الفُرَصُ الجيدةُ حينَما تأتي تحتاجُ إلى حكمةٍ وسرعةٍ في التنفيذ، لكنها أحيانًا تفدُ مُحملةً بالمخاطر، ليس لسوءها، بل لوجودِ أطرافٍ ينقشعُ من أفئدتهم اعتراضُ الممانعين. إذ لم يستوعب رمزي ما سمعه منها، بات كأنه حلمٌ، أو أن الكلمات تسللت إلى أذنيه بشكل خاطئ. بعد ما فعله من أجلها طوال هذه الأشهر، قد اتخذت قرارًا بشأن ترك دار فهيم، الدار التي أحاطتها بالأمان، ومنعت وصول المعاديين إليها، ومن أبرزهم مصعب الذي ينتظر الفرصة المناسبة ليتمكن من الاستيلاء عليها وتنفيذ وعده الصارم.
توقفت السيارة جانبًا على تراب الطريق، و"رمزي" ما زال صامتًا، وكأنه في هدوء ما قبل العاصفة، يعيد النظر فيما سمعه منها، حتى خرج عن صمته محتجًّا على خروجها إلى دار الشيخ نعمان، متحدثًا بلهجة حادة تحمل الاعتراض، ليقول:
_إيش الكلام اللي تقوليه ذا؟ تروحي عند منو؟ تروحي عند الرچال اللي فضحني قدام الناس المرة اللي فاتت؟ تروحي تعيشي عند عدوي؟
خرج "رمزي" من السيارة، وصكَّ الباب بقسوةٍ ارتدَّ صداها على الأزقةِ الشاغرة، بدا منفعلًا وكأنها القشةُ التي قسمت ظهر البعير، متابعًا بنبرةٍ أشدَّ قسوةً:
_لو تبغي تروحي، روحي يا چيهان، بس أنا بحبس كل اللي أعمله عشانك، وساعتها قعادك عنده ما بيصير له فايدة. أحسن ترجعي لأهلك، وأنا ما بخسر شي، بقدر أتصرف. بس إنتي بتغرقين، وما في حد في هالدنيا كلها بيحميكي من شر أبوي، الشر اللي إنتي ما تعرفين عن ربعه.
حاصرها بين اختيارين يحملان الأسى، لصوبة أعجزت عقلها عن التفكير: هل رفضه يُعتبر وعيدًا يحوي في لُبِّه لويَ ذراعٍ لتتعثر عن تحقيق قرارها؟ تشتتت بين أمورٍ قوية الصعوبة؛ إما أن تحيا معه تحت سقف واحد دون رابط شرعي، حتى وإن التزم كلا منهما حدوده الشخصية، لكنها ستخسر رضا الرحمن عنها، أو أن تخسره لكنها تظفر بدينها وهي سالمة في منزل الشيخ نعمان، ذلك الرجل التقي الذي في منزلة والدها تمامًا.
فردت بحدة صوتٍ، لم تكترث بنبرته العالية وانفعاله الظاهر، فأعربت عن بسالتها بقولها:
_وأنا مش هقعد معاك تاني، كفاية اللي فات، إنت إيه مشكلتك لما أروح عنده؟ وبعدين ده في سن والدي ويمكن أكبر كمان، ومش هيكون موجود في البيت معايا لأنه عالطول مسافر ومشغول في الحالات اللي بيعالجها.
عَجَّ "رمزي" بردوده الخشنة، معترضًا على خروجها من المنزل تحت أي ظرف، قائلًا:
_ذا سوالك غسيل مخ وقلبك عليا، ذا نصاب ومتظاهر إنه شيخ، وما حد يتضحك عليه غيرك إنتي. يبغى يستفرد فيكي ويوريكي قديش هو رچال محترم ومتدين، بس رمزي صار عليه زفت وقطران....
استدار الناحية الأخرى بوجهٍ مكفهرٍ، وكأن الطبيعة تنعكس على وجهه بسخطٍ ساحق، مسترسلًا بصخب:
_دخلنا سنة وحنا قصاد بعض، وأنا قدرت تدينك وعمري ما فكرت أضايقك حتى بكلمة، والحين تچي تخافي مني، وكمان تصدقي كلام النصاب ذا عني؟ أنا صرت وحش؟ صرت زفت بعد ما حميتِك على حساب نفسي يا چيهان؟
ردّت "چيهان" بامتعاض، مصححة اتهاماته الباطلة في حق الشيخ نعمان، وكأنه قصد أنه يضعه في منزلة الشيطان مصعب، على الرغم من أن الفرق بينهما شاسع:
_الشيخ نعمان مش نصاب، ده شيخ محترم وبيعالج الناس لوجه الله، مش بياخد منهم جنيه واحد، وأنا مشوفتش منه غير كل خير، ويا ريت متظلمهوش أكتر من كده لأنه مقالش عليك أي حاجة وحشة زي مانت فاكر!
لم يقتنع "رمزي" بحديثها، وظهر متشبثًا برأيه الخاص، رافضًا الاستماع سوى لنفسه بأنانية مطلقة، قائلًا بصياح عاتي جرفَ كلَّ الأمان المتبقّي في زقاق السكينة:
_ما لازم تدافعي عنه، بس تدافعي عني أنا قصاده ما صار ولا بيصير، الرچال النصاب ذا ما عمللك نص اللي أنا سويته، ولا ضحى بروحه عشانك، علفكرة هو اللي چابه لنفسه، ما يزعل من اللي بيصير له يا چيهان... سلام.
ركب رمزي السيارة وكأن الرياح من حوله تسير على إيقاع ساخط، واقتربت الأجواء أن تتحول إلى أعاصير نارية من حوله. ألقى هاتفه بعنف على المقعد المجاور، والنيران توثب من نظراته المتقدة. فتحرك نحو موقع التسليم، يصارع الزمان بمشاعره المضطربة. سار بسرعة جنونية على الطريق، فلا يشعر سوى بأنامله المتخبطة على التارة بعنف، وأنفاسه تربو في صدره برعب.
لم تتقهقر چيهان عن الخروج من المنزل بمفردها، فخرجت تاركة كل شيء، متجهة إلى دار الشيخ نعمان. أجرت مكالمة هاتفية سريعة تتأكد من الموقع حتى لا يتملكها التشتت وتصبح في قبضة الضياع.
وبينما تيقنت، عبرت البوابة الصغيرة ودلفت إلى الداخل. كان المنزل صغيرًا جدًا، جدرانه متقاربة، يبدو قديمًا منذ الأزل، يحوي طابقين وسطحًا منقبضًا، والظلام يخيم عليه عدا بعض درجات السلم التي انعكس عليها ضوء الشمس المتسلل من النوافذ الصغيرة.
الطابق الأرضي تملكه امرأة سبعينية مهاجرة إلى بلدة أخرى، والطابق الثاني يحوي شقة الشيخ نعمان. كانت چيهان مترددة نوعًا ما وهي تخوض تجربة جديدة لم تجربها من قبل، ظلت متمكثة في المدخل تشاهد تفاصيله البسيطة إلى أن رفعت قدميها وبدأت تخطو لأعلى بهدوء، وكأنها في انتظار ظهور شيء غامض في هذا الأون.
وبعد ثوانٍ وصلت، فوقفت حيال الباب والقلق يهيمن على أطرافها، فتحت الباب وعبرت بخطى هادئة إلى الداخل، عيناها تجولان في كل ركن.
كانت الشقة محدودة الأركان لكنها تتسم بالنظام والرتابة، الصالة التي حوت أريكتين كبيرتين، ومقعدين صغيرين، والسجادة مفروشة تعلوها طاولة صغيرة تسكنها زهرية صناعية، وشاشة التلفاز مثبتة على الجدار بإحكام، والستائر على الرغم من وجودها إلا أن أشعة الشمس ولجت إلى الداخل. وهناك طرقة توزيع صغيرة تُدخل إلى المطبخ والمرحاض، وحجرتي النوم.
صكّت چيهان باب الشقة، ودخلت حجرة النوم، فتحت النوافذ، ثم جلست على السرير تشعر وكأنها في كابوس لا ينفد، تفكر في القادم بفؤاد اكتظ قلقًا، خاشية من رمزي الذي تخرج منه ردات فعل مُفاجئة لا يمكن لأحد توقعها، لكنها، وفي قرارة نفسها، متيقنة أن ما تفعله هو الحل الأمثل لكي تبتعد عن الانحدار في الموبقات، ولا تسمح لذاتها لحظة بالندم.
بينما رمزي في جهة أخرى، سلّم أمانة الشيخ ضرغام، وسرعان ما عاد إلى البلدة، ووقف قبالة المسجد وهو يعلم في سريرته أن الشيخ نعمان بداخله. وبالفعل خرج مستعدًا لشجار عنيف لربما ينقلب إلى ساحة حرب ينفث فيها نيران احتدامه. فكان الشيخ "نعمان" في الداخل جالسًا مع بعض الرجال الذين طلبوا استشارته في أمور دينية، وقتها أجاب بتقوى فائضة:
_الله ينور عليك، هو ده الكلام الصح، النبي ﷺ قال: «ثلاثٌ جِدُّهُنَّ جِدٌّ، وهَزْلُهُنَّ جِدٌّ: النِّكاحُ، والطَّلاقُ، والرَّجْعَةُ»... الكلمة اللي بتتنطق بتتكتب عند ربنا في التو والحال، لذلك كلمة "إنتي طالق" للمرة الثالثة بتسمى البينونة الكبرى...طب ليه كبرى؟ لأنك متقدرش ترجعها لعصمتك من تاني، لازم تتزوج زوجًا جديدًا في زواج شرعي سليم متكامل الأركان، وبهدف الاستقرار وليس التحليل، لأن النبي ﷺ قال: ««لَعَنَ اللَّهُ المُحَلِّلَ وَالْمُحَلَّلَ لَهُ».
تقدم أحد الرجال بسؤال عن فتوى تخص مشكلته، فقال متسائلًا:
_طب وأنا يا شيخ نعمان، عايز أعرف لو مديتش أخواتي البنات حقهم كامل من الميراث، كده يبقى عليا ذنب؟
اعتدل الشيخ "نعمان" في جلسته، وهو يستخرج عصارة المعلومات من ثنايا ذهنه، وأجاب بوضوح:
_طبعًا عليك ذنب ومش أي ذنب، ده ذنب كبير أوي.....
وبينما يكمل حديثه، انقطع على وجود رمزي قبالته، واقفًا بصلابة، يرمقه بغضبٍ متفجر. لاحظ الجميع الوضع بينهما دون كلمة. تحرك "رمزي" نحوه بقدمان تنقشان اللهب في كل خطوة، وقال بصراخٍ عالٍ:
_مسوي فيها شيخ؟ ذا إنت رچال نصاب وستين نصاب... تبغي منا إيش؟ رد، تبغي إيش؟ وچيهان مالك ومالها؟ بتشوه صورتي قدامها عشان تكسب ثقتها على حسابي؟
نهض الشيخ نعمان من موضعه مندهشًا من عجيجه الصاخب وعدم احترامه لمنزلة رجل في سن والده. حتى طالبو الفتاوى وقفوا في الحال، وارتسم التعجب على وجوههم جميعًا. فقال الشيخ "نعمان" بنبرة جافة، متعجبًا:
_احترم بيت ربنا اللي إنت واقف فيه! طول مانت جوا المسجد صوتك ميعلاش! مش هلومك إنك بتعلي صوتك على واحد من سن أبوك ولا.....
بتر "رمزي" حديثه في الحال، متلفظًا بصيحة فاسقة:
_مش إنت اللي هتقولي أتكلم وين ووين أتكلم، إنت بتظلم عليّ يا نصاب؟ ذا إنت كذاب ولاعب في دماغها عشان تقلبها عليّ، بس قسمًا بالله بأوريك الشغل على أصوله، إن ما رقدتك في دارك طول عمرك، ما أتسمى رمزي الطوخي!
تدخل أحد الرجال في الحديث محاولًا أن يهدئ من أصواتهم الملتهبة بنيران الغضب، فقال:
_استهدى بالله يا عم رمزي، مفيش حاجة تستاهل ده كـ.....
لم يقبل "رمزي" أي تدخلات من الأغراب، فرفع السبابة بوعيد ملتهب، ونبرته تشتد خشونة، قائلًا:
_إنت ما تدخل، أحسن هفرچيك أسود أيام حياتك!
طرده الشيخ "نعمان" من المسجد، قائلًا بصياح:
_أخرج برا المسجد اللي إنت مش محترم وجودك فيه! لما تعرف ازاي تتعامل مع عباد الله الصالحين ابقى تعالى بس وإنت كلك ندم على اللي عملته....
كان من المفترض أن يحسّ ولو بذرة ندم، لكنه بهجوم شاب غلبته مشاعر الامتعاض، تشبث بالشيخ نعمان ليوطئه بقساوة، قائلًا بصراخ لفت الأنظار نحوهما:
_أنا ما حد يطردني، وإنت احترم نفسك معي واعرف تتكلم مع منو! أنا رمزي الطوخي اللي هفرچيك اللي عمرك ما شفته... بوريك النجوم في عز الضهر، وچيهان ما لك فيها شغل ثاني، قسمًا بالله لو عرفتك على علاقة معها ثاني، هدفنك وين ما كنت صاحي، وچيهان ما بتقعد عندك يا نصاب، چيهان بتظل معي! فاهم ولا ما فاهم؟
اجتمع الرجال حولهما يفضون النزاع بكل ما أوتوا من قوة، فانقسموا إلى ثلاثة أنواع: الأول يجذبون الشيخ نعمان بعيدًا، الثاني يسيطرون على وضع رمزي المسيء، والثالث والأخير شاهدوا الشجار من بعيد دون تدخل.
رجّ صوت "رمزي" المسجد، ما جذب المزيد من الرجال وكأنه عرض مسرحي عنيف. بعدما سيطر الرجال على الطرفين بأعجوبة، قال رمزي بأنفاس مُتعبة:
_ما أشوف وجهك مرة ثانية في حياتنا، وخلك عارف إني ما بتركك، وراسك ورايا لين أجيب حقّي منك بإيدي!
ربّت أحد الرجال على كتف رمزي وأزاحه بعيدًا برفق خارج المسجد، ووقتما أخرجه، تابع "رمزي" بصياح:
_ما بتركك يا نصاب، وأنا وراك والزمن طويل، وبكرا تشوف وتعرف إني قلت.
كان الشيخ نعمان يقف بعيدًا وسط الرجال، بقلبٍ ينزف حزنًا على ما أصابه على يد شابٍ فاسق، منعدم الخُلُق، لا يُجِلُّه باعتباره شيخًا جليلًا، بل أهانَهُ بالوطء والمسبة اللاذعة. بعض الرجال كانوا يواسونه بلطف، مستشعرين حجم الكارثة التي وُضِع فيها، فقال أحدهم:
_هو إيه اللي حصل لكل ده يا شيخ نعمان؟ ومين الشاب ده وبيعمل معاك كده ليه؟!
أجابه الشيخ "نعمان" بقهرٍ يضغط على صدره بلا رحمة:
_ده واحد قليل الرباية والدين، أبوه مشعوذ ملعون ناشر الفساد في الأرض ومسابش حد إلا لما دمرله حياته... يفتكر إن أنا اللي هسيبه بعد اللي عمله فيا ده؟ أنا راجل الدين اللي الدنيا بحالها تحلف بخلقي تكون نهايتي أتهان على إيد شاب لو كنت خلفت كان زمان عندي الأكبر منه؟
وطأ كفًّا على كفّ، والدموع تتلألأ في عينيه، وتابع:
_لا إله إلا الله... لا إله إلا الله.
ثم جلس في زاوية بعيدة من المسجد، والأتراح تحاوطه من كل صوب، فرافقه رجال الدين، يحدثونه بود وشفقة على ما آلت إليه أموره من صدمات أليمة. قد استربع بدموع كالأمواج في عينيه، وصوته مبحوح من القسوة.
غيره لكان ندم على مساعدته لهزيلة مكسورة الجناح كچيهان، لكن بعدما أصابه، تيقن أنه تصرّف تصرّفًا سليمًا، حينما أبعدها عن مجنونٍ يفتقر إلى المبادئ الإنسانية والدينية.
وبمجرّد أن خرج رمزي من المسجد، ركب السيارة وانطلق بها إلى المنزل كما لو كان يجري بسرعة صاروخ فضائي. فاستقر قبالة الدار بأعصاب مجذوذة وأطرافٍ مرتجفة، وقبل أن يصعد، تلاقى بناجي يهرول نحوه ويعانقه بشوق، قائلًا بودادٍ أخوي:
_مشتاقلك يا ولد العمة، شنو الأخبار؟
سأله "رمزي" عن چيهان، إن كانت قد خرجت أم احترمت الوعد بينهما، والخوف يلمع في عينيه، قائلًا:
_خبّرني يا ناچي، چيهان هنا ولا خرجت من الدار؟
أجابه "ناجي" بصراحة، دون أن يُدرِكَ الدافعَ وراءَ سؤالهِ:
_چيهان طلعت من حوالي نص ساعة ولا أكثر، بس ما رضيت أسألها عشان ما تتضايق، قلت طالما طلعت يبقى أكيد خدت الإذن منك.
صفعَ "رمزي" صاج السيارةِ بيدهِ بعنف، مُظهِرًا سخطَهُ من خروجِها عن طوعِه، فقد ظهرت متمردةً، خائنةً للميثاقِ بينهما، فأخرجَ هاتفَه من جيبِ جُلبابِه، وهو يقولُ بامتعاضٍ يتراقصُ على لسانِه:
_ما سمعت الكلام... ما سمعت الكلام وطلعت عن طوعي، كلامي معها بتحطه تحت رچليها، ما احترمتني وما قدرتني وبرضه سوت اللي في دماغها.
انبلجَ الذهولُ في عيني "ناجي"، فسألهُ بعفويّةٍ:
_عن ايش تتكلم؟ إنتوا متشاجرين ولا شنو؟!
أجرى "رمزي" مكالمةً هاتفيةً يتأكدُ من چيهان فيها أنها خرجت بالفعل، وفي تلك الأثناء كانت في منزلِ الشيخِ نعمان، جالسةً على السريرِ بعقلٍ مُشتَّت، حتى الأصواتُ من حولها لم تلتفتْ إليها. وحينما استفاقت من عالمِ الأفكارِ المُتنائية على رنينِ الهاتف في واقعِها البائس، رفعت الهاتفَ بتردُّد، هناك غصّةُ رهبةٍ تطفو في صدرِها تمنعُها من الاستجابة، لكنها تمالكت أعصابَها، واستجابت لتجده يقولُ بصياحٍ:
_مشيتي يا چيهان وما همك كلامي؟ روحتي له الدار برچليكي وضربتي بكلامي عرض الحيط؟
أجابت "چيهان" برجفةِ صوت، وكان جليًّا عليها الارتباك، على الرغمِ من ثباتِ قولِها:
_أنا مشيت مش عشان مش بحترم كلامك، أنا مشيت عشان ربنا في المقام الأول، ربنا لو غضب علينا لا أنا ولا إنت هنستحمل نقطة من عقابه، أنا بقول كفاية لحد كده، أنا هفضل هنا لحد ما تشوف حل عشان أرجع لأهلي.
تلفّظ "رمزي" بأسلوبٍ تهكّميّ، يُغَلِّفُ حروفَه حديثٌ فظٌّ:
_بتتكلمي وكأني مؤذي، اللي يسمعك يظن إني سويت فيكي الهوايل، ولا كأني حطيتك بين هدب عيوني، كلامك ذا كسر قلبي وجرحني، عشان أنا عاملتك زي ما كنتي تريدين، ولو رايدة تبقي عنده، يبقى كل اللي بينا انتهى خلاص.
سألته "چيهان" سؤالًا صريحًا، مُبديةً صدمتها من ردّه الذي أظهر قدرتَه على الاستغناءِ بكلِّ سهولة:
_واحنا كان في بينا حاجة أصلا عشان تنتهي؟!
تلفّظ "رمزي" بغضب، فأنهى المكالمة دونَ تفاهُم، قائلًا:
_الكلام بينا انتهى، خلي النصاب ذا ينفعك، سلام.
أنهى رمزي المكالمةَ بانفعالٍ جليّ، ما جعل "ناجي" يتعجّب، محاولًا الإلمامَ بطرفِ النزاع، فتساءلَ بفضولٍ:
_وكمان تتعارك وياها؟ شكل الموضوع كبير مرة يا رمزي، احكيلي يا ولد العمة وريح جلبي، بدل مآني صرت مثل الأطرش في الزفة...
بصره رمزي بتجهُّم، لم يكن في مقدرته الصمت، ذاك الذي ألهب عواطفه، وفي الوقت نفسِه لم يستطع البوحَ بالحقيقة. أشرق تحيّره على لغةِ جسده، لكن "ناجي"، بحدسِه الخفي، رفع ذراعَه على كتفِه، وواصل بإصرار:
_معي يا رمزي واحكيلي الحقيقة بالله عليك!
تحرّك رمزي وناجي سويًّا إلى داخلِ إحدى الخيام، حتى مكثا فوق الوسائد، وعبقُ الرياحِ الوافدة من مهجةِ الصحراءِ يُحيط بهما. كان ناجي في حالةِ إصغاء، مستعدًّا لسماعِ رمزي، أما الأخير فكان يشعرُ بنيرانٍ شديدةٍ تشتعل في صدره. كان يجب عليه أن يتولّى عملَه، فالتلكّؤ لن يُجدي نفعًا، بل قد يضرّه ويعرّضه للفصلِ من العمل الذي سعى إليه طويلًا. لكن مع إصرارِ ناجي، بدا رمزي كعجينةٍ ليّنةٍ تتشكّل معه، وهو يسردُ الحقيقةَ لأوّل مرةٍ دون خوف.
كان الأمرُ عسيرًا في بدايته، وفجأة، بلا مقدّمات، قال "رمزي" بانتفاضةِ صوت:
_چيهان ما هي مرتي ولا أختي يا ناچي.
وقع الخبرُ كصاعقةٍ زلزلت كيانَ "ناجي"، فانفجلتْ عيناه في ذهول، وأخذتِ الكلماتُ تتردّد في حلقه دون أن يُجليها، ثم قال:
_كيف مو مرتك ولا أختك؟ كيف يعني؟ طول هالشهور وحنا مضحوك علينا يا رمزي؟
متابعًا بصدمةٍ هائلة، ومن قوّتها خرج صوتُه بأعلى درجاتِه:
_عايشين سوا هالمدة كلها مع بعض، وهي مو مرتك ولا ليها صفة في حياتك يا رمزي؟ كيف....
سرعان ما بسط "رمزي" كفَّه على فمه ليفحمه بالصمت قبل أن تتسرب الأسرار إلى الجميع، فيصبحان حديث الصباح والمساء داخل البلدة. جزَّ على أسنانه بسخط، وقال بصياح:
_وطي صوتك! إيش؟ هتسيحلنا وسط البلد؟
وتابع بنبرة خافتة لكنها ما تزال تستحث غضبًا صامتًا:
_أقسم بالله هي في وادي وأنا في وادي ثاني، چيهان متربية تربية طيبة وأهلها ناس محترمين، من ساعة ما عرفتها وهي قاعدة جوا الغرفة، قافلة على نفسها، ما تطلع إلا إذا في شي مهم، ودماغك لا تروح بعيد، أي شي تفكر فيه اعرف إنه غلط وما صار!
ما الداعي للكذب واختلاق السيناريوهات الأفاكة طالما لا يوجد وصال بينهما؟ لكن لماذا أخبر ناجي بما يتعارض مع قوله لباقي العائلة؟ هكذا سأله "ناجي" بفضول:
_طيب ليش قولتلي إنها مرتك، وقولت لأبوي وعمي وكل الناس إنها أختك من الأب؟ ليش ما قولت الحقيقة وكذبت علينا طول هالمدة؟!
التبرير ما هو إلا وسيلةٌ للمناصِ من واقعٍ لا مفرَّ منه، فلا منطق يبرِّر لماذا اختار "رمزي" أن يُخبِر ناجي بأنها زوجةٌ مزيفة له، بينما أقنع باقي الناس بأنها أختٌ له، مستسلمًا لأول فكرةٍ خطرت على ذهنه، فأجاب بتوتر:
_ما أدري ليش قولتلك إنها زوچتي وقولت للكل إنها أختي، يمكن اللي جه في بالي وقتها. بس أنا كنت أقصد أقول كده للناس عشان كلامهم يزيد وما ينقص، وما كنت أبغى حد يجيب سيرتها ولو بربع كلمة مسمومة.
وتابع محذرًا إيّاه من إفشاءِ السرّ:
_إياك تفتح بوقك بحرف مع حد، هالسر خطير ولو طلع لحد، بنسى إنك ولد خالي، ووقتها بتشوف رمزي الحقيقي اللي كل الناس تحسب له ألف حساب!
ردَّ "ناجي" مُظهرًا أمانتَه، معتبرًا أنه لم يسمعها من الأساس، قائلًا:
_سرك في بير عميق يا رمزي، وعيب عليك لما تظن فيني ظن زي ذا، آني عمري ما أطلع حرف واحد من سرك، وكفاية إنك أمنتني آني الوحيد عليه.
رنَّ هاتفُ "رمزي"، فاستضاءت شاشتُه باسمِ أحد رجالِ الغُفْر في سريةِ العمدة ضرغام، فاستجاب ليرى الطرفَ الآخر يأمره بالاعتراب إلى هناك، فكان ردُّه كالآتي:
_طيب أنا جاي في الطريق... سلام.
وبينما وضع هاتفه في جيبِ جلبابِه ونهض ليتابع أعماله، استرسل في حديثه:
_خلي صبا تروحلها هناك وتحاول ترجعها الدار تاني، ولو سألتك قولها إننا متخانقين، ألفلها أي شي، وأنا بأكلمك من هناك أشوف عملت إيش.
استقام "ناجي" هو الآخر، فبدت الخيمة تخلو شيئًا فشيئًا، مجيبًا بتلبية:
_من العين هذي قبل العين هذي يا رمزي، اعتبر إن صبا راحتلها.
رفع "رمزي" ذراعه في الهواء، مومئًا لناجي بإشارة الوداع، قائلًا باستعجال:
_سلام يا ناچي.
"ناجي"، الذي انهمك في شاشة هاتفه، لم يلتفت لمغادرة رمزي بقدر ما أكْتَرَثَ بالاتصال بزوجته صبا، تلك التي غاصت في سبات لطيف بين حنايا الغطاء الناعمة، لكنها استيقظت على مكالمته لها بجَفَنين شبه مفتوحين، فبادر بقوله:
_بقولك يا صبا، كنت أبغيكي في موضوع مهم.
اِستهل ناجي فتح الموضوع معها، يشرح لها ما حدث بين رمزي وچيهان من حكايات زائفة لم تتسع لها الحياة غموضها، فتصغى له بحزن، خاصة أن قلبها مالَ بحبّ إلى چيهان، انجذبت إليها كما لو كانت ساحرةً بصفائها. كان الأمر يحتاج التدخل في أدنى فرصة، فوجود چيهان في دار مُريبة، اتسمت بالوحدة والانطوائية، وشغرت من البشر، كان ذلك أشدَّ ذعرًا.
انصرم رمزي إلى عمله بالسيارة، يشعر بتكدس من المشاعر المختلطة تضغط على رأسه بإحساس من المسؤولية المنهكة. تتوافد الهواجس إلى صدره بشأن غياب چيهان عن منبع الأمان، على الرغم من أنه تولى حمايتها لفظًا وفعلًا، لكن الشيخ نعمان حينما انبثق من موطن التقوى والإيمان، كان له دور جليّ لدعمها في الخروج من مآزق التُرهات، باعتباره أبًا بديلًا لها في انقطاعها عن أسرتها الحقيقية.
العروسان، ريم وعمرو، اللذان بدأا في تجهيز عش الزوجية منذ أشهر، كان عمرو يقضي معظم أوقاته بين عمال البناء والتشطيب، وكلما مضى الوقت أنهوا بعض التجهيزات بنجاح، وكأن القدر هذه المرة يعينهم على قضاء آمالهم.
وفي ثاني مرحلة من مراحل تجهيز منزلهما، كان الدور يستدعي اختيار ألوان الجدران، وهذا ما فعلاه، إذ في ذلك اليوم بشقة العروسين، كان ثلاث عمال يؤدون مهامهم بانسيابية، أحدهم يخلط الألوان المطلوبة في وعاء عميق، والآخر يجهز الفرشاة المناسبة للطلاء، والأخير يسخن المياه في البراد الكهربائي لصُنع الشاي.
انتشر شذى البهجة ممتزجًا بالأسيتون الفائح من عمق الطلاء، وضوء النهار يجتاز النوافذ التي لم تُركب بعد، فكان شوقي وأسماء وريم يقفون برفقة عمرو ووالديه وأخته غادة، جميعهم يتبادلون الأحاديث في الصالة الرحيبة، فبدا "شوقي" مندهشًا من نعومة الأرضية وانسيابيتها، فقال برضا:
_ما شاء الله، شغل نضيف، أحسن حاجة إنك جيبت بورسلين أبيض، ناقص بس الدهانات ولسه لما الأبواب والشبابيك تتركب كله هينطق مع بعض.
ضحكَ "فاروق" بابتسامةٍ ودودة، وقالَ بإعزازٍ:
_والله احنا عينينا ليكم يا حاج شوقي، لو ريم تطلب نجمة من السما نجيبهالها.
ابتسم "شوقي" بفخر، إن عادَ الظَّهرُ ناصعًا، لَكانَ صفعَ الندمِ وتركَه نادمًا لاعتراضه على الزيجة في السابق. كان اختيارًا عظيمًا لأسرةٍ مبجلة، تُقدّر نعمةَ زوجة الابن في المستقبل القريب، فقالَ بأسنانٍ تنبَلِج فرحًا:
_الله يخليك يا حاج فاروق، أنا بحمد ربنا إنه ادانا ناس محترمة زيكم، ربنا العالم بينا، صحيح الطيور على أشكالها تقع.
في زاوية قريبة، كانت السيدات تقفنَ بجوار بعضهنّ، حياة التي أحبّت ريم، وكانت أشدّ تمنيًا بأن تبيت لحظات الزواج على مشارفها أكثر من العروسين ذاتهم، فنطقت "أسماء" ببسمة خافتة:
_ربنا يسعدهم يارب ويكملهالهم على خير.
ردّت "حياة" بتمنّي:
_اللهم آمين يارب.
وبينما يتقدَّمُ "عمرو" نحو والدِ خَطيبته، كانت فكرةُ تعجيلِ الزواجِ تَلوحُ في ذهنِه ليلًا ونهارًا، مُستعدًّا كما الكونُ في أتمِّ استعدادٍ لتلاقي البعيدين بين نسائمِ المودَّةِ والرَّحمة. عرضَ فكرته على شوقي، والأملُ يلوحُ بفؤادِه لعلَّه يَرضى، فوقفَ حِيالَه مُبتسمًا، وتَنحنحَ بصوتِه قليلًا، ثم نطقَ بنبرةٍ جَليلة، قائلًا:
_بصراحة يا عمي أنا بقترح يعني إننا نعجل بكتب الكتاب، وأهو خير البر عاجله.
اقتنعَ والدُه "فاروق" بالفكرة، فأيَّدَهُ بقوله:
_فكرة كويسة، وأنا بقول كده برضه.
لكنَّ "شوقي"، والدَ العروس، رفضَ، نظرًا لعدَّة أسبابٍ تَردعُ وصولَ الغِبطةِ إلى حياتِهم في وقتٍ خاطئ، منها وفاةُ والدِه شُعيب منذُ أشهرٍ قريبة، وغيابُ چيهان عن حضنِ العائلة، فتجلَّى برفضِه مباشرةً دونَ إعطائِهم مساحةً للحديث:
_لا لا، كتب كتاب دلوقتي مش هينفع يا حاج فاروق، مفيش أي حاجة هتتم قبل رجوع چيهان بالسلامة.
"فَاروق" بدَوره يَمتلك رصانةَ رجلٍ تَخطَّى الخَمسَ وخَمسينَ عامًا، كان يرى أنَّ العائلةَ أشدُّ افتقارًا للحُبور، خُصوصًا في هذا الوقتِ عن غيرِه، فقالَ مُحاولًا إقناعه:
_يا حاج شوقي إنتوا مفرحتوش من زمان، والمصايب جات ورا بعض دفعة واحدة، خلينا نفرح قلب الولاد ونتكل على الله ونعجل بكتب الكتاب، وإن كان على الفرح فلسه قدامنا مدة تكون العروسة جابت كل احتياجاتها واحنا نكون شطبنا الشقة.
فهل يَتوسمُ الفَرَحَ في أُفُولِها؟ تَوارت ظلالُها بين عَتْمةِ الخوف، كأنهُ يَختبئُ من قَدرٍ أعظم، القَدَرُ ذاته الذي حَكم عليها بالاختفاء، قد زَرَعَ أشواكَ القَهرِ في عَواطف كلِّ فردٍ من الأسرة. لكنَّ "شوقي"، كونه ثابتًا على رأيه، وكأن عقلَه تَحَجرَ بيابسةِ السُّكنى، رَفَعَ يدَيْه يَشرَحُ مدى رَفضِه، قائلًا:
_لا يا حاج فاروق، كتب الكتاب هيكون قبل الفرح إن شاء الله بأيام بسيطة، احنا يعني هنروح من بعض فين؟
ظلَّ مُتشبِّثًا بآرائِه كما يَتعلَّق الطفل على كتفِ أمه، كان على الرغمِ من عُمرِه السالفِ لحدّ الشَّباب، إلا أنَّه أحيانًا يَلمع بأفكارٍ لا تلوذُ سوى في عُقولِ الأطفال. لكن ذلكَ لم يَعْنِ استسلامَ عمرو لرفضِه، بل غَمَرَهُ بطاقَةِ إصرارٍ جديدة، وكأنَّه في تحدٍّ مُزمع.
أما وبينَ استعاضةِ الكلماتِ بين "غادة" وريم، كانتا تَقفانِ بالقربِ من نافذةِ الصالة، تَنظُرانِ منها على الأحياءِ الواسعة، فتَغوصُ عَيناهُما في غُضاضَةِ الطبيعةِ ورُواءِها الساحر. وفي وسطِ الحديث، قالت غادةُ بعفوية:
_والله، منى قالت نفس كلامك ده، هي فعلًا محتاجة ديكورات حلوة، إنتي ممكن مثلًا تجيبي توليب و....
قاطعتها "ريم" في دهشة: ما الذي جاء بِمنى إلى عائلة عمرو؟ بدأت الشكوك تغزو عقلها، خاصة وهي تسألها بفضول متزايد غَلَّفَته صدمة كبيرة:
_منى؟ وإنتي شوفتي منى فين أصلًا؟!
ردَّت "غادة" بوضوح، مُظهِرة الحقيقة دون تردُّد:
_منى بقالها يجي شهرين متصاحبة عليا أنا وفاتن ودنيا، وجات زارتنا يجي تلات مرات، بس بصراحة محترمة جدًا ودمها خفيف، أنا برضه قولت إن العيلة دي فيها حاجة استثنائية.
تضايقت "ريم" حينما عَلِمت أنهما على علاقةٍ وطيدةٍ ببعض، لدرجةِ غشيانِها إلى دارِهم وكأنها نَبَتَت فيما بينهم. لكن الغريب: كيف للصبَّار أن ينمو وسطَ الورودِ الخَضِلة؟ لدرجة أنها لم تتمالك تعبيراتِها، فبانَ في الحالِ غضبُها المكتوم، لتعودَ بسؤالٍ آخر:
_منى على علاقة بيكم؟ غريبة، مقالتليش ولا حد فيكم قالي حاجة زي دي قبل كده.
ضحكت "غادة"، وأجابت بسلاسة دون تعقيدِ الأمور:
_عادي يا ريم، هي حد غريب؟ ما هي بنت عمك، وبعدين احنا حبيناها أوي، وهي بصراحة حد لطيف وتدخل القلب زيك كده من أول مرة.
لم تَشعُر ريم بعذوبةِ مدحِها لها، وكأنَّ حواسَّها تعطَّلت عن الإدراك، ما جعلها في حالةٍ قَطَبٍ صارخة، فالتفَتَت والدتها "أسماء" نحوَها، وسألتْها بفُضول:
_مالك يا ريم؟
أجابت "ريم" وهي تتحرّك إلى الأمام بخُطى مُغتمَّة، كأنَّ الغُيومَ انبَجَلَت في أُفُقِ سمائِها، لكنها رغم ذلك قالت بثباتٍ:
_مفيش حاجة.
ربَّتَت "حياة" على كتفِ أسماء ببَسمةِ إعزاز، وقالت للجميعِ بصوتٍ عالٍ:
_طيب يلا يا جماعة ننزل قبل ما الأكل يبرد!
نطق "فاروق" بسَخاء، وهو يُوَجِّه الجميعَ إلى الأسفل، وكأنَّه مِثال لرجلٍ جوادٍ يُحتذى به في الجود، فتفيضُ منه أنهارُ الكَرَمِ اللامُتناهِي:
_اتفضلوا يا جماعة! اتفضلوا!
نزل الجميع إلى الطابقِ السفلي يَنعمون بلقاءٍ وُدي بين أفرادِ الأُسرتَين، يَكتبون حروفًا جديدةً في كتابِ الوِداد، لكن ريم ظلَّت على حالِها، منهارةً في تفكيرٍ غَوْصٍ استدعت فيه جميعَ التوقُّعات، محاولةً الوصولَ إلى الدافعِ وراءَ علاقةِ منى بأسرةِ عمرو، ولماذا لم تُخبرْها من قبل؟ لكنَّ الحقيقةَ تكمُن في نَبشِها وراءَ نساءِ العائلة، ما جعلها تُراسِلُهُنَّ على مواقعِ التواصلِ الاجتماعي، فتتودَّد إليهنَّ، وتُقوِّي الرِّباطَ بينهنّ.
كانت الفتياتُ قد أنهينَ صُنع وليمة تتنوَّع أشكالُها وألوانُها ببداعة، مُظهرن مهاراتِهن في الطهي، كأن الأطباقَ مَرسومةٌ باحترافية في لوحةٍ بديعة، تشرح خبرتَهن التي اكتسبنَها من والدتِهن حياة، فجلست الأُسرتان حولَ المائدة، وأعينُهم تصِفُ اندهاشهم بالصُّنعِ الأنيق، وروائحُ الطعام التي خلطت في أَنوفهِم مُوجِدَة من الراحةً والصفاء، فكانت الأجواءُ لطيفةً وهادئة، بعيدًا عمَّا يَعتمل في صدرِ ريم من شكوك.
في الواحات، هناك حانَ الوقتُ لأن يُقدم الشيخُ ضرغام لرمزي هديةً كبيرةً أمَلَها في السابق، بل وسعى إليها كثيرًا. اللحظةُ التي حرَّكتِ الحماسَ في عينيه، يقفُ مستقيمًا، واثقًا من ذاتِه، بعدما مُنح أهم الفرص، وهو يُعد ذراعًا أيمن للشيخ ضرغام، ذاك الذي طوالَ هذه الأشهر كان يُوجهه إلى مهامٍ عسيرة، معتقدًا أنه سيعودُ خائبًا، لكنه تفاجأ بنجاحِه في كلِّ مرة.
يُعَد رمزي من أهمِّ رجالِ الغفرِ لديه، الوحيد الذي تمَّ تجريبُه في مسؤولياتٍ لصِبَة، لكنه اجتازها ببراعة، فيُعطيه فأسًا يَنحتُ صخرًا يابسًا، يَجِدُه يَبرَعُ في ابتكارِ أشكالٍ عجيبةٍ منه، يُلينُ الحديدَ في يديه، لم يكن المعنى حرفيًّا، بل إشارةً إلى قدراتِه العقليَّةِ الرصينة.
الدَّارُ يَسكنُه الهدوء، والشيخ "ضرغام" مُتَّكِئٌ على كُرسيه المُفضَّل، إزاءَه رمزي وقف بثبات، فَرَمَقه العمدةُ بابتسامةِ فخر، وقال بإعجاب:
_والله يا رمزي، كل يوم تبهرني بذكاءك، ما في حد له مقام بقلبي زيك. والله كأني عارفك من سنين. بيني وبينك، أول ما شفتك ما ارتحتلك، حسّيتك راسك يابس مثل الحچر، وعنيد موت... بس يوم ضحّيت بروحك عشاني، قلبي رقّ ليك، وعرفت إن فيك خير كبير... وآني، اللي يضحي عشاني، أفديه بروحي.
انبلجت ابتسامةٌ صامتة على شفتي "رمزي"، وأجابه بصوتٍ داهٍ:
_ولو يرجع بيا الزمن، كنت أفديك تاني يا شيخ ضرغام، حنا من دونك ما نسوى شيء، إنت فضلك فوق الراس، ولولاك ما لقيتلي شغلة ولا عرفت أمشي حالي. كل اللي تسويه محفور بقلبي، ومرفوع على عيوني.
بينما انبهر الشيخ "ضرغام" من شخصية رمزي الفريدة، أحسّ برغبةٍ في ترقيتِه إلى مكانةٍ أعلى وأشدّ حساسية، فقال مبتسمًا:
_مبروك عليك يا رمزي، من هاللحظة انت غفير نفق بيارون. عينك وسط راسك، هالنفق من أخطر الأنفاق في الديرة، وحكاويه تخرّع القلب، كلمتي تمشي بالحرف، ما فيها نقاش، فهمتني؟
ظهر "رمزي" وكأنّه يستمع إلى حديثٍ اعتيادي، لم يُبْدِ سعادته بهذا الخبر، لكن في أعماقه قلبٌ يتراقص على أنغام الفرح، فقال:
_شو هي تعليماتك يا عمدة ضرغام؟
ردَّ الشيخ "ضرغام" مُبيِّنًا تعليماتِه الهامة كشروطٍ أساسية لا ينبغي الاستهانةُ بها بأيِّ حالٍ من الأحوال:
_أول هام، تحرس من قريب بس لا تهوب صوبه، آخرك عشرين متر، تاني هام، ممنوع تدخل، وده لمصلحتك، اللي دخل هالنفق ما طلع، ولا حد سمع له صوت. تالت هام، خيالك لا يبين وإنت واقف على حدوده، ولما الساعة تصير أربعة الفجر، تبعد عشرين متر كمان، الهام الأخير، لا تجيب سيرته، لا بين خلق الله ولا بينك وبين نفسك، اللعنة ما ترحم، وإن مسّتك ما حد ينقذك!
أصغى "رمزي" لتعليماتِ العمدة، فرسَّخَها في ذهنِه حِفاظًا على ذاتِه من اللعنةِ التي ستُصيبُه. لائحةُ الإرشاداتِ التي أصدرَها الشيخ ضرغام ما هي إلا حِفاظًا على الأرواحِ المُتبقّية في البلدة، بعد سيلِ الكوارثِ الأخيرة، وقد ردَّ رمزي بطاعة:
_حاضر يا شيخ ضرغام، أوامرك... بالإذن.
تحرّك رمزي من مكانه مُتجهًا بسرعةٍ إلى نفقِ بيارون، النفقِ الأعظم، نفقٍ ممتدٍّ بأعماقِ أرضٍ قَصِيّة، تَحوي في لُبِّها لعنةً أشدَّ داخلَ نفقِ إيبار، النفقِ المُستترِ في باطنِها. اللحظةُ التي انتظرها طويلًا قد جاءَته.
يبدو مُنغمسًا في الجبالِ شاهقةِ الارتفاع، الحَلكةُ تَكتسحُ زواياه، فيَحوي بوابتَين رئيسيتَين: الأماميةُ التي يَحرسُها رجالُ الغُفرِ الأقوياء، تتوشَّحُ عليه مَظاهرُ الرُّعبِ والغُموض. ذاكَ الذي كُلّما عبَرَ أحدُهم بوابتَه، تلاشى من الوجود، فيما بينَهم ابنةُ الشيخ ضرغام ذاتُها. في ليلةٍ اتّسمت بالفزع، اختفت سهير، ابنةُ العمدة، في ظُروفٍ مُبهَمة، حتى زوجتُه التي، بمُجرَّدِ النبشِ عنها كما تَنبُش الأرنبةُ عن صغارِها، كأنّها فصُّ مِلحٍ وذابَ عن الوجود. فكان كلما أرسلَ الشيخُ ضرغام غفيرًا للتنقيبِ عنها في أعماقِ نفقِ بيارون، وَجدوه مقتولًا بمشهدٍ مُريعٍ مُتجذِّرِ الأطراف.
اللَّعنةُ أصابت الكبيرَ والصغير، لم يَسلم أحدٌ منه. حتى رمزي لم يكن يَعلَم مصيرَه مثلَهم، ظنًّا منه أن بوّاباتِ العالمِ الخفيّ لها اتصالٌ منيعٌ بهذا النفق، ومن يتجرّأ على تجاوزِ حدودِه السامة، فهو من اختارَ طريقَ الهلاكِ بيدَيه.
بين الأشجارِ الكثيفةِ يَقِف رجلان، رمزي ثالثُهم، تحرّك بحذرٍ وهو يرى أولى خُطواتِ حكايتِه تسير كما قالَ الكتاب. لم يُخاطب أيًّا من الموجودين، بل سار بهدوء، يقرأ الكلماتِ الحمراءَ المُدوّنةَ على النفق، تلك التي تُحذّر وتُخلِي مسؤوليتَها من الهلاك: "هيا، تجرّأ لأنك قويّ، لكن لا تَحزن حينما القوّةُ ذاتُها تَصدمُك بعالمٍ خفيٍّ تتلاشى فيه ذَرّاتُك من الوجود."
اندفع رمزي نحوَ البوّابة، يتأكّد من تنبيهِ الشيخِ ضرغام له، مُضحِّيًا بسلامتِه في سُبُلِ التجربة. لكنه، بمُجرّد أن لامست يداهُ البوابةَ، انتفض جسدُه وكأنّه صُعِق بالكهرباءِ، ما صَدمه بقوّةٍ بعيدًا في أحدِ الأشجار، فسقطَ مُتألّمًا، والرجالُ يَهرولون نحوه بفزع. لكنه، وبإصرارِه الذي فتحَ له أبوابَ الجحيم، كان مُستعدًّا لتلقّي المزيد من أجل چيهان. الأوضاعُ مُتعثّرة، لكن البقاءَ دونَ حلٍّ كان أشدَّ مفتاحٍ للأذى.
يتبع.....
الكاتبة رانيا عمارة