المصالحُ المُشتركة قتلت الآمال المُتبقية، وسحقت أفئدةً تمنت التَّدان يومًا، فالأبالسة خُلقوا خصيصًا من أجل دمارِ البشرية –دينيًا، نفسيًا، فكريًا، وروحيًا– وخُلِقت أيضًا من أجلهم نيران جهنم، حميمة لدرجةٍ لا يتخيلها العقل، فتنتظرهم بشغفٍ أشد من حَماوتِها ذاتها، ليس لأمر عابر كساحرٍ دنيء فرّق الأحباب وزرّع بينهما الفتن، بل لأن ذلك مساره الذي انتهجه منذ أوّل ليلةٍ شبّت يداه فيها لصُنع الأذى.
لم يترك –كبيرًا، صغيرًا، رجلًا، امرأةً– إلا واجترعه من سُمومه القاتلة. كان ذلك روحانيًا، لكنه كرجلٍ فاسق خشيَ على ابنه الوحيد الهلاك، قرر استخدام عقله وتصرف بشكلٍ رصين لا علاقة له بما يتبعه، ورمزي ذاته صاغيًا إلى أقاويل غريبةٍ لم تمرَّ على ذهنه يومًا صُدفة.
كيف له أن يُضحّي بكل شعورٍ جميل أحسَّه بجوار محبوبته؟ ويتناسى ذكرياتِهم المنقوشةَ في خلايا ذهنه بقوةٍ أشد من تذَكّره لذكرياته التَّعيسة مع والده؟
أيتناسى لهيبَ حُبها الذي أوهج قلبه غرامًا؟ مَن أكدت له بفعلها أن المرأةَ الصالحةَ كالفرصةِ الذهبية التي لم ولن تُعوّض، وإن هَجّ إلى كل بقعةٍ في بقاعِ الكرة الأرضية لن يجد في غيرها ما وجده فيها، بين نساءٍ ترعرعن على اجتراعِ الشرّ، فلا تخلو دماؤهن من الكيدِ اللاذع، وشبك أياديهن في أيادٍ مشعوذين لا أهداف لهم في الحياة سوى أن يزيدوا طينَ الناس بِلة، ميزانُ سيئاتهم يتثاقل وكأنهم في سباقٍ من سيفوز بسيئاتٍ وذنوب أكثر من الآخر.
لم يفهم معنى أن تكمن روحه كاملةً في امرأةٍ وحيدة، فريدةٍ من نوعها، جمعت كل الصفاتِ التي يتوق إليها أي رجلٍ حاذق مُدرك أن الجمال الحقيقيَّ ليس في الملامح وإنما في الجوهر الداخلي. فكم من امرأةٍ خارقة الجمال وهي بلا عقلٍ يُميز الأمور من حولها؟
أحيانًا تغترُّ بقسامةِ وجهها وجسدها، متناسيةً واجباتها تجاه الآخرين، كأنها جاءت العالَم لتحيا بجمالها على عرشٍ باهِ. وكم من امرأةٍ بسيطةِ الملامح لكنها ذات فكرٍ عظيم كفيل أن يجعلها في منصبٍ مرموق، أو أنها لربما تُصبح ذات يوم شخصيةً مؤثرةً في المجتمع.
لكن ذلك ليس بقاعدةٍ أساسية تعني أن كل الجميلاتِ ناقصاتُ عقلٍ، وأن متوسطاتِ الجمال أشدّ رصانةً، فهناك باهياتٌ أهداهن اللهُ حلاوةَ الشكل والعقل معًا، وهناك مَن ينقصها الجمال والعقل، فلا يُميز امرأة عن أخرى سوى طريقةُ التفكير وليس الشكلَ بتاتًا.
أول مرةٍ خفق فؤادُ "رمزي" فيها كانت لها، إذ يراها أجملَ نساءِ العالم، ذاتَ عقلٍ متمايز، وروحٍ صافية، متأثرةٍ بالطابع الديني. تلك التي وضعت حدودَها الشخصية فاصلةً لأي تعدياتٍ دنيئة من الآخرين. على الرغم من حدتها في نُصحه إلا أنه أحبَّ نصحها الدائم له، وحرصَها على ردعه للوقوع في المعاصي كأكبر ذَنبٍ يرتكبه في حياته –السحر–، إذ تخشى على جسده الممشوق لهيبَ الآخرة الذي لا يتحمله أيُّ مخلوق على وجه الأرض.
المرأة الصالحة مرآةُ الروح، وأمٌّ بديلة في غياب الأم الحقيقية. دومًا ما أحسّ أنها مرآةٌ له، يرى فيها عيوبه وأخطاؤه دون أن تُجامله بالأكاذيب بهدف لا ينجرح شعوره، لكنه سيستمر في دَربه منتهجًا ما ظنه صحيحًا. ضميره لم يُؤرّقه إلا على يداها، كأنها فطيمة التي غابت وتركت على كاهليه آلامًا جرفت صفاءَ شبابه، لكن في نسخةٍ حضرية، شبابية، فتاةٍ مثقفة، ذاتِ وجدانٍ صافي، وروحٍ مَصونةٍ جذبته إليها بلا إرادة.
دليلة! مَن تلك التي أحبها وطلبها من والده؟ وهو منذ أن وقع في الحب انطمست عيناه عن النساء أجمعين بغشاوةِ الوفاء، شعر بمدى أذيةِ مصعب له في صباه وشبابه، ذاك الذي حطمه وفرقه عن محبوبته ظنًا منه أنه سيهيمن على الأوضاع، وكأنه يُحرّك الجميع كالدُّمى ويتحكم في مجرى حياتهم مرةً بقوته الخفية وأخرى بغسيله لعقول المعتوهين فكريًا.
أحسَّها مؤامرة ضده لتفريقه عن مَن لا يخلو شبرٌ من شرايينه إلا وامتلأ بدماء عشقها، فوقف مُنصدمًا لدقائق، منحصِرًا بين اختيارين أشدّ من بعضهما: إما أن يعترض ويُكذّب والده فيخسر مكانةَ بيارون وتنتهي المهام قبل أن يُتمها، أو أن يُفلت حبه الوحيد من قبضتيه للأبد، فظهر على ملامحه جَهامةٌ غريبة، ولسانه يتخبط سقفَ فمه بارتباك، ثم جمع شتاته وسأله بنبضاتٍ متزايدة:
_يا عِمدة ضرغام، أنا ماني فاهم إنت وش تقول، أبوي چالك متى؟ وش قالك؟ وليش سوا كذا؟!
ضحك الشيخ "ضرغام"، ملامسًا الخجلَ المتوهج في عينيه، فكما حدّثه مصعب مُخبرًا إيّاه أن رمزي سيستنكر ذلك نظرًا لإحراجه من الأمر، فأجابه بصراحة:
_أبوك چاني يا رمزي وقالي كل السالفة، قال إنّك تبغى تتزوچ دليلة، بس مستحي تحكيلي بلسانك، وآني يوم قعدت أفكر في الموضوع، ما لقيت لبنتي أحسن منك....
ثم استمال بظهره إلى الوراء، مستندًا إلى ظهر مقعده المُميز، واسترسل بإعجابٍ وانبهار مُنسلّان من نبرته:
_والله يا رمزي إنك أحسن واحد عندي هني، واللي مثلك كان المفروض يقعد مكاني ويشيل مقامي، رچال شهم وطيب، وعقلك يوزن ديرة كاملة....
وانتشرت ضحكاتُه في أرجاء البهو، متابعًا بمزاح:
_بس فيك عيب واحد يا رمزي، العناد! لازم تهدي بالك شوي وما تكون راسك ناشفة، أبغاك ليّن وتاخذ وتعطي في السوالف، واسمعني زين، آني ما راح أسمحلك تچرح خاطر دليلة، هذي بنتي الوحيدة بعد سهير الغالية، دليلة تشيلها عراسك لين آخر يوم بعمرك يا رمزي!
حارَ "رمزي" في كلامه، إذ بدا مُتلعثمًا وهو يقول:
_بس يا عمدة....
قطع العمدة "ضرغام" حديثه في التوِّ واللحظة، فلا زالت الضحكة بارزةً على شفتيه بفرحٍ لا يُضاهيه شيء، قائلًا بتهلُّل:
_ما في بس يا رمزي! شيل الخچل اللي بينا! حنا خلاص بنصير نسايب هالأيام، وعلفكرة، آني ما قلت لأبوك شي للحين، حبيت تكون إنت أول من يدري، وأبغاك إنت اللي تبشره بلسانك وتفرح قلبه بموافقتي عزواچك من دليلة....
كأنَّ الصمت ابتلع رمزي، فظلَّ مُنصدمًا مما يسمعه، ولأول مرة يشعر أنه مبتورَ الأيدي، عاجزًا عن حل الأزمة التي أرغمه عليها والده دون أن يُشاوره فيما يخصّ مستقبله. عصف الدُّوار برأسه، فيما رفع الشيخ "ضرغام" يدَه على رأسه بسرورٍ، وتابع:
_يلا يا عريس، روح شوف اللي وراك وچهز حالك، آني خلاص بتفاهم مع أبوك وتكون دخلتك عدليلة الخميس الچاي بإذن الله.
اتسعت حدقتا "رمزي" بصدمةٍ، متذوقًا مرارة تَصفيده عن الاختيار، بدا سجينًا لتسلّطات والده مصعب اللامتناهية، اجتاحه طوفانٌ من الغضبِ المكبوت، الذي إن خرج لخَسر مكانته في بيارون التي سعى لها حِقبةً طويلة من الزمن، إذ أحنى رأسه لأسفل، ومشاعر الألم العاطفي تحكم حواسَّه بعنف، وقال مُذعنًا:
_عن إذنك يا عمدة.
أشار له العمدة "ضرغام" بيديه نحو البوابةِ الواسعة، المنقوشة بأشكالٍ تحمل في طيّاتها حكايات الألمِ التي عاشها كلُّ فرد داخل هذه السرّية، وكأنها مَنبع للأتراح منذ ليلةِ شُغور زوجته وابنته سهير عن الأنظار إلى يومنا هذا، ليقول ببسمةٍ هادئة:
_اتفضل يا رمزي!
أدبَرَ "رمزي" عن سرّية شيخ البلد، خرج مُحطمًا بلا قدرة على التحمّل، سيقانُه لا تحمله، وبدنه متألِّم، وكلُّ شبرٍ فيه ينزف قهرًا لخسارة محبوبته. عينان لا تريان سوى الظلام، وكأنّ الدُّجنة التي في أعماقه فاضت على قسامته. من هذه اللحظة، كل شيءٍ تغير في عينيه بعدما استسلم للواقع المرير، وترك والده يرسم لوحة حياتِه بفُرشاته المتدنِّسة بالبوائق.
ساقته قدماه بلا إرادةٍ إلى نفق بيارون، ذهب إليه وهو على شَفةِ الجنون، من حياةٍ تعيسة لا يضارعها كَدَرٌ أكثر من ذلك، إذ وصل إلى حافةِ الهلاك، لدرجة أنّه لم يشعر بمشقّة الوصول إلى بيارون، إذ صبَّ كل تفكيره نحو چيهان: كيف سيلقّنها الخبر؟ هل سيذهب من الأساس إلى الزفاف؟ وإن لم يذهب فكيف له أن يتحمّل مخاطر الشيخ ضرغام؟ ذاك الذي سيعلّمه درسًا قاسيًا يندم عليه طوال حياته. حتى إيبار سيتعثّر عن الوصول إليها ويصبح من المغضوب عليهم الممنوعين من بلوغ الحيّ من الأساس.
وبينما وصل إلى منتصف بيارون، وقف في البهو المُنحصر، ورمق كلَّ الأركان بعينين تشعّان لهيب الغيظ من تصرّفات والده، ثم بدأ يطرق بيديه على الجدران بقسوة، وهو يصرخ بأعلى صوتٍ ترتدّ أصداؤه في محيطه وتعود إليه كالسكين الجارح في صدره. بدا كالثورِ الثائر، وهو ينطق بعتابٍ حزين:
_ليش بتعمل معاي كذا؟ بتعاقبني عشان بدفع عنها أذاك وشرك؟ ليش كل ما بيكون نفسي في شي بتحرمني منه؟ يإما أنفذ كلامك يإما تهدملي مستقبلي؟ ملعون قلبي اللي حطني في كل اللي أنا فيه ذا، هو سبب العذاب اللي وصلتله....
لكنه سرعان ما تذكّر أن الحُب لم يكن سبب هلاكه، بل كان الجرح الأعمق في فؤاده أبًا نذلًا لا يرى إلا نفسه، نرجسيًّا حتى العظم. عندها هدأ قليلًا، وصوّب حديثه الجارم مردفًا:
_لا مو قلبي هو السبب! مو قلبي! قلبي هو اللي صحى ضميري، هو اللي رچعني للحياة اللي أمي فطيمة كانت نفسها أعيشها... قلبي هو اللي نچاني!
كأن الهدوء النسبي لم يكن سوى مهلة منحها لنفسه ليوبخ ذاته، وما لبثت أن انقضت حتى عاد إلى عاطفته المتأججة من جديد، فرجَّ بيارون بصوته رجًّا، صارخًا بجلبة:
_إنت السبب يا مصعب، إنت اللي خسرتني كل شي كنت أحلم فيه، من يومك وإنت عدو فرحتي، أبوي؟ كيف وإنت تدمر اللي من لحمك ودمك؟ ليش تبعدني عنها وإنت عارف إن رمزي زمان غير اللي هو هسه! ليش تعمل معي كذا؟ ليش؟
وبينما انفجرَ المصباح فوق رأسِه، كانت إشارة واضحة وضوحَ الشمس بأنَّ مصعب صاغٍ لعتابه اللاذع، فرفعَ "رمزي" ناظريه إلى الأعلى، وتابع بصرخةٍ مدوية كالرعد:
_إنت عدوي، ما صرت أبوي، إنت أسوأ شي شِفته في حياتي، وأنا ما مسامحك وما راح أسامحك باقي عمري!
ثم تحرّك من موضعه عازمًا النيّة أن ينبش في أسرار إيبار ويصل إلى كل الحقائق الملحودة بأعماقه، كان الألم حافزًا له أن يبتر رؤوس الأفاعي ليتمكّن من العيش بسلام.
إذ على جهة أخرى وكأن العمدة ضرغام انتهز الفرصة ليحقّق هو الآخر مصالحه، يده في يد مصعب باتّحادٍ لأن تتم الزيجة بنجاح، فلكلّ منهما أهدافه الخاصّة المتوق تحقيقها، غير عابئين بمشاعر الغير، فما للشيطان أن يترك العباد سالمين، لا بدّ أن يحضر بدوره ويثبت جدارته في نشر الفساد.
هنا في دار العمدة لكلّ فردٍ فيها حياة مُرهقة ابتداءً من جليل الشأن إلى أدنى غفير في السرية، يَنعم البعض متلهّفًا لأن يكسب نظرة ابتسامة بسيطة من شفتي ابنة العمدة دليلة، الفتاة التي خرجت عن مسار القطيع واختارت أن تُكمل دراستها في الجامعة الأهلية بالوادي الجديد، كانت هادئة الملامح وبسيطة إلّا أن عقلها مستضاء بنور العلم، متمنّية لو أن تنهي سلسلة الجهل وتبث مكانها خبراتها الجامعية التي اكتسبتها.
دومًا ما كان السائق الخاص يصل بها إلى الجامعة ويظلّ ماكثًا في الخارج حتى انتهاء اليوم الدراسي، ومن ثم يعود بها إلى السرية، إذ رفض العمدة أن تغادره ابنته وتعيش في السكن الجامعي برفقة من لا يعرف نواياهن وأطباعهن التي لربما تكن وضيعة، فكان له دور بارز في ضبط أسلوب حياتها.
وقفت "دليلة" إزاء شرفة غرفتها المطلة على حديقة المنزل، جدرانها وردية زاهية مزيج بين الألوان الآتية: الأزرق، الأحمر، الأرجواني، يفوح فيها أريج المسك الأبيض، والأثاث جميعه مطليّ بطلاء أبيض بشكل عصري، السرير متاخمًا للجدار وإزاءه مكتبها الحاوي كتبها الدراسية والأقلام الجافة والأوراق، خزانتها من نوع حديث زجاجها كاشف لما تحويه مع مصابيح ضوءها مانح طاقة إيجابية في المكان من حوله، السجادة نقشوتها لطيفة ومريحة للعين، وكأنها الغرفة لوحة تصف مظاهر النظام والرتابة.
تحدّثت بنبرة خافتة جدًا في الهاتف مع زميلها الجامعي، ذاك الذي سقطت في حُبّه، وربطت بينهما مشاعر الهوى، إذ قالت وهي تلتفت حولها بحرصٍ:
_أبوي مصمم، حاولت أقنعه إن الموضوع هذا ما بينفعني، ما راضي يسمعلي، أنا ما راح أقدر أعيش مع غيرك يا حسام....
وبينما دُق الباب ثلاث دقاتٍ متتالية برفق، نطقت بسرعة:
_حسام بكلمك بعد شوي، واضح إن أبوي وصل، سلام.
أخفت دليلة هاتفها أسفلَ الوسادة، وهندمت ثيابها بأنامل مُرتجفة، ثم خطت ناقشةً القلقَ والارتباك في كلّ خطوة، وفتحت الباب لوالدها بابتسامةٍ يَضمرها ارتباكٌ خفي، ودلفت إلى الداخل فخطا "ضرغام" وراءها وصكّ الباب، ثم وقف بثبات وقال بحزمٍ قاطع:
_آني خلاص، كلمت أبو رمزي واتفقت معاه عكل شي يا دليلة.
استدارت "دليلة" نحو والدها بانفعال، وخرج صوتها عاليًا وهي تقول مُعترضة بوضوحٍ على الزواج من رمزي:
_برضه يا أبوي، سويت اللي في راسك؟ أنا قلتلك ما أبيه، وراح أظل أقولك ما أبيه يعني ما أبيه.
ابتلّت ثياب دليلة بدموعها المنهمرة، كأنها تعيش تحدّيًا مع سندٍ يفترض أنه لا يميل بها، منبع حقيقيّ للدّعم، لكنها تفاجأت بأنانيته وهو يتعامل معها بقسوة، كأنّه قصد أن يثبت لها استئثاره لنفسه، وإن كانت الضريبة خسارتها الحُب، فأجاب بفظاظةٍ صاخبة:
_ومن متى وحنا بنسأل البنات عن چوازهم؟ صحيح المثل بيقول اخطب لبنتك ولا تخطب لولدك، آني أبغى أضبطلك أمرك مع اللي يليق بيكي، أبغى أشيل ولادك وأفرح بيهم قبل ما أموت.
صرخت "دليلة" وأبدت احتجاجها على هيمنته لحياتها، قائلةً بصراخٍ عال:
_ما أبيه يا أبوي، ما أحبّه، أنا أبغى أتخرچ من الچامعة عخير، وأكمّل الدراسات العليا، نفسي أصير دكتورة چامعية، وما أفكر في موضوع الچواز هذا ولا أبيه من الأساس.
ردّ الشيخ "ضرغام" محاولًا إقناعها بلين، فظهر مسالمًا وكأنّه هدوء ما قبل العاصفة، قائلًا:
_لو حجتك دراستك، اتزوچي وكمّلي دراستك، أبوكي راح يتكفل بكل مصاريفك لين ما توصل شهادة الدكتوراه في إيدك....
وخطا نحوها بضع أمتارٍ، وبسط كفّه على كتفها، متابعًا بإصرار لا ينكسر:
_الچوازة بترچع عليكي وعليّا بالخير والبركة، أمك وأختك بيرچعوا لحضننا من چديد يا دليلة، وبعد ما بيرچعوا ساعتها اتطلقي منه وسوي كل اللي نفسك فيه.
انفجر صدحُ "دليلة" عاليًا في الأجواء، ففهمت في تلك اللحظة أن كلَّ محاولات والدها للإقناع ما هي إلّا فائدة عائدة إليه، جعلته يُلغي قراراتها ليظهر بشكلٍ ديكتاتوريّ يُناهض النقاشات، فقالت بنحيبٍ مسموع:
_قول إنك بتسوي كل هذا عشان مصلحتك مو عشاني أنا، تبغى تچوزني لواحد ما أبيه عشان أمي وأختي يرچعوا، وبعدها أتطلق وآخذ لقب مطلقة؟ وما أحد يطلع من هالفيلم كله خسران غيري أنا؟
دوي الشيخ "ضرغام" بصراخٍ مُتفجر كالعاصفة الرعديّة:
_صوتك ما يعلى عليّ! لا تنسين إني أبوكي وآني هني الكلمة كلمتي والشورة شورتي! تبغين تكملين معاه، يا أهلًا وسهلًا، بس لو ما تبغين براحتك لازم تتزوچينه الأول، وإلا كل هذا بيضيع بسببك إنتي.
ردّت "دليلة" بصُراخ اخترق السكون وجذب أنظار رجال الغَفر في الأسفل، فرفعوا رؤوسهم يتساءلون عن الشجار الدائر بين شيخ البلدة وابنته الوحيدة، وقالت بعنادٍ تقطّر من حروفها:
_بس أنا ما أبي أتزوچه، إنت بهالشكل بتضيعلي مستقبلي وتهدّملي كل اللي نفسي فيه....
بتر الشيخ "ضرغام" حديثها بصرخة مُفزعة هزّت جدران البيت، ونطق بقساوةٍ غلظت نبرته وأثارت في قلبها خوفًا باردًا، قائلًا:
_آني ما أبي أسمع أي نقاش منك بعد اليوم، آني ما چاي آخد رأيك، آني چاي أبلغك إن دخلتك عرمزي الخميس الچاي، عاچبك زين، ما عاچبك براحتك، الزفاف ما راح يتلغى وكل شي راح يمشي مثل ما هو.
خرج الشيخ ضرغام محتدمًا من فُوّهة الغرفة، فنهضت "دليلة" بسرعة وصكّت الباب خلفه بحذر. أسرعت تستلّ هاتفها من أسفل الوسادة، وأجرت مكالمة عاجلة بودودها حسام. كانت ترتجف بمزيج من الخوف والحسرة، وكأنها تتحسّس قيود سلطة والدها التي طالما كبّلتها. أخفضت صوتها ودموعها تنهمر بغزارة على ثوبها كالشلال، وقالت مستغيثة:
_أبوي حدد زواچي من الغفير يا حسام، بموت من الحزن، ما قادرة أصدق اللي صاير!
أحكمت أنيابُ الذئاب الحادة ضحيتين لا ذنب لهما، وقُضي الأمر فلا مفرّ. تمت الصفقة عبر الهاتف بين العمدة ضرغام ومصعب حول زفاف رمزي ودليلة. لم يعرف أحد سبب هذا التعجيل الغامض بالحفل، لكن الحقيقة تكمن في قدرات مصعب الشنيعة على تبديل الواقع وتحويله إلى فيلمه الخاص بعصاه السحرية.
فكيف يجتمع قلبان متنافران؟ كلاهما روحه معلقةٌ بشخص آخر، وظروف حياتهما أبعد ما تكون عن الالتقاء. فالبُعد عن من تحب مؤلم، لكن ما يُمزق القلب حقًا هو أن تواصل علاقة لا تمثلك وروحك في قبضة آخر.
ساعاتٌ طويلة مضت ودليلة تنتحب في حجرتها، تتوسّل إلى حسام أن يجد حلًا لهذه الكارثة. لم يخطر في بالها يومًا أن تكمل حياتها بدونه، حتى والدها الذي كان لينًا معها، يأخذ برأيها في بعض شؤونه، بدا وكأنه تبدّل إلى رجل مستبد، قاسٍ لا يلين.
في هذه الأجواء الثقيلة استيقظ القمر من سباته، يشعّ بضوء متوهج فوق البلدة. ووسط كل ذلك، كان رمزي يحقق أولى مبتغياته: كتاب السحر الأصلي! قبض عليه بأملٍ عظيم؛ أخيرًا سيتمكن من تحصين چيهان بالطريقة التي يعرفها. قوته وقدراته الروحية لم تخبُ يومًا، لكن ما كان ينقصه هو كتابه الأحمر.
هذه الخطوة كانت آخر دربٍ من رحلته مع چيهان؛ رحلة بدأت بالهروب والخوف والتسلط وانتهت بمشاعر غرامٍ دفينة. نظر إلى الكتاب ببهجة ممزوجة بالحزن لزواجه الوشيك من دليلة، فيما لا تزال داخله رغبةٌ في استكشاف تفاصيل إيبار وإخراج والدته من ظلمات سفحه وما يكتنفه من كياناتٍ سفلية وروائح قرابين خانقة.
ضمّ الكتاب إلى صدره كأنما يحمي طفله من المخاطر، وانطلق خارج النفق كمن يسابق الزمن ليصل إلى بر الأمان. تصفح أوراقه بفخرٍ، قرأ التعويذة بصوتٍ خافتٍ ثم أغمض عينيه وأعاد فتحهما ليجد نفسه خارج بيارون في لحظة، وكأن الرحلة التي استغرقت منه ساعات قد اختُزلت في طرفة عين.
عاد مسرعًا إلى دار الخال فهيم، حيث التقى هناك بخاله الأصغر فايز في البهو الواسع على الجلسات العربية، وبرفقته أخويه فهيم وعاصم، وحيالهما الأبناء الذكور. أما النساء فاجتمعن في مجلسهن الخاص، فأصرت غزالة على دعوة چيهان احتفالًا بعودتها مع رمزي سالمين. جلست چيهان بجوار صبا، أمام غزالة وغيداء وزوجة فايز وأطفاله الصغار.
في محفل الرجال، ما إن لمح "فايز" رمزي حتى نهض ليعانقه بحرارة، وربّت على ظهره بابتسامةٍ عريضةٍ، وقال بفرحٍ:
_ياه يا رمزي، شلونك يا روميو العرب إنت؟
ردّ "رمزي" بابتسامةٍ مصطنعة وداخله بركانٌ يفيض بنارِ القهر:
_الحمد لله يا خال فايز، حمد الله عالسلامة.
وبينما يدور بين رجال العائلة يصافحهم بحرارةٍ، جلس الخال "فايز" موضعه، وأجابَ ببسمة فرحٍ:
_الله يسلمك... والله صار لي زمان ما شفتك، نحفت وايد يا رمزي وشكلك تغيّر.
ضحك "عاصم" بنبرةٍ عالية، وردّ بالنيابة عن رمزي:
_نحف من كثر ما بياكل في روحه، لو يهدي نفسه شوي بس.
جلس "رمزي" بجوار ناجي وأبناءِ أخواله في المجلس العربي ذو الطابع البدوي، اتضحت الهموم عليه دون حديث، لكنه رفعَ يده على وجهه بانكسارٍ، وقال:
_والله يا خال من كثرة الهموم.
مرت غيداء وصبا أمام الرجال، ودخلتا المطبخ سويًّا في تلك الأثناء، وبينما الأنظار منصبةٌ عليهما، ابتسم "فايز" لرمزي ابتسامةً لطيفة، وتساءل بدهشةٍ:
_هموم إيش بس وإنت بعدك في عز شبابك؟ اجمد يا رچال، لسه الهموم راح تزيد لما تتزوچ وتخلف وتشيل المسؤولية كلها فوق راسك زينا.
ائتلف رجالُ المجلس معه في رأيه عن مسؤوليّات الزواج، بما فيهم "ناجي" الذي انفجرت ضحكاته عاليةً، فضمّ الوسادةَ إلى صدره، وقال باندماجٍ في الحديث:
_عندك آني أهو يا رمزي، لسه يا دوب اتزوچت وما خلفت، ولو يرچع بيا الزمن ويدفعولي ملايين الدنيا والله ما راح أتزوچ.
اندهشَ "مهاوش" ابن عمه من رده، فقابله بردٍّ جاف لكنه يحمل في طياته مزاحًا ظريفًا، قائلًا بمعارضة:
_كيف يعني يا ناچي؟ أختي ما قصرت معاك في شي، هذي قايدة صوابعها العشرة شمع، ولا في أحد بيلعب بعقلك؟
قهقه "ناجي" ممازحًا إياه هو الآخر، إذ ردَّ بالنفي للإشاعاتِ الكاذبة:
_لا لاعب في راسي ولا إيدي ولا رچلي، آني ما عاد عندي راس من الأساس من بعد حكاوي أختك اللي مثل شريط الراديو اللي ما بيوقف.
ما لبثَ الرجال أن يتضاحكوا وكأن البهوَ تحول إلى مقهى اتسع جدالاتهم الساخرة، إلى أن استمعوا لشجارٍ حاد بين غيداء وصبا من عمق المطبخ. خرجت النساء من محفلِهنّ على عجلٍ، وصخبُهن يتردد في الآذان، إذ قالت "غيداء" لصبا بصرخةٍ عنيفة:
_آني قِلتلك راح يتحرق وإنتي ما سمعتي الكلام، ما دام إنتي ما بتعرفي تطبخين، ليش تدخلين المطبخ؟
فاحت رائحة الخبزِ المحروق في الأجواء، مع الأصواتِ المتضاربة في شجارٍ حاد، فردت "صبا" مُدافعةً عن ذاتها، مُبررة ما حدث بأسلوبٍ مهذب:
_ما صار شي يا غيداء، ما كانوا إلا رغيفين عيش اللي اتحرقوا، نحمص غيرهم وخلاص، كأن ما صار شي.
تساءلت "غزالة" عما حدث بينهما، محاولةً الإلمامَ بطرفِ المشكلة، فوقفت بمنتصفهما، وقالت:
_إيش اللي صار بس يا بنات؟!
أجابت "غيداء" بصياحٍ جذب أنباهَ الرجالِ إليهنّ، إذ نهضَ كبار العائلة ووقفوا إزاءَ المطبخ، مستعيذين بالله من الشيطان الذي شبّ بينهما نيرانَ الغضب:
_قِلتلها ما تسخن الخبز في الفرن، ما سمعت كلامي وقالتلي ما بيصير له شي، وتركته وقعدت تتغنج قدام المرايا وتغني، وفي الآخر اتحرق بسببها، آني أبوي شقيان بالفلوس عشان تيچي تحرقه بكل سهولة؟
تدخلت "چيهان"، ساعيةً إلى أن تُصلح فيما بينهما، عسى أن تخمدَ الخلاف بينهما بنُصحها الخلوق، قائلة:
_خلاص يا غيداء محصلش حاجة لكل ده يعني، صبا مغلطتش، ماحنا كلنا ساعات بيتحرق مننا الأكل.
أشارت "غيداء" نحو چيهان بسبابتها بطريقةٍ استحقارية، وكأنها استغلت الفُرصةَ لتخرج المستور إلى العلن، قائلةً بصياح بلا رحمة:
_ما بقى ناقص غيرك إنتي بعد اللي تتكلمين يا ست چيهان، حنا بنات عم ومشكلتنا سوا، ليش تدخلين نفسك في اللي ما يخصك؟
بمجرد أن أصغى رمزي لحديثِ غيداء، نهض في الحال بغضبٍ، وفي تلك الأثناء المليئة بعواصفٍ النزاع، قالت "غزالة" بصياحٍ، موبّخة ابنتها السمجةَ:
_شلون تتكلمين بهالأسلوب مع بنت عمك وچيهان؟ وإيش اللي تقولينه ذا؟ وهي يعني چيهان غريبة؟ ما هي أخت رمزي اللي هو أصلًا ابن عمتك؟
ارتجف جسد چيهان خوفًا، متوقعة أسوأَ السيناريوهاتِ في هذه اللحظة، فلم تكتفِ "غيداء" بأسلوبها المتدنّي مع الفتيات، إذ نشرت السرَّ بقلبٍ جامدٍ لا يزعزعه أجللُ جليل، وقالت بغيظٍ جلي على معالمِها الثائرة:
_لا، اللي إنتوا ما تعرفوه إن چيهان لا تبقى أخت رمزي ولا شي مثل ما فهمنا، زوچ عمتي اتصل بيا وحكالي كل شي، وقالي إن چيهان هربانة من دار أهلها ومتزوچة رمزي بالسر، والله أعلم إيش بعد بيصير، حنا يعني شايفين شي؟
ما قطنت الصدمةُ العاتية على وجوهِ الجميع، إلا أن انقضَّ ناجي عليها يطأها بقسوةٍ لاذعة، وفي هذا الأونِ تراجعت چيهان للوراء وجسدُها يرتعش بشدةٍ، والدموع تغمر عينيها، رفعت يداها على الجدارِ بألمٍ، ولا زالت "غيداء" تعول بحرارةٍ وتفجر المستور، قائلةً:
_بتضربني عشانها يا ناچي؟ اللي ما تعرفه إن چيهان هي اللي طاحت بمراتك عالأرض وهي حبلة لما دفعتها برچليها من عالسلم عشان غيرانة منها، إكمنها متزوچة في العلن وهي متزوچة بالسر، آني ما أكذب على شي، ما أكذب!
تركَ ناجي أختهُ الكبرى بفزعٍ لما سمعه منها، وقفَ رامقًا چيهان ورمزي بعدم استيعابٍ كمن يعيد الكلمات في رأسه مرةً أخرى، فصرخَ الرجال في غيداء، من ضمنهم والدُها "فهيم" المتلفظ بصراخٍ:
_احترمي روحك يا قليلة الرباية، راح أربيكي وأكسر عضمك يا خيبة عمري كلها! يا خسارة قطمة ظهري عليكي عشان أربيكي تربية زينة!
رمقت "صبا" چيهان بحزنٍ، فاتجهت نحوها بخطواتٍ قليلة، والأخيرةُ ترتجف وتبكي في صمتٍ، فسألتها:
_الكلام ذا صار يا چيهان؟ إنتي ورمزي متزوچين بالسر، مو أخوات؟
أومأت چيهان رأسها مشيرةً بـ "لا"، ثم انطلقت مهرولةً بجنونٍ إلى الخارج وهي تبكي بكاءً رهيبًا. خرج "رمزي" وراءها سريعًا يُناديها بامتعاضٍ، قائلًا:
_چيهان استني! خلينا نحكي ونعرض الحقيقة للكل! چيهان، بقولك استني!
تجاهلت چيهان نداءَه لها، ومكثت صارخةً بين شوارعِ البلدة لا تدرِ إلى أي اتجاهٍ ستتحرك، لكن تمزقُها النفسيّ أجبرها على السيرِ بجهل. وقبل أن يخرج "رمزي" وراءها، عادَ إلى عائلة والدته بغضبٍ لا يضاهيه شيءٌ، صرخ في الجميع، وقال مستميتًا للدفاع عن شرفها إزاءهم:
_أنا ما راح أسمح لأي واحد فيكم يتكلم عن چيهان بكلمة شينة! چيهان بنت ناس محترمين ومتربية أحسن رباية، أقسم بالله العظيم إن ما في بيني وبينها أي شي شين، چيهان تخاف ربها، واللي أنا وهي اتحطينا فيه ما من حق حد يعرف عنه شي، بس اللي أقدر أقوله لكم إن چيهان طاهرة وما في أطهر منها....
سأله "عاصم" بجلبةٍ مدوية، مستفسرًا عن كلِّ ما حدث في طيات علاقةٍ بدأت في الخفاءِ، وانتهت بخزيٍ شنيع في حقِّ من حافظت على شرفها لآخر لحظةٍ لها في الرحلة:
_چايب واحدة غريبة بينا يا رمزي وما تبغى حد يتكلم؟ تبغى الناس تقول إيش؟ ياكلوا وشنا ويقولوا علينا ناس مو تمام وليهم في هالسكك الشمال؟ تبغى تبوّظ سمعة العيلة اللي عشنا حياتنا كلها نبنيها؟
دوى "رمزي" بصياحٍ، إذ برزت عروق يداه وعنقه، واتسعت حدقتاه، وجزَّ على أنيابه باحتدامٍ، متحولًا إلى جريحِ شموسٍ، متلفظًا بضجيج:
_أقسم بالله اللي بيچيب سيرتها بكلمة واحدة، هلبس فيه البدلة الحمراء! چيهان محترمة وعفيفة، واللي ما عاچبه كلامي يشرب من البحر، كل اللي صار كان بسبب أبوي، مو بسببي ولا بسببها، چيهان ضحية ولما اتحطت وسطنا كان عشان أبوي بيقلب الدنيا عليها ويبغي يأذيها....
واسترسلَ بصخبٍ لغيداء الباكية وراء أخيها المُنفعل:
_وإنتي بعدين راح تدفعي ثمن اللي سويتيه مع چيهان غالي وايد، وأنا ما راح أتكلم، راح تشوفي بعينك وإنتي تعرفين!
وفي لحظاتٍ قليلة أمضى سريعًا إلى الخارج، متناسيًا مشكلة ساقيه التي عان منها لأعوامٍ، لكن لا يهمُّ في سبيل أن يبلغَ "چيهان"، تلك التي وصلت قبالةَ المسجد، فظلت مكانها مُستعبرة بنبرةٍ عالية مزقت سكونَ الحي، وبينما الشوارع مُظلمة وباب المسجد موصد، نجحَ رمزي في الوصول لچيهان، فمكثَ قبالتها بأنفاسٍ رابية للمجهود الشاق الذي بلغه في الركض خلفها.
ما لبثت چيهان إلى أن بصرتهُ فانفجرت صارخة في وجهه، قائلة بعتابٍ أصاب قلبهُ بسِهام الندم:
_مبسوط دلوقتي وإنت خليت شكلي وحش قصاد كل الناس؟ أنا اتطعنت في شرفي بسببك، ازاي أنا أقبل على نفسي إن كل ده يحصلي من البداية....
قطعَ "رمزي" حديثها بأنفاسٍ متقطعة، محاولًا إخماد غضبها المتأجج، فقال:
_چيهان اسمعيني طيب!
تفاقمت الأوضاع سوءًا، و"چيهان" تنتحب بنبرةٍ دامغة، فتحركت بعيدًا عنه، وقالت بصرخاتٍ متوالية:
_بس بقى مش عايزة أسمع حاجة! إنت مُدرك إنك خليت الناس كلها تشوفني وحشة؟ عارف أنا أهلي تعبوا فيا قد إيه عشان يطلعوني بالشكل اللي بقيت عليه دلوقتي؟ ازاي واحدة زي دي تتكلم في حقي بالأسلوب ده؟ جملة إنتوا أخوات اللي كنت بسمعها وبتضايقني يا ريتها كانت حقيقة ولا إني أسمع جملة متجوزين في السر!
ثم ضحكت بهيستيريا، مزدريةً بشجن من الاتهامات الباطلة لشرفها، متابعةً:
_متجوزين في السر؟! إيه يخليني أسيب أهلي وأخون ثقتهم فيا وتعبهم عليا السنين دي كلها وأروح أتجوز في السر؟ إيه يستاهل أصلًا إني أعمل كده وعلشان إيه؟ هو في حاجة تستاهل إننا نخسر رضا ربنا علشانها؟
هدأت قليلًا، واسترجعت باقي التُّهم الكاذبة، متابعة:
_وأنا برضه اللي زقيت صبا من على السلم؟ أنا اللي اعتبرتها ولسه بعتبرها زي أختي؟ ليه هكرهلها الخير وهي مأذتنيش في حاجة؟ وحتى لو أذتني أنا مسامحة... أنا مسامحة في أي حاجة إلا اللي غلطوا في حقي وشوهوا صورتي....
واسترسلت بنواحٍ باكي:
_سيرتي اتشوهت، كله بسببك إنت! إنت السبب في كل حاجة حصلتلي، أنا همشي وهرجع لأهلي، وإياك تمنعني مهما حصل، فاهم؟
تقدم "رمزي" بالقُرب منها مستشعرًا بكلِّ آلامها، وأجابها بهدوءٍ:
_هدي روحك! ما أقدر أشوفك خايفة بهالشكل وقلبك موچوع، خلاص يا چيهان، أقل من أسبوع وبرچعك دار أهلك، راح ترچعي لحياتك، بس هدّي روحك، والله يعيني.
اعترضت "چيهان" عن مآبها إلى حضن عائلتها في وقتٍ متأخر، إذ الحنين لهم يقتلها كلَّ ثانية، فلم تعد تحتمل الفراق أكثرَ من ذلك، فنطقت بصخبٍ:
_مليش فيه، أنا لازم أرجعلهم النهارده، مفيش حاجة اسمها أقل من أسبوع، أنا لو كملت يوم زيادة من غيرهم هيحصلي حاجة.
نطق "رمزي" بوعدٍ صادق لا يحوي أي تزييفاتٍ قد تفتك بأمانها وتشرخ جدار الثقة فيما بينهما:
_چيهان! إنتي تعرفين إن كلمتي سيف عرقبتي، أيام قليلة وبرچعك لأهلك وما تعاندي معاي! ظروفي ما تسمح أرچعك لهم اليوم، عدي الأيام معاي وبرچعك لأهلك وراح تشوفي إن وعدي ليكي صادق، خلاص؟
تحركت چيهان للأمام، منطلقةً إلى منزل الشيخ نعمان بعدما علقت خريطتهُ بذهنها، فيما اتبعها "رمزي" بخطى واسعةٍ، وانتابه شعورٌ غريب بكراهيتِها له ورغبتها لهجرانه وكأنها تنتظرُ هذا اليوم منذ زمنٍ بعيد، فقال بأسلوبٍ معبر عن حزنه:
_صار لي أحس إنك ما صرتي طايقة تكملين هني، أو إنك تكرهيني وما تبغين تتعاملين معاي.
توقفتْ "چيهان" عن السير، واستدارت له برفقٍ لتصحح مفهومهُ الخاطئ عن سلوكِها، فأحنت رأسها لأسفل كمن يتجنب مواجهة قدرِه المؤلم، ثم رفعت بصرَها نحوه، وقالت ببكاءِ:
_أنا عمري ما كرهتك، ولا حتى كرهت الظروف اللي جمعتنا ببعض، أنا كرهت أهرب من خوفي، كرهت احساس الأمان اللي بقيت أحس بيه يوم أه وعشرة لأ وكرهت.....
استأصل "رمزي" كلامها بسؤالهِ المنكسر، متخوفًا من أنها بعد كلِّ ما صنعه لأجلها لا تزال مفتقرة إلى التؤدة، فسألها وفي عينيه بريقٌ جاويّ:
_ما تحسي بالأمان وأنا چنبك؟ لهالدرچة ما لي أثر في حياتك يا چيهان؟
ردّت "چيهان" باكيةً، وأصابعها تتحرك على وجنتيها بألمٍ، تمسح الدموع الحارقة التي بدتْ وكأنها مياه ناريةٌ:
_هكون كدابة لو قولت مش بحس بالأمان، أنا فعلًا حسيت بالأمان، بس كل ده مش هيكمل وأنا بعيد عن أهلي، أنا فجأة لقيت نفسي هنا، حياتي اتغيرت وكل حاجة دخلت في اتجاه مكنتش متخيلاه أصلًا، بقول عادي وبستحمل على أمل إني أرجعلهم تاني، بس الإنتظار طال أوي زيادة عن اللزوم.
استلّ "رمزي" المنديل الورقي من جيبه، ومدّه إليها بحركةٍ حانية، وبينما چيهان تجفف دموعها، انبثق صوته باستضعافٍ، وهو يقول:
_خلاص وعد مني ليكي هرچعك لهم خلال كم يوم، بس اديني فرصة أظبط أموري أول... چيهان بالله عليكي لا تبكي! دموعك غالية وايد! أي واحد يچي يتكلم في حقك بشكل شين، راح يدفع ثمنه غالي وايد، راح ترچعي لأهلك مرفوعة الراس، بس لا تنسين اللي ما ينساكي وما راح ينساكي....
رفعت چيهان وجهها له بدهشةٍ شاجنة، والدموع لم تجف من عينيها بعد، فتابع "رمزي" بشعورٍ بالذنب:
_أبغاكي تسامحيني عكل شي سويته بحقك، زعلك بقصد أو من غير قصد، واعرفي إن أي شي ما كان بمزاچي وما كنت أقصده، رحلتنا سوا خلاص يا چيهان، أيام قليلة وبتخلص! بس يلا نرچع الدار، وقفتنا هني ما هي حلوة ليكي!
ازدادت "چيهان" استعبارًا، والحيوانات تمرُّ من حولهما في الشارع ليلًا، شاهدة لحظات الوداع، فما سيحدثُ وقت الوداع الحقيقي بين قلبين لم يعدا يتحمّلان الفراقَ؟ لم ترَ چيهان سببًا منطقيًا يجعلها تعود دارًا ليست بدارها وسط أناس كونوا صورة دميمة عنها، باعتبارها مثالًا خاضعًا لا يستحقُّ التبجيل، فقالت بامتناع وهي تزفر بارتجافٍ:
_لا أنا مش هرجع البيت ده تاني خلاص، لا ده بيتي ولا دول عيلتي، حتى أنا مليش عين أظهر تاني في حياتهم بعد اللي حصل، أكيد خدوا صورة وحشة أوي أوي عني!
انقشعت بسمة باهتة من شفتي "رمزي"، فرفعَ لها وجهها الخجول لأعلى، وقال بغمرة من الفخرِ:
_ارفعي راسك لفوق وأوعي تنزليها! إنتي ما ليكي عين واحدة، ليكي عينين وكل واحدة فيهم أچمل من الثانية، وما حد بيقدر يكسر عينك! أي واحد يچيب سيرتك بكلمة واحدة شوفي اللي راح يصيرله على إيدي، ما في حد يستچرأ يتعدى حدوده معاكي، وارچعي معاي للدار واعتبريهم آخر أيامك فيها، ومن بعدها بترچعي لحياتك الطبيعية، ولا ترفضي واسمعي الكلام! ثقي فيني وما راح تخسري!
هزَّ رمزي رأسه مشيرًا لها بمآبها معه إلى المنزل باعتبارها آخر الليالي في دار الخال فهيم، لكن چيهان أصرت أن تكون صفحةً طويت من حياتهم، رغبت أن تكمل أيامها الأخيرة داخل منزل الشيخ نعمان إلى يوم انقضاء مدتها، لكن رمزي غلبها بإصراره حينما أجبرَها أن تعاود معه إلى المنزلِ، إذ عادت معه مرفوعة الرأسِ كما أمرها، مانعًا إياها أن تُظهر ضعفَها لأحدٍ غيره.
تقدمت وراءه كمن تحتمي برجلٍ باسل، ذو شخصيةٍ صارمة يدفع عنها أذى الحاقدين ويفديها بروحه، وبينما يخطيان داخل المنزل بثباتٍ، وقف "فهيم" إزاء باب المنزل، وناداه بصوتٍ حاد، قائلًا بأمر:
_رمزي! استنى عندك! نبغاك چوا!
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة