فأشارَ لها ناحيةَ باب المصعد، وقالَ بتوجيه:

_اطلعي يا چيهان وادخلي حجرتك، وسكّري الباب مضبوط! يلا!

نظرت چيهان لفهيم بترددٍ، وكأنها تقدّم قدمًا وتؤخر الأخرى، راهبةً من أن يمنعها الأخير، ثم تحركت سريعًا نحو المصعد وصعدت إلى الطابق الأخير، وفعلت مثلما أُمِرت تمامًا، إذ دخلت حجرتها وصَكَت البابَ عليها بإحكام.

وفي هذه الأثناء، المكتظة بالشجارات العنيفة المُتبادلة، دَلَفَ رمزي وراء خاله في مجلس الرجال ليجدهم جميعًا واقفين بملامحٍ متجهمة تنمّ عن طوفانٍ قادم من النزاع المتبادل. وبمجرد أن وصل وجلسَ كلّ رجلٍ في موضعه، بدأ الخال "فهيم" يُوبخه بأسلوبٍ لاذع عما حدث، فقال بخشونةٍ صوت:

_هسّه إنت فضحتنا قدام كل الناس وخليت شكلنا عار قدام أهل البلد...

صاحَ "رمزي" في وجه خاله مدافعًا عن ذاته وچیهان باستماتة، إذ اندفع برأسه للأمام باحتدامٍ، ودوى قائلًا:

_أنا ما فضحتك يا خال، إنت ما تفهَم شي ولا....

قطعَ خاله "عاصم" كلماتهِ الصاخبة في الحال، وبَكَتْهُ بجلبةٍ تأججت بلهيب الغيظ، فقال:

_لا تقاطع خالك ولا تقاطع أي واحد من الكبار، وقعد ساكت! إنت ما تحس بنفسك ولا بالمصيبة اللي سويتها ولا شنو؟

أجابهُ "رمزي" بعجيجٍ لافح، فلا يرى نفسه مخطئًا سوى في إقناعهم بأكاذيبه، وليس في ارتكاب جريمةٍ تُستدعى كلُّ ذلك:

_يا خال عاصم، اعطوني فرصة أتكلم وأفهمكم اللي صار! أقسم بالله العظيم ما في شي بيني وبين چيهان... چيهان چات لهني بسبب أبوي، وكلكم تدرون الدرب الزفت اللي أبوي ماشيه من سنين، چيهان واحدة من مظاليمه وما لها ذنب ولا....

استأصلَ خالهُ "فايز" حديثه، متذكرًا شوقي الذي افتقد ابنته في ظروفٍ مُبهمة، وقطعَ أميالًا لأشهرٍ للبحث عنها، فاتجهَ بسؤاله وهو في حالةٍ من الذهول:

_چيهان بنت شوقي؟ شوقي الدميري اللي بنته ضاعت منه من سنة؟ هي يا رمزي ولا لا؟!

ردّ "رمزي" بتأكيدٍ، فلا يرى داعيً لإخفاء الحقائق كالسابق، فالآن أصبح كل شيءٍ مشرقًا بوضوح:

_إي نعم هي يا خالي، إنت من وين تعرف أبوها؟ ومنو قالك أصلًا إن هذا أبوها؟!

طَأَ فايز بكفه على جبينه، متخوفًا من خسارة خليله إن انساقت قدماه في المشكلة معهم، فتنهدَ بضيقٍ وفتح أبوابًا شاسعةً لتساؤلات أخواته الكبار، فرمقه "فهيم" بدهشةٍ، وتسلل إلى صوته غَمرةٌ من الفضول، وسأله بتيهٍ:

_وإنت بعد يا فايز عارف أبوها؟ وش سالفة چيهان اللي ضاعت من أبوها هذي؟ آني ما بسكت غير لما أفهم كل شي.

ردَّ "فايز" مستنكرًا درايته بأطراف المشكلة من بدايتها، إذ تشارك مع الجميع في جهله لما وقع، مجيبًا:

_شوقي أبوها ذا رچال محترم، التقيت فيه كم مرّة في بورسعيد في شغل مهم، وقالي إن بنته ضايعة، وقال لو چاني خبر عنها بالصدفة من أي حد، أبلغه علطول... ما تخيلت إن بنته تطلع موچودة في دارك يا فهيم يا أخوي، وإيش علاقتها برمزي من الأساس؟!

حاولَ "رمزي" أن يتمالك زمامه ويشرح للجميع رحلتهما المديدة في بلاد العجائب تحت يدي مصعب، فخرج عن دور المستمع وانتقل إلى دور الشارح، ليُجيب بوضوحٍ:

_أنا بفهّمكم اللي صار، وأقسملكم بالله إن كل كلمة أقولها هي الصدق، دام الموضوع انكشف خلاص، ما عاد عندي شي أخاف منه بعدين.

بينما بدأَ رمزي في شرح الأزمة لهم بوضوح، كانت "زوجة فايز" جالسةً إلى جوار سلفتها الكبرى غزالة، على حافة سريرِ غيداء، تتساءل هي الأخرى بفضولٍ رهيب عن علاقة رمزي بچيهان.

وفي بدايةِ السرير، كانت غيداء تبكي بحرارةٍ بعدما تهشّمَ جسدُها بضرباتٍ عنيفة من أخيها الأصغر ناجي، ذاك الذي وبّخها بطريقته الحادة عقابًا لها على النبش في أسرار الآخرين، فقالت الزوجة باستغرابٍ ينساب من حروفها:

_منو چيهان هذي يا غزالة؟ وش اللي بينها وبين رمزي ولد فطيمة؟!

زفرت "غزالة" بمشاعرَ دفينة من الحزن، وأجابتها بتحيُّرٍ:

_والله ما أدري، آني مثلي مثلكم بالظبط ما فاهمة ولا أي شي.

ما لبثت أن تدور الحوارات في محفلي الرجال والنساء ذهابًا وإيابًا، إلا أن چيهان في الأعلى سمعت طرقاتٍ متواليةً على باب الشقة.

نهضت ودموعُ القهر منهمرة على وجنتيها بشدة، وجسدُها مرتجف من هول الاستياء، وساقاها لا تحملانها، كأنها خسرت قوَّتها بين المعارك القائمة. خرجت من حجرتها بخطى مُتلكئة، والحيرة تغمرها من أن تتجاهل المطرق أم تفتح وتواجه مشكلاتٍ جديدة أكبر من حجمها، لكنها اختارت أن تفتح الباب، فوجدت "صبا" حيالها ترمقها بشجن، وتعلو رأسها سحابة من العتابِ، إذ عبرت الباب ووقفت مواجهةً لچيهان المنتحبة، وسألتها بحزنٍ جسيمٍ:

_ليش يا چيهان خبيتي عليّ ومشيتي مع رمزي في لعبته؟ ليش ما قلتي الصدق واخترتي الكذب؟ آني من أول يوم شفتك فيه قِلت إنك طيبة وبنت حلال ومرباية، واستغربت كيف مصعب يطلع أبوكي؟ بس ساعات أقول عادي، يخلق من ظهر الفاسد عالم، وبعدين برچع أقول لروحي في شي مو مظبوط، وأهي الأيام دارت وتأكدت إن شكي كان بمحله.

استعبرت "چيهان" بقوة، فبدت هزيلةً، منكسرةَ النفس، فأنزلت ببصرها إلى الأسفل، وأجابت باستياءٍ يُرثى له:

_كل اللي حصل مكنش بإيدي، مش أنا اللي اختارت أكدب يا صبا، أنا رفضت إن رمزي يقولكم إننا أخوات بالكدب، ياما قولتله إني مبحبش الكدب وبحب الصراحة والوضوح، وقولتله إن وجودنا مع بعض عمره ما كان صح....

ثم رفعت بصرها إلى الأعلى، واسترسلت ببكاءٍ كأنه أنهارٌ من الدموع:

_أنا اتخطفت من بيت أهلي يا صبا، وفجأة لقيتني بتنقل معاه من مكان لمكان عشان لو كنت فضلت في مكاني كنت هموت، مصعب كان هيضحي بروحي ليهم عشان الفلوس! أنا معرفش إيه الذنب اللي عملته عشان أتعاقب على حاجة معملتهاش، أنا دايمًا كنت بقوله رجعني لأهلي لأني مش مرتاحة وسط ناس معرفهاش، ولا دي البيئة اللي أنا اتربيت فيها....

بكت "صبا" هي الأخرى، وسألتها بعتابٍ مُحبّ:

_مصعب؟ أنا ما أستغرب منه شي، ذا شيطان ماشي عالأرض والشر يچري في دمه، وحتى بعد ما چيبت سيرته، كأنه اتغاظ مني وقرر يعاقبني، قام أچهضني وخسرني أغلى ما عندي، كنت أتمنى أكون أم وأفرح بولدي ولا ببنتي اللي چايين، بس ما كان فيه نصيب، تعرفي ليش أقولك كذا؟ لأني صدقتك يا چيهان في كل كلمة قلتيها.

انتحبت "چيهان" وكأن همومها طفحت من سريرتها على عينيها الباكيتين، فقالت بانكسارٍ مظلومٍ لا يملك في يديه أقلَّ حقوقه كالدفاع عن ذاته:

_أنا اللي زقيتك ووقعتك يا صبا؟ ده أنا مرتاحتش لأي حد هنا إلا ليكي إنتي، وكمان لو المتكلم مجنون فالمستمع عاقل، أنا كنت قدامك مش وراكي، وبحمد ربنا إني مكنتش وراكي لأنك وقتها كان ممكن تصدقي إن أنا اللي زقيتك فعلًا.

عانقتها "صبا" وربّتت على ظهرها، وكلتاهما تستعبران؛ چيهان بصوت، والأخرى في صمت، لكن ما يجمعهما في تلك الأثناء إناء واحدٍ، وهو مشاعرُ الحزن العارمة. فأبدت ثقتها لها دونًا عن غيرها، قائلة:

_ولو كنتي ورايا ما كنت بصدق إنك إنتي اللي دفعتيني، لأني عارفة اللي في قلبك ناحيتي يا چيهان، آني ما بصدق غيداء ولا عمري صدقتها في شي، غيداء طول عمرها ما تحب إلا روحها، وقدرتها عالكدب على أي حد كبيرة، ما أدري ليش طالعة بهالقسوة هذي مع إن أبوها وأمها وإخوانها ناس طيبين، طلعت كأنها زرع شيطاني....

ثم ضمَّتها إليها بقوة، ومررت كفّها بشفقةٍ على ظهرها، وواصلت:

_آني بقول للكل إنك مظلومة، وحكيي مع حكي رمزي بيچيب نتيچة والله، بس المسألة مسألة وقت، هما هالحين مصدومين والخبر بعد طازة، وبكره يوم يهدوا تلاقينهم صافيين إلك وإله.

نطقت "چيهان" بحسرةٍ منفجرة من صوتها:

_أنا مكنتش أستاهل كل اللي حصلي ده، ومليش ذنب في كدب رمزي عليكم، أنا نصحته كتير وهو مسمعش كلامي....

ثم مرَّرت يديها على وجهها، وجفَّفت دموعها بأناملها الرقيقة، وتابعت:

_أنا مهما كان غريبة بينكم ومليش مكان وسطكم، أنا مكاني الحقيقي وسط أهلي، لكن رمزي مهما كان من دمكم وفي صلة رحم قوية ما بينكم، هو خلاص وعدني إني هرجع لأهلي في خلال أيام بسيطة.

جذبت "صبا" كفّيها وضمَّتهما إليها، ونظرت في عينيها بإعزازٍ أخويٍّ صادق، وأعربت عن محبتها لها، حتى وإن لم يكن بينهما صلةُ دماء، قائلة:

_إنتي ما غريبة بينا يا چيهان، حنا هني كلنا أهل وحبايب، يكفي إنك تبع رمزي وبس، هذي لوحدها تكفي إننا نشيلك فوق راسنا... آني أبغاكي تكوني وسط أهلك لسبب واحد بس: عشان تكوني مطمئنة ومرتاحة، ويعز عليّ بعدك يا غالية، ما أبغاكي تمشي، والله إنك طيبة ومن أحسن الحريم اللي عرفتها.

تقوَّضت "چيهان" في أحضانها باعتبارها أختًا عزيزةً لها، وأوضحت لها أن الوِداد متبادلٌ بينهما، وبينما كلتاهما تستعبران باستياء، قالت:

_وإنتي كمان يا صبا غالية عليا أوي، والله العظيم ربنا العالم باللي في قلبي ليكي، يمكن دي تاني حاجة حلوة حصلتلي هنا وهي إني عرفتك.

أحيانًا يهدينا الرحمن أُناسًا غرباء، لكنهم بمثابةِ بلسَمٍ يُطهِّر الجروح، ويُزيل الأوجاع العالقة في الروح، في حين أن الأقاربَ ذاتهم يضعون لك الأشواك في درب سعادتك، يتمنّون عرقلتك عن الحياة لتنحدر أنتَ ويَعلوا هُم على حساب أوجاعك.

فما وجدته چيهان في صبا أكَّد لها أن الحُب الحقيقي لا يأتي إلا من أرواحٍ طاهرة لا تَكِن العداء، وهذا ما جذبها إلى صبا، إذ وجدت فيها ما يتشابه كثيرًا مع صفاتها.

هدأت روعُ چيهان وجلست إلى جوار صبا على الأريكة في الصالة، الأجواء حولهما خافتة، وكأنها تُؤهِّل وجدانها للهدوء بعد طوفان القهر الذي انتابها.

أمّا في الأسفل، وبعد مرور ساعاتٍ انقضت في جدالاتٍ نارية ما بين رمزي وأخواله، انفجر المنزل بأصواتهم التي تشعشعت في شارع البلدة، حتى بلوغ الساعة الحادية عشرة ليلًا. كان رمزي يشرح للعائلة موقفه مع چيهان، والآخرون تارةً يُشاكسونه بصيحاتٍ مدوية تُفنِّد رأيه، وأخرى يهدأون ثم يُعيدون النقاش إلى نفس النقطة من جديد، وهم يُكذبونه نظرًا للتمثيلية البارعة التي حبكها من أجلهم. وفي نهاية الحديث، خرج "رمزي" بحدةٍ حاسمة، وقال:

_الحكي خلص يا چماعة، ما عندي شي ثاني أقوله، وهذي آخر مرة أقولكم فيها إن چيهان مظلومة وبتدفع ثمن ذنب مو ذنبها من الأصل....

ونهض من مكانه ليعترب المكان، وقبل ذلك استأنف بخبرِ زواجه من دليلة، باعتبار أنه أمر لن يُخفى، وأنه ذاتَ يومٍ سيظهر للعلن، فتابع:

_إي نعم، ولزوم ما تقولوا إني أخفي، أبوي غصبني في زواچي من بنت العمدة، وخذوا الكبيرة! العمدة وافق وحدد العرس يوم الخميس الچاي، بس لا أحد يتكلم قدام چيهان بشي، أنا ما أبغى أچرحها بالخبر مباشرة، أنا اللي بقولها بطريقتي وفي الوقت المناسب! صبحكم الله بالخير.

أفَلَ رمزي وترك الدهشة عظيمةً على وجوه الجميع، صعد إلى الطابق الأخير، وكأنّه أسكب على رؤوسهم مياهًا مثلَّجةً جمدت حركتهم، فبدوا كالتماثيل الجامدة بلا حَراك. ثم بدا الجميع ينظرون لبعضهم في صمتٍ مُطبِق، حتى كسر "ناجي" هذا الصمت، وضرب كفَّه على جبينه بقسوة، وقال:

_يا خبر أسود ومنيل! شلون يعني دخلته الخميس الچاي؟ وش بعد مخبّي يا رمزي ما عرفناه للحين؟!

نطق "عاصم" بامتعاضٍ، مُظهرًا تضايُقه من سلوكيات رمزي غيرِ المتزنة من وجهة نظره، قائلًا:

_ما يخصنا عرسه، اللي يخصنا إن چيهان يرچعها لأهلها بأقرب وقت، كفانا وشوشنا اللي الناس راح تاكلها بسببهم.

انغمس "فايز" معهم في الحديث، فأبدى موقفَه بينهم، قائلًا:

_ما لي دخل باللي سواه رمزي، آني ما بخسر أبوها بسببه، أبوها غالي عليّ، ولو عرف إن رمزي ابن أختي بتصير مصيبة!

الاتفاقيةُ واضحة بين أفراد العائلة، مآبُ چيهان إلى حضن أسرتها، وفايز لا دخل له بما ارتكبه ابن أُخته، فما جهد لتكوينه أشهرًا بالعطاء والوفاء لن يُهدم في لحظاتٍ بسبب تصرفات طائشٍ تناسى واجباته الأخلاقية، إذ كان ينبغي عليه أن يشرح الحقيقة كاملةً لكبار العائلة منذ البداية. فلا خابَ من استشار، ولن ينقص من مقداره ذرة إن بجَّلهم بما أنهم كهول ذوي خبراتٍ وتجارب حياتية عميقة.

إذ اتحد الجميع في نفس النقطة أن رمزي هَوَت قدماه في بؤرةٍ غائرة من الزلات، فمدرسةُ الطلاب ضريبتها المادة، أمّا مدرسة الحياة فضريبتها التجاربُ الأليمة، فلا اكتساب للعلم والمعرفة إلا ويَلزمها خسارة في المقابل أيًّا كان شكلها.

مرّت أيام ضَحوات، شمسٌ تتبدّل مع القمر، وقمرٌ يُعانق نجومه في يومٍ جديد، إذ تمضي الليالي كحبات السبحة المنفرطة. العائلة لا تزال ثابتةً على وضعها، يَعدّون الليالي والساعات والدقائق بانتظار مآب چيهان إلى أسرتها، ليتخلّصوا من وصمة العار التي طبعها رمزي على دارهم، خشيةً من يتفشّي السر في أنحاء البلدة فيحدث ما لا ترغبه الأنفس يومًا.

أمّا چيهان فلم تخرج من المنزل بتاتًا، وكأنّها قبلت كونها أسيرةً في سجنهم، منتظرةً لحظة إطلاق سراحها بفارغ الصبر. ورمزي على الجهة المقابلة، اختص زاويةً بعيدة على السطح ملاذًا له برفقة كتابه الأحمر، مناضلًا لاستعادة خُدّامه، وحينها يسترد قدراته التي خسرها، ممّا يمكّنه من حماية چيهان ومواجهة الأشباح البشرية. لكن توقعاته خابت، فوجد ذاته مضطرًّا لأن ينتظر أيامًا أكثر، عسى أن يحظى بهم ويحقّق ما سعى له طويلًا.

فكرةُ أن يُعاود بجيهان إلى أسرتها كانت أشدَّ عليه من أن يتحمّل غرس السكاكين الحامية في قلبه، لكن الظروف غلبت إرادته وجعلته ذليلًا لها. وما أزاد الحزن اضطرامًا أن چيهان خلال هذه الحقبة أظهرت له الهوى، وكأنها تُبرهن له أنها القمر الوحيد في سماء حياته: تصرّفاتها، ابتسامتها الأخيرة التي ظنّتها منبعًا من وداعٍ أخير سيمرُّ بهدوء فيكون خِتامها مسكًا. لكن الخِتام لن يكون مسكًا في دياجير الحُبّ المنكسر.

طرق اليوم المنتظر بابهم، ليلةُ زفافِ رمزي على دليلة. الغيوم السوداء محتشدة في السماء، وكأنها شاهدةٌ على حدثٍ مؤلم سيحطّم ما تبقّى من ثبات چيهان، رباطةُ جأشها التي ستمزّق على وقع الكابوس. حتى الطيور ساكنةٌ على أشجارها، على الرغم من أنّ الساعة تشير في هذا الوقت إلى السادسة من المغرب، في وجاهة الصيف بنهاره الممتدّ في الواحات الملتهبة بالشمس الحارقة.

رمزي قُبالة المرآة الصغيرة في الصالة، فؤاده يصيح صيحاتٍ شرسة، وخفقاته تتزايد برُعب، حتى أطرافه التي ارتدت ثوبَ العريس البدوي تحرّكت بتريُّث غريب. لم يكن واعيًا لما يفعله، فالحبّ الأول والأخير سينتهي بعد لحظات ويبدأ مع شريكةِ حياةٍ جديدة لم يرغبها يومًا.

إذ أناملُه ترتجف، والهدوء متفشٍّ في أرجاء المنزل، حتى عيناه لا تقويان على مواجهة ظلِّ "چيهان" ذاته، تلك التي كانت داخل حجرتها تُؤدّي صلاة المغرب، مرتديةً عباءتها وطرحتها السوداء كطياتها المُدهمة من الداخل، تدعو له بروحٍ هادئة أن يهديَ الله رُشده ويصرف عنه أصحابَ السوء، كما لو كانت والدته الغائبة التي عَمَر لسانها دومًا بالدعوات الطيبة له، قائلة:

_يا رب اهديه لطريقك الصح واصرف عنه الشر والأذى، يا رب اهديه وحببه في القُرب منك وفعل الخير، يا رب اكرمه ووفقه وعوضه وعوضني كل خير، ويسر أمورنا وحلها، ورجعني لأهلي على خير، يا رب بابا وماما وأختي يفرحوا برجوعي وبابا ميعاقبنيش بحاجة أنا معملتهاش، يا رب إنت العالم بكل حاجة حصلت، إنت الأقرب لينا من حبل الوريد.

في تلك اللحظة، وقف "رمزي" حيال الباب منصتًا إلى دعواتها الصادقة، دعواتٍ تحمل من الحنو ما يُذيب القلوب، وكأنها أرادت أن تُبرز له الفارق العميق بينهما؛ فهي تبادله حبًّا طاهرًا بالدعاء، فيما هو يستعد لأن يصدمها بما سيُفصح عنه بعد قليل. كان بوسعه أن يُخفي زواجه، غير أنّ انكسارها المنتظر كان قادرًا أن يُخفيه هو من الوجود ذاته.

عبث بساعة يده، مرتديًا زيّ العريس الموشّى بملامح التراث البدوي القريب من هيئة العرس السعودي. تقدّم بخطاه المهيبة نحو الباب وطرقه برفق، وما إن فتحت له چيهان حتى أبهرتها هيئته الغريبة عنها، فهذه المرة الأولى التي تراه فيها بهذه الصورة. ارتبكت للحظة ولم تستوعب، فيما هو يُطأطئ رأسه، يختنق حلقه بالكلمات.

ابتسامتها الهادئة اخترقت قلبه كالخنجر، جعلته يتيه أكثر، يلتفت من حوله كأنما يبحث من حوله عن العبارة المناسبة. غير أنّ صمته لم يدم طويلًا، فبلا مقدّمات قابلها برصاصة قاسية في مهجة الحب، وهو يتلفظ بارتباك وبصوتٍ منكسر، وعيناه مُصوَّبتان إلى الأرض:

_أنا فرحي اليوم....

ابتلع ريقه بخوفٍ وصمت لبرهة، ثم واصل بثباتٍ:

_أنا فرحي اليوم يا چيهان!

خرجَ رمزي من المنزل سريعًا قبل أن يرى ردةَ فعلها، وصكَّ الباب وراءه، وتحركَ لأسفل وهي لا تزال غيرَ مستوعبةٍ ما قاله. ظنّته يمزح معها، أو يقصد شيئًا آخر، أو أنّ أذنيها استمعا لحديثه بالخطأ.

تمنت لو أنها أُصيبت بالخَبَال، ولو أنها لم تُصغِ إلى ما قاله. دلفت سريعًا إلى السطح وشبّت على أطراف أصابعها، فما زالت مقتنعة أنّه يمزح، لكن انمحى فكرها تمامًا حينما بصُرت بعينها سيارة مرسيدس مُزينة بالورود تنتظره في الأسفل.

وبمجرّد أن خرج من الدار، تلقت زغاريدَ النساء كالسكين الجارح في فؤادها، فاتسعت حدقتاها في دهشة، وزادت أنفاسها بخوف. كانت تنظر حولها بسرعة في كل صوبٍ كالمجنونة، وقبل أن يغادر رمزي المكان رفع بصره نحوها بحزنٍ وندم، ثم ركب السيارة وغادر.

خطت چيهان إلى الغرفة بلا عقلٍ يُميز تصرفاتها، ثم استدارت حولها وهي إلى هذه اللحظة غيرُ مقتنعةٍ بزواجه؛ إذ مَن سيتزوجها؟ وكيف؟ لماذا لا يخبرها سوى قبل دقائق معدودة؟ لِمَ من الأساس؟ أكانت نظراتٌ وأفعال كاذبة من البداية؟ أم أنّها تتوهم غرامًا لا تتسعه حياتهما؟ سقطت على الأرض وجلست مستندةً بظهرها إلى الجدار، حتى انفجرت صارخةً، وبدت يداها تطرقان الخزانةَ بدموعٍ متدفقة.

تركت حياتها، وضحّت بأمانها وبكل شيء، لتكون النهاية زواجًا من أخرى؟ أيعقل أنّه بهذه الخِسة والدنوّ؟ بدأت تدبدب بسيقانها في الأرض وتنوح بقوة، فلا تشعر بألم التخبط بقدر ما انكسر شعورها، قلبُها تحطّم تحطيمًا، وروحُها لا تزال معلقةً فيمَن لا يكترث بعذابها.

بينما بعيدًا يعيشُ الشيخ ضرغام فرحةً كبيرة لزواجِ ابنته من رمزي، لكن داخله يكمنُ فرح آخر بعودةِ زوجته وابنته سهير إلى حضنه من جديد، بعد أعوامٍ من الاندثار. هذه الزيجة لم تُسره نظرًا لمقامِ مصعب العالي، إنما لتحقيق الرغبةِ الأولى والوحيدة في الحياة، ذاك الذي لا يفتقر للمال بقدر ما تنقصه أسرته الصغيرة.

حول داره نُصِب شادر ضخم مساحته ثلاثةُ كيلومترات، منبسطٌ بفراشٍ أحمر منقوشٍ بألوانٍ تشبه أقمشةَ المولد النبوي. تزهو زواياه بمصابيح بألوانٍ متباينة، مائلة بدلالٍ كالأقواس ذات بداياتٍ منحدرة ونهاياتٍ رابية بعلو. الطاولات المربعةُ مرصوصةٌ بنظام، وحولها ستة من الكراسي يكتسي ظهرُها باللون الذهبي ومقعدُها بالأسود، أمّا مقعد العروسين الأبيض في نهاية الحفل، فقد كان مجهزًا بديكوراتٍ من الورود.

وعلى نفس الاتجاه، من بعيد، منصة منسق الأغاني، إذ بدأ رجال البدو يتوافدون ملتحفين بأشكالٍ وأنواعٍ من الجلابيب المختلفة. الجميعُ مرتقبون لحظةَ وصول العريس، وكان أخوالُ رمزي مجبرين على حضور حفلِ زفافه رغمًا عن أي ظرف، بما فيهم "ناجي" الذي وقف في زاويةٍ بعيدة وهو يتحدث مع زوجته، ولثامه ملفوف حول وجهه، قائلًا:

_ما بعرف كيف چاله قلب يعمل هالشي، كيف بعد كل اللي بينهم قدر ياخد خطوة زي هذي يا صبا، أبوس إيدك، خليكي چنب چيهان وما تسيبيها! رمزي قالي إنه عرفها وطلع علطول.

وقفت "صبا" قبالة باب الشقة، رامقة إياه بحزنٍ، وأبدت شفقتها تجاه چيهان، قائلة بهمسٍ خافت:

_أكيد رمزي اتچنن بعقله، آني اللي بسأل روحي نفس السؤال، ليش عمل هالشي وهو تصرفاته معاها تقول أشياء كثيرة؟ حنا نفسنا خدنا بالنا منها، بس عالعموم، آني ما بسيب چيهان، وبضرب عليها وأدخلها هالحين.

وقفَ العمدة ضرغام متنفسًا بحريةٍ في منتصف الحفل، سعيدًا بقرار زواج دليلة من رمزي. من حوله الرجالُ يتقدّمون نحوه، وكل منهم يهنّئه بابتسامةٍ وكأنها وكالةٌ لتوزيع الابتسامات، وليس بحفل زفافٍ عادي. بما فيهم مصعب الذي تقدّمَ بسلاحه الآلي ووقف بين الرجال وهو يطلق النيران عنان السماء بفرح، إذ لاحظه "فهيم" وعاصم ونظرا إليه بسخط. فالتفت فهيم نحو عاصم وقال بقلقٍ واضح على محياه:

_الحكاية كملت عالآخر يا عاصم، مصعب بنفسه چاي يحضر عرس ابنه، سوّا الطبخة، وطلعت الطبخة زينة.

ردَّ "عاصم" محذرًا إياه ألا يتمادى في الحديث عنه، حتى لا تُصيبه تداعياته الخطيرة:

_لا تچيب سيرته! ألا ذا كل ما حد فينا ينطق اسمه تطلع مصيبة، شكلك نسيت اللي صارلي زمان عيّده.

تضاربت الطلقاتُ النارية في السماء مع زغاريدِ النساء حينما وصلَ رمزي إلى الحفل. نزل من السيارة بأقدامٍ مثقلة وأنفاسٍ مختنقة، كمن احتُجز داخل قبرٍ بلا منفذ، وجهُه متجهمٌ ولا يبدو عليه علامةٌ واحدة تؤكد بهجته بدليلة، تلك التي كانت في حجرتها تبكي بمرارة، مرتديةً فستانها الأبيض الذي تعكّر صفاؤه بدموعها الغزيرة، وفي كل مرة يسيل الكحل الأسود على مكياجها يدنسه، كانت خبيرة التجميل مضطرةً أن تمسحه وتعيده بلمساتها الجمالية مرةً أخرى، قائلة بنُصحٍ:

_يا دليلة قولتلك الميك أب بيسيح مع العياط، امسكي نفسك شوية، مش كده يا حبيبتي!

تحركت "دليلة" خطواتٍ للأمام وصَكت باب حجرتها، ثم استخرجت هاتفها من أسفل الوسادة، ودموعُها ألهبت وجهها كالنيران، أصابعُها مرتجفة. وخبيرة التجميل حيالها، بفرشاة أحمرِ الوجنتين، تتابعها في دهشة، إذ أجرت دليلةُ مكالمة عاجلةً بمحبوبها، وقالت باكيةً:

_خلاص يا حسام، دليلة اتدبست تدبيسة عمرها، دليلة ما هتعرف تهرب من الچوازة هذي مهما صار.

في الأسفل، تلاقى "مصعب" برمزي، إذ تشبّث به من ذراعيه على كتفه ونظر إليه بفخرٍ أبوي، كاد أن يحلّق في السماء بجناحيه بهجةً له، وقال:

_مبروك يا غالي يا حبيب قلب أبوك، خلاص، هتتزوچ وتهبّ لدنيا چديدة مع اللي تستاهلها بحق، لا تقول فلانة ولا علانة! ما حد بينفعك غير دليلة، هي بنت الحسب والنسب اللي بيشرف....

وبينما اقتربَ منه أكثر من قبل، جزَّ على أسنانه بسخط وأردف بمقصدٍ واضح:

_مو رمامة السوق، اللي ما تسوى....

قطعَ "رمزي" حديثَه في الحال، وأفلت قبضتَيْه من على كتفيه بحدةٍ، إذ برزت عروقُ جسده باحتدام، وحدقتاه متسعتان بتحدٍّ، ليجيبه بتبكيتٍ:

_اللي بتحكي عنها هذي ضوفرها برقبة مية مليون واحدة من اللي إنت چايبها، عمري ما بلاقي ربعها ولا بقدر أعوضها.

قهقهَ "مصعب" عاليًا، مزدريًا قوله، ليقابله بردّه:

_ولما هي ما في زيها، ليش ما تزوچتها؟ ليش قبلت تتزوچ هذي؟!

ثم تدانى منه من جديد بجديةٍ لازعة، واسترسل:

_عشان تعرف، مهما تروح وتيچي، هتلف لفتك وفي الأخير ما بتسوّي إلا اللي على كيفي.

ضغط "رمزي" على أسنانه بحنقٍ، وأجابه بصراحةٍ قاسية لا تُخفى:

_لا، لأن اللي زيها عمرها ما تقبل تتزوچ واحد أبوه ساحر، لعنته وشره مسبقين بكل حتة، عمرها ما تقبل تخسر دينها عشانه، بس العمدة وافق لأنه ما عرف اللي فيها، لو كان عرف ما كان قبل.

وقبل أن يبادله مصعب بردوده المتقدة، تقدّم العمدة "ضرغام" بالقرب منهما وسط الأنغام البدويةِ البديعة، وفيما يعيش الجميع أجواء الفرح، بسطَ كفه على كتف رمزي، وقال بابتسامةٍ عريضة:

_ألف مبروك يا عريس، خلاص بس كم ساعة ويتقفل عليك إنت ودليلة بنتي باب واحد.

ابتسمَ مصعب لرمزي ابتسامةَ انتصار، فيما أحنى "رمزي" رأسه لأسفل باستسلامٍ، وقال بحزنٍ:

_الله يبارك فيك يا عمدة ضرغام.

أهلّ حشدٌ من أقارب العمدة نحو العريس ووالده، يتبادلون المصافحات والتباريك، وبينما كل واحدٍ يعانق الآخر ببهجةٍ خالصة، قال أحدُ الرجال مهنئًا والدي العروسين:

_ألف مبروك، عقبال يا رب لما تشيلوا أولادهم، وتزوچوهم بعد بنفسكم.

ضحك العمدة "ضرغام" ضحكةً وقورة تحمل هدوء النفس ورزانتها، وقال بابتسامةٍ لطيفة:

_الله يبارك فيك، عقبال أولادك يا حاچ.

غادرَ العمدة ضرغام المكان وذهب برفقة رجاله لاستقبال المأذون الشرعي عند بوابة السرية الرئيسية، فيما يتوافد المعازيم رويدًا رويدًا، وكأنهم لم يعيشوا الفرح من قبل ولم يبصروا فرحة زفافٍ هكذا. سرعان ما خطا "ناجي" نحو رمزي، وقبض على ذراعيه وجذبه ليقفا بين الأشجار الكثيفة ويتحدثا بشكلٍ أكثر حرية، إذ نطق بعدم استيعابٍ:

_إنت كيف رح تتزوچ يا رمزي؟ شو يعني هان عليك كل شي بينكم؟ البنت ما إلها حد غيرك بالغُربة بعد ربنا.

لكن "رمزي"، الذي انغلب عليه أمرُه، أجابه، والحسرة تحوق به من زواياه المختلفة:

_خلاص يا ناچي، ذا أمر واقع وأنا اتدبست فيه بسبب أبوي، هو سبب كل اللي چرالي، سيبني بحالي وما تزود عليّ الهموم أكتر!

جلسَ رمزي على حافةِ الرصيف، وراءه أوراقُ الأشجار تتراقص على رأسه بفعل الرياح العنيفة. اضمحلت الإضاءة شيئًا فشيئًا، إلى أن استيقظ الليلُ من سُباته، وصخبُ الأغاني يتردد من بعيد في أذنيه.

فوقف ناجي على مسافةٍ قريبة من رمزي، يترصده بخوفٍ، أما الأخير فظل ماكثًا موضعه لنصف ساعةٍ كاملة، ما جعل الرجال يتابعونه بدهشة، وكأنه حالةٌ شاذة بينهم، إذ لأول مرة يبصرون عريسًا في قمة تعاسته، وكأنه ينصب جنازته بنفسه. وبمجرد أن أغلق عينيه، تذكر چيهان وسط عواصف ذهنه المُتضاربة: ضحكاتها، حديثها، تعبيرات وجهها وقت الفرح والغضب، تصرفاتها المثيرة للفضول، نُصحها له بقلبٍ أمومي، خوفها في غيابه عنها، صوتها الرهيف، ملامحها البسيطة وجمالها الطبيعي، كل شيء صب العذاب في قلبه صبًّا.

وجد ذاته خسيسًا، خائنًا للثقة، لا يستحق أن تسقط دمعةٌ واحدة من عيناها لأجله. لا يعلم حالها في هذه اللحظة، لكنه كان متأكدًا أنها في ذروة الانهيار. خشي أن تلقي بحتفها بعد أن يجن جنونها وتفقد رشدها، وما فاقم الوضع سوءًا حينما تقدّم أحد رجال الغفر نحوه، وقال بابتسامةٍ:

_ألف مبروك يا رمزي، العمدة ضرغام يبغاك، المأذون راح يبتدي شغله هالحين إن شاء الله.

نهضَ "رمزي" بأنفاسٍ متقطعة، فبدت المياه تنزلق من جبينه وضرباته تتفاقم برهبة. لم يجد مبررًا ينتشله من الأزمة بسرعة البرق، وأول ما جال على خاطره تلفظ به لسانه في الحال، ليُجيب بارتباكٍ واضح:

_طيب، قِله إني داخل الحمام خمس دقايق وباچي علطول، ما راح أتأخر.

افترَّ الغفير بطاعةٍ، فتراجع للوراء استعدادًا لمآبه إلى حاكمه، وأشار على كل عين تارةً، وقال:

_حاضر، من العين هذي قبل العين هذي.

بعدما توجه الغفير إلى شيخ البلدة ليخبره بمجيء رمزي بعد دقائق استعدادًا لعقد القرآن، تسلّل رمزي بين الأشجار مترصّدًا المعازيم من حوله، تحرّك وكأنه يسير بشكلٍ طبيعي حتى لا يُثير الشكوك وتنصب الأنظار إليه، حتى وصل إلى جدارٍ مشقوق قد يجتازه وقد لا يعرف، لكنه ضغط جسده بقوة حتى مرّ من الجزء المفتوح وكأن الجدار ذاته يؤهّله لعملية الفرار.

خرج إلى طريقٍ مظلم وسار بخطى سريعة جدًا، وهو يلتفت حوله بخوفٍ، وظل يجري بقوة إلى أن وصل دار الخال فهيم تاركًا حرائقَ شنيعة ستلتهم الحفل فور اكتشاف فراره. ضغط على زر المصعد الكهربائي، وحينما وصله، ركب على عجل وتحرك إلى الطابق الأخير. كان باب الشقة مفتوحًا، ما حرك مشاعر القلق في سريرته من أن تكون "چيهان" عادت إلى أسرتها بعد بلوغها خبر زواجه.

لكن ما حدث كان كارثيًا: كل شيء مبعثر على الأرض بفوضى؛ الأوراق والثياب وزجاجات المياه لم تتركها چيهان وشأنها، بل قذفتها بقهرٍ على الأرض. دخل حجرة النوم ووجدها جالسةً على الأرض وظهرها للجدار، عيناها متورمتان، أنفها ووجنتاها محمرتان بفعل البكاء، وعلى السرير صبا تجلس باستياء بعدما فشلت كل محاولاتها في تهدئتها. وبمجرد أن وصل رمزي إليها، نهضت مُسرعةً بوجهٍ شديد التجهم، وسألته بصياحٍ:

_إيه اللي رجعك؟ جاي تاني ليه؟ إيه اللي جابك بقولك؟ إيه اللي جابك؟!

تلفّظَ "رمزي" أنفاسه بألمٍ، واستدار في زوايا الغرفة حاملًا الحقائب الفارغة سريعًا بيدين مرتعشتين، وقال بإسراعٍ:

_لمي حاچتنا، لازم نمشي من هني بسرعة!

نهضت صبا في الحال وعاونته في جمع أمتعتهم داخل الحقيبة، وبينما كانت تعاونه، عجّت "چيهان" بصوتها في رمزي، قائلة بإعوالٍ:

_أنا مش همشي، أنا مش هتحرك تاني على مزاجك! مش هروح معاك في حتة تاني!

هوت الثياب على الأرض من هول التوتر، لكن بالأياد المُتعاونة يلين الحديد. فاستدارّ "رمزي" نحو چيهان، وهي ترى الخوف على وجهه لأول مرة في حياتها، ووجدته يقول بعينين ملأى بالشجن، وصوته يمتزج ما بين الارتياع والانكسار:

_مو وقت عناد يا چيهان! لو اتمسكت، بيقتلوني! فاهمة يعني إيش؟ أنا هربت من العرس وهذي بحد ذاتها كارثة.

نطقت "چيهان" بصراخٍ كاد أن يثقب طبلتي أذنيه:

_وإيه اللي يخليك تهرب؟ ألف مبروك يا عريس، معزمتنيش ليه كنت جيت فرحتلك؟ روح ارجعلهم تاني وافرح وعيش حياتك! يلا مستني إيه؟

لكن "صبا" التي تفهمت خُطورة الوضع، أغلقَت الحقائب، وبحثت في خزانة الثياب عن كل ما يخصُّهما، وقالت بمعونةٍ:

_مو وقت هالكلام دلحين يا چيهان، رمزي عنده حق، لو العمدة ضرغام عرف إنه هرب والله ما بيتركه وبعد الشر بيعمل فيه أشياء ما بقدر أحكيها!

حمل "رمزي" الحقائب على كتفيه، وجذب چيهان بقوةٍ ليغادرا في أسرع وقت، لكنها قاومته وتراجعت للوراء بغضبٍ متفجّر، وقالت بعَويلٍ:

_مش جاية معاك في حتة، عايز تهرب اهرب لواحدك!

جرَّها "رمزي" باشتدادٍ، إذ كان أحدهما يقاوم للجذب والآخر يتراجع، قائلًا بصياحٍ انصهرَ خوفًا:

_تحركي يا چيهان! بقولك بيقتلوني لو لقوني! خلاص، مو وقت عناد!

في دقائق بسيطة، نجح "رمزي" وصبا في جمع الأمتعة المُتشتتة في أنحاء الشقة. فتحرّك رمزي جاذبًا چيهان بجهدٍ شاقّ، وهي تقاومه، إلى أن خرجا سريعًا من المنزل ونزلا في المصعد الكهربائي برفقة صبا، تلك التي عاونتهم في الفرار من الأزمة الجسيمة. ووقتما خرجا من المنزل، استدار رمزي برأسه مسرعًا إلى صبا، وقال:

_ناچي إذا سألك خبريه إني مشيت وما راچع ثاني، ما عاد ينفع أقعد هني ثانية واحدة!

طأطأت "صبا" رأسها، وعيناها مرغرغتان بالدموع، وقالت بفيضٍ من الحنين لچيهان:

_حاضر، امشوا إنتوا بس بسرعة قبل ما حدا يشوفكم!

هرول رمزي سريعًا، وهو ما زال قابضًا على معصم چيهان الأيمن، يجذبها وراءه، وكلاهما يخطيان على عجل، متجهين إلى دربٍ غير مألوف في البلدة، خشيةَ أن يكتشفهما أحدٌ. وبينما يناضلان للتلاشي عن الأنظار تحت السماء الحالكة، وقف "أحد رجال الغفر" التابعين لشيخ البلدة، يدقّق النظر في الهاربين، إذ بعد تمعّنٍ شديد، اكتشف الكارثة، فامتدت أنامله إلى عينيه وفركهما بقوة، وحدث نفسه بذهولٍ، قائلًا:

_يا وقعة سودة! العريس رمزي هربان من العرس؟ كيف يعني؟ ومين هذي اللي معاه؟!

يتبع.....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة