ميزان الأمور بعقلانية وِقاية من عواقب الفعل الوخيمة، الفكر يَسوء بالعَجَلة بلا رؤية لمخاطر المدى البعيد، فالتسرع لحظات، والندم مدى الحياة.
الدخول إلى نفق بيارون مُخاطرة عظيمة، لكن الوصول إلى إيبار نفسها لا يحوي أي مخاطر، لأن من ينجو في بداية بيارون لن يَنجو في منتصفه، ولن يصل إلى إيبار من الأساس. بلغت أعداد الضحايا فوق مائتي ضحية، والجميع خاضعون لفكر: "بيارون الوحيد بلعنةٍ تَسحق كل من يتجرأ فِكره للعبور".
لا يعلمون القوة الأعظم في لُّبه وهو "إيبار" الذي سيظل في الخفاء ممتدًا إلى أجيال مديدة، فيستحوذ بسلطته على كافة البلدة، بدايةً من كبارها نهايةً إلى صِغارها.
ناجي، في كل مرة أصابته الحيرة والتردد من مجرد لمس البوابة فقط، دفعته شجاعة مُباغتة للعبور من خلال الأنبوب، متبعًا رمزي في خطواته، بعدما اتصل به ثلاث مرات ليردعه عن اجتياز النفق، رهبةً عليه من مآلات اللعنة. تخبط لثوانٍ في الجدران حتى وصل إليه، ليخاطبه بنُصحٍ لعله يعود معه إلى المنزل، فيمنع عنه شرًا يترصده في خطواته.
نتيجة عبوره كانت من أقل ما يكون، والمصابيح تنفجر، والظلام يسود في أرجاء المكان. فاحت هَمسات الشياطين الشنيعة دلالةً على ثورانهم من وجوده بينهم دخيلًا على حدودهم. صرخ ناجي من وَطأة الفزع، واستدار حوله بجسدٍ مُرتجف، شبيهًا براقصٍ يهتز خصره على أنغام الهلع.
وفي تلك اللحظات العصيبة الممتلئة بالمخاطر، اعتدل رمزي مستقيمًا، وأنار بكشاف هاتفه على الجدران من حوله، فوجد الحروف تسيل بدماء الموت، وهي تقول:
"نحن بطبعنا لا نعطي الفُرَص، لكن ن،ف لديه فرصة واحدة للنجاة، يسلك ما سلكه للمجيء."
ارتجف "ناجي" وهو ينظر حوله بدهشة، إنه يعيش داخل أحلامه التي كان يستيقظ منها صارخًا في الصِبا، لكن في عالم الواقع تحقق المستحيل، وهو واقف بين الزوايا القاتمة المُحتمة على المعاديين بالهلاك. خشي أن يصبح الضحية رقم مائتين وواحد، فتحرك بجسده نحو رمزي، وسأله ووهج الخوف في عينيه، كاد أن يُنير العتمة بنوره:
_إيش ذا اللي مكتوب عالحيطة يا رمزي؟ آني ما فهمت شي.
استدار "رمزي" ناحيته، ليُخبره بضرورةِ الارتحال في وقتٍ يَتطلب السرعة، وقال بإرشاد:
_اطلع بسرعة يا ناچي، ولا ترچع لهنه مرة ثانية مهما صار! ارچع للدار ودير بالك عچيهان، أنا وراي شغل مهم وما برچع إلا الصبح!
على الرغم من مشاعر الارتياع المُستحوِذة على "ناجي"، إلّا أنّه اكتسب وفاءً منَعه من ترك رمزي في هذه الظروف بمُفرده، فتشبّث بذِراعيه، وقال بإصرار:
_ما بتركك يا رمزي، بظل معاك مهما صار.
زَحزحه "رمزي" برفقٍ إلى طريقِ القُفول، خشيةً عليه من ثأرهم الذَّريع منه إن انتهت فُرصتُه في العودة، قائلًا بنبرةٍ حادّة عَسى أن تُعيده إلى صوابه:
_امشي يا ناچي، عندك فرصة وحدة بس ترچع، إذا ما رچعت بيصيرلك شي ما أقدر أحكيه! امشي بسرعة، هسّه ما وقت الكلام الطويل!
رمقه "ناجي" بتردّد، ثم رفع هاتفه ليُنير طُرُقه المُظلمة، ويَتفادى أيَّ مخاطر قد ينحدر في هاويتها. تحرّك خُطواتٍ حتى وصل إلى الطرقة، ومال برأسِه بتحيُّر نحو رمزي، وقال بصوتٍ تردد صَداه في النفق:
_دير بالك عنفسك يا رمزي، ما عندي استعداد أخسرك!
حرّكَ رمزي رأسه موافقًا، فلا يزال منتظرًا اعترابه لتبدأ الرحلة بمفرده. ظَلّت الخطى والضوء يَتلاشَيان شيئًا فشيئًا حتى اختفيا تمامًا، حينها تيقّن أن ناجي خرج من النفق برمّته، مما أتاح الفرصة له لمواصلة السعي.
وبمجرد أن استدار ناحية أخرى، عادت الأضواء كما كانت، وكأن وجود ناجي في طياته عتمة لأنوار عالمهم. لقد استفزّهم بوُغوله إلى موطنهم الخاص، وفُرصته الأخيرة انتهت ولن تتكرّر أو تتزايد. المرة القادمة، قبل أن يُفكر، سيكون مصيره مأسويًا بشكلٍ يفتت القلوب ذعرًا.
تحرّك رمزي نحو البوابة المقصودة، مكان جديد سيسلكه ليكتشف خفاياه، بوابة "خايات" المُطلة على عوالم الأسى والنبش وراء الأسرار الملحودة بأعماقه. تعدّدت ألوانها بين درجات الأبيض والأسود المتباينة؛ الأبيض رمزًا إلى فردوس متكامل من الأمان والرحمة، والأسود يشير إلى هلاك جهنم،
الطريف أنهما في النهاية يلتقيان عند نقطة الموت، فمهما عاشت الكائنات بأساليبها، لا بد من وجود النهاية، فلا بداية بلا نهاية.
رفع رمزي كتابه بين يديه كأنه دليله الوحيد بين متاهات التردد، ينظر له بعين تشعّ قلقًا، أصابعه ارتجفت على بداية الصفحات، ليجد الكلمات الدموية تُكتب في الحاشية:
"الصخور الجبلية في اِنتظارك، قصة حياتك لا تكمن في قلبك بل في ثنايا صخرةٍ لعينة تروي أسرارك الملحودة، تحرّك مهرولًا!"
تحرّك رمزي مهرولًا كما أُمر تمامًا، اتسعت خُطاه وهو يدفع البوابة ويعبر منها، لكن من أعماقه يعلم أن المرور ليس بهذه السهولة، وما دام البوابة سمحت له بالعبور، فلا بد من لغزٍ عظيم ينتظره هناك.
وصل رمزي بين الجبال الشاهقة وكأنه انتقل إلى عالم آخر من تكدس صخور تشابهت مع ذكرياته الأليمة... الجدران زيتية اللون، نُقشت بحروفٍ مزخرفة توحي إلى أشياء لم يفهمها، فاستقّر قبالتها وكأنه حامل جبالًا من الحيرة على كاهله.
نقشة طفلٍ رضيع على الجدار تحمله يدٌ بنية، بدأت الرسمة تتلألأ بوهج أحمر، وبمجرد أن مدَّ يديه إليها فقد وعيه، وعاد بالذكريات إلى الوراء ست وعشرين عامًا.
ساحر لعين أنعم الله عليه بزوجة صالحة تحدت الكون من أجله، رفضت النصائح، واختارت أن ترافقه كزوجٍ مدى الحياة... فطيمة، امرأة ذو جمال أخّاذ، بطبيعة هادئة، تلك التي أنجبت له طفلًا جميلًا، حسّن نسلهم البغيض، فبعد دقائق من ولادتها الشاقة، رفعت الداية طفلها إلى صدرها وهي تمسح الدماء عن جسده الصغير، وترفع الغطاء على جسد أمٍ عاشت لحظات عسيرة جعلت الجنة تحت قدميها.
وفي ولك الأثناء، دخل مصعب فرحًا بطفله الأول والوحيد، ينظر إلى ملامحه الباكية كأولى اللحظات له في الحياة، وبينما تجفف الداية ماء جبين "فطيمة" برفق، سألته زوجته بوجهٍ مُرهق:
_شو بتسميه يا مصعب؟
ابتسم "مصعب" ابتسامةً ماكرة، وأجابها بتمني:
_بسمّيه رمزي، هو رمز كبير قوي في حياتي، هو اللي بيكبر وبيشيل اسمي، وبيكون دراعي اليمين اللي أحركه على كيفي... أول ذُرية في حياتي يا فطيمة، ضنايا!
ثم وقف به في زاوية بعيدة، يهمس في أذنيه همسات الشياطين بدلًا من أن يكون أبًا صالح يؤذن في أذني طفله بأذان الصلاة ليشب كنبتة طيبة، فيصبح شابًا تقيًا يحب قراءة القرآن ويهتم بصلواته اهتمامًا جمًّا.
نفث فيه سُمه بطلاسمه، والصغير يبكي، وإن كان يدرك لكان بكى قهرًا على نصيبه في أبٍ كافر، فرح بميلاده ليسترسل سلسال الشر بسلسلة جديدة من صُنعه.
استفاق رمزي صارخًا في واقعه، ويداه مضمومتان على أذنيه بألم يسحق عظامه، أنفاسه تعلو في صدره بقهرٍ، وعيناه ترمقان صخورًا عدة منهم -الماضي، الحاضر، والمستقبل- بأشكال ورموز متنوعة.
جدار المستقبل كان مجهولًا ومشوشًا، الفضول دفع رمزي لمعرفة المستقبل، لكنه خشيّ أن يكون بما لا يرغبه. خوفه عظيم من أن يجد مَن أحب وتمنى في قبضة غريب مع أسرة أخرى كان يتمنى أن يكون منهم يومًا. ازداد ارتجافًا وقرر ألا يرى، وإن قتله فضوله.
التفت ناحية اليمين، وجد ممرًا نهايته بوابة. ثبت عليها جهة اليمنى تمثال حجري لعجوز طَليس، فمه مفتوح كأنه يعوّل طالبًا الاستغاثة. تحرّك نحوه باحتراس حتى دخل في أعماق الظلام، وفجأة، أصدرت البوابة صوتًا خافتًا أقرب للأنين، ثم هدأت، ما جعل رمزي يرفع قبضته نحو النقوش بجسد مرتعش، وكأن تيارًا كهربائيًا يمر فيه. ثم هدأت البوابة وبدأت بالتصدّع رويدًا، فرفع كتابه، وقلب صفحاته بسرعة، ووجد الكلمات تقول:
"نبتة الداتورا هي اللغز كله، إن أردت المُواصلة، أخرجها وإن كان من العدم ذاته."
احتار رمزي في أمر النبتة التي لم يقابل مثلها مدى الحياة، فاستدار وتحرك نحو الجبال يلوج بعينيه في كل موضع حتى وجدها منحصرة بين صخرتين كبيرتين، تحتاج إلى جهد شاق لجلبها. فوضع أدواته على الأرض برفق، وأنار العتمة باستخدام هاتفه باليد اليمنى، أما الذراع الأيسر فحاول مده في أعماق الصخور بمعاناة رهيبة ليجذب نحوه النبتة المطلوبة.
كانت مهمة بالغة الجهد، وبعد خمس محاولات، نجح في جذبها لكن بضريبة آلام الأعصاب؛ إحساسه كمن طرق على يداه بمطرقة قاسية، فحاول تثبيت ذراعه المُتألم لبرهة وهو ينفث عن إرهاقه، ثم حمل أمتعته ودخل إلى البوابة.
هناك وقف محاولًا أن يفهم كيفية الاستخدام، حتى فتح كتابه، فوجد كلماته تقول:
"التطويق!"
نبتة الداتورا عبارة عن نبات مُخدر وشديد السم، كانوا يستخدمونها قديمًا في الطقوس كمدخلات هامة للرؤى، ومن يعانون من الهَلوسات، إذ تُعدّ من النباتات غير المألوفة. وقد سعى رمزي لفهم معنى التطويق متسلّحًا بعقلٍ رصين يزن الأمور بحكمة، حتى استنتج مضمون الكلمة، فطوقها مثل الورقة، ونظر إلى الباب بتمعّن، يفحص زواياه. لكنه في لحظة وضع النبتة في فم التمثال، ذاك الذي ابتلعها، ما بثّ الفزع في نفس رمزي، فتراجع بتريّثٍ إلى الوراء، وبعد ثوانٍ معدودة انفتحت البوابة على مصراعيها، فعبر إلى الداخل بفضولٍ مُتزايد.
هناك، في منزلِ عائلة الدميري، فاحت روائح الحُزن، خاصة في حجرة ريم، تلك المنغمسة في أتراحها التي حلت محلّ أفراحٍ أملت أن تخوضها يومًا، وهي مُبتهجة من حياة طالما تمنتها طويلًا. فأدركت أنها لا نصيب لها من الفرح كباقي الفتيات.
وفي الغرفة تسلّلت إليها أضواء مالت على وجهها بالشجن، جالسة على سريرها بين جدران شهدت سنوات المعاناة التي عاشتها بمفردها، لا أبًا حنونًا، ولا أخ حي يحتوي آلامها، ولا حبيب صادق تميل عليه وقت الشدائد، حتى أختها الوحيدة غابت عنها في ظروفٍ مُبهمة.
قضت "ريم" أوقاتها طوال هذه الحقبة بالبكاء قهرًا على حالها، كانت كالزهرة المُتفتحة التي ذبلت متبرّمة بعينٍ رأت أنهارًا وفيرة قبالتها، لكنها كزهرة لا تملك سيقانًا للعبور. ظلت ماكثة في انتظار أحدٍ يحنو عليها ولو بالقليل من رشة المياه، وظلت تذبل إلى أن ماتت بآمالٍ هامدة.
رفعت هاتفها للمرة المليون لتكتب إلى عمرو رسالة عتاب طويلة، تلومه فيها عن إفلاته ليدٍ أئتمنته يومًا، وعيناها شلالات من الدموع. حتى أخواته الفتيات حَظروها، هنّ الأخريات، عن المراسلة، كأن العالم برمّته انقلب عليها. فتحوّلت من مظلومة إلى ظالمة ذميمة، يقصاها الأجمعون عن حياتهم كما لو أنها تحولت إلى كلبٍ أجرب. فبدأت أناملها تتحرك على لوحة المفاتيح بانشراح فؤادٍ لا يُرمّم، كاتبة:
_أنا لحد دلوقتي مش قادرة أستوعب اللي حصل ده، مش شايفاه مبرر يستاهل الفيلم اللي حصل ده كله، ازاي أصلًا هونت عليك تسيبني في أهم وقت كنا بنحلم بيه من زمان؟ ازاي مخوفتش على شكلي قصاد الناس؟ أنا حبيتك أكتر من أي حاجة كان ممكن أحبها في الدنيا دي كلها... أنا مكنتش عايزة حد غيرك وقولت إنك عوض ربنا ليا عن اللي حصلي، حتى مدتنيش فُرصة أشرحلك وأدافع عن نفسي، كأنك ما صدقت تلاقي أي غلطة علشان توجعلي قلبي اللي حبك، أنا مش قادرة أصدق.
انكسر الحب في استهلال حياة رسمتها ورتّبت عليها المستقبل، الجميع رأوا تركه لها ليلة عقد القرآن مبررًا غير منطقي ولا يستحق، لأنه ببساطة؛ لا يخصّه.
الحقيقة هنا تكمن ليس كونه نَذل أو أبله يصدق أفلام الأعداء البارعة، فهو؛ شخصًا بطبعه عقلاني، فوت الكثير من تدخلاتهم للتخريب، ولم يمنحهم الفرصة إذ كان في وعيه، عاقلًا مدركًا لحجم الأمور، يستطيع تمييز ما يستحق وما لا يستحق،
لكن القوى الخفية التي تدلست في علاقتهما، أبدلته بشخصٍ آخر منعدم الفكر والتواصل، منساقًا إلى وساوس الأبالسة التي أشعلت لهبًا خامدة من العدم، فقط لتنفّذ أمرًا بالتفريق.
حذفت ريم الرسالة وكأنها لم تكن، قررت أن تحافظ على كرامتها كإمرأة اختارت الإباء على حساب مشاعرها، وإن انفجر فؤادها حسرةً، وفي نفس الوقت طرقت والدتها الباب، ودلفت إلى الداخل ملتحفةً في عباءتها الزاهية، متجهزةً إلى الخروج مع زوجها إلى وليمة الأقارب. فرفعت الحقيبة على كتفها باستعداد، ما جعل ريم تجفّف دموعها في الحال، وتختبئ أسفل لحافها فتحتمي فيه من فضح انكسارها.
وقفت "أسماء" بالقرب من السرير بحزنٍ متخفي في ثباتٍ، وقالت بتأهُّب في صوتها:
_احنا رايحين عقيقة بنت هناء، لو هتيجي معانا البسي بسرعة وتعالي، أحسن ما تقعدي لواحدك!
ردّت "ريم" بضيقٍ عنيف يجتاح صدرها، معترضةً ألا تواجه البشر في ظروفٍ أرغمتها على الانقطاع:
_مش عايزة أروح في حتة، أنا هقعد هنا.
بحركةٍ سريعة استخرجت "أسماء" المال من حقيبتها، ووضعته على التسريحة بهدوء، وقالت بنبرةٍ تشعّ حنانًا:
_طيب عندك الفلوس على التسريحة، لو حبيتي تطلبي أكل دليفري، عندك أهي عشان احتمال نتأخر شوية.
خرج صوت "ريم" هزيلًا بلمسات الشجن القاسية، لتقول باستسلام:
_طيب ماشي.
وبينما تتحرّك "أسماء" إلى الخارج، قبضت على مقبض الباب، وارتفع حديثها عاليًا، مُقدمةً إلى ابنتها نصحًا نابعًا من قلب أم عَطوفة، وقالت:
_خدي بالك من نفسك، واقفلي الباب عليكي كويس من جوا يا ريم!
رفعت "ريم" الغطاء عن وجهها، ونهضت بتكاسُّل، وردّت:
_حاضر.
خرٌجت أسماء من المنزل وصكّت الباب وراءها، فوقفت ريم في شرفة البلكونة تتابع العائلة وهي تخرج من الدار لتركب السيارة، إذ كانت علياء تسير إلى جوار حماتها روحية، وراءهما أسماء، أما البقية فغادروا المنزل منذ ساعات.
وبعدما ركبن السيارة مع شوقي، غادرت بهم متجهين إلى منزل عائلة هشام لحضور العقيقة، فهي سُنة مؤكدة عن النبي ﷺ، يتم فيها تقديم ذبيحةٍ لله، فرحةً بميلاد مولود جديد في العائلة، شكرًا لله على عطاءه العظيم. فيُوزع اللحم فيها على الأقارب والجيران والمحتاجين، هذا من ناحية الشرع، أما بالنسبة لبعض العائلات، تضيف إليها احتفالًا بسيطًا لحفل سبوع المولود مع توزيع الحلوى بأنواعها وسط تهاني وتباريك الحاضرين.
خطّت ريم إلى باب الشقة لتوصده بإحكام من الداخل، فتؤمن حصنًا انشرخ أمانه بوجود الخسيسين بينهم، مَن ساهموا في دمار حياتها.
تمنت لو أن تقصيهم من حياتها للأبد، أو أنها هي من تهاجر إلى آخر بقعة في العالم لترتاح من أمثالهم المتدنية.
على جهة أخرى، كأن "عمرو" عاد من رحلة طويلة فقد فيها رشده، غطس في هاوية أفكار متعفنة، منح الشيطان تصريحًا بالتدخل في أموره الخاصة، أحسّ بدنه صُعق بندمٍ جليل. الصحوة الروحية أعادته إلى صوابه من جديد، محاولًا تذكر تفاصيل الانفصال ليلة عقد قرآنه على ريم، لكنه لم يتذكر أي شيء وكأنه كابوسٌ ذابت تفاصيله.
جلس على سريره داخل حجرته وإلى جواره أخته غادة، التي يشاركها كل أمور حياته، ويستشيرها في كل خطوة من رحلته، بسط يده على رأسه باختناق، وقال متندمًا:
_أنا مش فاكر أي حاجة حصلت، والله ما فاكر... بس اللي أعرفه إني حاسس بالذنب ناحية ريم أوي... ريم متستاهلش مني اللي حصل ده، أنا وهي كنا بنحلم باليوم ده من زمان....
ثم اعتدل في وضعية جلوسه، وأردف بعيونٍ لامعة بالشفقة:
_أنا كأني مُغيب، مش فاكر أي تفاصيل من ساعة ما خرجت من الأوضة، من اللحظة دي وكل حاجة اتمسحت من دماغي بأستيكة... أنا ازاي عملت كده يا غادة؟ ازاي بس؟!
ربّتت "غادة" بكفّها الحاني على ذراعه، ونظرت في عينيه باستياء، وقالت بدعمٍ أخوي طاهر:
_خلاص يا عمرو، كلامك ده مش هيرجع اللي فات، وبعدين ريم أنا مكنتش برتاحلها والموضوع ده زاد الفترة الأخيرة أوي... معرفش ليه بحس بخنقة وبطاقة سلبية لما بنقعد معاها في مكان، طب عارف؟ منى بنت عمها حاساها سلسة أكتر منها بكتير، روحها خفيفة ولطيفة في كلامها، والله لو ما كانت مخطوبة لكنا خطبنهالك، دي حتة سكرة!
أقصى "عمرو" الفِكر من ذهنه، وقابلها برفضٍ كأن حواسه تعترض الزواج منها قبل قلبه وعقله، فقال:
_لا منى ولا غيرها خلاص، أنا أصلًا مش عارف ازاي هيبقى ليا عين أكلم ريم ولا أفتح معاها كلام....
وبينما يُعبر عمّا يختلج في سريرته المضنية بالحزن، رنّ هاتفه بإشعار رسالة تطبيق المُراسلة، فتحه بفضولٍ والأفكار تتضارب في ذهنه، وجد رسالةً من مجهول تقول بغضبٍ انتقامي:
_في ستين داهية يا عمرو، عملتلي بلوك بعد ما فضحتني وخليت وشي في الأرض من الناس؟ إنت اللي زيك مينفعش يخطب ويتجوز، اللي زيك آخره يقعد جنب أمه تنضفله راسه من الأفكار المريضة بتاعته، إنت أحقر بني آدم شوفته في حياتي، يا ريتني ما دخلتك حياتي ولا عرفتك... إنت مش إنسان إنت شيطان، ربنا ينتقم منك واللي عملته فيا يقعدلك في أخواتك البنات اللي إن شاء الله هيعنسوا ومش هيلاقوا حد يبص في وشهم بسببك.
غَلفت الصدمةُ بدن عمرو، فتسمّر بلا حركة، فكانت الرسالةُ تحمل مسبةً عظيمةً تلاصق كل كلمة، ما جعل ندمه يتبدّد لتصيبه عاصفة من الغضب، فدفَعَت "غادة" يده والتقطت الهاتف لتقرأ الرسالة بنفسها، فارتسم السخطُ على ملامحها، حتى وضعت الهاتف جانبًا وقالت بحنقٍ متفجّر:
_هي دي اللي إنت ندمان إنك سيبتها؟ أنا متخيلتش إنها مش متربية للدرجة دي، عرفت إنها متستاهلش لحظة إنك تندم عليها؟ ده لو في قلبك ذرة حب المفروض من اللحظة دي إنك تكرهها... أنا بجد مشوفتش وقاحة كده....
ثُمَّ رفعت هاتفه، وكتبت بغضبٍ عارم:
_والله أنا من أول يوم وأنا مش مرتاحالك وقلبي بيقولي إن وراكي كوارث، إنتي المفروض تحمدي ربنا ألف مرة وتصلي شُكر لله إنك كنتي في حياته في يوم من الأيام، إنتي اللي أحقر إنسانة شوفتها، عمرو ده برقبتك إنتي وعيلتك كلها، ولو هو سكت على الإهانة، أخته الكبيرة عمرها ما هتسكت، الحمدلله بجد إنك خرجتي من حياتنا.
وحَظرتْها بأصابعٍ ترتجف امتعاضًا، ثم وضعت هاتفَ عمرو جانبًا، واسترسلت تنصحه قائلةً:
_خلاص يا عمرو، الموضوع ده انتهى، وأنا في خلال يومين هبعت أجيب دهبك من عندهم، وربنا يعوض عليك يا حبيبي في اللي إنت شوفته منها.
خرجت "غادة" من غرفة النوم متجهة إلى حجرتها، تاركةً عمرو غارقًا في أحزانه التي لم يعد يقوى على مواجهتها. وفي اللحظة ذاتها، اهتزَّ هاتف ريم بين يديها على غير توقّع، لتجد رسالة واردة من رقمٍ مجهول، تقول:
_إنتي متستاهليش إنك تكوني في حياة عمرو ثانية واحدة، ربنا علشان بيحبنا كشفلنا حقيقتكم أحسن ما كان يعيش مع ناس معندهاش أخلاق زيكم، ناس كل نفس بتتنفسه كدب في كدب، أخويا ده أحسن من عيلتكم كلها، كل البنات تتمنى تنول الشرف ويرد عليهم بس، وإنتي هنا مقدرتيش نعمة ربنا ليكي، ويا ريت مشوفكيش ولو صدفة، احنا ميشرفناش نقابل أمثالك.
خرجت "ريم" عن شعورها، وقررت أن تتصل بالرقم لتملي عليه شجارها بعد الحديث الجارح الذي اخترق سكونًا سعت إليه طويلًا، لكن بلا جدوى؛ فكلما أجرت اتصالًا وجدت الرقم مغلقًا بلا أي استجابة، حتى إنه حظرها عن المراسلة، مما جعل النيران تشب في صدرها بغيظٍ حارق. بدأت تنتحب بحرارة، وتسأل نفسها في ذهول، قائلة:
_أنا؟ أنا؟ عملت إيه؟ أنا اللي بقيت وحشة دلوقتي يا رب؟ بعد اللي عمله فيا بقيت أنا اللي وحشة؟!
وقفت إزاء المرآة بجسدٍ مرتجف، تنظر إلى ملامحها المتجهمة، وعيونها المحمرتين من البكاء، متابعة بعتابٍ كمن جنّ جنونه ليخاطب مجهولًا بصراخٍ:
_هو إيه اللي بيحصلي ده؟ ازاي حياتي واقفة بالشكل ده من سنين السنين ومفيش أي حاجة حرفيًا بتمناها بتحصلي؟ عملت إيه يا رب عشان أتعاقب عقاب شديد على حاجة أنا معملتهاش؟ أنا مش فاهمة... بجد مش فاهمة، ليه أنا لأ وكل الناس أه، كل الناس عايشة حياتها وسعداء إلا أنا يا رب!
ونطقت بصراخٍ، مرددةً وهي على شفة الخَبال:
_ليه أنا؟ الدنيا عايزة مني إيه؟ ارحمني يا رب وارحم ضعفي، خلاص مبقتش قادرة، والله ما قادرة.
أصغّت ريم إلى نغمة الإشعار في هاتفها، واتجهت إلى سريرها بقدمين ينقشان الحزن على الأرض في كل خطوة، وجلست على السرير بثيابٍ ابتلعت دموع القهرِ، وقبضت على هاتفها بأناملٍ مُرتجفة فلم تستطع مُواجهة هموم أعظم من حجمها في حياة أبدعت في تدميرها بشتى الوسائل الممكنة، حتى وجدت طلب صداقة من أحد أقارب منى، شابًّا مدعوًا "إسلام"، ذاك الذي حضر عزاء الجد شُعيب من قبل برفقة والده وأخيه.
لم تلتفت إلى الاسم كثيرًا بقدر ما فتحت صورته الشخصية لتجده من الأقارب المُتباعدين، واقفًا بين أشجار الطبيعة بحركة شبابية ظريفة. لم تفهم سبب إرساله طلبًا إليها دونًا عن غيرها، فقررت أن تتجاهل الطلب، وغاصت في أحزان استحوذت عليها وكأنها أسيرة لها بلا حقوق.
بينما بين أجواء الفرح وبهجة العائلة بمولود جديد في أسرة هشام، الطفلة "ماسة" بعمر شهرين وأيام، أعدوا إلى جانب الدار شادرًا للطاهي ومعاونيه الذين أبدعوا في صُنع أنواعًا متنوعة من عقيقة المولود، احتفالًا بميلادها الذي أضاف سرورًا ومحى الظلام بوجودها.
وكان على جانبي الشادر كراسي مُتراصة بجوار بعضها، والأنوار متعلقة بألوانٍ زاهية تنوعت بين –الأحمر، الأخضر، الأصفر، وغيرهم–، وروائح الطعام كأنها شذى يقتحم الأنوف بروعة اللّذات، كروائح اللحوم والدجاج المشويين، والأرز بألوانه البَديعة، والمعكرونة بالبشاميل، والخضار المطهو بالصلصة، وغيرها من الأصناف المتنوعة التي ازدانت بها الطاولات وكأنها لوحات متميزة من الأطعمة.
وصلت السيارة بشوقي والنساء، فنزل الجميع منها، وشوقي يساند والدته روحية، كان يدًا داعمة لها في عجزها. بدأوا يتحركون نحو رجال العائلة رويدًا حتى اتصلت الأرحام ببعضها، وكلٌ يصافح الآخر بإعزاز. وبينما "شوقي" يُعانق هشام معانقةً حارة، مُقدمًا إليه التباريك، قال بفرحٍ:
_مبروك يا هشام، تتربى في عزك، عقبال كده لما تكبر ونحضر فرحها.
ابتسم "هشام" بسرورٍ، وقال بكلماتٍ لا يضاهيها فرحٌ:
_الله يبارك فيك يا عم شوقي... تعالوا اتفضلوا!
تراقصت الزغاريد على ألسنة بعض النساء، فتحرّكت نساء العائلة إلى داخل المنزل، ليقدمن التباريك إلى والدة هشام وهناء بنفسٍ صافية تتمنّى حُلول الخيرات. فيما جلس شوقي مع الرجال في الخارج تحت سماء أمطرت سعادةً غامرة، وبينما الحياة تعجّ بالاحتفال، عانقت "أسماء" حنان، قائلةً بتهنئة:
_مبروك يا أم هشام، عقبال ما تجوزي ولاد ولادك يا رب، وتفرحي بيهم كلهم.
ردّت "حنان" بقلبٍ نابض بالمحبة، قائلةً بوداد:
_الله يبارك فيكي يا حاجة، تسلميلنا يا رب.
عانقت "أسماء" ابنة أخو زوجها المدعوة هناء، وربّت على ظهرها بحنان، على الرغم من قبضة القلب العنيفة التي هزّت كيانها. أحست بهَبةٍ ساخنة تقبض على روحها بلا سبب، لكنها تجاهلت مشاعرها، وقالت بابتسامةٍ تتعارض عما يختلج في روحها:
_ألف مبروك يا هناء.
ردّت "هناء" ببسمةٍ باهتةٍ لا تكاد تُرى، وكأن ما يطوف في وجدانها طفح على ملامحها المتجهمة:
_الله يبارك فيكي.
ظلّت علياء وأسماء تدوران لمُصافحة النساء في المكان، واحدة تلو الأخرى، حتى جلستا بجوار روحية، والثلاثة على أريكة واحدة. إذ اختفت هناء لثوانٍ ودلفت إلى الحجرة لتحضر صغيرتها ماسة الغافية في نومٍ هادئ بين ثنايا الغطاء الناعم، وبمجرد أن تحركت بها إلى الخارج تزايدت زغاريد النساء مسرةً برؤيتها، حتى وقفت والدتها بها قبالة جدتها روحية، ووالدتها علياء، وزوجة عمها، فظهر الانبهار على الوجوه على الرغم من أنهم رأوها في السابق مرتين، لكن ملامحها قد تغيّرت للأفضل كثيرًا لتصبح نسخةً مستحدثة من والدتها، وقد نطقت "روحية" بدهشةٍ وهي تلامس وجهها برفق:
_ما شاء الله... اللهم بارك، هاتيها أرقيها!
وبينما الجدة روحية تحمل حفيدة ابنها عصام، رمقتها "أسماء" ببسمةٍ لطيفة، وقالت:
_ما شاء الله، ربنا يباركلكم فيها ويحفظها من كل شر.
ردّت "علياء"، وظلال الفرح ينعكس على ملامحها بسرورٍ، قائلة:
_الله يخليكي يا أسماء، عقبال ما تجوزي ريم وتشيلي ولادها يا رب.
نظرتْ أسماء لها باستياءٍ واكتفت ببسمةٍ خفيفة على شفتيها، تنسُتر وراءها جروحًا غائرة على ابنتها التي نُزعت عنها الحياة، لم تُقترف ذنبًا سوى أنها وثقت في أفاعٍ سامةٍ لن تتغير طبيعتُها أبدًا وإن أطعمتهم أطنانًا من العسل، وفي سريرتها تمنت ريم لو أن تحصد يومًا ما انتظرته طويلًا في زراعتها.
تخفّتْ منى بين جدران الغرفة، موصدةً الباب وكأنها اعتزلت عن العالم برمته لتسكن في وحدتها مع هاتفها، غير مكترثةٍ بمساعدة النساء بقدر ما اكترثتْ بمخاطبة خطيبها عبر الهاتف، ذاك الذي عاد من خدمته العسكرية في إجازة قصيرة لأيام، وقد كان على مشارف اختتامها بعد ثلاثة أعوام داخل أواصر الجنود المتباعدين عن عائلاتهم تحت هيمنة حكمٍ عسكري نافذ.
بلغت الساعة العاشرة ليلًا، ورمزي لا يزال منغرسًا في أعماق نفق إيبار، اجتاز العديد من المهام الشاقة حتى هَلَك بدنه بغمرةٍ من الإرهاق. وصل إلى حجرةٍ ملآنةٍ بكتبِ اللعنة المتنوعة بين أشكالٍ وألوانٍ عدة.
السحر الأسود الذي عاشه قصيان غمّر كل من يرافقه في أسفاح مظلمة، قد تمدّد بليونةٍ إلى كل مَن خطر على باله فِكر العُبور، لم يكن سحرًا عاديًا بل امتدادًا من أجيالٍ قديمة أحيت على قوة الشر من ساحرٍ سوداني دميم، سيماه على وجهه، وكل من رآه ولو على مسافاتٍ متنائية وصلَه طوفانٌ ناري، وكأن هذه السلالة أحطابُ جهنم المتقدة.
اللعنة لم تبدأ بقصيان قط، بل بالجدة العُظمى "زليخة"، ساحرة بدأت حكايتها في دولة المغرب عام ١٨٧٥م. نشأت على ممارسة الأعمال باحترافية متناهية، وجدت فيها جمامًا واعتبرتها هوايةً تنفث فيها عن معاناتها، وأيضًا وسيلةً انتقاميةً شنيعة ضد كل من يتجاسر على حدودها الشخصية.
امرأةٌ فاتحة البشرة أحبّت سودانيًا ووقعت فريسة لمشاعرها، جذبته إليها بسيطرةٍ روحانية لم يكن له يدٌ فيها، حاول مرارًا أن ينفذ بجلده قبل أن تنحدر الفأس على الرأس، كارهًا أن تكن نهايته خاضعًا لحبٍ متحكم، وكأنه دميةٌ تحركها كما تشاء وفقًا لأهوائها.
مرت الليالي فوجد ذاته أبًا لطفلٍ بمثابة وصالٍ بينهما، كأنما رُبط جوارها مدى الحياة بعقلٍ غاب تحت تأثير السحر، زليخة التي سلطت عليه أمراضًا خبيثة حتى الممات، ظلت محتفظةً بطفلها قصيان إلى أن انبثق إلى الحياة، لتعلّمه أصولَ مهنتها وتنقل إليه خبراتها وعلمها الذي لا ينفع.
الحكاية لم تُروى بهذا اليُّسر، بل اعتمدت على حصافةِ رمزي لتفكيك الرموز المكتوبة ليستطع دراية بداية اللعنة، فكلما تعمَّق في نفق إيبار اكتشف ما كان كفيلًا أن يُشيب رأسه ذعرًا.
ترك "رمزي" الكتاب جانبًا، وأذناه تصغيان لموسيقى مجهولة كأنها انفجرت له من بين الجدران، صدى ناءٍ، وكلما اقترب منه ازداد وضوحًا، حتى وقف قبالة جدارٍ هزيل، رُسم عليه حرف الإكس باللون الأسود بالإنجليزية، وفي نهايته خيطٌ أسود لا يكاد يظهر بين قتامة الحرف. فمد رمزي يده وبدأ يجذبه، فوجده يزال كأنه شريطٌ لهديةٍ تحمل مفاجآت أكثر غرابة.
الآن اتسعت الفجوة فأدخل ذراعه يحاول إيجاد مقبضٍ يعينه على فتح الجدار، حرك ذراعه في كل الاتجاهات بتعثُّر، إلى أن وجد المقبض فاتَّكأ عليه وجذبه لأسفل وبدأ يحركه في كل الاتجاهات، إلى أن انفتح جدارٌ بعيد لبهوٍ رحيب، لا يوجد فيه سوى حاضنةٍ زجاجية معتمة بالأسود، وحولها مكابسٌ بألوان مختلفة أزادته حيرةً.
لم يجد حلًا سوى أنه يفتتح كتابه ويتلفظ شفيراته الخاصة، لتظهر له الإجابة بوضوح، متمتًا بنبرةٍ خافتة:
_كايلور، زاروا، فولينتير!
وأغلق جفنيه بهدوءٍ وتابع في تعاويذه بصمتٍ حتى أذناه لم تصغِ لهذه الكلمات، فبدأت الكلمات الدموية تظهر على الورقة، وهي تقول:
"انقش علامة الخطأ على الزجاج ثلاث مرات، وأخبرنا بما يشعره قلبك ويدلك عليه!"
استخرجَ رمزي أداةً حديديةً صغيرة من جيب جلبابه، ونقش علامة الخطأ على الزجاج كما كُلف تمامًا بدقةٍ متناهية، محاولًا استغلال الثلاث فُرص لتنتهي العملية بسلامٍ. وبعدما أنهى المطلوب، أسقط نظره على صفحة الكتاب مجددًا، فوجد الكلمات تُكتب:
"الزر الأحمر، الأسود، الأحمر، الأحمر، الأصفر!"
كلما ضغط "رمزي" على المفاتيح المعدنية، وجد صعوبةً في تتابعها سريعًا، ما جعله يُعيد العملية مرارًا وتكرارًا بإصرارٍ لا ينكسر، ثلاثةُ دقائق من السعي لحل الأزمة، وفجأة انفتح الزجاج، وكانت الكارثة عظيمةً، كأنها كسرت ظهره نصفين، وأطفأت ضياء الحياة في عينيه.
والدته فطيمة! التي عاشت من أجل أن ترى بريق السعادة في عينيه، وتحملت من أجله ما لا يُحتمل، بدلًا من أن تُكرم بالدفن في ختامها، خرجت إلى هذا العالم مفقودة الأعضاء، حُنطت بمواد قاسية، وتُركت أعوامًا داخل الزجاج. لم يستطع رمزي تحمل المشهد المأسوي، ما جعله ينقض عليها بصراخٍ عالٍ، وهو يقول:
_أمي! أمي! يا أمي!
ازداد "رمزي" نواحًا كالصريعِ الفاقدِ عقله، يرجوها بنواحٍ عالي، تضاربت موجاته في هوةٍ مظلمة بأبعد نقطةٍ في أعماق الأرض. دبدب بقدميه في الأرض، مستدير الرأس إلى اتجاهٍ آخر من بشاعة المنظر، بدأ يقفز بجنونٍ ويطأ بيديه في الجدران بلا وعي، إلى أن انشق جلده وخرجت الدماء، وهو ما زال مستمرًا في الصراخ، قائلًا:
_لا يا أبوي، لا! ليش سويت هيك؟ ليش أخذتها وهي متكرمة في تربتها عشان تحطها هان؟ ليش تعذبنا ومصمم عخرابنا؟!
ثم استدار ناحيةٍ أخرى، وهو يلهثُ من الألم النفسي الذي اجتاحه دون سابق إنذار، وأردف:
_ليش يا أبوي، ليش؟ عشان إيش كل اللي تسويه فينا ذا؟ دمرت أمي ودمرتني معها...
لامس والدته بإعوالٍ حار، وكأنه عاد إلى صبوته كصغيرٍ متشبث بأحضانها، متألمُ من هجرانها، مسترسلًا باستياءٍ قاتل:
_أمي... يا أمي... أمي بموت، ما أقدر أتحمل أشوفك كذا، بموت يا أمي....
مال برأسه على صدرها، وهو ينتحب كالطفل الصغير، مسترسلًا بموجاتٍ صوتيةٍ عالية اخترقت السكون:
_ولدك شاب من القهر وهو لسه شاب يا أمي، ولدك يموت كل يوم من الحزن، وما يعرف يعيش، وحشتيني، ما كنت أبغي أشوفك بهالشكل يا أمي، إذا تحسي النار اللي چوّا قلبي بتعرفي قديش تعبان، حقك رح أچيبهولك وما بخليكي تتعذبي حتى وإنتي ميتة، يا أمي تعبان... ما أقدر....
ثم جذبها محاولًا إخراجها من النفق، ظنًا منه أن الأمر بهذا اليُّسر، لم يكن يعلم أنها باتت جزءًا لا يتجزأ من النفق، وجلاءها بمساعدته يعني هلاكًا محتمًا له.
وبينما يحركها برفق ويبكي في أحضانها بلا دموع، كأن حزن السنوات ابتلع مخزون الدموع حتى جف، وبمجرد أن خطا ليعبر بها من الباب، رجَّ الزلزال نفق إيبار رجًا. بدأت الأحجار بغبارها تتساقط فوقهما، فانحدر رمزي على الأرض مع والدته، وفتح كتابه بسرعة، وقرأ الكلمات المكتوبة:
"إن أردت السلامة، فلتخرج بثوبك، وإن لم ترغب سيتحطم كل شيء ليجعلكما أجزاءً من ركامٍ لا يُذكر."
طوق رمزي الصفحة بلا اكتراث، مستمعًا لأوامر قلبه الذي دفعه بوالدته خارج البهو، يحملها بجسدٍ ينزف استياءً لفقدانها بهذا الشكل المأسوي. عبر بها من بوابتين، والثالثة انصكت، فاضطر أن يفتح الورقة المطوقة في كتابه، فوجدها تطلب منه إعادة فطيمة إلى موضعها. لكنه، وقتما طغت عليه شخصيته العنيدة، جذبها في اتجاهٍ مغاير، والجدران لا تزال تهتز من وطأة ثوران الحارس. افتتح رمزي ورقةً أخرى، فانصدم بما رأته عيناه: اللعنة أصابت من لا يد لها في الوضع الشاق:
"نفذت ما ترغب، هكذا؟ أخبرني إن كان فؤادك يتحمل رؤية المحبوبة تحكمها الآن القوى الأعظم 'أورثيم'. لا تبكِ، فلا يزال البكاء قادمًا بشدة بعد قليل!"
أعاد رمزي والدته داخل الزجاج، وفرّ سريعًا إلى الخارج يتخبط بين الجدران المتضاربة على رأسه وذراعيه. ظل السقف يميل لأسفل كاد أن يكبسه بعنف، فسقط على الأرض وزحف مسافة خمس مرات على بطنه إلى أن مرّ من أنبوبٍ ضيق بتعجُّل، حتى خرج إلى مساحةٍ واسعة، فنهض مستقيمًا، وخطى مهرولًا.
ظل لساعة ونصف يسير بصراخٍ مزلزل الأركان، ناظرًا في كتابه بين كل حينٍ والآخر، متفاديًا المتاهات، وهو يحاول أن يخرج في أقرب وقت ممكن، كأنها ساعاتٌ من الارتياع. لكنه مَن تعدّى حدودهم منذ البداية، وهو الذي عليه مسؤولية التحمل مما سيكتشفه من كوارث شنيعة.
خرج من نفق بيارون أخيرًا، لكنه يتحرك بنواحٍ داخلي يتردد باسم چيهان. خطا في الشوارع بسرعةٍ كمن يلاحق لصًا، والعيون جميعها مصوبة نحوه في دهشة. وبعد دقائق وصل إلى المنزل وصعد كمن يلاحق الزمان، دخل المنزل بوجهٍ متعرق وبدنٍ مرتعش من هول القلق، متمنيًا أن لا يقع ما يخشاه.
مرّ بخطواتٍ هادئة أمام حجرة چيهان، فوجدها واقفةً على حافة السرير، مميلةً رأسها لأسفل في غموض، لا تنظر ولا تتحدث وكأنها على غير طبيعتها. اقترب منها بخُطى احتراسية، ناظرًا لها بترقب، وإلى أن اقترب، تفجّر المنزل بصراخٍ عنيف كجرس إنذار عن مخاطر تهدد حياتهما.
يتبع....
الكاتبة رانيا عمارة