الفصل الستون

الفصل الستون

16 0

أترى عذابي القَصِيّ بحُبكَ، وصدمة عمري التي قسمت فؤادي أشتاتًا؟ أيمنع لقاءنا الموت وتفصل بيننا الحياة؟ ماذا لو قُلت لكَ أني أرغب لقاءك؟ فالزمن توقف عند آخر لقاءٍ بيننا، النظرة الأخيرة وأنا أراك تتشاجر مع والدك الساحر الشنيع لأجلي، ذاك الذي قرّب الهلاك مني، كاد أن يدفعني من حافة الجبل فأهوى ساقطة من أعلى نقطة على أرضٍ تحضنني بقساوةٍ، لكنه قبل أن يدفعني جئت أنت لتنقذني، مُضحيًا بروحك لأجلي، متخليًا عن حياتك لأجل حياتي، لو كنت أعلم أنها المرة الأخيرة لرؤياك لوددت أن أغفى بين أمانك، الأمان الذي ذقته في وجودك، عالم جمع شتات روحي بين عالمٍ آخر ادّعى المحبة إفكًا وزورًا.

أعشق رؤياك، حديثك، خوفك عليّ كأبٍ حنونٍ يخشى على ابنته مخاطر الوبيلون، وأبغض ظروف الحياة التي فرّقت بيننا، حتى عنادك الذي جعلني أوقاتًا أرتاب لحبك لي، لربما لو مدّك الله عمرًا جديدًا لكنت أدركت معنى الوفاء لعهد المحبين، لكنك وفي غمضة عينٍ سُرقت عنك الحياة لتبقى وحدك بين تراب المقابر وأبقى وحدي بين غبار الحزن الذي لوّث صفائي، وجعل مني باهتة بلا معنى.

الساعة أشارت إلى الخامسة صباحًا، أجواء المستشفى كئيبة ليلًا تبدو مقتبسة من فيلم رعب، "چيهان" راقدة على سريرها بعد كمٍّ هائل من الأدوية المسكنة لكي ترقد على سريرها، بعد صرخاتٍ عنيفة ليلًا ونهارًا هدت جمامهم، ونشرت التوتر في الأجواء، عاد شوقي إلى منزله وترك زوجته وابنته برفقة چيهان، كل واحدة منهما مُستلقية على الأريكة غافية في نومٍ عميق بعد يومٍ شاق، عدا چيهان التي استفاقت بهزة قلبٍ قوية جعلت لسانها يردد في كل وقتٍ وحين اسم «رمزي»، باكية بحرقة على خُسارته.

ولأول مرة تدعو على روحها بالوفاة بعد أن كانت مصدرًا لإلهام البشر، الذين استمدوا منها الإيجابية والتفاؤل، حيث قالت ورأسها يلتفت حولها بعذابٍ:

_يا رب خدني، مش هقدر أعيش من غيره، وديني له يا رب، وصيتي لو مُت يدفنوني جنبه، أنا هموت مش قادرة أستحمل....

استفاقت "أسماء" على بكاءِ ابنتِها وهي تدعو على نفسها بالوفاة، فنهضت بملامح وجهٍ مشدوهة وآثار النوم في أوج ريعانها، وقفت إزاءها وربّتت على كتفها بلمساتٍ حانية، وقالت بصوتٍ خافت وجفنيها شبهُ مغلقين:

_مالك يا حبيبتي؟ إنتي صحيتي؟!

حركت "چيهان" رأسًا كادت تنفجر من هول الصداع، وأجابتها بنبرةٍ مرتجفة، تختنق حسرةً:

_أنا تعبانة أوي يا ماما، أنا بتعذب من جوايا، مش قادرة أستحمل، خلوهم يدوني حقنة هوا ويريحوني، أنا مش طايقة ولا مستحملة أعيش ثانية من غيره، الدنيا ملهاش معنى من غيره يا ماما، كل حاجة قدامي سودة.

ابتسمت "أسماء" والدموعُ تنزلق من عينيها بشفقةٍ، حاولت مواساتها لكنها لم تجد منها سوى الرفض لأي مُحاولة، لذلك قررت أن تخاطبها بواقعٍ جاد، مستخدمةً حكمةَ "تعب ساعة ولا كل ساعة"، فقالت:

_الموت علينا حق يا چيهان، محدش فينا مش هيموت، وده كان أجله اللي مكتوبله من قبل ما أمه تجيبه الدنيا، راح جه ده أجله اللي مش هيهرب منه، وبعدين رمزي مش مناسب ليكي، على اللي إنتي حكيتيه، فده ساحر يعني مطرود من رحمة ربنا، ولا يجوز عليه الرحمة، شوفتي أختك متبهدلة ازاي من الكفرة اللي ميعرفوش ربنا؟ شوفتي روحنا بيها لكام شيخ لحد دلوقتي ومحدش فيهم عارف يعالجها؟ كلهم بيعملوا سبع رجالة في الأول وبعد كده الأمور تهدى شوية وترجع أنيل من الأول، عارفة ليه؟ عشان اللي عامل السحر ده مُجرم مبيخافش من ربنا، ومستعد يعمل أي حاجة عشان خاطر الفلوس، إنتي كنتي تقبلي تتجوزي واحد زي ده في يوم من الأيام، وتخلفي منه نسل تعابين؟ بدل ما تتجوزي إنسان صالح يعرف ربنا وبيتقيه وبيتكم يعمر بالإيمان، تقومي تتجوزي ده؟ فوقي لنفسك يا چيهان، ادعيله وخلاص ده كل اللي تقدري تعمليه، إنما لازم تقومي وتقفي على رجليكي وتـ....

عادت "چيهان" إلى حالها الميؤوس، ونواحُها يتفجر في كل ركنٍ من المبنى، ممانعةً لأي نُصح. كان إرهاقها البدني والنفسي كفيلًا أن يسحق جبالًا جبّارة، وهي تتفوه ببكاءٍ عالٍ قطع حديث والدتها:

_حرام عليكي، عارفة كل اللي بتقوليه ده، غصب عني حبيته يا ماما حبيته! مش بإيدي ولا كنت عايزة كده، أنا شوفت فيه خير محدش شافه غيري، مهما تقوليلي مفيش حاجة هتشيل من قلبي التعب ده، أنا حتى الكلام مش قادرة أنطقه، الكلام بيتعبني، ارحميني!

ربّتت "أسماء" على كتفي ابنتها برفقٍ، واختارت الصمتَ عنوانًا لهدوء روحها. لم يكن حوارًا عاديًا، بل أشواكًا عالقةً من الشوق في صميمها، حبًّا لم تختاره، بل هو من اختارها، حتى وإن كان خاطئًا، فالهوى سلطان، فرمقتها برأفةٍ، وقالت:

_خلاص يا چيهان، أهم حاجة عندنا نفسيتك، فاهدي يا ماما وربنا يهديكي ويشفيكي، عشان خاطري أنا!

أقطر عليّ الندمُ كالحمم البركانية، لم أكن أدري كيف تجرأتُ بالمآب إلى شيخ البلدة لأفرغ له كل سرٍّ رقد في جعبتي.

مرزق! صديق رمزي الأوفى والأقدم، سُلِبت إرادته منه رغم كل قوة، منذ زيارة مصعبٍ له وفقدِ صوابه، ليتحوّل إلى أهوجَ تائهٍ في الصحراء، يتنقل بلا وعي كأن هيمنة مصعبٍ تملكت أطرافه، جعلته مقيّدًا عن التصرّف بحرية.

وفي ليلةٍ حالكة بظُلمات الظُلم، دخل أحد رجال الغفر على عمدة البلد "ضرغام"، ذاك المُستربع فوق عرش الجبروت، وحياله أطباقٌ متنوعة من الفواكه الطازجة، اللامعة بنظافتِها تحت أضواء المصابيح، وروائح السرية المُمتزجة ما بين عبق الزهور وروائح المسك الأبيض.

أخبره "الغفير" برغبة رجلٍ غريب في الخارج بمقابلته، فانطلق لسانه قائلًا:

_في رچال برا يا عمدة، يقول چايك في أمر كبير ومهم!

وافق العمدةُ ضرغام على مقابلةَ هذا الشاب، فأمال برأسه صوب البوّاب مكتفيًا بإشارةٍ من يده لأن يدخل دون حديث.

فخرج الحارسُ بخُطاه الهادئة حتى وصل إلى مرزوق، ذاك الذي كان في حالةٍ صعبةٍ، يبدو وكأنه متحوّلٌ إلى زومبي فاقدٍ للوعي، لا يُدرك ما سيفعله.

فقال "الحارسُ" له بأمرٍ:

_العمدة وافق يقابلك، دخله توّ!

تزايدت أنفاسُ "مرزوق" سخطًا، بينما ينطلق إلى دارِ العمدة بخطواتٍ متعرّجةٍ كأنه تحت تأثيرِ السُّكر، حتى وقف إزاءه بعدم استيعابٍ لما سيفعله من كوارث ستُلقي بكواهل الجميعِ بين نيرانِ غضبه المتأجّجة، فمسح بكفّه على فمه كمن يمسحُ الخوفَ ليبدأ كشف السر، حتى قال بلهجةٍ مُتضاربة:

_أنا چايك وضميري يعذبني عاللي سوّيناه فيك يا عمدة البلد، لي مدة وأنا زعلان من نفسي عاللي سويته أنا ورمزي.

اندهش العمدةُ "ضرغام" من خطابه الغريب، واستشعر أن هناك خطةَ غدرٍ ممنهجةً تمت بين أطرافٍ لا تدركُ للوفاء عنوانًا، فرمقه بنظراتٍ ضيّقة توحي بالريبة، وسأله بحدّة حديثٍ:

_وش اللي موچع ضميرك لهالدرچة؟ إنت منو؟ وش بيني وبينك أصلًا؟ وليش چبت سيرة رمزي فالسالفة؟!

ارتبك "مرزوق" للحظاتٍ، فأخفض رأسه كمن يبحث عن الحروفِ التائهة بين فراغاتِ الأرض، ثم رفعها وأجابه بصراحةٍ واضحة:

_رمزي لعبها عليك لعب يا عمدة، سوّى فيلم كبير علشان تمسكه غفير بالسرية عندك، عشان يقدر يوصل لنفق بيارون بسهولة، وإنت صدقته، وما خطر ببالك إنه كان مخطّطلك من قبل وناويلك بالشر.

نهض الشيخُ "ضرغام" من موضعه، وعيناهُ تجولان حوله باضطرابٍ، إلى هذه اللحظة لم تصلِ المعلومةُ إلى ذهنه كاملة، فبصره بأشعّةِ عينينِ حادتين، وسأله بصياحٍ متوعد:

_فيلم وش ذا اللي رمزي الطوخي سواه عليّ؟ تكلم! وإلا ورب الكعبة لادفنك حي في مكان ما يوصله لا چن ولا إنس!

كأنّ جرعة المخدر ازدادت، لتجعله يبوحُ بالمعلومات بطريقة أشد تركزًا، فانغلق جفناه بحرارةٍ وهو يقاوم آلام جسده وعقلَه الشارد، ثم فتحهما من جديدٍ وردَّ:

_رمزي الطوخي اتفاهم معاي إني أطلق عليك نار، وهو يفاديك بروحه، بس الحقيقة إنه كان لابس بدلة وقاية تحت ثيابه، ولمن الرصاصة چت فيه ما چاه شي، سوّى كل ذا علشان يزيد قدره بعينك ويوصل للنفق تبع بيارون بسهولة.

قاطعه الشيخُ "ضرغام"، مناضلًا لربط أطراف الخيطِ المفقودة ببعضها برصانةٍ، فسأله بصوتٍ غليظ:

_وش يبغى من نفق بيارون؟ له وش هناك علشان يسوي عليّ كل ذا الفيلم؟ تكلم يا ولد العوچا!

تَهشَّج "مرزوق" وظهرت علامات الخَرَع واضحة على جسده، وهو يقول بارتباكٍ جلي:

_اللي فهمته من نفسي إنه يسوّي كل ذا علشان يوصل لشي چوّا النفق، لأنه من غير النفق ما يقدر يوصل لهدفه أبد، وعشان يسوي كل ذا، چا واتفق معاي نعمل عليك التمثيلية هذي كلها، سامحني يا شيخ البلد، أدري اللي قلته يمكن ما يخليني أرچع لداري مرة ثانية، بس ضميري يعذبني، وكان لازم أقول كلمة الحق حتى لو فيها موتي.

حينها شرع الشيخ ضرغام في جمعِ المعلومات واحدةً تلو الأخرى باستبانة، مُسترجعًا بذاكرته قبل ليلتين حينما حضره الشاب "صقر" في جلسة حوارٍ هامة، يخبره فيها بكل ما حدث، لكنه لم يكن يصدقه بشكلٍ كامل، كان مُصرًا أن يجمع الدلائل بين يديه ليقطع الشك باليقين التام، وفي هذا اليوم حيث اجتمع صقر معه في مجلسِ الضيوف، أخبره بمصداقيةٍ قائلًا:

_والله يا شيخ البلد، إنت غالي عليّ واجد، وربي العالم بغلاك، آني بس أبيك تصدّقني، لأني ما أقول حديث باطل، وكل كلمة عندي عليها بيّنة، رمزي الطوخي يوم ضربني ما كان خوفًا على چيهان لأنها أخته، لا والله، كان لأنه؛ رمزي عاشق البنت اللي معاه، وهي بعد عاشقاه، والعلاقة اللي بينهم ما هي بسيطة، وآني تأكدت من بنت خاله بنفسها، علشان كذا هرب من عرسه عبنتك دليلة، لأنه ما قدر يتحمل يكون مع واحدة غير چيهان.

عاد الشيخ "ضرغام" من مشهده الحواري مع صقر إلى حواره الحالي مع مرزوق، فضيَّق عينيه برصانةٍ بدأت تشتد وضوحًا، الآن أصبحت الأمور مكشوفة، فالتف ناحيةً أخرى وابتسم كمن فاز بمعلومةِ العمر التي ستقلب الحياة رأسًا على عقب، وخرجت منه أنفاسٌ عميقة، كاد أن يتحوّل إلى ثورٍ ثائرٍ اكتشف مدى حماقته حينما سمح لشابٍ مخادعٍ أن يلهو بالكرة في ملعبه الآمن، نظر وقتها لمرزوق وهو يقول بإدراكٍ:

_هيك الأمور وضحتلي عآخرها، رمزي الطوخي فضحني قدام الناس كلها عشان بيحب حرمة ثانية غير بنتي، واتقرب مني مو عشاني، عشان النفق، وهو اللي هرب من سچني بطريقته الملعونة، رمزي ذا ساحر، بس آني ما بتركه لحاله، الشيخ ضرغام عمره ما يخلي حد يلعب بيه الكورة، لازم آخد حقي كامل، وإن ما خدته، ما أكون آني العمدة ضرغام الفقي!

ثم قبض على هاتفه مُسرعًا، وأجرى اتصالًا عاجلًا بصقر، ليقول له بأمرٍ قاطع لا جدالَ فيه:

_تعال السرية هسّه يا صقر، خلال خمس دقايق تكون قصادي!

أسدَى الفُرصة ليأتي في خمس دقائقٍ لا أكثر، ما لبث أن طلب منه المجيءَ حتى قدم بالفعل خشية أن يرفض مطلبه فتنصبُّ المشكلات على رأسه صبًا. بالتحديد، في مجلس الاجتماعات العُرفية جلس مرزوق وصقر بجانب بعضهما حيال شيخ البلدة، لم يفهما مبرر جمعهما سويًا في هذا المجلس، لكن الهدف أبلَج، لربما ينم عن اتفاقٍ قاسٍ سيتم بين جميع الأفراد. فجلس العمدةُ "ضرغام" جلسةَ شموخٍ ورأسه مرفوعٌ بتغطرس، ليقول بمعاهدةٍ قاسيةٍ لا بدّ من تنفيذها رغمًا عن أي مُعترض، إذ وجه حديثه لمرزوق أولًا، فقال بإلزامٍ:

_آني چمعتك ويا صقر عشان اللي بأقوله مهم، بعد اللي سواه بيا ومعاونة رمزي، المفروض أطخكم إنتوا الاثنين بعيار نار وأرد حقي، بس قدامك خيارين ما لهم ثالث: يا تسوي اللي بأقوله لك وتنچي روحك ويتكتبلك عمر چديد، يا ترفض وتموت ويا رمزي الطوخي، تختار وش؟

حَصَره في زاويةٍ منحصرة، وهو يُخيِّره بين اختيارين أصعب من بعضهما، لن يستطيع الولوج في اتفاقيةٍ تنصُّ على الغدرِ بمن أحاقه يومًا برداءِ الأمان والثقة، ليصبح خائنًا للوُدِّ بينهما. بدت عيناه مُضطربتين كدقاتِ قلبه المُتضاربة، لكنه اختار نفسه في المقام الأول، معتبرًا أن خسارته لحياته من أجل غيره لن تجدي عليه نفعًا ولا مضرّةً سوى الهلاك. لم يرغب أن يكون ساذجًا، لذلك اعتدل في جلسته، وشبك أصابعه المُرتعشة في بعضٍ، وقال:

_بختار نفسي يا عمدة.

تنهد الشيخ "ضرغام" بابتسامةٍ مُراوغة، وقال:

_زين الحديث....

ثم نقل بصره نحو صقر، ليتابع بإلزامٍ واثب من شفتيه:

_وإنت يا صقر، إنت ترچعلي حقي وحقك من رمزي، مو حقي بس، لازم يموت رمزي الطوخي وعيدّكم.

اتسع بؤبؤي "صقر" و"مرزوق"، وخرج صوتهما في آنٍ واحد وهما يتساءلان نفسَ السؤال بصدمةٍ:

_يموت؟!

ردّ الشيخ "ضرغام" بكل تأكيد، دون أن يلامس قلبه شعورٌ بالندم أو التردد:

_أي يموت، وكل واحد فيكم له واچب إذا ناوي يعيش، وبالذات مرزوق! عليك يا مرزوق تشغّله وياك بالسوالف لحد ما صقر ينفذ المهمة!

يوم الحادث، خرجت الشمس باهتةً للعالم، مميلةً بحزنٍ انقشع مع أشعتها الراسية على بقاع الأرض. بدأت الاتفاقية بين الثلاثي بعدها استدرج مرزوقُ رمزي في الحديث ليعرف منه الحدثَ الهام بين رجال البدو في الصحراء الذي يسمونه راليات الكثبان الرملية. وبينما الرجال مُنشغلون في الحديث، والبعض الآخر مُنهمك في تجهيز السيارات، أشار مرزوق بيديه لرمزي من بعيد، فتحرك الأخير نحوه برفقة ناجي. بدأ "مرزوق" يفتتح معه الأحاديث ليشغله عما يحدث من وراء ظهره، فقال مرزوق بابتسامةٍ مُزيفة:

_وأنا بعد، ما في شي بهاليوم فرحني قد ما فرحتني شوفتك يا رمزي.

ردّ "رمزي" هو الأخيرُ، ببسمةٍ صادقة اختفت وراءها مآسي الذكريات:

_وأنا أكثر منك، طمني، الأمور بخير يا مرزوق؟

وفي زاويةٍ بعيدةٍ، وقف صقرٌ بالمقصِ يتلفُ أسلاكَ الماتور مستغلًا مهارته المميزة في قضاء المهام بخفة يدٍ. تحركت أصابعه بعنايةٍ بين الأسلاك حتى وصل إلى السلك الخاص بالفرامل، وبعدما خرب كل شيءٍ أغلق بابها وفرَّ بعيدًا في أقل من دقيقةٍ، غادر لتبدأ الكارثة.

وبمجرد أن أشارَ رمزي لصديقه الرؤوف من بعيدٍ ليغادر، اتجه لركوبِ السيارة، فبدأت تحديات رالياتُ الكثبانِ الرملية بين الشباب، وكل واحدٍ منهم يستعرضُ مهاراته في التحدي.

فبعدما قطعَ رمزي مسافاتٍ طويلة بسرعةٍ فائقة، فقد السيطرةَ على المحرك، ما جعل السيارة تنزلقُ به من منحدراتٍ عالية على أرضٍ صلبة بين الجبال، ومن هنا بدأت حياته في تعدادٍ تنازلي.

ذلك اليوم المنكودُ بهمساتِ الألم، بين سيارةٍ تحطمت بشكلٍ مفزع كالصفيح المضغوط، دلفَ صقر ومرزوق إلى عمدة البلد، ذاك الذي كان على أحرٍّ من نارِ الجمر لسماع خبر وفاته. صقر مبتسمًا بفرح، ومرزوق على وجهه أتراحُ الكون برمتها كأنه جذبها بمغناطيسِ الألم المنكسر، فبادر "صقر" بإيصالِ الخبر، قائلًا:

_نفذنا اللي اتفقنا عليه يا عمدة، ووقته خلص في الحياة، مات لحد ما شبع موت.

ابتسم الشيخ "ضرغام" ابتسامةً لطيفة توحي بحبورٍ سيكتمل عندما تصغيان أذناه لإذاعة وفاة رمزي في مذياع سيارة المتوفّى في كل شبرٍ من البلدة، فقال وحاجباه مرفوعان بفخرٍ:

_في هدية بعطيها هالحين لمرزوق، والهدية الثانية ليك يا صقر، لما أسمعهم ينادون عإسمه بالميكروفون.

ثم استخرج المسدس من جوف جلبابه ورفعه في وجهِ مرزوق بسخطٍ عارم، وتحولت ملامحه الهادئة إلى شراراتٍ من الاحتدام، فأردف:

_هديتك يا مرزوق عيارين نار في رچليك الاثنين....

انطلقت الطلقاتُ النارية بسرعةٍ إلى ساقي مرزوق، الذي سقط يصرخُ صراخًا حارًا لوهل الألم، فيما تابع العمدة بابتسامة انتصار:

_كنت أقدر أقتلك لترتاح، بس آني بغيت أموتك كل ساعة مية مرة، تعيش مكسور وتعرف زين إن العمدة ضرغام ما ينلعب معاه، واللي يلعبها معاي حكم عروحه بالموت، خلّك تنزف لين يطلعلك صاحب....

وتابع بجلبةٍ مدوية، وناظريه منصبان على الغفر في الخارج:

_كل الغفر يچمعوا هني، كلكم تيچوا لعندي!

انصرمَ الغفر جميعهم ووقفوا في صفوفٍ متوازية، فأشار العمدة إلى مرزوق الغارقِ في دمائه، وقال بلهجةٍ شديدة القساوة:

_رمزي الطوخي اللي كذب عليّ وعمل تمثيلية بمساعدة أخونا اللي مرمي عالأرض غرقان بدمه، خمس دقايق وهتسمعوهم ينادوا عليه في البلد، من هاللحظة ما له مكان بين الأحياء، وإن كان على صوانه فأهو عليّ هدفع له من چنيه لمليون، عارفين ليش چيبتكم؟ عشان تعرفوا إن اللي ييچي عليّ ما يطلع له فايدة أبدًا، العمدة ضرغام الفقي يوديكم البحر ويرچعكم عطشانين، وأي رچال دماغه تفكر إنها تلاعبني نهايته بتكون زي رمزي ومرزوق!

ارتجفت جميعُ الأنفاس خوفًا من جبروته المستعظم، فيما تابع بنفس الخشونة، مشارًا بسبابته إلى مرزوقَ الصارخ بمعاناةٍ أليمة:

_هالكلب خذوه لسچن العمدة، خلوا الرصاصة تبات في رچوله شهر ولا شي، وبعدها نفكر نچيبله دكتور إذا انكتبله عمر چديد!

ردَّ أحد رجال الغفر باستجابةٍ:

_أوامرك يا عمدة.

تحرَّك الحراس حاملين مرزوق، والأخير صرخاته رجَّت السَّرِيَّة رجًّا من هولها، فيما وقف الشيخ ضرغام يتطلع صقر بعينيه وفي نيته أن يهديه هدية حقيقية بعدما يصله خبر مؤكَّد بالوفاة. وبالفعل، حينما انسدل الليل بستاره على العالم، بدأ الرجال ينادون اسم رمزي في مذياع البلدة، ليقول "أحدهم" متأثرًا:

_توفِّي إلى رحمة الله تعالى فقيدُ الشباب رمزي الطوخي، نچل الشيخ مصعب قصيان الطوخي، وابن أخت كلٍّ من: المرحوم مبروك سالم آل نچيان، والحاچ فهيم سالم آل نچيان، والحاچ عاصم سالم آل نچيان، والحاچ سطام آل نچيان، والأستاذ فايز آل نچيان، الدفنة غدًا الساعة الثامنة صباحًا في مقابر العوينات، والعزاء في منزل الحاچ فهيم آل نچيان.

آب "مرزوق" من ذاكرته إلى واقعه الحالي بعد عام كامل من الحدث؛ فقد رفيقه وساقيه اللتين أصابتهما شلل دائم، كانتا أشبه بالخردة التي لا نفع منها، حتى ذهنه لم يستوعب إلى هذه اللحظة ما حدث. لم يتذكر لحظات دخوله إلى عمدة البلدة ليعترف له بكل ما حدث، كان مغيبًا بلا عقل، ما جعله يتيقن أن ظهور مصعب له في هذا الوقت كان بنية فاجرة، لأن ينتقم من رمزي بأسلوبٍ كالثعبانين الملتوية بدهاءٍ.

وبين جدران غرفته المُظلمة، بعدما قضى عقوبته داخل سجن العمدة لعام، نظر لجدران مسكنه، ودموعه مُنحدرة على وجنتيه بأسى، ليقول بندمٍ عميق:

_سامحني يا رمزي، والله ما أدري شلون روحت للعمدة واعترفت له بكل شي، أنا مهبول، ما أدري شلون صار كذا، ما في عاقل يسوي اللي أنا سويته، من ساعة ما چه ذاك الرچال الغريب وطقّ بابي، وعقلي ما هو فيّ، كنه سوى فيّ شي خلاني أفقد عقلي، سامحني يا رمزي، والله ما كان بإرادتي.

انقضت ليلتان لتعود چيهان إلى أهلها بعد مصاريف باهظة لعمليتها الجراحية، بالإضافة إلى رحلتها لعلاج العصب السابع التي لم تبدأ بعد. دخلت مُنهكة الجسد والروح، عينيها مُوَصَّدَتان، والدتها وأختها تتسندانها، وراءهما عمها نجيب وزوجته وأطفاله، وعلى عقب الجميع شوقي الذي تحدّث بحرارةٍ عبر الهاتف مع معاونيه في عمله الجديد، فقد تركَ تصنيع وتجارة الرخام بعد خساراتٍ فادحة جهل مصدرها بعدما أقصى هشام من العمل. ومن يومه هذا كاد أن يشحذ على الطرقات بعُلب المناديل الورقية، فاختار أن يعمل في مجال العقارات، باعتبارها مهنة أكثر سهولة من عملِه القديم.

حملت أسماء العبوة البلاستيكية الخاصة بأدوية چيهان، حتى دخلت النساء غُرفة النوم، فاستقرت چيهان على سريرها بإنهاكٍ واضح. رفعت كفَّها على وجهها وهي تبكي بحرارةٍ، فصكَت زوجة عمها الباب وولجت بأطفالها الثلاثة: أكبرهم مُراهق في الصف الثاني الإعدادي، والبقية فتاتان لا تزالان في المرحلة الابتدائية. مررت "ريم" يديها بحنانٍ على ظهر أختها لتمسح عنها الشجن، وقالت مُتأثرة:

_علشان خاطري يا چيهان، لو ليا غلاوة عندك تهدي نفسك، الدكتور قال حالتك النفسية مهمة جدًا عشان تتحسني، ولقدر الله ميحصلش جلطة تاني.

جلست أسماء وسلفتها المُدعوة «سهيلة» على الكراسي حيالهم، شابة ثلاثينية في منتصف العقد الثالث، ملامحها هادئة، تميل إلى ثياب العصر الحديثة ذو الطابع الحضري الأنيق بما يتناسب معها كونها أمًّا.

نظرت لچيهان بدهشةٍ محاولةً فهمَ ما وقع عليها من أذى، أوحت نظراتها باستفسارات فضولية، وفي هذا الأَوَان نطقت "أسماء" بدعمٍ نفسيٍّ عظيم لابنتها:

_اسمعي كلام أختك يا چيهان، هدي نفسك يا ماما، بقالك يومين حالتك صعبة وبتعيطي ليل نهار، ده إنتي النوم مش بتشوفيه غير بالحقن المهدئة، حرام عليكي نفسك.

ردّت "چيهان" ببكاء، والقهرُ يحيقُ حروفَها. انقطعت الأصوات لتسمع صوتها فقط، وكلما مرَّ الوقت ازدادت عذابًا لفراقه، فنطقت بصعوبة نظرًا لحالتها الصحية:

_هفضل أدعي على نفسي لحد ما ربنا ياخدني، محدش فيكم حاسس بيا، أنا بس اللي حاسة بكل ده لواحدي، أنا بموت في الثانية مليون مرة، هموت بعده، مش قادرة أستحمل والله ما قادرة.

توجهت "سُهيلة"، زوجةُ العم، باستفسارٍ ينمُّ عن فضولها لمعرفة المستور، فقالت:

_هي بتتكلم عن مين يا أسماء؟!

أجابتها "أسماء" بصوتٍ خافتٍ حتى لا توهجَ أحزانُ ابنتها فتعود صارخةً من جديد، فلن يقدِر أحدٌ على السيطرة عليها:

_كلام بيني وبينك، واحد اسمه رمزي توفاه الله، يعني كان في مشاعر بينهم وكده بس أمانة عليكي ما تتكلمي قصاد حد حتى جوزك!

ردّت "سهيلة" بثقةٍ من ألا تُفشي السر لأحد:

_متخافيش! محدش هيعرف حاجة.

بدأت "چيهان" تعود إلى نفس حالتها العسيرة، «اضطراب ما بعد الصدمة»، فأحست بنيرانٍ تسري في عروقها وصولًا إلى صدرها، ورغبةً عارمة في الصراخ. بدأت تدقُّ بيديها على الجدار ووجهها، فقالت بشوقٍ عظيم لا يضاهيهُ شوق:

_مش قادرة أستحمل، هموت من كتر القهر، جوايا نار.

ضمتها ريم لحضنها بسرعةٍ، وربَّتَت على ظهرها، فيما الأخيرة تعوّلُ بشدة أفزعت شوقي ونجيب، فوقفا وراء الباب يتساءلان عن حالها. فنهضت "أسماء" هي الأخرى جاهدةً أن تهدئَ إعصارها المُشتدّ، خوفًا من أن يعرف شوقي السبب الحقيقي وراء علتها، فقالت بتبكيت وعيناهَا مفتوحتان بتحذيرًا:

_اهدي يا چيهان! أبوكي لو عرف السبب الحقيقي مش هيرحم حد فينا! أنا كل ده مفهماه إنك حزنتي على صاحبتك المتوفية، لو عرف حاجة هيقلب الدنيا عاليها واطيها أبوس إيدك!

تساءلت "ريم" بدهشةٍ، مستغربةً من فيض الأذى النفسي الذي تعيشه مع مريض نفسي يبكّت المشاعرَ تحت رداء الخوف، فقالت بغضبٍ:

_وإيه يعني لما يعرف إنها حزينة لموته؟ هو كمان هيحاسبها على الزعل؟!

ضغطت "أسماء" على أسنانها، وطرقاتُ الباب ترتدُّ من وراءهم بقوة. وقبل أن يفتح شوقي الباب ويهرع إلى الداخل مع أخيه، قالت بانذارٍ، رهبةً من المشكلات:

_هو دماغه كده، خليها تهدى، أنا حذرتكم!

فتح "شوقي" الباب ودخلَ برفقة نجيب، فوقفا موازينَ للنساء بعلامات الفضول، فتوجه شوقي بسؤاله المكترث، قائلًا:

_هو في إيه؟!

تلجلجت أسماء في إجابتها التي تاهت عن ذهنها في هذه اللحظة، فتدخلت "سهيلة" سريعًا لتُجيب بدلًا منها:

_چيهان تعبانة، خبر وفاة زميلتها تاعبها نفسيًا أوي من الواضح إنها كانت قريبة منها جدًا.

طوَّقت أسماء ابنتها بذراعيها لعلها تصمت، لكن دون جَدَاء، فاضطرت سهيلة أن تتصل على عَجَلٍ بإحدى زميلاتها الممرضات لتأتي لتسكِّن أوجاعها بالإبرة المهدئة. رفعت حقيبتها بأيادٍ ملأها حرارةُ التشوش، وأخرجت هاتفها وخرجت به خارج الغرفة لتطلب منها المجيء في أقرب وقت.

أصبحت چيهان مقيدةً من أيادٍ عدة: والدَيها وأختها وعمها، جميعهم جاهدوا لكبح ثورانها، وبعد مرور ثلاثين دقيقة من القلوب النابضة رعبًا، والجباه تسيل عليها مياه الفزع، وصلت الممرضة كقاربِ نجاةٍ وسط محيطاتٍ شديدة الغور.

وفيما چيهان الإعوال يتراقص على لسانها بلا رحمة، تكاتفت الأياد لتثبيتها، فجرعتها الممرضة بإبرة منومة، وبعد دقائق قليلة غفَت چيهان في نومها بلا إرادةٍ منها. أعدلت "أسماء" فتاتها المسكينة على السرير ورفعت الغطاء فوقها، وقبل أن تخرج مع البقية، التفتت نحو ريم، وأخبرتها بنُصحٍ:

_خليكي جنب أختك، أوعي تسيبيها لحظة يا ريم!

ردّت "ريم" بإرهاق شديد على ملامحها:

_حاضر.

انصرم الجميع إلى الخارج، فصكَت أسماء الباب وراءها بحرصٍ، تاركة ريم وچيهان بمفردهما داخل الحجرة. حينها نهضت ريم لتغيّر ثيابها وترتدي البيجامة المنزلية، وقفت بعقلٍ تكدّس بمشاكل الحياة كما تكدّست الخزانة بثيابها.

وبعد دقائق من التفكير أنهت مهمتها، فجلست على السرير إلى جوار أختها وقبَّلت جبينها، تعيسةً على ما وقع عليها من حُبٍّ دمّر حياتها، وجعلها عليلةً إلى أجلٍ غير مسمى. وفي هذا الوقت تلقت رسالةً من "إسلام" يتساءل فيها عن أحوال چيهان. حينها فكت ريم شعراتها وأعادت ربطهما جيدًا من جديد، ثم استندت بظهرها إلى السرير وفتحت رسالته لتجد أنه يقول:

_طمنيني على چيهان، رجعتوا بيها البيت ولا لسه؟

ردّت "ريم"، وكل خليةٍ في جسدها تشكو بمشقة:

_رجعنا بيها وحالتها صعبة أوي، أنا متخيلتش إنها بتحبه للدرجة دي، كل يوم يجيلها حالة هيستيرية تفضل تصرخ وتناديه ومحدش فينا عارف يعملها أي حاجة لأننا فعلًا؛ مفيش حاجة في إيدينا نعملها.

واساها "إسلام" بحديثه المطمئن، فقال متمنيًا لها الخير:

_هي حاجة تزعل فعلًا، ربنا يعينها، چيهان عندها حق، أكيد واحد بتحبه للدرجة دي طبيعي لازم تزعل عليه، هو أنا لو مت مش هتزعلي عليا؟

تضايقت "ريم" من سؤاله، كمن زرع رعبًا جسيمًا في مهجتها، فقابلته بسخطٍ لطيف:

_حرام عليك، بعد الشر، متقولش كده تاني! هيبقى أنا وهي؟ أنا بجد مرعوبة على چيهان، بقولك حالتها صعبة أوي أوي فوق الوصف، دي علشان تنام مبتنامش زينا، لازم تاخد إبرة أو حبوب منومة، تخيل إننا عايشين في تعب الأعصاب ده ليل نهار؟

في أولى ظهور خاص لعائلة إسلام، بينما كان جالسًا على سريره في غرفته البسيطة، ظهر من نافذته جزءٌ صغير من الحقول الزراعية الريفية، وعلى درج منزلهم ترددت خطوات العمال وصولًا إلى شقة الأخ الأكبر المدعو «محسن»، كان حفل زفافه على مشارف الوصول. مضى الكثير ولم يتبقَّ سوى القليل، وفي الطابق الأرضي الأب «صلاح» ينظف البهو مع زوجته وابنته، كلٌّ منهما له دور واضح، وكأنهم مثال يُحتذى به في التعاون الأسري.

نهض "إسلام" من موضعه ووقف إزاء الباب الرئيسي، مواجهًا للهواء الطلق في الخارج، مشاهدًا الريفيين يتجولون في الشوارع البسيطة، وبينما عيناه مُنشغلتان قال:

_أنا بدعيلها ربنا يهون عليها، خليكي جنبها برضه يا ريم، أكيد چيهان محتاجاكي في الفترة دي.

تنهدت "ريم" بكآبة، فمرَّت يداها برفقٍ على ذراع أختها، وأعادت بصرها نحو هاتفها، وكتبت له:

_أنا معاها دايمًا ومش هسيبها، أنا وچيهان ملناش إلا بعض، ربنا العالم بغلاوتها عندي عاملة ازاي.

رد "إسلام" مدرجًا الرمز التعبيري للقلب الأحمر بجوار حديثه:

_ربنا يخليكم لبعض وميحرمكوش من بعض أبدًا.

ردّت "ريم" بأسلوبٍ لطيف، فأدرجت نفس القلب الأحمر، الموحي بكثافة المحبة:

_يا رب.

أخذهما الحديث عن أمور الحياة، وإسلام يعبر لها عن شوقه العارم لها بقوله: "اشتاقت إليكِ"، فردّت ريم بنفس الحُب لتقول: "وأنا أيضًا". تساءل إسلام عن تفاصيل يومها المُملة، حتى أنه مازحها في كل حديث ليخرجها عن عمد من قيود الحزن.

لم تكن تعرف لماذا انجذبت إليه كل هذا الانجذاب أكثر من أي شخص عبَرَ حياتها؛ هل صلة القرابة التي صنعت بينهما ودًّا مضاعفًا عن أي ثنائي؟ أم لأنها وجدت فيه ما لم تجده في الغير؟

دومًا ما سعدت بالحديث معه، على الرغم من نُصح چيهان لها بألا تحادثه لأنها تدخل في نطاق العلاقات المُحرمة، حتى وإن لم يتجاوزا الحدود وتحدثا بكل احترام وتقدير، إلا أن المسألة تظل ثابتة: ما دام رجلًا أجنبيًا عنها، فلا شك في حرمانية الحديث معه. لكن ريم قادتها مشاعر الحب رغمًا عنها لتجعله جزءًا هامًا من يومها، لم يكن مبررًا وإنما دافعًا يحتاج إعادة النظر فيه.

لم تشعر ريم بالوقت، فدخلت في نومٍ غائر إلى جوار أختها، حيث في الخارج ظل الكبار مستريحين في صالون المنزل بعد عودة الممرضة إلى عملها.

في بلدة العوينات بالواحات، جلست "غيداء" في حجرتها بعد تحسن ملحوظ في صوتها. انقضى العام بذهابها إلى جلسات التخاطب حتى تخطت المرحلة الأصعب في حياتها. وبينما كانت ترتب الأدوية على طاولتها، أصغت لطرقات النافذة لثلاث مرات، فاقتربت منها لتجد صقر رافعًا رأسه نحوها بابتسامة، فألمها استغرابٌ كبير من تواجده، فسألته بتضايُّق:

_وش اللي چابك هني؟ ليش تخبّط عشباكي؟!

ردَّ "صقر" بابتسامةٍ عريضة على وجهه، تكاد تمتد من أذنه اليمنى إلى اليسرى، بغرابةٍ:

_سمعت إن ربي شفاكي وصوتك رچع من تاني، چيت أتطمن بعيني، إكمن لسانك طويل وما تسكتين، وها أنا تأكدت.

نطقت "غيداء" بغضبٍ اندفاعي، كأنها قذفته بحجارةٍ غليظة في قلبه، لا بالكلمات:

_خلاص، اللي كنت تيچي عشانها عاودت دار أهلها من زمان، واللي كان مضايقك فأهو راح عند اللي خلقه... إيش اللي چابك هني؟

خرجت قهقهات "صقر" عالية، بدت أمامه كالبلهاء بعدما تحول إلى نسرٍ مفترس يحوم حول فريسته، فردّ:

_مين قالك إني چاي عشانهم؟ چيهان بعرف إنها رچعت لأهلها وبعد كم شهر رمزي مات، الله يرحمه ويسامح اللي كان السبب، آني جاي عشانك مو عشان حد ثاني.

تفوّهت "غيداء" بنظرات اشمئزاز، فلم تطيق إطالة الحديث معهُ أكثر من ثانيتين، وبينما يداها تمتدان لتُوصد نافذتها، قالت:

_مشي مشي، يلا من هني! أبوي وأخواتي بيفرموك لو لقوك تحت شباكي! يلا بلاها چنان!

ثم صكَت النافذة في وجهه كإنذارٍ أخير له، لكنه لم يصمت، بل ظل متشبثًا بقراره، فتفجر صوته بهدوءٍ وهو يقول:

_مو عشان قفلتي الشباك يعني خلاص، آني بچيّكي وبطلعلك من أي مكان تروحيه يا غيداء.

زفرت غيداء بغضبٍ، وقبل أن تخطو عتبة غرفتها، تلقت مكالمةً هاتفية من "مصعب". سرعان ما فرت إلى الداخل وصكَت الباب بالمزلاج، ووقفت وراء النافذة مُرتجفة اليدين، ابتلعت ريقها ورقمه منير شاشتها، ضغطت زر الصوت فانكتم الصوت للحظاتٍ قبل أن تُجيبه. كان قرارًا عسيرًا أمام شخصٍ لا يأتي من وراء ظهره سوى الأزمات. فجلست على حافة السرير بقلبٍ يضخّ توجسًا، واستجابت للمكالمة لتجده يقول بنبرته المُريبة:

_يا غيداء، وينك يا زينة البنات؟ ليش ما سمعنا صوتك من زمان؟ كان لازم يختفي صوتك طول هالمدة؟

ردّت "غيداء" بخوفٍ، فانبثقت الحروف بضياعٍ بين أسنانها:

_كل اللي صار كان بسببك، لو ما روحت لرمزي الله يرحمه ما صار اللي صار، ولولا الچن اللي خرچهولي كان زماني عافية وما كنت اتمرضت.

قهقه "مصعب" بقوةٍ، فبسط ذراعه وراء رأسه في جلسة استرخاء، وقال بلا اكتراث:

_إنتي اللي خايبة، غيرك كانت خلصت كل شي بخفة يد، أمال ممرضة إيش يعني؟

صمت قليلًا، واسترسل بحنوٍّ يلتمسه الغموض:

_أحلى شي فيكي الضفيرتين، كأنك صبية عندك خمستاشر سنة، واللون الأزرق بياكل منك حتة....

ارتجفت غيداء ذعرًا من مغازلته المُريبة لها، كأنها تمهيدٌ لحديثٍ أكثر اتساعًا، لكنه في نفس الحال غيّر نبرته وقال بحدةٍ:

_الواد إياه لسه واقف تحت الباب عشان تكوني دارية، واقف وماسك تليفونه في يده مستنيكي تفتحي الشباك وتردي عليه، لو مضايقك أرسله واحد مچوسي يلبسه ولا يچيبله المرض الخبيث لو كنتي حابة....

نهضت غيداء سريعًا لتفتح نافذتها فتتأكد من صحة حديثه، وبالفعل فتحت النافذة، وجدته لا يزال واقفًا أسفلها وهاتفه في يديه. فصكَت النافذة من جديد بأنامل ترتجف من برودة الخوف، وعادت إلى موضعها بأنفاسٍ مُتضاربة، فوجدته يستأنف حديثه:

_لا تخافين! هذا مو صقر، هذا واحد من رچالتي، ما رضيت أخليه چوا الدار عشان ما تخافين، خليته يناديكي من برا، ولو فتحتي الشباك مرة ثانية بتلقي رچلينه مثل رچول المعيز في الأفلام.

انتفض جسد "غيداء" بارتياعٍ، فنطقت بترددٍ، والخوف يمتلكها:

_إنت وش تبي مني يا زوچ عمتي؟ ليش تخوفني؟

ضحك "مصعب" ضحكةً سمجةً، أظهرت روحَ الشيطان الراقدة في أعماقه، وقال:

_بعرفك إن مصعب الطوخي يقدر يسوي أي شي، يقدر يوريكي أي شي في أي وقت...

ظهر طيفٌ سريع إلى جوار غيداء، فنهضت بصرخةٍ مدوية، فاسترسل "مصعب" حديثه بمُزاح:

_لا تخافين! هذا تبعي مو چاي من مكان غريب! حسّيت داركم مسكونة، قلت أبعت خُدامي يشوفوه ويتطمنوا عليه بنفسهم، ده چزائي إني رچال طيب وببعد عنك الشر؟

سألته "غيداء" سؤالًا واضحًا، في انتظار أن يُجيبها بنفس الوضوح لا بالتواء، فقالت:

_بتلف وبتدور كثير يا زوچ عمتي، وآني ما أحب اللف الكتير، إذا حابب شي مني اطلبه علطول ولا تلف وتدور كل شوي!

أجابها مصعب باستبانةٍ، معارضةً لأسلوب حياته الخادع:

_أبغاكي تعطيني رقم صبا!

يتبع....

الفصل السابق الفصل التالي
18

اختر خط القراءة

فصول الرواية

غلاف

رواية إيبار

المؤلف الكاتبة رانيا عمارة
2025/10/02 مستمرة
قائمة الفصول (62)
الفصل 1: الفصل الأول
2025/10/02
الفصل 2: الفصل الثاني
2025/10/02
الفصل 3: الفصل الثالث
2025/10/02
الفصل 4: الفصل الرابع
2025/10/02
الفصل 5: الفصل الخامس
2025/10/02
الفصل 6: الفصل السادس
2025/10/02
الفصل 7: الفصل السابع
2025/10/02
الفصل 8: الفصل الثامن
2025/10/02
الفصل 9: الفصل التاسع
2025/10/02
الفصل 10: الفصل العاشر
2025/10/02
الفصل 11: الفصل الحادي عشر
2025/10/02
الفصل 12: الفصل الثاني عشر
2025/10/02
الفصل 13: الفصل الثالث عشر
2025/10/02
الفصل 14: الفصل الرابع عشر
2025/10/02
الفصل 16: الفصل السادس عشر
2025/10/02
الفصل 17: الفصل السابع عشر
2025/10/02
الفصل 18: الفصل الثامن عشر
2025/10/02
الفصل 19: الفصل التاسع عشر
2025/10/02
الفصل 20: الفصل العشرون
2025/10/02
الفصل 21: الفصل الحادي والعشرون
2025/10/02
الفصل 22: الفصل الثاني والعشرون
2025/10/02
الفصل 23: الفصل الثالث والعشرون
2025/10/02
الفصل 24: الفصل الرابع والعشرون
2025/10/02
الفصل 25: الفصل الخامس والعشرون
2025/10/02
الفصل 26: الفصل السادس والعشرون
2025/10/03
الفصل 27: الفصل السابع والعشرون
2025/10/03
الفصل 28: الفصل الثامن والعشرون
2025/10/03
الفصل 29: الفصل التاسع والعشرون
2025/10/03
الفصل 30: الفصل الثلاثون
2025/10/03
الفصل 31: الفصل الحادي والثلاثون
2025/10/03
الفصل 32: الفصل الثاني والثلاثون
2025/10/03
الفصل 33: الفصل الثالث والثلاثون
2025/10/03
الفصل 34: الفصل الرابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 35: الفصل الخامس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 36: الفصل السادس والثلاثون
2025/10/03
الفصل 37: الفصل السابع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 38: الفصل الثامن والثلاثون
2025/10/03
الفصل 39: الفصل التاسع والثلاثون
2025/10/03
الفصل 40: الفصل الأربعون
2025/10/03
الفصل 41: الفصل الحادي والأربعون
2025/10/06
الفصل 42: الفصل الثاني والأربعون
2025/10/06
الفصل 43: الفصل الثالث والأربعون
2025/10/06
الفصل 44: الفصل الرابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 45: الفصل الخامس والأربعون
2025/10/06
الفصل 46: الفصل السادس والأربعون
2025/10/06
الفصل 47: الفصل السابع والأربعون
2025/10/06
الفصل 48: الفصل الثامن والأربعون
2025/10/06
الفصل 49: الفصل التاسع والأربعون
2025/10/06
الفصل 50: الفصل الخمسون
2025/10/06
الفصل 51: الفصل الحادي والخمسون
2025/10/06
الفصل 52: الفصل الثاني والخمسون
2025/10/06
الفصل 53: الفصل الثالث والخمسون
2025/10/06
الفصل 54: الفصل الرابع والخمسون
2025/10/06
الفصل 55: الفصل الخامس والخمسون
2025/10/06
الفصل 56: الفصل السادس والخمسون
2025/11/06
الفصل 57: الفصل السابع والخمسون
2025/11/06
الفصل 58: الفصل الثامن والخمسون
2025/11/06
الفصل 59: الفصل التاسع والخمسون
2025/11/06
الفصل 60: الفصل الستون
2025/11/06
الفصل 61: الفصل الحادي والستون
2025/11/06
الفصل 62: الفصل الثاني والستون
2025/11/06
الفصل 63: الفصل الثالث والستون
2025/11/06

المتفاعلون

انضم إلى عالم نوفلار

سجّل دخولك لتتمكن من التصويت ومتابعة المؤلفين وإنشاء مكتبتك الخاصة والعديد من الميزات الاخرى

تسجيل حساب جديد
0
0
0
0
0

مرحباً بك

تعلم كيفية استخدام الصفحة