مَراسم الاستحواذ المنتشرة في بداياتِ بيارون، خاصةً بوابة الحُب، تبدو احتفاليةً من عشيرتهم لاستحواذها مدى الحياة. فكلُّ رُكنٍ داخل الحجرة المُنفرجة يشيرُ إلى رموزٍ مُعينة تحوي في طيّاتها شفراتِ اللعنة، ومن ضمنها جسدٌ إنسيّ برأسِ شيطان، ذو ذيلٍ سُخاميّ متباين مع لونِ جسده، وكأنه جزءٌ لا يمثله، متشبّث بفتاةٍ بلا ملامح، وفي قبضته الأخرى دماءٌ تنصبُّ داخل الأطباق، وكأنه يفسّر قدرته على تحقيق المستحيل لدرجة معاملته للدماءِ السائلة وكأنها صلبةُ القِوام، فتُوحي بما يعيشانه من هروبٍ وخوفٍ على مدار الأشهر الماضية. ورمزٌ آخر يشير إلى سيفَين في ساحةِ قتالٍ أحدُهما مجذوذٌ بلا مقبض، وبعض الرموز المُبهمة التي أوضحت واقعهم الأليم في ذلك الوقت.
چيهانُ المُكبّلة بسلاسل داخل صندوقٍ حديدي جعلت "رمزي" في حالةٍ من الصدمةِ العارمة، متسائلًا نفسه: كيف جاءت إلى هنا ومتى؟ بات مُقتربًا منها بحرصٍ، خاشيًا أن يكون فخًّا نُصِب خصيصًا له، فلربما چيهان لا تزال في دارِ خاله، فظلَّ مُحترسًا، وخوفه يسبقُ خطاه حتى وقف بالقرب منها، وسألها بنبرةٍ احترازية:
_كيف چيتي هني؟ دخلتي كيف من الأصل؟!
كان صمتها إجابتَها، فظلّت مُذعنةً لقيودهم بين القضبان الحديدية. وفي تلك الأثناء استمر رمزي مُتآزفًا منها، وحاول أن يُسلّل ذراعَه داخل الصندوق ليُخلصها من اللاصق ويتمكّن من الحديث معها. كانت لحظاتٍ شاقة مكتظة بجهدٍ مُضنٍ في مهمةٍ أشدّ وُعورة.
وبعد دقائقَ من المحاولة انتزع عنها اللاصقَ المتين، فأحسّت بآلامٍ، وانفجرت الدماء من شفتيها، فتأوّهت وهي تُعاني من جروحٍ إثر النَّزعة القويّة. فقال "رمزي"، والأسفُ جَليٌّ على ملامحه:
_آسف، قوليلي كيف وصلتي لهني؟ دخلتي من وين ومنو اللي چابك؟!
أجابته "چيهان" بنبرةٍ خافتة، والوَهن مُستحوذٌ على أطرافها المُتوجعة:
_معرفش والله ما أعرف... أنا فقدت الوعي ولما فوقت لقيتني هنا، أنا خايفة أوي من المكان الغريب ده، خرجني من هنا، رجعني لأهلي....
ثمّ انفجرت باكية، وتابعت بتوسُّل:
_أنا مش هاممني إيه اللي هيحصلي لو رجعتلهم بس عايزة أرجع عشان خاطري... عايزة أرجعلهم، أنا مش مرتاحة هنا، والله العظيم مش مرتاحة وخايفة!
رفع "رمزي" يده على الحديد، وقلبُه يعتصر رُعبًا عليها، لكنّه مُرغم أن يبثَّ لها الأمان الذي تحتاجه، ويُخفي مشاعره السلبية لأنّه مصدرُ إلهامٍ عظيم لها، فقال بطمأنينةٍ:
_ما تخافي! أنا معاكي وما بهملك! لا تهتمي طول ما أنا موچود، اهدي شوي عشان نلقى حل!
لم تدرِ چيهان كيف جاءت إلى هنا ودخلت، لكن الحقيقة تكمن في غشيانها حينما كانت جالسةً على سريرها بين جدران الأمان. ظنّت النعاسَ باغتها، فاضطجعت خاضعةً للنوم، ومنذ تلك اللحظة اختفى التيقُّظ عن عالمها. فنهضت بلا وعيٍ من السرير، وكأنها دُميةٌ تتحرك عن طريق قوى أعظم، وسارت بين الطرق والأزقة كمن اعتبره جزءًا من منامه، حتى أن العيون انعمت عن رؤيتها كشبحٍ يتحرك بخفةٍ دون أثر.
وبعد دقائق استيقظت لتجد ذاتها مُكبّلةً بالسلاسل داخل غرفةٍ مُتسعة، تبدو مستخلصةً كمشهدٍ من فيلمٍ مُرعبٍ يحكي عن عالم الشياطين بأجوائهم المذعرة.
استدار "رمزي" حوله ليجد لها حلًّا للخروج، يجول بعينيه في أركانٍ خاليةٍ من وسائل المساعدة، وأذناه تصغيان لنحيبها الهادئ وإصرارها على الجَلاء، إذا كانت تتحرك بعنفٍ لتفكّ قيودها، لكنّ الفشل داهمها في كل مرة.
استصعب "رمزي" فكرة استجلاب الشيخ نعمان إلى داخل النفق خوفًا من العواقب المنتظرة، لكن عقله أوحى إليه أن يتلفظ بلسانه تعويذةَ الصون داخل بيارون. وقبل أن يُغادر، قطع ٱحدى ورقات الكتاب وأدنى بها إلى فمه ونطق كلماتٍ غامضة، ثم تركها لچيهان حصنًا مؤقتًا إلى حين يعاودها، وقال بحيرةٍ:
_خلي الورقة هذي يمك، لا تخلّيها بعيد عنك لحد ما أچي، ما بتأخر!
وبينما يمد أصابعه بالورقة داخل الصندوق، وضعها بين أنامل چيهان كحمايةٍ زائلةٍ تصرف عنها الاندثار المحتمل في أعماق بيارون. لكن "چيهان" أفجعتها فكرةُ أن تُترك وحيدة في عالم الأشباح، إذ نظرت إلى عينيه بخوفٍ أعتم أنوارَ الأمان في عينيها، وقالت باستغرابٍ:
_إنت هتمشي وتسيبني هنا لواحدي؟!
لكن تفسير ارتحاله عنها في هذا الوقت قد يأتِي بخسارةٍ عظيمة. كان "رمزي" مؤيدًا لحكمة تقول: {الوقتُ كالسيف، إن لم تقطعه قطعك} خشية أن تدهور الأمور في لحظاتٍ إن لم يُنفّذ ما ينويه. فقال لها، باثًّا الأمان في فؤادها:
_ما بتأخر، بعدين بهديكي ليش سويت كذا، خليكي زي ما إنتي وما تخافي، برچعلك ثاني!
هزَّ رأسه لها بقصد إفشاء السكينة في هواءٍ شُغّر منها، ثم تحرّك بخطى متعجلة إلى الخارج، آيبًا لنفس النقطة التي بدأ منها رحلته، إلى أن وصل للأنبوب وصعد إليه بصعوبة.
ظلّ يتمدّد فيه حتى بلغ أوله المطلّ على الحياة الطبيعية، فأخرج هاتفه من جيب جلبابه وأجرى حملة بحثٍ سريعة عن رقم الشيخ نعمان. ووقتما يبحث، أخرج ساعده بالهاتف إلى الهواء الطلق لتعاود الإشارة من جديد. ولأن الشيخ نعمان تلقّى مكالمةً من رقم مجهول، كان أكثر سلاسةً للموافقة، وإن كان يعلم أنّ المتصل رمزي لكان حظره عن الاتصال نظرًا لما وقع بينهما من مشاداتٍ كلامية من قبل.
استجابته لم تكن بهذه السرعة، فاحتاج "رمزي" للاتصال به مرارًا وتكرارًا لمدة عشر دقائق حتى استجاب له. فخرج صوت رمزي بحدة يكمنها توسُّلٌ للمعاونة، قائلًا بابتدارٍ:
_أبغاك تچي لچيهان بسرعة في نفق بيارون، چيهان راحتله من غير ما تعرف، أورثيم مسيطر عليها لدرچة إنها وصلت له هني في النفق!
تضايَّق الشيخ "نعمان" حينما أصغى لصوته، إذ تيقّن أنّه رمزي الذي طالما حبّذ إقامةَ حروبٍ عنيفةٍ معه أكثر من تحبيذه للطعام والشراب والنوم، بالإضافة إلى أنّه استشعر وكأن رمزي نصب له فخًّا لينتقم منه في الخفاء، فقال باعتراضٍ لمطلبه:
_موراييش غيركم ولا إيه يا أخ رمزي؟ وإيه اللي ودى چيهان هناك في النفق الملعون ده؟ وإنت أساسًا إيه عرفك إنها جوا إلا لو إنت معاها؟ إنت مش عارف إن اللي بيدخل هناك مبيخرجش منه مدى الحياة؟
ردّ "رمزي" عليه بحديثٍ جافٍّ كتعابيره المُتجهمة تمامًا، إذ بدا وكأن الشيخ يلهو في الوقت الضائع الذي لا يحتمل أي تبريرات:
_لو ما مصدقني، تعال وشوف بعينك، بس أنا ما بكذب في شي، چيهان مربوطة چوا بيارون وما بعرف أطلعها، لو كان الكتاب الأصلي معاي ما كنت احتاچتك في شي ولا اتصلت فيك من الأول.
أيصدّقه أم يُكذّبه ويحفظ ذاته من الانحدار في بؤرةِ الاحتيال الغائرة التي تنتظره؟ كان متحيّرًا بشدّة، وكأن أذنيه اللتين استمعتا لحكاوي النفق المرعبة ترفضان قبل أن يرفض هو بشخصه، إذ كان يومه الأخير في الواحات ليعود إلى بلدته. فبعدما ستتردد قدماه إلى بيارون ربما يكون ذلك الأخير له في الحياة برمّتها، فأبدى خوفَه من مجازفةٍ ستفتح عليه طاقاتِ جهنم.
لكنّه، بدوره كشيخٍ جليل قضى حياته في مساعدة ضحايا السحرة والكشف عن مصائبهم وحلّها، كان مُحصَّنًا تحصينًا قويًّا وكأنه مرتدٍ جلبابًا حديديًا بدلًا من القماش، وهناك هالة قويّة حول جسده تمنع اختراقات الجان لحصونه.
أظهر رفضه من هذا الحضور، لكن بين ثانيةٍ وأخرى تذكّر أن چيهان الفتاةَ الحسنة، ذات مكارم الأخلاق، لا تستحق منه التجاهل. وضعها بمنزلة ابنته التي لم ولن تأتِ بعد، وهناك شيء يهمس له بصدق حديث رمزي. كانت أركان المسجد تناديه بألا يذهب ويظلّ ماكثًا بجوار أهل الدين، لكنه نهض وقرّر أن يُجازف من أجلها.
وبمجرّد أن خرج من المسجد، رفع كفَّيه بالقرب من فمه يتلو آياتِ القرآن الكريم، منصتًا لأبواق السيارات المارّة على الطريق، والعصافيرِ المُحلّقة في السماء تغرّد خوفًا، والأشجارِ تميل بفعل الرياح وكأنها تهمس إلى أذنيه بالبقاء. لكن كلماته خرجت محمّلةً بيقينٍ أن النفع والضرّ بيد الله وحده، ونفث بين كفّيه متلفّظًا الأذكار:
_اللهم إني أسألُك العافية في الدنيا والآخرة، اللهم إني أسألُك العفو والعافية في ديني ودنياي وأهلي ومالي، اللهم استر عوراتي وآمن روعاتي، اللهم أحفظني من بين يدي ومن خلفي وعن يميني وعن شمالي ومن فوقي وأعوذ بعظمتك أن أغتال من تحتي.
قرأها ثلاثَ مرّاتٍ مع بعض الأذكار الأخرى، وحينما انتهى مرّر كفَّيه على جسده، ونظر إلى السماء، وواصل بتضرُّعٍ غمر قلبه:
_بسمِ اللهِ الذي لا يضرّ مع اسمه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ وهو السميعُ العليم...اللهمّ إنّي استودعتُك نفسي فاحفظها بحفظك التامّ، وقرّب لي الخير أينما كان، اللهمّ إنّي استودعتُك أموري كلّها فاحفظها بعينك التي لا تنام.
تحرّك متجهًا إلى بيارون من الجهة الخلفيّة كما أمره رمزي، إذ أوضح له أنّ رجال الغفر لن يتركوه وشأنه إن روى لهم ما يريد، بل ومن الممكن أن يعرّض ذاته للاعتقال في سجن العمدة، خاصةً أنّ عُرف البلدة يقول: "بيارون إن ابتلع فردًا واحدًا، انفتحت شهيّته على مصراعيها، راغبًا بمسغبةٍ عنيفة لالتهام الجميع."
فلن يؤذي ذاته بمفردها، بل سيؤذي كلَّ المقرّبين منه. وهذا ما جعل شيخ البلدة يضع شروطًا صارمة، ويحمي جميع المنافذ خشيةً على أهل بلدته من الزوال. لكن، على الرغم من ذلك، أصرّ الشيخ نعمان على أن يتوجّه إلى بيارون.
وصل إلى البوابة الخلفيّة، مندهشًا من ضخامة النفق الذي مساحته المستترة أضعافٌ مضاعفة لما يظهر من الخارج. الأشجار حوله شاهقةُ الارتفاع، ذات كثافةٍ متاخمة لبعضها، في مشهدٍ مهيب.
تحرّك بتردّد، وفي دواخله خوفٌ دفين على عمره أن ينتهي بمصرعه في لُبّه بدلًا من أن يموت على أرض الحياة ويُكرم بالدفن كما تمنّى. فألقى نظرةً سريعة إلى السماء كأنّه يتوسّل الرحمٰن أن يحفظه، ثم اقترب من البوابة فوجدها مصكوكةً بأقفالٍ ضخمة.
وحينما لاج بعينيه، لمح "رمزي" يخرج برأسه من الأنبوب، ويناديه بصوتٍ خافت:
_تعال من هني! البوابة مسكرة، ما في طريق تعدي منه!
وقفَ الشيخ "نعمان" موازيًا له، مُضيقًا عينيه باستغرابٍ، وقال بأسلوبٍ مُعبر عن دهشته:
_إيه يابني البهدلة دي كلها؟ بقى عايزني أعدي من هنا عشان أتعور؟!
جزّ "رمزي" على أسنانه بفيضٍ من التضجُّر، وأمره بالولوج مُسرعًا، قائلًا باستعجال:
_ما بيصيرلك شي، أنا عدّيت من هني مرات، نُط على جذع الشچرة واطلعلي وأنا بسحبك، بس أسرع قبل ما حد يحس فيك وتصير مصيبة!
رمقه الشيخ "نعمان" بتردد، لكن رغبته في مساعدة چيهان غَلَبت خوفه، وبينما يتشبث بالشجرة بتثاقُّل، قال:
_بسم الله توكلت على الله... يا رب تعدي على خير ونخرج منه بلا ضرر ولا ضرار.
قَفَز الشيخ نعمان فوق جزع الشجرة الأول بسهولة، ثم نشب في الأخير باعتياصٍ، كأنه يصعد على درجاتِ سلم. كانت المهمة في غاية الصعوبة، خاصةً كونه رجلًا في العقد السادس، في ريعان شيخوختِه، ذو جسدٍ متثاقلٍ يعاني من أزمات صحية.
وحينما وصل إلى الجزع الأخير، محاولًا ألا تنزلق يداه وسيقانه ويهوى على الأرض بعظامٍ مُحطمة، مدَّ رمزي يداه له، فبدا الأخير متكدسَ البدن داخل أنبوب ضيق أصابه بقبضة صدرٍ غريبة، إذ كان مع رمزي وجهيهما مُقابِلا لبعض، رمزي يتحرك للوراء بالعكس، والشيخ نعمان يتحرك برأسه، إلى أن وصلا لنهايته. فقفز رمزي ونزل في بركة المياه بلياقة أولًا، وعاون الشيخ نعمان على الانحدار مثله تمامًا، فرفع كلاهما الجلباب لأعلى حتى لا يتدنسا بالمياه القذرة.
وبعد قليل، قفزا سويًا إلى الطرقة الطويلة، وبينما يسيران وسط الظلام، أخرج رمزي هاتفه وأنار بمصباحه عتمة المكان، فتوجه إليه "الشيخ نعمان" بسؤاله باستغراب:
_إنت مش خايف لا محدش فينا يقدر يخرج منه تاني؟ أنا بصراحة مش فاهم ليه جيت رغم البهدلة دي كلها، بس يمكن عشان چيهان بنت حلال وطيبة وقلبي مطاوعنيش تكون في كرب كبير وممدش إيد المساعدة!
سألهُ "رمزي" بسخريةٍ محسوسةٍ في حروفه:
_وهي چيهان بنت حلال وأنا ولد حرام ولا كيف؟ مستمر تغلط فيني بالكلام وفاكر إني غافل؟
ابتسمَ الشيخ "نعمان" ابتسامةً تهكمية، ثم قطب وجهه، وأجابهُ بروحٍ صافيةٍ لا تحوي له الضغينة:
_بغض النظر عن اللي أبوك بيعمله والسكة المدمرة اللي ماشي فيها، كان ممكن تطلع شبهه في كل حاجة إلا إنك لسه فيك الخير، بالرغم من عصبيتك وأسلوبك المندفع دايمًا في الكلام بس لو بصيت على الحلو اللي جواك هتعرف أنا ليه باخد وبدي معاك لحد دلوقتي!
رمقه رمزي بنظراتٍ ماقتةٍ، وصمت بلا رد، كأنه لا يجد ما يقوله. ظلّا على هذا المنوال إلى أن وصلا لنهاية الطرقة الطويلة، فرفع رمزي يده على رأس الشيخ نعمان، متلفظًا بتعويذةٍ مصونةٍ تمتد فاعليتها إلى يومٍ كامل، ومن ثم ينتهي المفعول. فقابله الشيخ "نعمان" باستغرابٍ، وقال:
_اللي بتعمله ده مينفعش! الحافظ هو الله! مش التعاويذ اللي بتقولها عشان تحفظني الكام ساعة اللي جايين! عيب الكلام ده أنا رجل دين وشيخ كبير وليا احترامي، وأنا مش هقبل إنك تعمل حاجة زي دي تاني!
دلف رمزي معه إلى بوابة الحُبّ دون أن يقايضه بالإجابة المبررة لتصرفه، وبينما دخلا سويًا، ازدادت "چيهان" بكاءً حينما رأت الشيخ نعمان، وكأنها رأت النور بين الظلام أو القشة التي تشبثت بها في عرض المحيط. انهمرت دموعها، ونادته بتضرُّع، فقالت:
_شيخ نعمان! إنت جيت هنا ازاي؟ أرجوك خرجني من هنا، أنا خايفة أوي، أنا عايزاك ترجعني لأهلي يا شيخ، وديني ليهم بعد ما نخرج عشان خاطري!
نطق الشيخ "نعمان" بابتسامةٍ لطيفة، ويداه تلامسان الصندوق بطمأنينةٍ:
_أوعي تعيطي يا چيهان يا بنتي! هنخرجك من هنا وإنتي سليمة وزي الفل، احنا بس عايزين نشوفلك مخرج، قوليلي بس قبل أي حاجة إنتي دخلتي ازاي؟
أجابته "چيهان" بغمرةٍ من الخوف، ويداها جاهدتان لاقتلاعِ السلاسل:
_معرفش والله، نمت وصحيت لقيتني هنا، مش فاكرة أي حاجة... عشان خاطري خرجوني، أنا مليش ذنب في كل اللي حصلي... مستقبلي وحياتي ضاعت وخسرت أهلي، خسرت كل حاجة يا شيخ نعمان، أنا عايزة أرجع لحضن ماما وأختي، حتى بابا زمانه قالب عليا الدنيا لحد دلوقتي... مش مهم أي حاجة تانية المهم بس أخرج!
استدار الشيخ "نعمان" نحو رمزي، وقال بتوبيخٍ صارم:
_حسبي الله ونعم الوكيل في أبوك الساحر، لعنة الله عليه في الدنيا والآخرة، أبوك ده مش هقولك جند من جنود إبليس، لأ! ده إبليس نفسه.
رفع "رمزي" السبابة بحزم، واستفحل بنبرته، إذ يرى حديث الشيخ نعمان ما هو إلا تحقيرًا من شأنه حيال چيهان، وبينما روائح السخط تتفشّى في الحجرة، قال بانفعال:
_لا تلبخ بالحديث زي كل مرة! هذا بالأول والآخر أبوي، ولو غلطت فيه كأنك غلطت فيني أنا!
لكن الشيخ "نعمان" فاجأه بالرد حينما قال بعدالةٍ، دون إنصاف سالكو درب الأبالسة:
_كلمة الحق سيف على رقبتي ورقبتك ورقبة أي حد! أينعم أبوك لو كان ساحر، عليك بِره لأنك هتتحاسب عليه، لكن ده بينك وبينه، هنا أنا مسمعكش تدافع عنه ولو بحرف! أبوك دمرها ودمر البشرية كلها بشره، إنسان عاش عمره كله ليل نهار في أعمال الدجل والشعوذة، لا عمره مسك المصحف في الخير، كان يوم ما بيمسكه بيكون عشان ينفذ مصالحه وهو بيكفر بالله وإنت أظن فاهمني، لكن كلمة زي دي مش هتطلع على لساني مهما يحصل، ولا عمره ركعها، ده عنده يركع للشيطان أستغفر الله العظيم ولا إنه يركع لربه....
وتابع بصياحٍ، عسى أن يهتدي رمزي سبيلًا:
_أبوك اللي إنت زعلان عليه هيجرك لجهنم جر! هيضيعلك شبابك وهتكبر وتعجز وهتقول يا ريت، بس ساعتها كلمة يا ريت ما بتعمر بيت! ومش عايز أقولك بقى إيه اللي بيمر على الساحر في طلوع الروح ولا عذاب القبر وهو بيتحاسب على كل لحظة عدت من حياته في أذى الناس... أوعى تكون فاكر إنك هتغلط وتعمل اللي نفسك فيه وتقول هستغفر وربنا هيتوب عليا...لأ ومليون لأ!
واسترسل بنبرةٍ أشد نُصحًا:
_تستغفر دي لما تبقى المشكلة بينك وبين ربنا، مقصر في صلواتك، بتعمل ذنوب، أيًا كان إيه المشكلة، إنما لما المشكلة تكون بينك وبين عباد الله، ربنا مش هيسامحك وإن صليت وصومت واعتمرت، عارف ليه؟ لأن العفو مرهون بعفو العباد المظلومين اللي جورت على حقوقهم وظلمتهم، يا حبذا لو سامحوك، إنما لو محدش سامحك يا ويلك من الله على عقابك الأليم اللي هتشوفه في الدنيا والآخره!
تلفظ "رمزي" بغضب، مبررًا موقفه تجاه من جارَ مصعب على حقوقهم في الحياة، فقال بعناد:
_أنا ما ظلمت حد ولا طحيت على حد، وخلصنا من هالمشوار، يلا نشوف حل نطلعها ونمشي من هني!
بسط الشيخ "نعمان" كفه الأيمن على الأيسر، متشبثًا بنصائحه الذهبية التي لن يسمعها رمزي إلا منه، وجابهه بها قائلًا:
_لا ظلمت، لما أبوك يبعتك تجيبله الخامات عشان يإذي الناس يبقى مشارك في الجريمة، ولما تجهزله القاعدة بتاعته في الأوضة عشان يبدأ على روقان يبقى مشارك في الجريمة، ولما تاخد الفلوس من الحريم ها واخد بالك إنت؟ يبقى مشارك، ولما تسمعهم بيتفقوا معاه وتعدي وتسكت يبقى إنت شيطان، ماهو أصل الساكت عن الحق شيطان أخرس، ولما تجيب الكتب تقرا فيها وتحضرهم ويعملولك اللي إنت عايزه يبقى مشارك.....
خرج "رمزي" عن صمته، فانفجر بصَّرخةٍ مدوية، قائلًا بصياحٍ عالي:
_چايبك أنا عشان تعلم عليّ وتوريها إنك الشيخ المحترم وأنا ولد الساحر الملعون؟ اخرس وما أسمع حِسك! لا تخرچني عن شعوري، وترچع تتندم وتقول يا ليت! أنا ما ناقصني كلامك ذا، اللي يهمني چيهان تخرچ من الزفت ذا، لا تعصبني و....
وبينما يصيح الاثنان في بعضهما، خرج إعوالُ "چيهان" وهي تتزايد ألمًا من شجارهما العنيف، قائلةً بلُغوب:
_بس بقى! بس! أنا تعبانة أوي ومش مستحملة خناقكم مع بعض، كفاية بقى ارحموني!
انقطع ضجيجهما الصاخب من المكان على وقع صراخها، لتتحول الأرض أسفل أقدامهم من غارة عواصف رعدية إلى طرفان يناضلان الظروف للبحث عن مَصرفٍ للمشكلة. توقفت الأزمان، وأصبحت تسير بتريُّث عارم، كمن يسير على طريقٍ شائكٍ بالأشواك. إذ فتح رمزي كتابه، ينظر إلى الخطوة القادمة لاستخراج چيهان من أواصر أسرها، وعلى سيفه، الشيخ نعمان يتطلع داخل الكتاب بفضولٍ غريب. تحركت شفتي رمزي متمتمًا بصوت خافتٍ لا يسمعه سواه، وأنامله تتصفح الورقات باهتمامٍ متزايد، حتى ظهرت له الكلمات الدموية، تقول:
"الحب معركة، إما أن ترجحها أو تميل رأسك خائبة. تحرّك بمفردك إلى مأواك الأصلي، إيبار في انتظارك!"
حينها كان لابد أن يتحرك رمزي لينفذ أولى خطواته لإنقاذ چيهان، فطلب من الشيخ نعمان أن يبقى بجوارها إلى حين مآبه إليهما، لكن الأخير رفض خروجه وتركهما وشأنهما، وأمره أن يذهب إلى داره ليستجلب كتابه العزيز "الحالات المستعصية في العالم الروحاني". لكن رمزي اعترض في مستهل الأمر، ومع إلحاح الشيخ نعمان، قرر أن يخرج سريعًا، حاملًا دلاية المفاتيح في يده اليمنى، واليسرى قابضة على هاتفه، منيرًا دربه بالمصباح، محترسًا في كل خطوة.
وبينما مرّ في الأنبوب وبلغ طوره، أصغى في الخارج إلى اثنين من الحراس اعترتهما الشجاعة ليقفوا بالقرب من البوابة الخلفية، يتناقشان في غياب رمزي المتكرر، إذ قال أحدهم للآخر بفضولٍ:
_الصراحة شاكك في رمزي وحاسس إنه وراه شي، يچي كل كم يوم ويختفي، الحين لحد الآن ما باين، والله أعلم راح وين، يمكن يكون ماسك شغل مع حد ثاني؟
ضحك الأخير باستهزاء، مفصحًا عن مهنةٍ لن يجدها أحدهم في مكانٍ مغاير، وإن انطبقت السماء أرضًا، فقال بتخالُّف:
_لا وهو بيلقى نص المرتب اللي بياخذه منه؟ حنا لولا العمدة ضرغام ما كنا وصلنا للي حنا فيه، الله يباركله، فضله علينا كبير واجد.
ظل "رمزي" راقدًا في صمت، صاغيًا إلى حوارهما، لكن على حين غُرة، ناداهم غفير آخر من بعيد، مشارًا بيديه لأعلى وهو يصيح بنبرةٍ مدوية:
_خناقة هناك يا رچالة، تحركوا بسرعة، وراي!
ردَّ أحد الرجال باستعدادٍ لمشاركة الحدث:
_چايين أهو، سترك يا رب.
همَّ الرجلان مُسرعين إلى البوابة الأمامية، وكأن القدر منحَ رمزي الفرصة للنزول من فوهة الأنبوب، مستغلًا الفرصة للفرار قبل أن يعاودا. فنَزَا بخفةٍ ممسكًا بأجزعة الشجرة حتى وصل للأرض بسلامٍ، إذ اختطف نظرةً حوله، وكأنه يؤمن المكان بعينٍ مترصّد، ومن ثم هرع بسرعةٍ حتى تلاشى عن أنظار الحي، ترجَّل على قدميه ممارسًا رياضةً غير مقصودة.
وبعد عشرة دقائق وصل إلى دار الشيخ نعمان، وهنا بقيّ الأمان في عالم لا يبقيه شيء. لأول مرة يخطوه، دخل بحرص، وانطلق على درجاته بخُطى واسعة نظرًا لقامته السابغة، فوقف حيال الباب وبصره يحوق في زوايا المنزل الصغير، ومن ثم أخرج الدلاية من جيب جلبابه وفتح الباب بالمفتاح ودخل.
لا يعرف لِمَ أحس براحةً نفسيةً عجيبة في ذاك المنزل، إحساس كمن عاش فيه ذكريات الطفولة، لكن الواقع أنه لأول مرة يجتاز عتبته. كلمة الدفء التي سمعها مرارًا، ضارعها الآن في حياته، إذ كل شيء منسّق في مكانه، عكس الفوضى التي عاشها في دار أبيه، الذي فاح فيه عفن الأقمشة القديمة والغبار الملازم للمنافذ، وجسدًا لا تغسله المياه، كأن مصعب يهيئه ليستريح فيه الشيطان، لكن هنا كل شيء مُختلف حقًا.
دلف رمزي إلى غرفة النوم، لكن شيطانه غلبه في هذه اللحظة وهو يفتح خزانة ثياب الشيخ نعمان ليستخرج منها عباءةً تلاصقت فيها رائحته، وفي نواياه مكيدةٌ حقيرة، أن يستحضر أحد المقصات ويقص ثوبه ويحتفظ بأثرٍ له في حوزته، فينتقم منه وقتما شاء بالطريقة التي تُريحه.
لكن ألبوم الصور، الذي سقط على إبهام قدمه اليمنى، ألمه بشدة وكأنه يُفيقه من طيش الشباب الذي كاد أن يدفعه إلى أذى عنيف لرجلٍ لا يحمل له أي دسيسة. انحنى برفقٍ إلى الألبوم وجلس به على حافة السرير، يرى ما به بتطفّل.
وعلى بَغتةٍ وجد ما يُفتت الحجر الصلب، ويسيل الدموع المتحجرة برسالةٍ صامتة، امتلأ الألبوم بصور الشيخ نعمان في فُتوته حينما كان يبلغ العقد الثالث من عمره، شابًا في مزدهر الشباب يقف إلى جانب زوجته العزيزة وطفلهما الوحيد.
اعتقد رمزي طوال هذه المدة أن الشيخ نعمان يعاني من مشكلاتٍ إنجابية، لكن الواقع كان أقسى بكثير في غياب زوجته وابنه الوحيد.
تبدلت مشاعر رمزي في هذا الأون إلى روحٍ مشفقة عليه مما عاشه. تبدو الأحداث متشابهة إلى حد كبير، لكن الفارق أن مصعب لم يقدّر نعمة الزوجة والابن له، عكس الشيخ نعمان الذي انحرم من وجودهما في حياته وهو يحتاج مجاورتهم في مشيبه بشدة.
أحس رمزي ذاته خسيسًا بلا مبدأ، ما جعله يتراجع عما كان ينويه، وهو ما زال غارقًا في التصفح بين ورقات الألبوم. زوجة الشيخ نعمان مشابهة إلى حد كبير من والدته، حتى الطفل الصغير كأنه نسخة كربونية من أباه، الشيخ التقي.
وبينما ضوء النهار يداعب وجه "رمزي" بحزن، أغلق الألبوم ووضعه مكانه مع الجلباب وصكَّ باب الخزانة، واسترسل البحث عما يرغبه، حتى قبض على الكتاب من فوق الطاولة، وأفل إلى الخارج وكأن شيئًا لم يكن، ثم وقف لدقائق يجري اتصالًا عاجلًا بناجي يقول فيه:
_ناچي، أنا بغيب عن البيت كم يوم أنا وچيهان، وراح أحكيلك بعدين اللي صار، عايزك بس لو حد سألك حنا روحنا وين، قولهم: راحوا يزوروا خالة چيهان!
حينما تُربَط عن سعادتك بلا إرادة منك تُصبح النورس المسجون في قفص الاضطهاد، ترى العصافير تحلّق في سماء الحرية من حولك، أمامك المفتاح لكن لا يدا تطوله، إذ عاشت ريم لحظات صعبة كانت كفيلة أن تجعل منها قاتلة متسلسلة، زعيمة السيكوباتيين، والمحركة الأولى لطوائف النزاعات العالمية لكنها اختارت أن تبقَ مظلومة لا ظالمة، وهناك مثل يقول " يا بَخَت من بات مظلومًا ولا بات ظالمًا" فالانصاف الإلهي دومًا ما يُبدِع في تصفية الحسابات بطريقة أشد ألمًا، مرة أنك فكّرت في أذى من لا ذنب له، والأخرى أنك جعلت من حياته جحيمًا لا يُطيق... افعل ما شئت، كما تُدين تُدان!
زغاريد النساء رجّت الدار رجًا في الساعة الحادية عشر ليلًا عائدون بالعروس بعد إتمام عقد قِرانها إذ تحولت من لقب عزباء إلى متزوجة في عصمة رجل، لكن الحقيقة أن خطيبها لم يكن رجلًا متكاملًا وهذا ما سيتضح فيما بعد، لكن بهجة العائلة حولت المنزل إلى مسرح من الأفراح، إذ خرجت العروس من السيارة وصعدت بين النساء على الدَرَج وقبل أن تصل إلى منزل والديها، طرقت الباب بحماسٍ فخرجت ريم لها ظنًا منها أن والدتها، لكنها لم تعلم أن والديها يشتريان من المتجر نواقص المنزل، وبدون مقدمات عانقت "منى" ريم والابتسامة لا تفارق شفتيها، وباقي النساء تقفن خلفها بما ضمنهم صديقاتها، فقالت:
_وحشتيني يا ريم، قولت قبل ما أطلع أعدي أسلم عليكي... مقولكيش بقى النهارده تعبت تعب وكنت زعلانة أوي إنك محضرتيش، كنت حاسة إن في حاجة ناقصة.
نَظَرَت "ريم" لها بنظرات استحقارٍ، وردّت عليها بلا رغبة للحديث:
_هي ماما مقالتلكيش إني تعبانة ولا إيه؟
ابتسمَت "منى" وضَحِكت ضُحْكة مُريبة، وأجابت والنساء تُقهقهن مِن وراءها:
_قالتلي طبعًا، سلامتك يا ريم، ربنا يشفيكي يا رب، بدعيلك والله من قلبي تخفي عشان تحضري فرحي بالسلامة، هو خلاص قرب أوي أوي، ولازم تكوني معايا واديني بقولك أهو قصاد كل الموجودين.
بينما من الطابق العلوي نادَتْها أختُها "هناء" من الأعلى، لتقول:
_يا منى، أمك عايزاكي فوق، خلصي!
تحرَّكت "منى" بخطواتٍ للأمام ونظرت لأختها نظرةً مُشِعة بالفرح، وقالت بأسلوبٍ فاق حدودَ الكيد:
_حاضر جاية أهو، كنت بكلم ريم وبأكد عليها فرحي...
ثم استدارت نحو ريم، واسترسلت بنفسِ الدهاء:
_معلش بقى يا قلبي هطلع أرتاح ألا كان يوم مُتعب أوي بس الحمدلله عدى على خير.
صعدت منى للطابق العلوي فيما تتبعها النساء بزغاريد حماسية، لم تتمهّل ريم إلى أن صكت الباب وراءهن بلا حرف، مكتفيةً بأعينٍ تُشِع سهام الغضب، إذ تعتبر ما يحدث جورًا عظيمًا على حقوقها، والأخيرة تسعد وتهنئ بزواجها بأنانيةٍ مُطلقة.
ثم دخلت حجرتها بخطى مضطربةٍ كالمشاعر التي تسكن وجدانها في هذه اللحظات، جلست على سريرها وقبضت على هاتفها بقسوةٍ، فوجدت رسالة نصيةً من "إسلام" يقول فيها:
_ليه مجيتيش كتب الكتاب النهارده؟ اليوم كان ناقصك والله.
بادلته "ريم" الرد، فقالت بمشاعر جافةٍ غاص فيها قلبُها:
_مليش مزاج أروح في حتة، اتخنقت من الناس والدنيا واللي فيها.
سألها "إسلام" بفضولٍ، مُظهرًا اهتمامه العارم بتفاصيلها:
_ليه طيب؟ شكل في حاجة مزعلاكي أوي....
لم تُجيبه "ريم"، فاكتفت بالصمت لدقائق، إذ عادَ برسالةٍ جديدة مسترسلًا فيها حديثه:
_على فكرة ممكن تحكيلي عشان أساعدك، أصل كل حاجة وليها حلول يعني....
للمرة الثانية على التوالي ظلّت ريم ساكنةً، كأن أصابعَها تجمدت فامتنعت عن الرد، ما جعل "إسلام" يتابع وكأنه يخاطب ذاته:
_هتسيبيني أكلم نفسي كتير ولا إيه؟ عايزة الناس يقولوا عليا عبيط؟ ده أنا عاقل قد الدنيا بحالها.
وأرفق إلى جانب حديثه رمز تعبيري ضاحكًا، فردت عليه "ريم" وكأنها تُجبر خاطره كي لا تنكسر مشاعره على وقع كلماتِها الفظة:
_والله ما لاقية حاجة أقولها بجد، هحكي إيه ولا إيه، ده أنا لو حكيت مش هيكفيني سنة كاملة.
ردَّ "إسلام" بلُطف، مُعبرًا عن اكتراثه بمشاكلها أكثر من مشاكله ذاتها:
_مش مهم، المهم تحكيلي إيه اللي مزعلك وصدقيني هتلاقي الحلول عندي، مانا كان نفسي أطلع مصلح اجتماعي من وأنا صغير بس ربنا مأرادش بس ميأستش! احكيلي بس ومش هتندمي!
أدرج تعبيرًا ضاحكًا إلى جانب حديثه المازح، مستخدمًا أسلوبًا لطيفًا يخفف عنها وطأة الحزن، وحينما استراحت ريم له قررت أن تروي ما يحدث معها، فكان إسلام في ذلك الأون عائدًا إلى الفيوم برفقة عائلته، والده يقود السيارة نصف النقل وإلى جواره زوجته وابنته، أما ابناه يجلسان وراءًا في الهواء الطلق، كل واحدٍ منشغل في هاتفه، الابن الأكبر يحاور خطيبته في مكالمة هاتفية، هامسًا لها بكلمات الحُب، أما الأصغر منشغل في محاورة ريم في المحادثة باهتمامٍ بالغ.
الطرق ممتدةٌ ليلًا والعودة إلى دارهم ليست سهلة إذ تحتاج على الأقل سبع ساعات، خاصة مع التفتيشات الأمنية بين كل حين والآخر، إذ يرى العساكر بطاقات الهوية لكل أفراد الأسرة، ويتفحّصون السيارة بواسطة كلبٍ بوليسي، نوعه "مالينوا بلجيكي" ممتازٌ بحاسة شم رهيبة لها القدرة على الكشف عن المحظورات الدولية.
فيتردد صوت محرك السيارة في آذانهم والجميع يغلبه النوم، عدى الأب صلاح الذي ارتشف القهوة ثلاث مرات حتى الآن، فيما غفت زوجته وابنته وهما جالستان بنعاسٍ شديد، حتى محسن الذي أنهى المكالمة وأسند برأسه على كتف أخيه، كان الآخر مبتهجًا كون ريم بدأت تروي عليه ما تعانيه في حياتها.
شرحت له المشكلة منذ بدايتها إلى يومها هذا، وصفت آلامها وفي اعتقادها أنه سيملّ من حديثها حتى وإن كان هو من طلب ذلك، لكن الحقيقة كانت مبهرة، وهو يتحاور معها في كل التفاصيل باهتمامٍ لم تره من عائلتها، وكأن عجلة الحظ دارت من أجلها، إذ شعرت بنوعٍ من الأمل المتجدد، وهدأ وجدانها من كل ما كان يعانيه.
على نفس الطريق سار "مصعب" في سيارته الربع نقل، متحركًا إلى الواحات، بعدما أمّن منزله جيدًا بأشباحه اللطيفة، وقاد محركه كما يقود حيوات الناس بتسلطه اللعين، أنفاسه طويلة، وعقله يدفعه لتنفيذ وعده إلى رمزي، فقد اتخذ قرارًا لا رجعة فيه، وظهرت قوته الروحانية وهو يتسلل بسيارته بين تكدس العربيات التي وقفت في انتظار تفتيش العساكر لها، انعمت العيون كلها عن رؤيته وقتما مرّ وكأنه طيفٌ بلا أثر.
وبينما تلامس يداه تارةً السيارة، قال بابتسامةِ شوق:
_واحشني يا رمزي، بس لا تخاف! أبوك چايك الليلة، يعملك اللي ما عرفت تعمله في حياتك، خليني أفرح بيك وأشيل باقي سلالة قُصيان عَيدي قبل ما أغادر الدنيا.
تسرّبت الساعات فوصل بعد رحلةٍ طويلةٍ جدًا تصل إلى أحد عشر ساعةً كاملة، بعدما قطع أكثر من ألف كيلومترٍ على الطريق، ذاك الذي إن غفَت عيناه استمرت السيارة في سيرها، ما جعل مالكي السيارات من حوله على شَفَة الجنون.
وصل بجسدٍ منهكٍ جدًا إلى منزل العمدة ضرغام، وتقدَّم بطلبٍ هام لرؤيته، فتوجَّه إليه رجال الغُفر وأخبروه بما يريده مصعب منه، ذاك الذي انتظر بفيضٍ من الحماسة، يعدُّ الثواني والدقائق على مفاصل أصابعه.
الغريب أن الحراس كلما نظروا لوجهه انتابتهم موجةُ نُعاسٍ عنيفة لم يفهموا مصدرها، والأخير لعنه الله ماكثًا بثباتٍ وكأنه لم يغامر في رحلةٍ مديدةٍ كهذه، كأنه خرج من منزله متجهًا إلى سرية العمدة مباشرة.
إذ بعد دقائق خرج أحد الحُرّاس له وأخبره بموافقة العمدة على مقابلته، فدخل مصعب بخُطى واثقةٍ وهو يعلم جيّدًا ما سيفعله، صافح العمدة بحرارةٍ باعتبارهما السُّكر الذي سيذوب في المياه في القريب العاجل، وجلس حياله تاركًا الدهشة والنُّعاس على وجه الشيخ "ضرغام"، الذي سأله بفضولٍ متزايد:
_چايلي هالوقت والساعة تسعة ونص؟ خير إن شاء الله؟!
قهقه "مصعب" ببسمةٍ لطيفةٍ، وقال مباشرةً:
_خير يا عمدة، آني ما بلف وما بدور، هچيك في الموضوع عالطول، ومتأمل فيك خير وعارف إنك ما راح تكسفني....
استغرب العمدة ضرغام طريقته في الحديث في وقتٍ لا يتناسب سوى لتناول الفطور، فاعتدل الأخير في جلسته، والبهو لا يتسع بهجته، ليقول بوضوح:
_رمزي ولدي اللي عندك، من زمان و هو يلاحقني ويكلمّني في السالفة هذي، وآني ما أدري أقوله إيش.
استفسر الشيخ "ضرغام"، مُظهرًا تعجّبه لما يقوله، قائلًا:
_إنت بتحكي عن إيش يا حاچ؟ ووش تبي مني؟
ردَّ "مصعب" ببسمةٍ ودودة تتعارض مع حياة الأبالسةِ الراقدة في روحه:
_رمزي صار له شهور مصوب عينه عبنتك الكبيرة دليلة، قالي يا أبوي آني رايدها وما أقدر أخرچها من راسي، وكل ما أشوفها يزيد الغرام في قلبي، بس ما أقدر أخون ثقة العمدة فيني وأسوي أي شي شين، قالي آني رايدها في الحلال بس محرّچ وخايف يرفضني، قلت له لا سيبها علي، وآني اللي بروح له بنفسي وأحكي وياه في الموضوع ذا، اليوم چيتك يا عمدة ضرغام، وعشمي فيك ما يخلص بر ولا بحر، وأطلب منك يد بنتك دليلة لرمزي ولدي، وش تقول؟
وصل به الأمر إلى خسةٍ عظيمةٍ لا وصف لها، يطلب منه زيجةً لم يضعها رمزي في اعتباره يومًا من الأساس، تعقَّدت الأمور بعدما دسَّ العراقيل بها، مباعدًا عن قصدٍ بين رمزي وچيهان للأبد، فالثعابين لا تبخُّ سمومها قبل أن تتلوَّى دلالًا.
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة