دقَّ ناقوسُ الخطر، فما للأرانبِ أن تلهو في ساحةِ الذئاب. الخوفُ أمطرَ على الجميع في لحظات مُريعةٍ انكتمتْ فيها الأنفاس، والعروس تتحرّك بين أهل العريس تُصافحهم عدا الرجال، فلا مُصافحة للأجانب؛ ما زالت وستزال محتفظةً بمبادئها السامية، والفؤادُ يتقلقل في الداخل، ضاخًّا دماءَ الحزن.
نعم، علاقتها برمزي مجهولةُ النهاية، ولا يوجد أيُّ بصيصٍ من الضوء يوحي بأن الحياة ستبتسم لهما يومًا؛ الاثنان متقابلان كالجنةِ والنار: امرأةٌ طاهرةٌ ملتزمةٌ بدينها، وصلتها بربها عظيمة، تخشى الوقوعَ في الآثام، سواء بقصدٍ أو دون قصد. ذنبُها الوحيد أنها أحبّت رجلًا شَبَّ في عالمهم السفلي، وجد نفسه أسيرًا لسطوةِ والده، أشبهَ بدميةٍ يُحرّكها كما يشاء، لاغيًا شخصيتَه وحقوقَه في الحياة كأقلّ إنسان.
لا تدري چيهان لماذا، حتى هذه اللحظة، قلبُها متشبثٌ به، وكأنّ القلوب ترفضُ الانفصال رغمًا عن الظروفِ المُعارضة.
انطبعت المخاوف على وجوهِ الجميع، حينها تحرّك شوقي من موضعه، فاستقام متفحّصًا بعينيه المصابيحَ المحروقة. فانقسم الجالسون لشقَّيْن: الأوّل منشغلًا بتلك، والآخر بالباب الموصد دون تدخّلٍ منهم. أوحى لهم الموقفُ أن هناك كيانًا خفيًّا يتسلّل فيما بينهم، قاصدًا بثَّ الفزع في النفوس.
خرجت ضحكةُ خوف من أعماق "شوقي"، ساعيًا أن تتلهّى أذهانُهم بحديثٍ آخر، فبرر ما حدث بعين العقل والمنطق، وقال:
_متقلقوش، تلاقوا بس ضغط الكهربا كان عالي في الصالة، ساعتين كده وهبعت أجيب الكهربائي يشوف المشكلة فين.
أيَّده "عصام" في حديثه، فابتسم مُظهرًا أنَّ الأمر طبيعيٌّ ولا يستدعي القلق، إذ قال بضحكةٍ هزلية:
_أه ساعات بيبقى في ضغط شديد على أسلاك الكهربا، وبعدين يعني أنا شايف النهارده ما شاء الله الهواء يرد الروح، باينلنا كده داخلين على فصل الربيع.
ابتسمت "والدةُ العريس" لچيهان، ومرَّرت يدها على ذراعها وهي منبهرةٌ بملامحها الهادئة، إذ تعتبر چيهان مثالًا للمرأة البسيطة المعتمدة على بهائها الرباني دون الاستعانة بمستحضرات التجميل كمعظم نساء العصر، فأبدت انبهارها قائلةً بابتسامةٍ:
_الله أكبر، چيهان يمكن مشوفناهاش من سبع تمن سنين كده كانت لسه صغيرة في الإبتدائي، ما شاء الله عليها، ربنا يحفظها.
جلست "أسماء" بجوار سلفتِها علياء، مواجهةً لوالدة العريس على الأريكةِ المقابلة، فانبلجت على شفتيها بسمةٌ هادئة، وقالت بودٍّ:
_ربنا يخليكي يا أم أسامة، كله من ذوقك.
استقرّت چيهان وريم إلى جانب والدةِ العريس، تلك التي رمقتهنَّ بانبهار، ملقيةً النظر على كلِّ واحدةٍ منهما تارةً وكأنها تُقارن بينهما. لكن الحقيقة أن چيهان وريم مثالان لقسامةِ الفتاة المصرية البسيطة؛ لا واحدةَ أجمل من الأخرى، إذ لكلٍّ منهما جمالُها الخاص.
وبينما يتحاور شوقي وأخوه عصام مع الرجال، رمق أسامة چيهان بفضولٍ، معاينًا عروسَه المستقبلية ببسمةٍ لطيفة، لكن چيهان لم تستقبل منه أيَّ نظرات، وكأنه كالهواء إزاءها. بقيت صامتةً على وشك الانفجارِ في وجوه الجميع استعبارًا، لكنها ربطت جأشَها، وملامحُها تروي الكثير من روايات الحزن الصامتة.
عندها نظر "شوقي" إلى أسامة بفخرٍ، باعتباره زوج ابنته المستقبلي، وسأله بابتسامةٍ:
_وإنت بقى عندك شقة تمليك في بيت أهلك؟
استوى "أسامة" في وضعيةِ جلوسه، وشرح لوالد العروس ممتلكاتِه الخاصة، سواء في منزل عائلته أو خارج نطاقهم، متحدثًا بانطلاقٍ حماسيٍّ:
_أه أنا عندي شقتين، واحدة في بيت أهلي وواحدة برا واخدها قريب من شغلي، ومخبيش عليك يا عم شوقي أنا لما عرفت من الحاج عصام إن عندكم عروسة على وش جواز، قولتله واحنا نروح بعيد ليه؟ أنا مش هلاقي أحسن من بنت عم شوقي، وبصراحة محبتش اتأخر، قولت نيجي عالطول ونتكلم مع بعض واللي فيه الخير يقدمه ربنا.
استند "شوقي" بذراعِه على حافةِ الأريكة، مندمجًا في الحديث، ثم نظر إلى والد العريس ببسمةٍ ودودة، وقال باعتزازٍ:
_والله أنا اللي يشرفني إننا نكون نسايب، يعني الحاج ربنا يباركله ذو قيمة ومقام، وأنا اللي بتمنى إن ربنا يكتبلنا الخير مع بعض بإذن الله.
نطق "والدُ العريس" بوجهٍ كأنما نُقِشَت على معالمه راحةٌ غريبة، مُبينًا مدى اعتزازه بشوقي، قائلًا:
_منتحرمش منك يا حاج شوقي، واحنا برضه تحت أمركم في اللي تطلبوه، شوف طلباتكم إيه واحنا معاكم من مية ألف لمليون.
ما لبثت العائلة أن وزَّعت ابتساماتها في الأجواء، مقترنةً ببراعم المحبة، حتى انفجرت جميع مصابيحِ الشقة، وعلى ثوانٍ متتالية ارتدَّت الأبواب بقوةٍ عنيفة. والجميع جالسون بارتياعٍ، كأنهم في انتظار المشهد التالي من فيلم رعبٍ أخرجه وأنتجه رمزي الطوخي لإرهابهم جميعًا.
بدأت أسرة العريس تنظر بعضُها إلى بعضٍ بتردد، ولا أحدَ منهم مدركًا خطورة أن يتقدّم أحدهم لطلب الزواج من چيهان. حتى العروسُ ذاتها تفهّمت من أعماق وجدانها أن رمزي هو المتسبّبُ في أجواءِ الفزع من حولهم. وكانت أسماء وريم ترمقانها بخوفٍ، والشكُّ يلوح في عينيهما بأن رمزي قد أعلن حربه الشرسة على العائلتين.
جزَّ "عصام" على أنيابه، بينما يرمقُ شوقي بغضبٍ امتزج بالقلق، وقال بصوتٍ خافت:
_ما تقوم يا شوقي تشوف إيه اللي بيحصل ده!
نهض "شوقي" في الحال بابتسامةٍ مصطنعة، وداخله أعاصيرٌ من الهلع تعصف بباطنه، وقبل أن يخطو خطوةً واحدة، التف نحو أسرة العريس وقال بصوتٍ مرتعش:
_متقلقوش من حاجة! أصل الهواء في المنطقة هنا شديد، الظاهر إن أسلاك الكهرباء فيها مشكلة ولا حاجة، أنا هروح أبص على العداد يمكن حصل قافلة كهرباء.
ما قَطَن شوقي أن يُنهي كلماته المُطمئنة حتى لمح الجميع امرأةً مجهولة مرّت بينهم لجزءٍ من الثانية، فنهضوا جميعًا في الحال، والساعة تتراقص على الجدار مع الزهرية على الطاولة، كأنّ زلزالًا باغتهم فجأةً، ومقابض الأبواب تهتزّ وكأنّ أحدهم يعبث بها، حتى المياه انفتحت في المرحاض بسيلٍ صاخب، ما أوحى للجميع بأنّ ما يحدث ليس أحداثًا عابرة بل من فعل فاعل.
وفي تلك الأثناء المشحونة بالذعر، مالت "أسماء" برأسها نحو چيهان وحدّثتها بنبرةٍ خافتة:
_إيه اللي بيحصل ده يا چيهان؟ أنا متخيلتش إنه غلاوي ومؤذي للدرجة دي.
تاهت الإجابة عن ذهن چيهان، فانشغلت بما يحدث، حتى برز سؤالُ "والد العريس" بقلقٍ وهو يتحرّك للأمام باتجاه شوقي الذي استقرّ أمام صندوق الكهرباء يتفحّصه، ليقول بغرابةٍ:
_هو في إيه يا حاج شوقي؟ بسم الله الرحمٰن الرحيم، إنتوا بيتكم ده مسكون ولا إيه؟
لم تُمنح الفرصة لشوقي للإجابة، إذ انحدرت صورة الجد شعيب من الجدار فانكسر زجاجها وتبعثرت شظاياه في كل الأرجاء. حينها لم تستطع "والدة العريس" تمالك أعصابها، فاندفعت سريعًا إلى خارج المنزل، رافعةً ذراعيها لأعلى وهي تعول بخوفٍ، قائلة:
_يا ستار يا رب، بسم الله الرحمٰن الرحيم، لا أنا مش قادرة، اعذرنا يا حاج شوقي واعفينا من الجوازة دي، ده من أولها وكده بيحصل أمال بعد كده هيجرالنا إيه؟
خطا "والد العريس" هو الآخر وراء زوجته، يتبعه أبناؤه على عجل، وقال بنفس الرهبةِ:
_معلش يا حاج شوقي، اعذرنا يا حاج عصام، ده هو قلب واحد محيلتناش غيره، وأنا قلبي ميستحملش اللي شافته عيني النهارده.
فيما ينزل أسامة عقبَ أخواته على الدَّرج تعثرت قدماه وهوى فوقهم، فجلجل مدخل المنزل بصرخاتهِ المُتألمة، سرعان ما فر والديهما مع عصام نحوهم ليرفعوهم بإعانة إلى الأعلى.
وبينما يستقيم الشباب من جديد، لمح العريس طيفًا أسودَ بطرف عيناه أكد له أن ما حدث لم يكن صُدفة بتاتًا بل حقيقة شنيعة التحمُّل، فنهض في الحال والأذرع تتعاون لرفعه، وصوت "شوقي" في الخلفيةِ يقول:
_يا جماعة كل ده صدفة، ولا يمكن زلزال، مسمعتوش عن زلازل قبل كده ولا إيه؟!
رَدّت "والدة العريس" بذعرٍ اعتري أنفاسها:
_وهو الزلزال يا حاج شوقي هيفتح الماية في الحمام لواحده؟
جَذَب "والد العريس" زوجته وأبناءه، وفروا مُهرولين إلى الخارج، وكأنّ مَخاوفه هي التي تُخاطبهم في تلك اللحظة، حينما تلفّظ بوداع:
_السلام عليكم يا أهل البيت، منجيلكمش في حاجة وحشة تاني.
خرج "عصام" وراءهم، إذ وقف على البوابة ورفع يديهِ يُناديهم بإلحاح، لكنَّ الآخرين أَنصتوا لنداءاته بلا جدوى، وهو يقول:
_يا جماعة متكبروش الموضوع! طيب نكمل كلامنا فوق في شقة الحاج شوقي، ولا انشالله في شقتي حتى، احنا بيتنا كله مفتوحلكم في أي وقت.
فتح "والد العريس" بابَ سيارته، وقبل أن يَجلس على مقعده، رفع ذراعه المُرتجف خوفًا، وقال باعتراضٍ قَطعي:
_لا فوق ولا تحت يا حاج عصام الله يباركلك، الجواز قسمة ونصيب، واحنا ناس قلوبنا ضعيفة متستحملش اللي شوفناه النهارده، اعذرني.
في نفسِ الأثناء التي صَعِدت فيها چيهان بسرعةٍ مع والدتها وأختها إلى شقتهن، تحرّكت السيارة بأهلِ العريس، لكنّ ذلك لا يعني خِتام حملة الرُّعب المُعدّة على يد رمزي. إذ وقتما سارت بهم، لَمَحت الوالدة يدًا سوداء ذات أصابع طويلةٍ وأظافر أطول، تُلامسان نافذة غرفة الجدة روحية من الداخل، وكأنها تُشير لهم بالوداع.
تعالت أنفاسُ "الوالدة" خوفًا، وأدارت وجهها سريعًا إلى زوجها، وأناملُها المُرتعشة ذُعرًا لا تُفارق صدرها، إذ رددت بخوفٍ متراقص على لسانِها:
_بسم الله الرحمٰن الرحيم، يا ستار يا رب، اللهم احفظنا.
مرّت علياء برفقة الجدة روحية تُساندُها باعتبارها في مقامِ والدتها، مُتأهبتَين للصعود إلى الأعلى، لكنّهما قبل أن تَنصرما، خاطب "عصام" زوجته بصوتىعالٍ، قائلًا بإلزام:
_بعد ما تطلعي الحاجة فوق، انزلي إنتي وأسماء شيلوا الإزاز اللي اتكسر ده، ورتبوا كل حاجة في مكانها، الحاجة هتبات عندنا النهارده.
وبينما صعدت "علياء" على دَرجات المنزل مُعاونة لحماتِها، قالت له بطاعةٍ واجبة التّنفيذ:
_حاضر يا حاج.
لَرُبما إنذار حريقٍ هادئ كان على وشك الانفجارِ في وجوه الجميع إن استمرّ الوضع لدقائق إضافيّة. تفشي الشر كان مقياسًا لقدراتِه الشنيعة في قلب الموازين لصالحِه؛ ليس بالصامد الذي كانت أقصى التوقّعاتُ عنه يحرك العناصر من مواضعها، فكان مُتأهبًا لصنع ما يجعل من شبابهم شعراتٍ بيضاء كأنها صُعقت بخوفٍ رهيب لا يُحتمل.
الجميع تحرّك إلى وجهاتِهم، والجدة روحية تدعو من أعماق وجدانها بفيضٍ من الرهبةِ ألا يتكرّر ما حدث مرّةً أخرى، إذ قاومت عجزها وهي تَصعد إلى الطابق قبل الأخير، لتكون في كنف ولدِها الأكبر عصام بدلًا من أن تعيش ليالي البؤسِ المُفزعة بمفردها فتُصابَ بنوبةٍ قلبية حادّة.
اعتَرَب شوقي وعصام المكان بحثًا عن كهربائي يُصلح ما أفسدَه المشعوذ الصغير، فيما أحضرت أسماء أدوات التنظيف المنزلية، ونَزلت يدُها في يد علياء تتعاونان بجهدٍ في إزالة شظايا الزجاج المتناثرة هنا وهناك، خوفًا أن تُصيب قَدمي أحدهم.
في الأعلى جلست "چيهان" على سريرها بغضبٍ؛ فما اعتقدتْه ذو نهايةٍ لا زال في بداية الظُّلم مُواصلًا مسيرة والده الطالح، مُشابهًا بهيئة لحواف قرون الشياطينِ المُخترقة لجدرانٍ صافية لم يخترقها الشرّ لحظة.
أمسكت هاتفها بقبضةٍ حانقة، وأرسلت لِرمزي رسالة عتابٍ قاسية، تُوبخهُ فيها عمّا فعل، فقالت:
_إيه اللي إنت عملته ده؟ ازاي تستخدم قوتك في الشر على ناس ملهمش ذنب؟ وحتى لو ليهم ذنب برضه مش من حقك تإذيهم مهما حصل، طول مانت في الطريق ده اعرف إن سككنا غير بعض، وأنا بنفسي اللي بقولك انسى إنك كنت تعرفني في يوم.
انقضت خمس دقائق، فقابلها "رمزي" بردِّه الحاسم الذي لا يُغلب، مُفصحًا عن مشاعره المُتأجِّجة، وكأنّما أحدُهم أسكب البنزين على نيرانه لتزدادَ اشتعالًا، فقال بسخطٍ شديد:
_قولتلك وبظل أقولك، ما بتركك لحد غيري مهما صار! تبغيني أسيبك لأبوكي لحد ما يزوچك لرچال ثاني؟ ما بتشوفي النار اللي بتاكل قلبي عشانك؟ كل اللي عملته راح يضيع هدر يعني؟ إنتي ما بتعرفي قديش بحبك، وراح أظل أحبك لآخر نفس في حياتي! كيف بتسمحي لروحك تكوني مع غيري بعد ما أنا ما سمحت لنفسي أكون مع غيرك؟
بَكَت "چيهان" بُكاءً شديدًا، لدرجة أن دموعها انحدرت على شاشة الهاتف، وهي تكتب مُستنكرةً أفعالًا ستُلقي به في الدركِ الأسفل من جهنم:
_إنت مش عايز تفهم ليه إن اللي بتعمله ده شرك بالله؟ في مليون طريقة تثبت بيها اللي إنت عايزه من غير ما تلجأ للشعوذة والسكة الحقيرة دي، افهم بقى أنا تعبت من كتر ما نصحتك! حرام ومليون حرام! ازاي أنا اللي خايفة عليك من مصيرك الأسود وإنت مش خايف على نفسك؟ ازاي أصلًا لسه مكمل في الطريق ده وإنت عارف إن السكة دي هي اللي بتبعدنا عن بعض؟ لو إنت فعلًا بتحبني بصدق كنت رجعت عن طريقك ده ومشيت وسط نور ربنا.
جاهد "رمزي" لتبرير موقفِه من إسلاكه دَربَهُ المُعتم بحُلكةِ الشر، ولم يكن مُدركًا حجم الكارثة، أو أنّه ساهيًا عن عواقبِها الشنيعة التي تنتظرُه، فقال بسخطٍ واضح في رده:
_إنتي اللي ما تبغي تفهمي إن دمي مقرون من دمهم، وإنه مهما صار ما في توبة تشيل اللي فيَّ! رمزي ما اتولد إلا كذا وهيموت كذا، مش لأنه اختار الشر! لأني زرعة شيطانية، ومهما تتسقي بالماية، تظل ما ترتوي غير بالسم!
انصدمت "چيهان" من ردِّه؛ إذ اعتقدت أنه سيُجاهد من أجلها، لكن الحقيقة أنه برر أفعاله الدنيئة بمبرراتٍ غير منطقية لا تُشبع عقلها، فقالت بقرارٍ نهائي:
_طالما إنت معندكش قابلية للتغيير يبقى متضيعش وقتي ووقتك، أنا كنت فاكرة إنك شاريني لكن كلامك ده أكدلي إن مشاعرك مُزيفة، متنساش إن كلامك ده لواحده ذنب كبير عليك، ربنا رحمته واسعة وقابل للتوبة، بابه متقفلش! بسم الله الرحمٰن الرحيم (قَالَ وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلا الضَّالُّونَ) صدق الله العظيم.
انهمرت الدموع بشدةٍ من عينيها، وأصابعها ترتجف على شاشتها المُتوهِّجة، وريم جالسةٌ قبالتها تنظر لها بتعجب، فكتبت "چيهان" مُواصلةً قرارها الأخير بشأن الحُب، قائلةً بقلبٍ يعتصر قهرًا:
_ما دام ده طريقك مش هتغيره، يبقى انساني واعتبر إنك معرفتنيش من الأول، دور على اللي تشبهلك، لكن صدقني احنا مش هينفع نكون مع بعض، أنا كنت بهون على نفسي وبعاند الكل عشانك في سبيل إنك تتوب، لكن خلاص ما دام التوبة مش جاية يبقى كفاية معافرة على الفاضي....
وبينما تسعى لتمالك أعصابها، وثيابُها قد ابتلّت بسيل دُموعها اللامتلاحق، أَردفت:
_متبعتليش رسايل تاني، كلامنا مع بعض ذنب كبير لواحده وأنا مش هقدر أتحمل الوزر ولا عقاب ربنا ليا، كلامنا سوا لما كنا عند أهل والدتك كنت مجبرة عشان الظروف اللي اتحطينا فيها، لكن دلوقتي أنا مش مجبرة أكلمك، بتمنالك كل خير.
ثم حظرته عن التواصل معها بجرأةٍ عجيبة، وانفجرت مُستعبرةً في أحضان أُختها، تلك التي اندهشت من تحولها المُفاجئ. بدأ جسدُها يرتجف ارتجافًا حادًّا، ويدي "ريم" تُربِّتان على ظهرها بمُواساة، والشفقةُ جليّة في عينيها، حتى نطق لسانُها بحزنٍ:
_اهدي يا چيهان! احكيلي طيب إيه اللي حصل! إنتي كلمتيه طيب ولا قالك إيه؟ أنا مش فاهمة حاجة.
قبضت "ريم" على هاتف چيهان تقرأُ المحادثة الأخيرة بينهما بملامح مشدودة، فوجدت شجاعةً مُتجلِّية في ردودها. تخلت چيهان عن مشاعرها من أجلِ رضا الرحمن، خشيةً أن تُلامس النيران جلودها بسبب حُب مُتدنس بأفعال الشر.
وبعد لحظاتٍ قليلة، تركت ريم الهاتف جانبًا، ورفعت كفَّها على ساق أُختها بابتسامة فخرٍ، وقالت بنُصح:
_اللي عملتيه ده أكتر قرار صح عملتيه في حياتك، عمرك ما هترتاحي لحظة لو كنتي كملتي معاه، ده اللي شوفناه النهارده منه مكنش هيجي حاجة من اللي هيوريهولك بعد كده، سيبك من حلاوة البدايات صدقيني كنتي هتتأذي منه أوي بأعمال الدجل بتاعته دي! چيهان أنا خايفة عليكي، إنتي أختي ومليش غيرك، أنا قبل ما أحب لنفسي إني أتجوز جوازة كويسة، أتمنى أشوفك أسعد واحدة في الدنيا مع حد شبهك، يكون متدين وابن ناس، مش واحد واخد الدجل وراثة من أبوه.
النسيانُ مأزقًا لتدان القلوب، لكنه وسيلةُ طردٍ كبيرة لأذى يتفاقم يومًا بعد يوم. الألمُ النفسي اشتدّ على روحِها كحبالٍ كادت أن تَتمزّق من هول القوة، فاستضاء الحزن وتوهّج وجدانها به بعدما قطعت رباطَ علاقتهما ليسلكَ كلّ منهما دربه المألوف.
كان بكاؤها فيضانًا من الدموع التي سالت على ثوبِها وثوب أُختِها، وكلتاهما يأستان مما فاتهما.
وعلى جهةٍ أخرى، لم يكن رمزي ببشريٍّ عادي، بل كتلة أحزانٍ مُتحرِّكة. نهض في وحدتِه بين الجبال، وعيناه غيرُ مستوعبتين أنها تخلّت عنه، وفي نفسِ ذات الأون ظهر صوتهُ الداخليّ يُخبره بأنه قرارُها صحيح طالما لن يتوب عن صناعة أعمال الدجل، فهي استهلكت كلَّ طاقتها من أجله في سبيل أن تُطهِّره من الخطايا، وتنصحه نُصحًا صادقًا كأمٍّ له، لكنّ ظروفَه كانت أقوى من حبهما، فاستدار حولَه كالصريع ينظر للمفاتن الجبلية، وعتمة الكهف من الداخل مُشابِهة لسفحه تمامًا، حتى رفع كتابَه الأحمر من الأرض وأطاح به بعيدًا.
وفي نفس اللحظة تقشعرَ جسده بانتفاضة قوية كأسلاك الكهرباء الملامسة لجسدِه فجأة، كعقابٍ له عن تهوره في دفعه لكتابه.
الذكرياتُ، كلُّ شيءٍ تحطّم. هوى لما كان له حيزٌ في قلبِه من البداية، دومًا ما رأى نفسه منهزمًا أمام الحب، فإن اختار الحبّ خليلًا له لكان اختار غيره. فقد رمزي جميعَ المشاعر الإنسانية لتبقى له بعضُ الحواس الطبيعية لأي إنسان، والرغبة في تناول الطعام والنوم فقط، لا أكثر.
رفع هاتفَه وأجرى مكالمةً هاتفيةً سريعة بناجي، يُطمئنه على نفسه فيها، حتى استجاب الأخير المكالمة وكأنّه كان ماكثًا أمام هاتفِه في انتظار رنينه، حتى وجد "رمزي" يقول:
_ألو يا ناچي، بكلمك عشان أطمنك عليّ وأقولك كل شيء تمام.
كان "ناجي" في عمله ماكثًا أسفلَ إحدى شجراتِ التوت، وحوله الآلاتُ الكهربائية في حالة صمود. الهواء الطلق يعبثُ بشعراتِه، وجلبابُه يتطاير بفعل الرياح العنيفة في الحيّ.
لم يُصدّق ما سمعَتْه أذناه؛ ظنّ أن الأحلام تُقيّده عن استيعاب الواقع، فتنحنح بصوته بدهشةٍ، وسأله:
_كيفك يا رمزي؟ كيف بتكلمني من قلب سچن العمدة؟!
أجابهُ "رمزي" بوضوحٍ، مظهرًا له الخيط المفقود من القصة:
_ومين قالك إني چوا سچن العمدة؟ لا العمدة ولا مية زيه يقدَروا يوصلوا ليّ، رمزي الطوخي ما يقدر عليه حد يا ناچي!
تحرّك "ناجي" خطواتٍ قليلة، داهسًا الحشائش بقدميه، والدهشة تغمره بدايةً من رأسه حتى قدميه. فابتلع ريقه بصعوبة، والردُّ لم يولج ذهنه بعد.
محاولةُ استيعاب تواجده في كلا المكانين قربت أن تدفعه إلى هاويةِ الجنون. فابتسم ابتسامةَ خوف، ثم تحوّلت ملامحه إلى رهبةٍ صريحة، متسائلًا:
_إيش ذا الكلام يا رمزي؟ آني شايفك من بعيد وهم بيدخلوك من البوابة لحد دار العمدة، والله شايفك بعيني اللي تاكلها الدود....
وقف "ناجي" دقيقة حدادٍ على عقلٍ مات مُتعفّنًا، وأنفاس الذعر تضاربت في صدره بعدما زارَتْه المعلومة فجأةً وربطَ الأحداث ببعضها برصانة. ليسترسل بذُعرٍ:
_تقصد إنك.... إنك هناك بعيد عن هني؟! واللي دخل دار العمدة هذا ما هو إنت؟
الحقيقة لن تُخفى، وإن أخفت فلن تستتر عن ناجي، ذاك الذي في منزلة أخٍ جليل لرمزي لم تنجبه والدته. كان صمت رمزي إجابةً صريحةً لسؤاله. رفع "ناجي" أطراف جلبابه بخوفٍ، وقضم عليه برجفةٍ قوية، وخطا للأمام مواصلًا بصرخة:
_افرحي يا صبا، زوچك قطع الخلف للأبد بسبّة ولد عمتنا! زوچك كلمتين كمان وهتاخدي عزاه ميت، وديله في سنانه يا بنت عمي!
صفو رمزي، الذي تعكّر بفعل الخلافات، جعل قدميه على حافة الجبل. المكالمة انتهت، وأشجانه لم تنتهِ بعد. العالم تدنَّس بحلكة الفراق، والربيع أمطر فيه ثلوج الشتاء في وقت ليس بوقته.
الجرح طازج، وحوافه لن تلتئم طالما تفرّقا أكثر من ذي قبل. المعنى الحقيقي للحياة كان في وجودها، لكن الآن تدمر كل شيء. ظلّ واقفًا على حافة الجبل، يرمق الطبيعة بقهرٍ استحوذه، والخوف قاتل، وكل ثانية مرت عليه ما هي إلا نيران تلتهمه بالبطيء.
انقضت الأيام، والشجن سفاحًا لشوقه. شهرًا بعد شهر، ورمزي يعنّف ذاتًا لا تتحمل البقاء بمفردها. اختفت چيهان عن عينيه وقتًا طويلًا، حتى رسائله لم تصلها بعدما وضعته في قائمة المحظورين. فعقلها غلب مشاعرها حينما بكتها رغمًا عنها، حتى لا تهوى في الآثام. فبمجرد الحديث معه، ولو في أمرٍ عادي، كان ذنبًا كبيرًا على كلا الطرفين. وهي بدورها، كفتاة ارتدت تاج العفة، رفضت أن تحمل وزر علاقتهما ببعض، حتى وإن حافظ الطرفان على حدودهما الشخصية.
عالمها أحاقه طابع ديني عظيم، ردعها عن أي مشكلات. أما رمزي، فذاك الذي تمنى أن يغلق جفنيه ويفتحهما، يجد كل شيء حلت عقده، رسائله دومًا أظهرت ضعف مشاعره معها. فالجانب الباسل الذي أظهره للجميع كان معها في قمة الوهن، فيقول لها بين كل رسالة والأخرى بحزنٍ: "اشتاقتلك"، فأظهر جانبي متناقضين من سلوكه، وكأن قلبه وعقله يتعارضان، لكن في حصيلة الأمر لا تغيير حقيقي منه.
چيهان، قضت أوقاتها بُكاءً في غرفتها، لا تخرج ولا تتعامل سوى مع والدتها وأختها، وكأن الأمر اقتصر عليهما فقط. بناتُ عمامها لم يكترثن لرؤيتها، حتى منى لم تظهر لچيهان إلى يومها هذا، وكأنها رغبت في إيضاح انهماكها في تحضيرات زفافها أكثر من مآب ابنة عمها إلى الوطن الآمن.
ريم، مثل أختها، تعيش جروحًا غائرة معها في نفس الغرفة، ترى الحياة بنفس العين السودوية ولربما أكثر بكثير، معرقلة عن النجاحات. أيامها مُتشابهة بلا تغيير، نومها قاسي ويقظتها أشد تنكيلًا.
قد أنهت علاجها الروحاني فتحسنت لليالٍ قليلة، ثم عادت إلى نفس الوضع ولربما أشد. فكان رد الشيخ حينها: "السحر تم فكه لكن الأشرار صنعوا غيره بعد أيام"، ما جعل ريم على حافة الانتحار، تمنت لو أن تلقي بجسدها أسفل إحدى سيارات النقل المارة.
فترة التحسن التي عاشتها كانت بسيطة، وكأنها لم تلاحق الاستمتاع بهواء نقي، لتتعكر بعدها في الحال. الليل مرير، لكن صوتها في كل صلاة قيام الليل يتردد بقهر وهي تقول: "حسبي الله ونعم الوكيل في مَن سحرني ودمر لي حياتي ومستقبلي".
نيران الظلم اكتسحتها حيّة، يا الله كم علمنا لنشكرك على جحيم الآخرة، فالدرك الأسفل لم يخلق هباءً. فكم من شر نراه، نعمة عظيمة تُجهل. بعد المرة الأولى من فشل العلاج، منحت فرصة ثانية ببرنامجِ علاجي جديد، لربما يكون الفجر المُتولد من رحمِ الظلام.
شوقي، الذي ذهب مرة واحدة ليتطلع على المحضر، أخبره الموظف بالقُفُول في يوم آخر نظرًا لتكدس قسم الشرطة بالناس وتعدد المهام. ذهب مرة، ونوى أن يؤخر الأمر في الثانية كي لا يتعطل عن مُتابعة أشغاله.
جلس يومًا مع هشام في حجرة المكتب، وأخفى عنه ما اكتشفه من خيانة صريحة للأمانة والمودة فيما بينهما.
بينما أشارت الساعة إلى الثانية عشر من وقت الظهيرة، وأنوار المكتب مفتوحة، وفي الخارج سار منعم متجولًا في الطرقة الواسعة. أراد شوقي، رغم درايته بمداهنة هشام له، أن يفتتح له محجرًا صغيرًا ليقصيه عن العمل هنا.
وبينما "شوقي" يرى في عينيه الغدر، وإزاءهم كوبين من الشاي اللافحين، قال بقرارٍ حاسم:
_أنا أجرتلك محجر صغير على قدك يا هشام، أنا شايف إنك لازم يكون ليك شغلك الخاص عشان تأمن مستقبل عيالك بعد كده.
اعترض "هشام" طمعًا في المكاسب التي يحققها من دخله الشهري، من بيئةٍ أمطرت عليه ثراءً بالنهب، فسأله بدهشةٍ محسوسةٍ في صوته:
_ليه يا عم شوقي؟ مانا مرتاح معاك هنا، إيه لازمته تأجرلي محجر؟
تنهد "شوقي"، وظهر في مخيلته مشهدٌ يطأ فيه هشام على رأسه ويوبخه على نكرانه للجميل، وكأن زوجته المسعورة أصابته بعلتها المادية. فتحوّل إلى كلبٍ غرثان، لديه دافع من الطمع أن ينقض عليه في أي لحظة، ثم قال بتوضيح:
_أنا عملت كل ده علشانك إنت، أنا أه بعتبرك زي ابني بس أنا مش عايشلك طول العمر، هيجيلك يوم وهتحتاج تفتح محجر خاص بيك، إيه، رزق وجالك هتقوله لأ؟
ابتسم "هشام" ابتسامةً مُراوغة، توحي بخططٍ كايدة، حتى قال بموافقةٍ مفاجئة:
_أنا مش ممانع يا عم شوقي، هو حد فينا يقدر يرفص النعمة برجليه؟ أنا بس الصراحة خايف لا ميجيبش همه وأنا في رقبتي تلات عيال عايزين مصاريف أكل وشرب ولبس كل شهر.
دجّ "شوقي" لإقناعه، المهم أن يتركه وشأنه، ذاك الذي نهب أموالًا لا يستحقها ليضعها في جعبة زوجته الوزَّابة، من لديها الاستعداد لفتك والدها نفسه من أجل جني الأموال، فقال:
_سيبها على ربنا، وما من دابةٍ في الأرض إلا على الله رزقها، رزقك ورزقي ورزق البشرية مكتوبلهم بالساعة والدقيقة واللحظة... أنا مش عايزك تقلق وتوكل على الله، ولو حصل أي ظروف فانا موجود لخدمتك.
وَجَم "هشام" لبرهةٍ من الزمن، يعيد التفكير فيما يقوله شوقي، لكن مسؤولةُ القرارات الأولى والوحيدة في حياته جالت على ذهنه فجأةً، ما جعله يتراجع عن اتخاذ أي قرار قبل أن يعود إليها. فتنهد، وقال بحيرةٍ:
_طيب أنا هفكر وهشوف الموضوع ده، ولما أفكر كويس هرد عليك.
ابتسم "شوقي" ابتسامةً تخفي وراءها الكثير من الأسرار، ومنحه حرية التفكير، فقال موافقًا قراره:
_على أقل من مهلك.
ثم رفعَ كوبَ الشاي وارتشفَ منه القليل، فيما ألقى نظرةً مطوَّلةً إلى هشام ليجده ممسكًا هاتفه وكأنَّه يخاطبُ زوجته ويستشيرها في جميع أمور حياته، لاغيًا شخصيته وكأنَّ طيفًا من الهواء مرَّ عليه مسحَ عنه ملامح السلطة.
الخيبةُ لا تكمن في استشارات العلاقات المُتبادلة، بل أن ينزع أحد أطرافها قراراته لتبقى في يد طرفٍ واحدٍ دون الآخر.
الاتحادُ جعل من العسير قوةً مركَّزةً دفعت الدواهي، فغشيانُ الشيخ نعمان إلى طور سيناء لعلاج حالةٍ كانت فرصةً مميزة لچيهان أن تتواصل معه وتقابله إزاء المنزل لتعيد إليه الهاتف الذي اشتراه رمزي لها للتو.
أرادت أن تعيد الحقوقَ لأصحابها وتغلق بابًا أطلَّ على مستقبلٍ ملتهب. كانت المهمة شاقةً عليها، لا في صعوبة الجهد، بل خوفًا من أن يبصرها أحدهم ويسأل عن سبب المقابلة. كان صباح الأمس مرعبًا بعدما انتهزت الفرصة قبل مآب الشيخ نعمان إلى الواحات.
الكهدل ذو شعراته البيضاء أخبرها أنّه قرارٌ ممتازٌ وشجعها عليه بصفقاتٍ حارة، فالجميع رأوا أن انقطاع علاقتها برمزي هو الحلُّ الآمن لحاضرها ومستقبلها، فلا إشراقة في كنف ساحرٍ لعين يرى ملاذه في الحياة كتابًا أحمر تراقصت على حوافه الأشباح.
اليوم، بعد انكفاء الشيخ نعمان إلى الواحات، قرر أن يزور رمزي في حجرته البدوية التي استأجرها. زاره لمرةٍ واحدة من قبل، وكانت المقابلة بينهما أقل بغضًا عن السابق.
حجرةُ مرحاضٍ في طابقٍ أرضي مصنوعة من الطوب اللبني، وتراثها قديمٌ جدًا ومتهالكٌ بأزهدِ سعرٍ ممكن، حتى الجدران من الداخل غير مطلية، إذ تحوي سريرًا واحدًا، وشاشة تلفازٍ بنسخةٍ لا تعمل سوى على القنوات الفضائية القديمة.
خرج الشيخ نعمان من سيارته الراسية أسفل شجرةٍ كثيفة الأوراق على أرضٍ صحراوية، وخطى مندفعًا وأمانته تغوص في جيب جلبابه، حتى خطا إلى الداخل فوجد الباب مفتوحًا.
كان رمزي جالسٌ فوق السجادة وحوله أدواته السحرية وكتابه، وأمامه امرأتان متدنستان، قد تخفان في نقابيهما، وكلُّ واحدةٍ أتت بغرضٍ دنيء أن تحطم ضحيةً لا ذنب لها في الحياة سوى أنّها منحتها تصريحًا للدخول إلى حياتها منذ البداية. كان رمزي منهمكًا في كتابه، و"إحدى النساء" تسأله باهتمامٍ:
_مفعوله هيشتغل امتى يا رمزي؟
ردَّ "رمزي" وأصابعه تتوغّل بين صفحات الكتاب بانشغالٍ، دون أن يرفع رأسه نحوها:
_تمانية وأربعين ساعة، أول ما القمر يحمر في السماء، العارض هيوصلها بإطعام منامي.
سألته الأخيرة بفضولٍ، والشرُّ يتسرب من حديثها:
_طيب بخصوص موضوع سلفتي، هي راحت للدكتور قالها إن الأمور ماشية تمام، وأنا الصراحة أخاف تجيب الواد يقوموا يعايروني بعد كده ويقولولي ده إنتي خلفتك كلها بنات زي ما حصل قبل كده، يعني لو تربطها خالص بحيث متعرفش تخلف، واللي تعوزه والله أنا تحت أمرك فيه يا شيخ رمزي.
انقضَّ الشيخ "نعمان" على المكان سريعًا بخطى ملتهِبة، وصوته يتعالى في أرجاء المكان، حتى وقف موازيًا للسيدتين، وقال بتوبيخ شرس جدًا:
_عايزة تربطي سلفتك عن الخلفة عشان تخلفي إنتي؟ لو عايزة كنتي تعاليلي وأنا هقولك ازاي، أقسم بالله العظيم ما هتوردي على جنة لا إنتي ولا الأخت دي! وبحق لا إله إلا الله لا تشوفي عذاب أليم في دنيتك وطلوع روحك وفي قبرك وفي الآخرة، ولو تعرفي تعدي من هنا للسنة الجاية عدي....
نهضَ "رمزي" سريعًا مع السيدات، وأشار لهم بيده نحو الباب، وكأنّه يطردهم مؤقتًا، إلا حين انتهاء الشجار العنيف بينه وبين الشيخ نعمان، فقال:
_امشوا إنتوا هسع، وما ترچعوا إلا لما أنا أرن عليكم، يلا سلام من هني!
أحنت "السيدة" رأسها لأسفل بخوفٍ، وأنفاسُها تضاربَ في صدرها برجفةٍ، فتحركت للأمام مع الأخرى وهي تقول:
_حاضر، حاضر.
فرت النساء خارج المنزل سريعًا، تاركات رمزي والشيخ نعمان يتشاجران بمفردهما، لكن "رمزي" بطبعه الحادِّ الذي لا يستسلم بسهولةٍ، عانده وهو يصيح فيه قائلًا:
_تبغي مني إيش؟ وإيش اللي چابك فچأة من غير ما تتصل فيني الأول؟ هي تكية مفتوحة للكل؟
قبض الشيخ "نعمان" لأول مرةٍ على ثوب رمزي بحدةٍ غير مألوفة، فتبدّل من شيخٍ هادئ إلى واعظ عنيفٍ. فشلت كلُّ محاولاته لترويض شروره، لكن من الواضح أن رمزي لن يأتِ من وراءه سوى الدمار. فجزَّ على أنيابه، وبؤبؤيه يتسعان باحتدامٍ، حتى قال بصياحٍ متفجّرٍ في الأجواء من حولهما:
_جيت أرجعلك تليفونك بس ربنا كشفك وكشف مشيك البطال، إنت اللي زيك مفيش فايدة فيه....
بتر "رمزي" حديثه بصرخاتٍ عنيفة هو الآخر، وقال:
_لا تتدخل في اللي ما يخصك، وابتعد عني! ما أبي أمد إيدي عليك! إنت رچال كبير وما بتستحمل الإهانة!
ازداد الشيخ "نعمان" تشبثًا في رمزي، وجهيهما قبالةَ بعضٍ كشجار القططِ الذكور، والحروفُ تتفجرُ من لسانه باحتدامٍ محموم، قائلًا:
_اخرس مسمعش صوتك! إنت ليك عين تتكلم بعد اللي بتعمله؟ جايب اتنين ستات ربنا ينتقم منهم بحق قدرته وعدله، وبتنفذلهم طلباتهم وبتإذي خلق الله من جديد؟ يا أخي إنت تعبتني معاك وفي محاولاتي ومحاولات چيهان إننا نخليك إنسان طاهر، چيهان كان عندها مليون حق لما بعدت عنك، وأنا بشجعها على قرارها ده، إنت عايزلك واحدة مطرودة من رحمة ربنا، هي دي اللي هتنفع معاك بحق وحقيقي، إنما بنت الناس المتربية، التقية، متنفعش معاك!
قذفَ الشيخ نعمان هاتف رمزي على السرير بفظاظةٍ، ثم أخرجَ هاتفه بسرعةٍ ليجري اتصالًا عاجلًا برقم چيهان الأصليِّ، و"رمزي" يجلجل في وجهه، قائلًا:
_ما يخصّك اللي بيني وبين چيهان، خلّك بحالك، أنا حر وأسوي اللي أبغاه، يوم تصير أبوي حاسبني، بس إنت تحاسبني على أي أساس؟
استجابت چيهان للمكالمة بعد لحظاتٍ، فوجدت الشيخ "نعمان" يخاطبها بصياحٍ، وهو يقول بنُصحٍ أبويٍّ:
_بُصي يا بنت الناس أنا كلمتك عشان أقولك كلمتين ورد غطاهم....
انقضَّ رمزي على الشيخ "نعمان" ليجذب منه الهاتف بقبضةٍ قاسية، لكن الأخير باعده عنه بذكاءٍ، وأعلى نبرته بشكلٍ واضح، مسترسلًا:
_رمزي الطوخي لسه مكمل في أعمال الدجل، لسه حالًا كنت عنده ولقيت معاه اتنين ستات بيصنعلهم اللي ما يتسمى، طردتهم يا بنت الحلـ....
أزاحه رمزي بعنفٍ تجاه الجدار، فلا يزال يمطُّ جسده بليونةٍ نحوه ليقبض على هاتفه، فيبرر لها موقفَه، لكن الشيخ "نعمان" جاهدَ أن يبلغها الخبر، فأردف:
_يا بنت الحلال لو عندك خيط أمل في علاقتك بيه اقطعيه للأبد، رمزي مفيش فايدة فيه، أنا عارف إنك بقالك فترة طويلة مبتعدة عنه، بس أنا حبيت أقولك إن قرارك ده كان صح مليون في المية!
وقعت صدمةٌ عارمة على جسد چيهان، فبدأت ترتعش بعنفٍ، والدموع تنهمر على وجنتيها. لم تسمع سوى صرخاتِ "رمزي" في وجه الشيخ نعمان، وهو يجاهد لسلب هاتفه، وهو يقولُ بإعْوَالٍ:
_هات الچوال هاذا! هاته بقولك! لا تخليني أدفنك حي!
نطق الشيخ "نعمان" بصيحاتٍ متوعدة بعدما انحدرَ بجسده على السرير بألمٍ:
_احترم نفسك! والله العظيم لأربيك أنا بمعرفتي يا رمزي، وهوريك اللي مشوفتهوش ولا هتشوفه من الدنيا غير على إيدي!
نجح "رمزي" في القبض على هاتف الشيخ نعمان، وكأنها الفرصةُ الذهبية ليبرر لچيهان موقفه مما حدث. وفي نفس الأون ليستمعُ إلى صوتها الذي غابَ عنه طويلًا، غيابٍ زرع في مهجتِه أشواك الشوق، حتى قال بنبرةٍ مرتجفة تسعى للإصلاح:
_چيهان لا تصدقينه! ذا رچال كذاب ويبغى يفسد ما بينا، أنا ما رچعت لهالطريق، إنتي ما تفهمين شي، أعطيني فرصة أشرحلك اللي يصير هني!
انفجر صوت "چيهان" بصرخاتٍ ممزوجةٍ بالبكاء، وشهقاتها تتعالى بقهرٍ وهي ترى ما زرعته طوال هذا العام ما هو إلا حصادٌ فاسد عاد إليها بخسارةٍ فادحة، فقالت بنواحٍ عتابيٍّ في مضمونه:
_بس بقى مش عايزة أسمع تبريرات فارغة تاني! إنت علمتني درس قاسي أوي إني مرميش ثقتي ومجهودي مع حد ميستاهلش، أكبر غلطة في حياتي كلها إني حبيت منافق زيك، أنا مش عايزة أعرفك تاني ولا أسمع صوتك، أنا أهونلي الموت من إني أفتكرك لحظة.
أغلقت چيهان المكالمة في وجهِه قبل أن يُجيبها، جلست تعول على سريرها، وريم تحتضنها بقوةٍ محاولةً أن تُطفئ من نيرانها المتقدة في أشد لحظات حياتِها.
وصلتْ چيهان إلى حافة الدمار النفسي، حتى انضمت إليهما والدتها بملامح مفزوعةٍ محاولةً أن تفهم سبب صرخاتها المتطايرةِ في الهواء، وكأنها استمعت لموتِ رفيق عزيزٍ لها.
وعلى الجهة الأخرى، حذفَ "رمزي" هاتف الشيخِ نعمان على الأرض بغلٍ متدفّقٍ في عروقه، وقبض على عنقه بشراسةٍ، قائلًا بعجيجٍ صاخب:
_بقتلك بين إيدي وأطلع روحك للسما يا نعمان، ما بخليك لحالك، ومن هاللحظة بأوريك أسود أيامك!
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة